حد شارب الخمر

  • في البداية سنقوم بتعريف الخمر وهو: كل شئ قام بتخمير العقل أي لايكون بكامل قدرته، وقواه العقلي، يُعّرف أنه كل ما خَامَرَ العقل، أي غطاه من أي مادة كان.

وفي الشرع تم تعريفه بأنه :هو كل ما قام بتذهيب العقل واسكاره سواء كان سببه عصيراُ أو شمبانيا من العنب أو أي شئ آخر . والشئ المُسكِر هو: ما يجعل الانسان الذي يشربه سكراناً، وهو لا يقدر على فعل أي شئ بكامل عقله.

  • حُكم شارب الخمر : لقد قام الدين الإسلامي الحنيف بتحريم الخمر تحريماً شرعياً، هو وكُّل المسكِرات،فكُّل مسكر حرام  من قليله أو كثيره، ويعد كَبيرة من الكبائر ؛لقوله تعالى:(يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا إِنَّمَا الْخَمْرُ وَالْمَيْسِرُ وَالْأَنْصَابُ وَالْأَزْلَامُ رِجْسٌ مِنْ عَمَلِ الشَّيْطَانِ فَاجْتَنِبُوهُ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ) [المائدة: 90].

وهناك دليل آخر وهو :حديث عائشة رضي الله عنها: أن رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قال: (كل شراب أسكر فهو حرام). وعن ابن عمر رضي الله عنهما مرفوعاً: (كل مسكر خمر، وكل خمر حرام). و يوجد الكثير من الأحاديث التي تناولت تحريم تناول الخمر،والتنفير منها، إضافة إلى ذلك قد أجمعت الأُّمّة العربية بتحريمها.

  • الحكمة من تحريمها:

لقد أنعم الله على الإنسان بالكثير من النعم التي لا تعد ولا تحصى، فقد قام بتفضيل الإنسان عن باقي المخلوقات بالعقل، وبسبب جعل الخمر يفقد الإنسان عقله، ومن الآثار التي تفعلها نتائج الخمر هو إثارة الشحناء والكره بين المؤمنين، وتلهينا عن ذكر الله، وتصدنا عن الصلاة، و للخمر أخطار كبيرة وشرها كبير، فهي من أفضل الأعمال المفضلة للشيطان؛ لأنها تقوم بالإضرار بالأمة الإسلامية كلها و قال الله تعالى: {إِنَّمَا يُرِيدُ الشَّيْطَانُ أَنْ يُوقِعَ بَيْنَكُمُ الْعَدَاوَةَ وَالْبَغْضَاءَ فِي الْخَمْرِ وَالْمَيْسِرِ وَيَصُدَّكُمْ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ وَعَنِ الصَّلَاةِ}[المائدة: 91].

  • حد من يشرب الخمر :

وقد وُضِع حد من يشرب الخمر ثمانين جلدة، وقيل أنه قد يكون أربعين جلدة، حيث قيل أنه إذا جَلدوا شارب الخمر أربعين جلدة ولم يرتدع، لحديث علي بن أبي طالب رضي الله عنه في قصة الوليد بن عقبة: (جلد النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أربعين، وأبو بكر أربعين، وعمر ثمانين، وكلٌّ سنَّةٌ، وهذا أحب إليَّ)، ولحديث أنس رضي الله عنه: (أن النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كان يضرب في الخمر بالنعال والجريد أربعين).

  • ويثبت حد الخمر بأمرين :

1) يجب أن يُقرّ أنه يشرب الخمر.

2) أن يشهد رجلين مسلمين على أنهما رأيا الرجل يشرب الخمر .

  • ومن الشروط التي تقع على شارب الخمر :

1) أن هذا الحد لا يقع على الكافر بل على المسلمين.

2)أنه لا يقع حد على الصبي، فيجب أن يكون بالغ عاقل.

3)أنه لا يقع الحد على المجنون، بل يجب أن يكون عاقل.

4)لا حد يقع على المُكره أو الناسي، بل يجب أن يكون مختاراً، ودليل على ذلك قول الرسول صلى الله عليه وسلم  (إن الله تجاوز لأمتي عن الخطأ والنسيان، وما استكرهوا عليه).

5) أنه لا يقع الحد على الذي لا يعلم أنه يشرب الخمر، بل يجب أن يكون عالم بشربه.

عن الخمر

الطريفي: استحلال شرب الخمر من علامات الساعة.. ومستحله كافر

المستشار النفسي الحارثي يردّ على استحلال بن بخيت للخمر

الشيخ المنجد يفند تغريدة الخمر لابن بخيت بفتاوى شرعية

 

النبيذ

نبذ (لسان العرب)
النَّبْذُ: طرحك الشيء من يدك أَمامك أَو وراءك. نَبَذْتُ الشيء أَنْبِذُه نَبْذاً إِذا أَلقيته من يدك، ونَبَّذته، شدد للكثرة.
ونبذت الشيء أَيضاً إِذا رميته وأَبعدته؛ ومنه الحديث: فنبذ خاتمه، فنبذ الناس خواتيمهم أَي أَلقاها من يده.
وكلُّ طرحٍ: نَبْذٌ؛ نَبَذه يَنْبِذُه نَبْذاً.والنبيذ معروف، واحد الأَنبذة.
والنبيذ الشيء والمنبوذ: والنبيذ: ما نُبِذَ من عصير ونحوه.
وقد نبذ النبيذ وأَنبذه وانتبَذه ونَبَّذَه ونَبَذْتُ نبيذاً إِذا تخذته، والعامة تقول أَنْبَذْتُ.
وفي الحديث: نَبَّذوا وانْتَبَذُوا.
وحكى اللحياني: نبذ تمراً جعله نبيذاً، وحكى أَيضاً: أَنبذ فلان تمراً؛ قال: وهي قليلة وإِنما سمي نبيذاً لأَن الذي يتخذه يأْخذ تمراً أَو زبيباً فينبذه في وعاء أَو سقاء عليه الماء ويتركه حتى يفور فيصير مسكراً.
والنبذ: الطرح، وهو ما لم يسكر حلال فإِذا أَسكر حرم.
وقد تكرر في الحديث ذكر النبيذ، وهو ما يعمل من الأَشربة من التمر والزبيب والعسل والحنطة والشعير وغير ذلك. يقال: نبذت التمر والعنب إِذا تركت عليه الماء ليصير نبيذاً، فصرف من مفعول إِلى فعيل.
وانتبذته: اتخذته نبيذاً وسواء كان مسكراً أَو غير مسكر فإِنه يقال له نبيذ، ويقال للخمر المعتصَرة من العنب: نبيذ، كما يقال للنبيذ خمر.
ونبذ الكتاب وراء ظهره: أَلقاه.
وفي التنزيل: فنبذوه وراء ظهورهم؛ وكذلك نبذ إِليه القول.
والمنبوذ: ولد الزنا لأَنه يُنبذ على الطريق، وهم المَنَابذة، والأُنثى منبوذة ونبيذة، وهم المنبوذون لأَنهم يُطْرحون. قال أَبو منصور: المنبوذ الذي تنبذه والدته في الطريق حين تلده فيلتقطه رجل من المسلمين ويقوم بأَمره، وسواء حملته أُمّه من زنا أَو نكاح ولا يجوز أَن يقال له ولد الزنا لما أَمكن في نسبه من الثبات.
والنبيذة والمنبوذة: التي لا تؤكل من الهزال، شاة كانت أَو غيرها، وذلك لأَنها تنبذ.
ويقال للشاة المهزولة التي يهملها أَهلوها: نبيذة.
ويقال لما يُنْبَثُ من تراب الحفرة: نبيثة ونبيذة، والجمع النبائث والنبائذ.
وجلس نَبْذةً ونُبْذَةً أَي ناحية.
وانتبذ عن قومه: تنحى.
وانتبذ فلان إِلى ناحية أَي تنحى ناحية؛ قال الله تعالى في قصة مريم: فانتبذت من أَهلها مكاناً شرقيّاً.
والمنتبذ: المتنحي ناحية؛ قال لبيد: يَجْتابُ أَصْلاً قالصاً، مُتَنَبّذاً بِعُجُوبِ أَنْقاءٍ، يَميلُ هَيَامُها (* قوله «متنبذاً» هكذا بالأصل الذي بأيدينا، وهو كذلك في عدة من نسخ الصحاح المعتمدة في مواضع منه وهو لا يناسب المستشهد عليه، وهو قوله: والمنتبذ المتنحي إلخ، فلعله محرف عن المتنبذ وهو كذلك في شرح القاموس.) وانتبذ فلان أَي ذهب ناحية.
وفي الحديث: أَنه مر بقبر مُنْتَبِذ عن القبور أَي منفرد بعيد عنها.
وفي حديث آخر: انتهى إِلى قبر منبوذ فصلى عليه؛ يروى بتنوين القبر وبالإِضافة، فمع التنوين هو بمعنى الأَول، ومع الإِضافة يكون المنبوذ اللقيط أَي بقبر إِنسان منبوذ رمته أُمّه على الطريق.
وفي حديث الدجال: تلده أُمّه وهي مَنْبُوذة في قبرها أَي مُلْقاة.
والمنابذة والانتباذ: تحيز كل واحد من الفريقين في الحرب.
وقد نابذهم الحربَ ونَبَذَ إِليهم على سواء يَنْبِذ أَي نابذهم الحرب.
وفي التنزيل: فانبذ إِليهم على سواء؛ قال اللحياني: على سواء أَي على الحق والعدل.
ونابذه الحرب: كاشفه.
والمُنابذة: انتباذ الفريقين للحق؛ تقول: نابذناهم الحرب ونبذنا إِليهم الحرب على سواء. قال أَبو منصور: المنابذة أَن يكون بين فريقين مختلفين عهد وهدنة بعد القتال، ثم أَراد نفض ذلك العهد فينبذ كل فريق منهما إِلى صاحبه العهد الذي تهادنا عليه؛ ومنه قوله تعالى: وإِما تخافن من قوم خيانة فانبذ إِليهم على سواء؛ المعنى: إِن كان بينك وبين قوم هدنة فخفت منهم نقضاً للعهد فلا تبادر إِلى النقض حتى تلقي إِليهم أَنك قد نقضت ما بينك وبينهم، فيكونوا معك في علم النقض والعود إِلى الحرب مستوين.
وفي حديث سلمان: وإِن أَبيتم نابذناكم على سواء أي كاشفناكم وقاتلناكم على طريق مستقيم مستوفي العلم بالمنابذة منا ومنكم بأَن نظهر لهم العزم على قتالهم ونخبرهم به إِخباراً مكشوفاً.
والنبذ: يكون بالفعل والقول في الأَجسام والمعاني؛ ومنه نبذ العهد إِذا نقضه وأَلقاه إِلى من كان بينه وبينه.
والمنابذة في التَّجْر: أَن يقول الرجل لصاحبه: انْبِذ إِليّ الثوب أَو غيره من المتاع أَو أَنبذه إِليك فقد وجب البيع بكذا وكذا.
وقال اللحياني: المنابذة أَن ترمي إِليه بالثوب ويرمي إِليك بمثله؛ والمنابذة أَيضاً: أَن يرمي إِليك بحصاة؛ عنه أَيضاً.
وفي الحديث: أَن النبي، صلى الله عليه وسلم، نهى عن المنابذة أَن يقول الرجل لصاحبه انبذ إِليّ الثوب أَو غيره من المتاع أَو أَنبذه إِليك وقد وجب البيع بكذا وكذا. قال: ويقال إِنما هي أَن تقول إِذا نبذت الحصاة إِليك فقد وجب البيع؛ ومما يحققه الحديث الآخر: أَنه نهى عن بيع الحصاة فيكون البيع معاطاة من غير عقد ولا يصح.
ونبيذة البئر: نَبِيثَتُها، وزعم يعقوب أَن الذال بدل من الثاءِ.
والنَّبْذ: الشيء القليل، والجمع أَنباذ.
ويقال: في هذا العِذْق نَبْذٌ قليل من الرُّطَب ووخْرٌ قليل، وهو أَن يُرْطب في الخطيئة (* قوله «أن يرطب في الخطيئة» أَي أن يقع ارطابه أي العذق في الجماعة القائمة من شماريخه أَو بلحه فإن الخطيئة القليل من كل شيء.) بعد الخطيئة.
ويقال: ذهب ماله وبقي نَبْذٌ منه ونُبْذَةٌ أَي شيء يسير؛ وبأَرض كذا نَبْذٌ من مال من كلإٍ.
وفي رأْسه نَبْذٌ من شَيْب.
وأَصاب الأَرض نَبْذٌ من مطر أَي شيء يسير.
وفي حديث أَنس: إِنما كان البياض في عنفقته وفي الرأْس نَبْذٌ أَي يسير من شيب؛ يعني به النبي، صلى الله عليه وسلم.
وفي حديث أُمّ عطيَّة: نُبْذَةُ قُسْطٍ وأَظفارٍ أَي قِطْعَةٌ منه.
ورأَيت في العِذْقِ نَبْذاً من خُضْرَة وفي اللحية نَبْذاً من شيب أَي قليلاً؛ وكذلك القليل من الناس والكلإِ.
والمِنْبَذَةُ: الوِسادَةُ المُتَّكَأُ عليها؛ هذه عن اللحياني.
وفي حديث عديّ بن حاتم: أَن النبي، صلى الله عليه وسلم، أَمر له لما أَتاه بِمِنْبَذَةٍ وقال: إِذا أَتاكم كريم قوم فأَكرموه؛ وسميت الوِسادَةُ مِنْبَذَةً لأَنها تُنْبَذُ بالأَرض أَي تطرح للجلوس عليها؛ ومنه الحديث: فأَمر بالسَّتْرِ أَنْ يُقْطَعَ ويُجْعَلَ له منه وسادتان منبوذتان.
ونَبَذَ العِرْقُ يَنْبِذُ نَبْذاً: ضرب، لغة في نبض، وفي الصحاح: يَنْبِذُ نَبَذاناً لغة في نبض، والله أَعلم.

لبن (لسان العرب)
اللَّبَنُ: معروف اسم جنس. الليث: اللَّبَنُ خُلاصُ الجَسَدِ ومُسْتَخْلَصُه من بين الفرث والدم، وهو كالعَرق يجري في العُروق، والجمع أَلْبان، والطائفة القليلة لَبَنةٌ.
وفي الحديث: أَن خديجة، رضوان الله عليها، بَكَتْ فقال لها النبي، صلى الله عليه وسلم: ما يُبْكِيكِ؟ فقالت: دَرَّت لَبَنةُ القاسم فذَكَرْتُه؛ وفي رواية: لُبَيْنةُ القاسم، فقال لها: أَما تَرْضَيْنَ أَن تَكْفُلَهُ سارة في الجنة؟ قالت: لوَدِدْتُ أَني علمت ذلك، فغضبَ النبي، صلى الله عليه وسلم، ومَدَّ إصْبَعَه فقال: إن شئتِ دَعَوْتُ الله أَن يُرِيَك ذاك، فقالت: بَلى أُصَدِّقُ الله ورسوله؛ اللَّبَنَةُ: الطائفة من اللَّبَنِ، واللُّبَيْنَةُ تصغيرها.
وفي الحديث: إن لَبَنَ الفحل يُحَرِّمُ؛ يريد بالفحل الرجلَ تكون له امرأَة ولدت منه ولداً ولها لَبَنٌ، فكل من أَرضعته من الأَطفال بهذا فهو محرَّم على الزوج وإخوته وأَولاده منها ومن غيرها، لأَن اللبن للزوج حيث هو سببه، قال: وهذا مذهب الجماعة، وقال ابن المسيب والنَّخَعِيُّ: لا يُحَرِّم؛ ومنه حديث ابن عباس وسئل عن رجل له امرأَتان أَرْضَعَتْ إحداهما غلاماً والأُخرى جارية: أَيَحِلُّ للغُلام أَن يتزوَّج بالجارية؟ قال: لا، اللِّقاحُ واحدٌ.
وفي حديث عائشة، رضي الله عنها، واستأْذن عليها أَبو القُعَيْس أَن تأْذن له فقال: أَنا عَمُّكِ أَرضَعَتْكِ امرأَة أَخي، فأَبت عليه حتى ذكرته لرسول الله، صلى الله عليه وسلم، فقال: هو عمكِ فلْيَلِجْ عليك.
وفي الحديث: أَن رجلاً قتل آخر فقال خذ من أَخِيكَ اللُّبَّنَ أَي إبلا لها لَبَنٌيعني الدِّيَةَ.
وفي حديث أُميَّةَ بن خَلَفٍ: لما رآهم يوم بدر يَقْتُلُونَ قال أَما لكم حاجةٌ في اللُّبَّنِ أَي تأْسِرُون فتأْخذون فِدَاءَهم إبلاً لها لَبَنٌ.
وقوله في الحديث: سَيهْلِكُ من أُمتي أهلُ الكتابِ وأَهلُ اللَّبَن، فسئل: من أَهلُ اللَّبَنِ؟ قال: قوم يتبعون الشَّهَواتِ ويُضِيعُون الصلوات. قال الحَرْبي: أَظنه أَراد يتباعدون عن الأَمصار وعن صلاة الجماعة ويَطْلُبون مواضعَ اللبن في المراعي والبوادي، وأَراد بأَهل الكتاب قوماً يتعلمون الكتاب ليجادلوا به الناسَ.
وفي حديث عبد الملك بن مَرْوان: وُلِدَ له وَلدٌ فقيل له اسْقِه لَبَنَ اللَّبَنِ؛ هو أَن يَسْقِيَ ظِئرَه اللَّبَنَ فيكونَ ما يَشْرَبُه لَبَناً متولداً عن اللَّبَنِ، فقُصِرَتْ عليه ناقةٌ فقال لحالبها: كيف تَحلُبُها أَخَنْفاً أَم مَصْراً أَم فَطْراً؟ فالخَنْفُ الحَلْبُ بأَربع أَصابع يستعين معها بالإِبهام، والمَصْرُ بثلاث، والفَطْرُ بالإِصبعين وطرف الإبهام.
ولَبَنُ كلِّ شجرة: ماؤها على التشبيه.
وشاةٌ لَبُونٌ ولَبِنةٌ ومُلْبِنَةٌ ومُلْبِنٌ: صارت ذاتَ لَبَنٍ، وكذلك الناقة إذا كانت ذاتَ لَبَنٍ أَو نزل اللَّبَنُ في ضرعها.
ولَبِنتِ الشاةُ أَي غَزُرَتْ.
ونافةٌ لَبِنةٌ: غزيرة.
وناقة لَبُونٌ: مُلْبِنٌ.
وقد أَلْبَنتِ الناقةُ إذا نزل لَبَنُها في ضَرْعها، فهي مُلْبِنٌ؛ قال الشاعر: أَعْجَبها إذا أَلْبَنَتْ لِبانُه وإذا كانت ذاتَ لَبَنٍ في كل أَحايينها فهي لَبُونٌ، وولدها في تلك الحال ابنُ لَبُونٍ، وقيل: اللَّبُونُ من الشاءِ والإبل ذاتُ اللَّبَنِ، غزيرَةً كانت أَو بَكِيئةً، وفي المحكم: اللَّبُونُ، ولم يُخَصِّصْ، قال: والجمع لِبانٌ ولِبْنٌ؛ فأَما لِبْنٌ فاسم للجمع، فإذا قَصَدُوا قَصْدَ الغزيرة قالوا لَبِنَة، وجمعها لَبِنٌ ولِبانٌ؛ الأَخيرة عن أَبي زيد، وقد لَبِنَتْ لَبَناً. قال اللحياني: اللَّبُونُ واللَّبُونة ما كان بها لَبَنٌ، فلم يَخُصَّ شاةً ولا ناقة، قال: والجمع لُبْنٌ ولَبائنُ؛ قال ابن سيده: وعندي أَن لُبْناً جمع لَبُون، ولَبائن جمع لَبُونة، وإن كان الأَول لا يمتنع أَن يجمع هذا الجمع؛ وقوله: من كان أَشْرَك في تَفَرُّق فالِجٍ، فلَبُونُه جَرِبَتْ معاً وأَغَدَّتِ قال: عندي أَنه وضع اللبون ههنا موضع اللُّبْن، ولا يكون هنا واحداً لأَنه قال جَرِبَتْ معاً، ومعاً إنما يقع على الجمع. الأَصمعي: يقال كم لُبْنُ شائك أَي كم منها ذاتُ لَبَنٍ.
وفي الصحاح عن يونس: يقال كم لُبْنُ غَنَمِك ولِبْنُ غَنَمِك أَي ذَواتُ الدَّرِّ منها.
وقال الكسائي: إنما سمع كم لِبْنُ غنمك أَي كم رِسْلُ غَنمك.
وقال الفراء: شاءٌ لَبِنَةٌ وغَنم لِبانٌ ولِبْنٌ ولُبْنٌ، قال: وزعم يونس أَنه جمع، وشاءٌ لِبْنٌ بمنزلة لُبْنٍ؛ وأَنشد الكسائي: رأيْتُكَ تَبْتاعُ الحِيالَ بِلُبْنِها وتأْوي بَطِيناً، وابنُ عَمِّكَ ساغِبُ وقال: واللُّبْنُ جمع اللَّبُونِ. ابن السكيت: الحَلُوبة ما احْتُلِب من النُّوق، وهكذا الواحدة منهن حَلوبة واحدة؛ وأَنشد: ما إنْ رأَينا في الزمانِ ذي الكَلَبْ حَلُوبةً واحدةً فتُحْتَلَبْ وكذلك اللَّبُونة ما كان بها لَبَنٌ، وكذلك الواحدة منهن أَيضاً، فإذا قالوا حَلُوبٌ ورَكُوبٌ ولَبُونٌ لم يكن إلا جمعاً؛ وقال الأَعشى: لَبُون مُعَرَّاة أَصَبْنَ فأَصْبَحَتْ أَراد الجمع.
وعُشْبٌ مَلْبنَة، بالفتح: تَغْزُر عنه أَلبانُ الماشية وتَكْثُر، وكذلك بَقْلٌ مَلْبنَة.
واللَّبْنُ: مصدر لَبَنَ القومَ يَلْبِنُهُم لَبْناً سقاهم اللَّبَنَ. الصحاح: لَبَنْتُه أَلْبُنه وأَلْبِنُه سقيته اللَّبَنَ، فأَنا لابِنٌ.
وفرس مَلْبُون: سُقِيَ اللَّبَنَ؛ وأَنشد: مَلْبُونة شَدَّ المليكُ أَسْرَها وفرس مَلْبون ولَبِين: رُبِّيَ باللَّبن مثل عَليف من العَلَف.
وقوم مَلْبونون: أَصابهم من اللبن سَفَهٌ وسُكْرٌ وجَهْل وخُيَلاءُ كما يصيبهم من النبيذ، وخصصه في الصحاح فقال: قوم مَلْبونون إذا ظهر منهم سَفَةٌ يصيبهم من أَلبان الإبل ما يصيب أَصحاب النبيذ.
وفرس مَلْبُون: يُغَذَّى باللبن قال: لا يَحْمِلُ الفارسَ إلا المَلْبُونْ، المَحْضُ من أَمامه ومن دُونْ قال الفارسي: فعَدَّى المَلْبون لأَنه في معنى المسقِيِّ، والمَلْبون: الجمل السمين الكثير اللحم.
ورجل لَبِنٌ: شَرِبَ اللَّبَن (* قوله «ورجل لبن شرب اللبن، الذي في التكملة: واللبن الذي يحب اللبن).
وأَلْبَنَ القومُ، فهم لابِنُون؛ عن اللحياني: كثُرَ لَبَنُهم؛ قال ابن سيده: وعندي أَنَّ لابِناً على النَّسَب كما تقول تامِرٌ وناعِلٌ. التهذيب: هؤلاء قوم مُلْبِنون إذا كثر لبنهم.
ويقال: نحن نَلْبُِنُ جيراننا أَي نسقيهم.
وفي حديث جرير: إذا سقَطَ كان دَرِيناً، وإن أُكِلَ كان لَبِيناً أَي مُدِرّاً للَّبَن مُكْثِراً له، يعني أَن النَّعَم إذا رعت الأَراك والسَّلَم غَزُرَتْ أَلبانُها، وهو فعيل بمعنى فاعل كقدير وقادر، كأَنه يعطيها اللَّبَنَ، من لَبَنْتُ القومَ إذا سقيتهم اللبن.
وجاؤوا يَسْتَلْبِنون: يطلبون اللَّبنَ. الجوهري: وجاء فلان يسْتَلْبِنُ أَي يطلب لبَناً لعياله أَو لضيفانه.
ورجل لابِنٌ: ذو لَبَن، وتامِرٌ: ذو تمر؛ قال الحطيئة: وغَرَرْتَني، وزَعَمْتَ أَنْـ نَكَ لابنٌ، بالصَّيْفِ، تامِرْ (* قوله «وغررتني إلخ» مثله في الصحاح، وقال في التكملة الرواية أغررتني، على الإنكار).
وبَناتُ اللَّبنِ: مِعىً في البَطْن معروفة؛ قال ابن سيده: وبناتُ لَبنٍ الأَمعاءُ التي يكون فيها اللَّبن.
والمِلْبَنُ: المِحْلَبُ؛ وأَنشد ابن بري لمسعود بن وكيع: ما يَحْمِلُ المِلْبنَ إلا الجُرْشُعُ، المُكْرَبُ الأَوْظِفَةِ المُوَقَّعُ والمِلْبَنُ: شيء يُصَفَّى به اللَّبنُ أَو يُحْقَنُ.
واللَّوابنُ: الضُّروعُ؛ عن ثعلب.
والألْتِبانُ: الارتضاع؛ عنه أَيضاً.
وهو أَخوه بلِبان أُمِّه، بكسر اللام (* قوله «بكسر اللام» حكى الصاغاني فيه ضم اللام أيضاً) .
ولا يقال بلَبَنِ أُمِّه، إنما اللَّبَنُ الذي يُشْرَب من ناقة أَو شاة أَو غيرهما من البهائم؛ وأَنشد الأَزهري لأَبي الأَسْود: فإن لا يَكُنْها أَو تَكُنْه، فإنه أَخوها غَذَتْه أُمُّه بلِبانِها وأَنشد ابن سيده: وأُرْضِعُ حاجةً بلِبانِ أُخرَى، كذاكَ الحاجُ تُرْضَعُ باللِّبانِ واللِّبانُ، بالكسر: كالرِّضاعِ؛ قال الكميت يمدح مَخْلَد بن يزيد: تَلْقَى النَّدَى ومَخْلَداً حَلِيفَينْ، كانا معاً في مَهْدِه رَضِيعَينْ، تَنازعا فيه لِبانَ الثَّدْيَينْ (* قوله «تنازعا فيه إلخ» قال الصاغاني الرواية: تنازعا منه، ويروى رضاع مكان لبان).
وقال الأَعشى: رَضِيعَيْ لِبانٍ ثَدْيَ أُمٍّ تحالَفا بأَسْحَمَ داجٍ عَوْضُ لا نتَفَرَّقُ وقال أَبو الأَسود: غَذَته أُمُّه بلبانِها؛ وقال آخر: وما حَلَبٌ وافَى حَرَمْتُكَ صَعْرَةً عَلَيَّ، ولا أُرْضِعْتَ لي بلِبانِ وابنُ لَبُون: ولد الناقة إِذا كان في العام الثاني وصار لها لَبَنٌ. الأَصمعي وحمزة: يقال لولد الناقة إِذا استكمل سنتين وطعن في الثالثة ابنُ لَبُون، والأُنثى ابنةُ لَبُونٍ، والجماعات بناتُ لَبونٍ للذكر والأُنثى لأَن أُمَّه وضعت غيره فصار لها لبن، وهو نكرة ويُعَرّف بالأَلف واللام؛ قال جرير: وابنُ اللَّبُونِ، إِذا لُزَّ في قَرَنٍ، لم يسْتَطِعْ صَوْلةَ البُزْلِ القَناعِيسِ وفي حديث الزكاة ذِكْرُ بنتِ اللَّبونِ وابن اللَّبون، وهما من الإِبل ما أَتى عليه سنَتان ودخل في السنة الثالثة فصارت أُمه لبوناً أَي ذاتَ لَبَنٍ لأَنها تكون قد حملت حملاً آخر ووضعته. قال ابن الأَثير: وجاء في كثير من الروايات ابن لَبُون ذكَرٌ، وقد علم أَن ابن اللبون لا يكون إِلا ذكراً، وإِنما ذكره تأْكيداً كقوله: ورَجَبُ مُضَرَ الذي بين جُمادَى وشعبان، وكقوله تعالى: تلك عَشَرةٌ كاملة؛ وقيل ذكر ذلك تنبيهاً لرب المال وعامل الزكاة، فقال: ابنُ لَبُونٍ ذَكَرٌ لتَطِيبَ نفسُ رَبِّ المال بالزيادة المأْخوذة منه إِذا عَلِمَ أَنه قد شرع له من الحق، وأَسقط عنه ما كان بإزائه من فَضْلِ الأُنوثة في الفريضة الواجبة عليه، وليعلم العاملُ أَن سِنَّ الزكاة في هذا النوع مقبول من رب المال، وهو أَمر نادر خارج عن العُرْف في باب الصدقات، ولا يُنْكَرُ تكرار اللفظ للبيان وتقرير معرفته في النفوس مع الغرابة والنُّدُور: وبَناتُ لَبُونٍ: صِغارُ العُرْفُطِ، تُشَبَّه ببناتِ لَبونٍ من الإِبل.
ولَبَّنَ الشيءَ: رَبَّعَه.
واللَّبِنة واللبِّنْة: التي يُبْنَى بها، وهو المضروب من الطين مُرَبَّعاً، والجمع لَبِنٌ ولِبْنٌ، على فَعِلٍ وفِعْلٍ، مثل فَخِذٍ وفِخْذ وكَرِش وكِرْشٍ؛ قال الشاعر: أَلَبِناً تُريد أَم أَروخا (* قوله «أم أروخا» كذا بالأصل).
وأَنشد ابن سيده: إِذ لا يَزالُ قائلٌ أَبِنْ أَبِنْ هَوْذَلةَ المِشْآةِ عن ضَرْسِ اللَّبِنْ قوله: أَبِنْ أَبِنْ أَي نَحِّها، والمِشْآةُ: زَبيل يُخرَجُ به الطين والحَمْأَةُ من البئر، وربما كان من أَدَمٍ، والضَّرْسُ: تَضْريسُ طَيّ البئر بالحجارة، وإِنما أَراد الحجارة فاضطُرَّ وسماها لَبِناً احتِياجاً إِلى الرَّوِيّ؛ والذي أَنشده الجوهري: إِمّا يَزالُ قائلٌ أَبِنْ أَبِنْ دَلْْوَكَ عن حَدِّ الضُّروسِ واللَّبِنْ قال ابن بري: هو لسالم بن دارة، وقيل: لابن مَيّادَة؛ قال: قاله ابن دريد.
وفي الحديث: وأَنا مَوْضِعُ تلك اللَّبِنَة؛ هي بفتح اللام وكسر الباء واحدة اللَّبِنِ التي يُبْنَى بها الجدار، ويقال بكسر اللام (* قوله «ويقال بكسر اللام إلخ» ويقال لبن، بكسرتين، نقله الصاغاني عن ابن عباد ثم قال: واللبنة كفرحة حديدة عريضة توضع على العبد إذا هرب.
وألبنت المرأة اتخذت التلبينة، واللبنة بالضم اللقمة) .
وسكون الباء.
ولَبَّنَ اللَّبِنَ: عَمِله. قال الزجاج: قوله تعالى: قالوا أُوذينا من قبلِ أَن تأْتيَنا ومن بعد ما جئتنا؛ يقال إِنهم كانوا يستعملون بني إسرائيل في تَلْبِين اللَّبِنِ، فلما بُعث موسى، عله السلام، أَعْطَوْهم اللَّبِنَ يُلَبِّنونه ومنعوهم التِّبْنَ ليكون ذلك أَشق عليهم.
ولَبَّنَ الرجلُ تَلْبيناً إِذا اتخذ اللَّبِنَ.
والمِلْبَنُ: قالَبُ اللَّبِنِ، وفي المحكم: والمِلْبَنُ الذي يُضْرَبُ به اللَّبِنُ. أَبو العباس: ثعلب المِلْبَنُ المِحْمَلُ، قال: وهو مطوَّل مُرَبَّع، وكانت المحامل مُرَبَّعة فغيرها الحجاج لينام فيها ويتسع، وكانت العرب تسميها المِحْمَلَ والمِلْبَنَ والسّابِلَ. ابن سيده: والمِلْبَنُ شِبْهُ المِحْمَل يُنْقَل فيه اللَّبِن.
ولَبِنَةُ القميص: جِرِبّانُه؛ وفي الحديث: ولَبِنَتُها ديباجٌ، وهي رُقعة تعمل موضِعَ جَيْب القميص والجُبَّة. ابن سيده: ولَبِنَةُ القميص ولِبْنَتُهُ بَنِيقَتُه؛ وقال أَبو زيد: لَبِنُ القميص ولَبِنَتُه ليس لَبِناً عنده جمعاً كنَبِقَة ونَبِقٍ، ولكنه من باب سَلٍّ وسَلَّة وبَياض وبَياضة.
والتَّلْبِينُ: حَساً يتخذ من ماء النُّخالة فيه لَبَنٌ، وهو اسم كالتَّمْتينِ.
وفي حديث عائشة، رضي الله عنها، قالت: سمعت رسول الله، صلى الله عليه وسلم، يقول التَّلْبِنة مَجَمَّةٌ لفؤاد المريض تُذْهِبُ بعض الحُزْن؛ الأَصمعي: التَّلْبينة حَساء يعمل من دقيق أَو نخالة ويجعل فيها عسل، سميت تَلْبينة تشبهاً باللَّبَن لبياضها ورقتها، وهي تسمية بالمَرَّة من التَّلبين مصدر لَبَنَ القومَ أَي سَقاهم اللَّبنَ، وقوله مَجَمَّةٌ لفؤاد المريض أَي تَسْرُو عنه هَمَّه أَي تَكْشِفُه.
وقال الرِّياشي في حديث عائشة: عليكم بالمَشْنِيئَة النافعةِ التَّلْبين؛ قال: يعني الحَسْوَ، قال: وسأَلت الأَصمعي عن المَشْنِيئَة فقال: يعني البَغِيضة، ثم فسر التَّلْبينة كما ذكرناه.
وفي حديث أُم كلثوم بنت عمرو ابن عقرب قالت: سمعت عائشة، رضي الله عنها، تقول قال رسول الله، صلى الله عليه وسلم، عليكم بالتَّلْبين البَغيض النافع والذي نفسي بيده إِنه ليَغْسِلُ بطنَ أَحدكم كما يغسل أَحدُكم وجهه بالماء من الوسخ؛ وقالت: كان إِذا اشتكى أَحدٌ من أَهله لا تزالُ البُرْمة على النار حتى يأْتي على أَحد طرفيه؛ قال:أَراد بقوله أَحد طرفيه يعني البُرْءَ أَو الموت؛ قال عثمان: التَّلْبينَة الذي يقال له السَّيُوساب (* قوله «السيوساب» هو في الأصل بغير ضبط وهذا الضبط في هامش نسخة من النهاية معوّل عليها) .
وفي حديث علي: قال سُوَيْد بن غَفَلَةَ دخلتُ عليه فإِذا بين يديه صحفةٌ فيها خَطِيفة ومِلْبَنة؛ قال ابن الأَثير: هي بالكسر المِلْعَقة، هكذا شرح، قال: وقال الزمخشري المِلْبَنة لَبَنٌ يوضع على النار ويُنَزِّلُ عليه دقيق، قال: والأَول أَشبه بالحديث.
واللَّبَانُ: الصدر، وقيل: وسَطُه، وقيل: ما بين الثَّدْيَينِ، ويكون للإِنسان وغيره؛ أَنشد ثعلب في صفة رجل: فلمّا وَضَعْناها أَمامَ لَبَانِه، تبَسَّمَ عن مَكْروهةِ الرِّيقِ عاصبِ وأَشد أَيضاً: يَحُكُّ كُدُوحَ القَمْلِ تحت لَبَانِه ودَفَّيْهِ منها دامِياتٌ وجالِبُ وقيل: اللَّبانُ الصَّدْرُ من ذي الحافرخاصَّةً، وفي الصحاح:اللَّبانُ، بالفتح، ما جرى عليه اللَّبَبُ من الصدرِ؛ وفي حديث الاستسقاء: أَتَيْناكَ والعَذْراءُ يَدْمَى لَبانُها أَي يَدْمَى صَدْرُها لامْتِهانِها نفْسَها في الخدمة حيث لا تَجِدُ ما تُعْطيه من يَخْدُمها من الجَدْبِ وشدَّة الزمان.
وأَصلُ اللَّبان في الفرس موضعُ اللَّبَبِ، ثم استعير للناس؛ وفي قصيد كعب، رضي الله عنه: تَرْمي اللَّبَانَ بكفَّيْها ومِدْرَعِها وفي بيت آخر منها: ويُزْلِقُه منها لَبانٌ ولَبَنَه يَلْبِنُه لَبْناً: ضَرَبَ لَبانَه.
واللَّبَنُ: وجَعُ العُنق من الوِسادَة، وفي المحكم: وجَعُ العُنق حتى لا يَقْدِرَ أَن يَلْتَفِت، وقد لَبِنَ، بالكسر، لَبَناً.
وقال الفراء: اللَّبِنُ الذي اشتكى عُنُقَه من وِسادٍ أَو غيره. أَبو عمرو: اللَّبْنُ ا لأَكل الكثير.
ولَبَنَ من الطعام لَبْناً صالحاً: أَكثر؛ وقوله أَنشده ثعلب: ونحنُ أَثافي القِدْرِ ، والأَكلُ سِتَّةٌ جَرَاضِمَةٌ جُوفٌ، وأَكْلَتُنا اللَّبْنُ يقول: نحن ثلاثة ونأْكل أَكل ستة.
واللَّبْنُ: الضربُ الشديد.
ولَبَنَه بالعصا يَلْبِنُه، بالكسر، لَبْناً إِذا ضربه بها. يقال: لَبَنَه ثلاث لَبَناتٍ.
ولَبَنه بصخرةٍ: ضربه بها. قال الأَزهري: وقع لأَبي عمرو اللَّبْنُ، بالنون، في الأَكل الشديد والضرب الشديد، قال: والصواب اللَّبْزُ، بالزاي، والنون تصحيف.
واللَّبْنُ: الاسْتِلابُ؛ قال ابن سيده: هذا تفسيره، قال: ويجوز أَن يكون مما تقدم. ابن الأَعرابي: المِلْبَنةُ المِلْعَقةُ.
واللُّبْنَى: المَيْعَة.
واللُّبْنَى واللُّبْنُ: شجر.
واللُّبانُ: ضرب من الصَّمْغ. قال أَبو حنيفة: اللُّبانُ شُجَيْرة شَوِكَة لا تَسْمُو أَكثر من ذراعين، ولها ورقة مثل ورقة الآس وثمرة مثل ثمرته، وله حَرارة في الفم.
واللُّبانُ: الصَّنَوْبَرُ؛ حكاه السُّكَّرِيُّ وابن الأَعرابي، وبه فسر السُّكَّرِيُّ قولَ امرئ القيس: لها عُنُق كسَحُوقِ اللُّبانْ فيمن رواه كذلك؛ قال ابن سيده: ولا يتجه على غيره لأَن شجرة اللُّبانِ من الصَّمْغ إِنما هي قَدْرُ قَعْدَةِ إِنسان وعُنُقُ الفرس أَطولُ من ذلك؛ ابن الأَعرابي: اللُّبانُ شجر الصَّنَوْبَر في قوله: وسالِفَة كسَحُوقِ اللُّبانْ التهذيب: اللُّبْنَى شجرة لها لَبَنٌ كالعسل، يقال له عَسَلُ لُبْنَى؛ قال الجوهري: وربما يُتَبَخَّر به؛ قال امرؤُ القيس: وباناً وأُلْوِيّاً من الهِنْدِ ذاكِياً، ورَنْداً ولُبْنَى والكِباءَ المُقَتَّرا واللُّبانُ: الكُنْدرُ.
واللُّبانة: الحاجة من غير فاقة ولكن من هِمَّةٍ. يقال: قَضَى فلان لُبانته، والجمع لُبانٌ كحاجةٍ وحاجٍ؛ قال ذو الرمة:غَداةَ امْتَرَتْ ماءَ العُيونِ ونغَّصتْ لُباناً من الحاجِ الخُدُورُ الرَّوافِعُ ومَجْلِسٌ لَبِنٌ: تُقْضى فيه اللُّبانة، وهو على النسب؛ قال الحرث بن خالد بن العاصي: إِذا اجتَمعْنا هَجرْنا كلَّ فاحِشةٍ، عند اللِّقاء، وذاكُمْ مَجْلِسٌ لَبِنُ والتَّلَبُّنُ: التَّلَدُّنُ والتَّمَكُّثُ والتَّلبُّثُ؛ قال ابن بري: شاهده قول الراجز: قال لها: إِيّاكِ أَن تَوَكَّني في جَلْسةٍ عِنديَ، أَو تَلَبَّني وتَلَبَّنَ؛ تمكَّثَ؛ وقوله رؤبة (* قوله «وقول رؤبة فهل إلخ» عجزه كما في التكملة: راجعة عهداً من التأسن) : فهل لُبَيْنَى من هَوَى التَّلبُّن قال أَبو عمرو: التَّلبُّن من اللُّبانة. يقال: لي لُبانةٌ أَتَلبَّنُ عليها أَي أَتمكَّثُ.
وتَلبَّنْتُ تَلبُّناً وتَلدَّنْتُ تَلدُّناً كلاهما: بمعنى تَلبَّثْتُ وتمكَّثْتُ. الجوهري: والمُلَبَّنُ، بالتشديد، الفَلانَج؛ قال: وأَظنه مولَّداً.
وأَبو لُبَيْنٍ: الذكر. قال ابن بري: قال ابن حمزة ويُكَنَّى الذكر أَبا لُبَيْنٍ؛ قال: وقد كناه به المُفَجَّع فقال: فلما غابَ فيه رَفَعْتُ صَوْتي أُنادي: يا لِثاراتِ الحُسَيْنِ ونادَتْ غلْمَتي: يا خَيْلَ رَبِّي أَمامَكِ، وابْشِرِي بالجَنَّتَيْنِ وأَفْزَعَه تَجاسُرُنا فأَقْعَى، وقد أَثْفَرْتُه بأَبي لُبَيْنِ ولُبْنٌ ولُبْنَى ولُبْنانٌ: جبال: وقول الراعي: سيَكْفِيكَ الإِلهُ ومُسْنَماتٌ كجَنْدَلِ لُبْنَ تَطَّرِدُ الصِّلالا قال ابن سيده: يجوز أَن يكون ترخيمَ لُبْنانٍ في غير النداء اضطراراً، وأَن تكون لُبْنٌ أَرضاً بعينها؛ قال أَبو قِلابةَ الهُذَليُّ: يا دارُ أَعْرِفُها وَحْشاً مَنازِلُها، بَينَ القَوائِم من رَهْطٍ فأَلْبانِ قال ابن الأَعرابي: قال رجل من العرب لرجل آخر لي إِليك حُوَيِّجَة، قال: لا أَقْضِيها حتى تكونَ لُبْنانِيَّة أَي عظيمة مثل لُبْنانٍ، وهو اسم جبل، قال: ولُبْنانٌ فُعْلانٌ ينصرف.
ولُبْنَى:اسم امرأَة.
ولُبَيْنَى: اسم ابنة إِبليس، واسمُ ابنه لاقِيسُ، وبها كُنِيَ أَبا لُبَيْنَى؛ وقول الشاعر: أَقْفَرَ منها يَلْبَنٌ فأَفْلُس قال: هما موضعان .

الخبز و الخمر

كان تناول الخبز والخمر معاً من العادات المألوفة لدى اليهود قديماً, فكانوا يمارسونها عند مواساة من مات قريب أو صديق له. وكان الله ينهي قديسيه عن هذه العادة عند انتشار الشر ونـزول قضائه على الأشرار حتى لا يعزوا ذويهم بتعزية ما (حزقيال 24: 17, إرميا 16: 6و 7). كما كانوا يمارسون هذه العادة في كل سبت, فكان رب الأسرة يأخذ رغيفاً وكأساً, وبعد أن يرفع الشكر لله من أجلهما, يقدمهما لأفراد أسرته لكي يأكلوا ويشربوا.

وفي عيد الفصح كان اليهود كعائلات أو أصدقاء يأكلون مع خروف الفصح فطيراً ويشربون خمراً (لوقا 22: 18).

ولعل السبب في استعمال الخبز والخمر في هاتين المناسبتين وغيرهما من المناسبات, يرجع إلى أنهما كانا الطعامين الأساسيين اللذين يعتمد عليهما سكان اليهودية والبلاد المجاورة لها قديماً. ويتضح هذا من الآيات التالية:: “وكثرة حنطة وخمر” (تكوين 27: 28) و”… حتى آتي وآخذكم إلى أرضٍ مثل أرضكم, أرض حنطة وخمر, أرض خبز وكروم” (إسعيا 36: 17) و”لإخراج خبز من الأرض… وخمر تفرح قلب الإنسان” (مزمور 104: 25) و”عضدته بحنطة وخمر” (تكوين 27: 37) و”كثرت حنطتهم وخمرهم” (مزمور4: 7) و”يجرون إلى جود الرب على الحنطة وعلى الخمر” (إرميا 31: 12). وإذا كان الأمر كذلك, فلعل الخبز والخمر, أو الخبز والخلّ (راعوث 2: 14) كانا يستعملان لديهم بدلاً من الخبز والماء لدى غيرهم. ولا غرابة في ذلك, فمعظم الناس في الجهات الباردة لا تزال تستعمل النبيذ بدلاً من الماء عند تناول الطعام.. كما أن بعض النباتيين من الانجليز والألمان والدانمركيين لا يتناولون من الطعام سوى الخبز والنبيذ.

ولم تكن الخمر التي تستعمل في عيد الفصح من النوع الذي يُسْكر– لأنه لم يكن مسموحاً بوجود أي نوع من الخمير في هذا العيد (خروج 12: 13) – إذ أنها (كما يقول المؤرخون) كانت عصير العنب الطازج أو نقيع الزبيب قبل أن يعتريه تخمير. وبهذه المناسبة نقول إن الكلمة المعروفة في اللغة العربية بـ “الخمر”, تقابلها في اللغة العبرية عشر كلمات تدل على عشرة أنواع منها, أهمها “ياين” و”تشمار” و”مثيخار”. والأول هو عصير العنب الطازج, والثاني هو عصير العنب المركّز, والثالث هو عصير العنب المخمّر. والصنف الأخير هو المسكر, أما الصنفان الأولان فلا يُسكران (Young’s Concordance, p.1655). ولعل كلمة “ياين” العبرية, هي بعينها كلمة “وين” العربية, وهي بعينها كلمة “wine” الانجليزية مع تحريف بسيط في اللفظ. والكلمة الانجليزية يطلقها الانجليز على الخمر, والكلمة العربية يطلقها العرب على العنب الأسود (قاموس المحيط ج 4 ص 76). فضلاً عن ذلك فإن العرب أيضاً يطلقون كلمة واحدة على الخمر وعلى عصير العنب قبل أن يختمر (أو بالحري عن الرشح الذي يصدر عن العنب) وهذه الكلمة هي السلاف (مختار الصحاح صفحة 310).

وكانت الصلاة التي يرفعها اليهود لله في عيد الفصح قبل أكل الخبز هي “مبارك أنت يا الله ملك العالم, الذي تخرج لنا من الأرض خبزاً”, أو “مبارك أنت يا الله لأنك تعطينا خبز الحياة”. وكانت الصلاة التي يرفعونها له قبل تناول الخمر هي “مبارك أنت يا الله الذي أعطيتنا ثمر الكرمة”, أو “مبارك أنت يا الله من أجل كرمة داود” (The Jewih Passover p.5).

ويرى فريق من الشراح أن المسيح استخدم عند تأسيس العشاء الرباني, عادة استعمال اليهود للخبز والخمر في عيد الفصح بصفة خاصة, وفي كل سبت بصفة عامة, بعد أن حوّل الخبز والخمر من طعامين عاديين إلى تذكار لموته مصلوباً (أو بالحري لموته بطريقة ينفصل فيها دمه عن جسده). ولهم في ذلك حجتان: (الحجة الأولى) أن الفصح كان رمزاً من الرموز لكفارة المسيح عن البشرية, وأن معظم ما كان يجري في الفصح من أعمال كان رمزاً لهذه الكفارة في نواحيها المتعددة (1 كورنثوس 5: 7). (الحجة الثانية) أن المسيحيين في القرون الأولى كانوا يمارسون العشاء الرباني في اليوم الأول من كل أسبوع (أعمال الرسل 20: 7), لكي يتذكروا موت المسيح ويشكروا الله من أجل كل البركات الروحية الأبدية التي حصلوا عليها بسببه, وذلك بالمقابلة مع اليهود الذين كانوا يتناولون الخبز والخمر كل سبت, لكي يشكروا الله لتفضله عليهم بهما طعاماً وشراباً للحياة الجسدية على الأرض.

ويرى فريق آخر من الشراح أن المسيح استخدم عند تأسيس هذا العشاء, عادة استعمال اليهود للخبز والخمر عند تعزية من مات قريب أو صديق له, وحجتهم في ذلك أن المسيح عمل العشاء الرباني قبل موته على الصليب.

لكن الرأي الأول (كما أرى) أقرب إلى الصواب, إذ فضلاً عن أن الحجتين اللتين وردتا مع هذا الرأي لهما وجاهتهما, فإن فرصة ممارسة العشاء الرباني ليست فرصة عويل واكتئاب بل هي فرصة تسبيح وابتهاج (متى 26: 26 – 29). فضلاً عن ذلك فإن المسيح لم يطلب منا أن نبكي عليه مثل الوثنيين الذين كانوا يبكون على تاموز وعشتاروت (كما يقول بعض النقاد), بل طلب منا أن نبكي على أنفسنا وعلى خطايانا كما قال لبنات أورشليم من قبل (لوقا 23: 28).

والحق أن ذكرى موت المسيح تختلف عن ذكرى موت الناس جميعاً, لأنه موته كان موتاً اختيارياً لتحقيق مقاصد الله من جهة خلاص البشرية والإنعام عليها بالحياة الأبدية (غلا 1: 2, عبرانيين 10: 7, 28, يوحنا 3: 16), ولأنه بعدما مات لأجل هذه الغاية الكريمة, قام منتصراً على الموت انتصاراً باهراً أثبت به أنه ابن الله كما قال (رومية 1: 4). فضلاً عن ذلك, فإن الموت لا يمكن أن يسود عليه فيما بعد (رومية 6: 9), كما ساد على الذين قاموا مرة منه بواسطة معجزة من المعجزات (2 ملوك 4: 35, يوحنا 11: 44, لوقا 7: 15, 8: 55), الأمر الذي يدل على أننا بممارسة العشاء الرباني لا نتذكر مسيحاً ميتاً أو مسيحاً معرضاً للموت, بل مسيحاً مات مرة لأجل مجد الله وخيرنا, ولكنه الآن حي وسيبقى حياً إلى أبد الآباد.

أما الدعوى بأن استعمال العشاء الرباني عند المسيحيين مقتبس من عبادة مثرا الوثنية (كما يقول بعض النقاد), فهي دعوى باطلة من أساسها, لأن عبادة مثرا كانت تتطلب من المشتركين فيها أن يتناولوا معاً خبزاً وماء (وليس خبزاً وخمراً), وذلك للدلالة على تآلفهم وارتباطهم معاً. فضلاً عن ذلك فإن أتباع المسيح كانوا بعيدين عن هؤلاء الوثنيين بعداً شاسعاً, لا يسمح بانتقال عقيدة مثرا إليهم بطريق مباشر أو غير مباشر.

الخمر في الاسلام – ضرغام البطيخ

ملف( الخمر في الاسلام)
1-الخمر المحرمة في الكتاب
2-آفات الخمر وجناياتها
3-من حد من الأشراف في الخمر وشهر بها
4-الفرق بين الخمر والنبيذ
5-مناقضة ابن قتيبة في قوله في الأشربة
6-احتجاج المحرمين لقليل النبيذ وكثيره
7-رسالة عمر بن عبد العزيز إلى أهل الأمصار في الأنبذة
8-احتجاج المحللين للنبيذ

الخمر المحرمة في الكتاب

أجمع الناس على أن الخمر المحرمة في الكتاب خمر العنب، وهي ما غلا وقذف الزبد من عصير العنب، من غير أن تمسه نار. ولا تزال خمراً حتى تصير خلاً، وذلك إذا غلبت عليها الحموضة، وفارقتها النشوة؛ لأن الخمر ليست محرمة العين، كما حرمت عين الخنزير، وإنما حرمت لعرض دخلها، فإذا زايلها ذلك العرض عادت حلالاً، كما كانت قبل الغليان حلالاً، وعينها في كل ذلك واحدة، وإنما انتقلت أعراضها من حلاوةٍ إلى مرارة، ومن مرارة إلى حموضة، كما ينتقل طعم الثمرة إذا أينعت من حموضة إلى حلاوة، والعين قائمة، وكما ينتقل طعم الماء بطول المكث فيتغير طعمه وريحه، والعين قائمة.ونظير الخمر فيما يحل ويحرم بعرض: المسك، الذي هو دم عبيط حرام، ثم يجف وتوجد رائحته فيصير حلالاً طيباً.فهذه الخمر بعينها المجمع على تحريمها. وأصحاب النبيذ إنما يدورون حولها ويتعللون بأنهم يشربون ما دون المسكر، ولا لذة لهم دون مواقعة السكر، كما قال الشاعر:
يدورون حول الشيخ يلتمسونـه بأشربةٍ شتى هي الخمر تطلب
وكقول القائل:
إياك أعني فاسمعي يا جاره
قيل للأحنف بن قيس: أي الشراب أطيب؟ فقال: الخمر. قيل له: وكيف علمت ذلك، وأنت لم تشربها؟ قال: إني رأيت من حلت له لا يتعداها، ومن حرمت عليه إنما يدور حولها.
وقال ابن شبرمة:
ونبيذ الزبيب ما اشتد منـه فهو للخمر والطلاء نسيب
وقال عبد الله بن القعقاع:
أتانا بها صفراء يزعم أنـهـا زبيب فصدقناه وهو كـذوب
فهل هي إلا ساعة غاب نحسها أصلي لربي بعدهـا وأتـوب
وقال ابن شبرمة: أتانا الفرزدق، فقال: اسقوني. فقلنا: وما تريد أن نسقيك؟ قال: “أقربه إلى الثمانين”، ويعني حد الخمر.
وقال قيصر لقس بن ساعدة: أي الأشربة أفضل عاقبة في البدن؟ قال: “ما صفا في العين، واشتد على اللسان، وطابت رائحته في الأنف، من شراب الكرم”. قيل له: فما تقول في مطبوخه؟ فقال: “مرعى ولا كالسعدان!”. قيل له: فما تقول في نبيذ الزبيب؟ قال: ميت أحيى، فيه بعض المتعة، ولا يكاد يحيا من مات مرة. قيل له: فما تقول في العسل؟ قال: نعم شراب الشيخي ذي الإبردة، والمعدة الفاسدة.
علي بن عياش قال: إني عند الوليد بن يزيد في خلافته، إذ أتي بابن شراعة من الكوفة، فوالله ما سأله عن نفسه ولا سفره، حتى قال له: يا ابن شراعة، إني والله ما بعثت فيك لأسألك عن كتاب الله، ولا سنة رسول. قال: والله لو سألتني عنهما لأصبتني فيهما حماراً. قال: فإنما أرسلت إليك لأسألك عن القهوة. قال: فأنا دهقانها الخبير، وطبيبها العليم. قال: فأخبرني عن الطعام؟ قال: ليس لصاحب الشراب على الطعام حكم، غير أن أنفعه أدسمه، وأشهاه أمرؤه، قال: فما تقول في الشراب؟ قال: ليسأل أمير المؤمنين عما بدا له. قال: فما تقول في الماء؟ قال: لا بد لي منه، والحمار شريكي فيه. قال: فما تقول في السويق؟ قال: شراب الحزين والمستعجل والمريض. قال: فما تقول في اللبن؟ قال: ما رأيته قط إلا استحييت من أمي، من طول ما أرضعتني به. قال: فنبيذ التمر؟ قال: سريع الامتلاء، سريع الانفشاش. قال: فنبيذ الزبيب؟ قال: حاموا به على الشراب. قال: فما تقول في الخمر؟ قال: أوه، تلك صديقة روحي. قال: وأنت والله صديق روحي. قال: وأي المجالس أحسن؟ قال: ما شرب الناس على وجه قط أحسن من النساء.
قال الأصمعي: دخلت على هارون الرشيد، وهو في الفرش منغمس كما ولدته أمه، فقال لي: يا أصمعي، من أين طرقت اليوم؟ قال: قلت احتجمت. قال: وأي شيء أكلت عليها؟ قلت: سكباجة وطباهجة. قال: رميتها بحجرها. قال: هل تشرب؟ قلت: نعم يا أمير المؤمنين:
اسقني حتى تـرانـي مـائلاً وترى عمران ديني قد خرب

قال: يا مسروق، أي شيء معك؟ قال: ألف دينار. قال: ادفعها إليه.

آفات الخمر وجناياتها
أول ذلك أنها تذهب العقل -وأفضل ما في الإنسان عقله- وتحسن القبيح، وتقبح الحسن. قال أبو نواس:

اسقني حتى تراني حسنٌ عندي القبيح
وقال أيضاً:
اسقني صرفاً حمياً تترك الشيخ صبيا
وتريه الغي رشداً وتريه الرشد غيا
وقال أيضاً:
عتقت في الدن حولاً فهي في رقة ديني
وقال الناطق بالحق:
تركت النبيذ وشـرابـه وصرت خدينا لمن عابه
شراب يضل سبيل الرشاد ويفتح للشـر أبـوابـه
وإنما قيل لمشارب الرجل “نديم” من الندامة، لأن معاقر الكأس إذا سكر تكلم بما يندم عليه، وفعل ما يندم عليه، فقيل لمن شاربه نادمه، لأنه فعل مثل ما فعله، فهو نديم له، كما يقال جالسه فهو جليس له. والمعاقر: المدمن، كأنه لزم عقر الشيء، أي فناءه.
وقال أبو الأسود الدؤلي:
دع الخمر يشربها الغواة فإنني رأيت أخاها مغنياً بمكانـهـا
فإلا يكنها أو تكـنـه فـإنـه أخوها غذته أمه بلبـانـهـا
وقد شهر أصحاب الشراب بسوء العهد، وقلة الحفاظ، وأنهم صديقك ما استغنيت حتى تفتقر، وما عوفيت حتى تنكب، وما غلت ذنانك حتى تنزف، وما رأوك بعيونهم حتى يفقدوك. قال الشاعر:
أرى كل قومٍ يحفظون حريمهم وليس لأصحاب النبيذ حـريم
إذا جئتهم حيوك ألفاً ورحبـوا وإن غبت عنهم ساعة فذمـيم

إخاؤهم ما دارت الكأس بينهم وكلهم رث الوصـال سـئوم
فهذا ثنائي لم أقل بـجـهـالة ولكنني بالفاسـقـين عـلـيم

وقال قصي بن كلاب لبنيه: اجتنبوا الخمر، فإنها تصلح الأبدان، وتفسد الأذهان.
وقيل لعدي بن حاتم: مالك لا تشرب الخمر؟ قال: لا أشرب ما يشرب عقلي.
وقيل له: مالك لا تشرب النبيذ؟ قال: معاذ الله أن أصبح حكيم قومي وأمسي سفيههم.
وقيل لأعرابي: مالك لا تشرب النبيذ؟ قال: لا أشرب ما يشرب عقلي. وقال يزيد بن الوليد: النشوة تحل الحبوة.

وقيل لعثمانبن عفان رضي الله عنه: ما منعك من شرب الخمر في الجاهلية، ولا حرج عليك فيها؟ قال: إني رأيتها تذهب العقل جملة، وما رأيت شيئاً يذهب جملةً ويعود جملة.
وقال أيضاً: ما تغنيت، ولا تفتيت، ولا شربت خمراً، ولا مسست فرجي بيدي بعد أن خططت بها المفصل.
وقال عبد العزيز بن مروان لنصيب بن رباح: هل لك فيما يثمر المحادثة؟ ثريد المنادمة؟ قال: أصلح الله الأمير، الشعر مفلفل، واللون مرمد، ولم أقعد إليك بكرم عنصر، ولا بحسن منظر، وإنما هو عقلي ولساني، فإن رأيت ألا تفرق بينهما فافعل.وربما أذهبت الكأس البيان، وغيرت الخلقة، فيعظم أنف الرجل ويحمر ويترهل.وقال جرير في الأخطل:
وشربت بعد أبي ظهير وابنه سكر الدنان كأن أنفك دمل

شبه أنفه بالدمل في ورمه وحمرته.
وقال آخر في حماد الراوية:
نعم الفتى، لو كان يعرف ربـه ويقيم وقت صلاتـه حـمـاد
هدلت مشافره الدنان، فأنـفـه مثل القدوم يسنـهـا الـحـداد

وأبيض من شرب المدامة وجهه فبياضه يوم الحـسـاب سـواد
ودخل أمية بن عبد الله بن أسيد على عبد الملك بن مروان وبوجهه أثر، فقال: ما هذا؟ فقال: قمت بالليل فأصاب الباب وجهي. فقال عبد الملك:

رأتني صريع الخمر يوماً فسؤتها وللشاربيها المدمنيها مصـارع
فقلت: لا واخذك الله يا أمير المؤمنين بسوء ظنك. فقال: بل واخذك الله بسوء مصرعك.
وقال حسان بن ثابت
تقول شعثاء لو صحوت عن ال كأس لأصبحت مثري العـدد
أنسى حديث الندمان في فلق ال صبح وصوت المسامر الغرد
لا أخدش الخدش بالجلـيس ولا يخشى نديمي إذا انتشـيت يدي
يأبى لي السيف واللسان وقـو م لم يساموا كلـبـدة الأسـد
وقال ابن الموصلي:
سلام على سير القلاص مع الركب ووصل الغواني والمدامة والشرب
سلام أمئ لم تبـق مـنـه بـقـية سوى نظر العينين أو شهوة القلب
لعمري لئن نكبت عن منهل الصبـا لقد كنت وراداً لمشربه الـعـذب
ليالي أمشي بـين بـردي لاهـبـاً أميس كغصن البانة الناعم الرطب
ويروى أن الحسن بن زيد لما ولي المدينة قال لإبراهيم بن هرمة: لا تحسبني كمن باع لك دينه رجاء مدحك، وخوف ذمك، فقد رزقني الله بولادة نبيه الممادح، وجنبني المقابح، وإن من حقه علي ألا أغضي على تقصير في حقه، وإني أقسم لئن أتيت بك سكران لأضربنك حدين: حد الخمر، وحد السكر ولأزيدنك لموضع حرمتك، فليكن تركك لها لله تعن عليه، ولا تدعها للناس فتوكل إليهم. فنهض ابن هرمة وهو يقول:
نهاني ابن الرسول عن المـدام وأدبـنـي بـآداب الـكـرام
وقال لي اصطبر عنها ودعها لخوف الله لا خـوف الأنـام
وكيف تصبرني عنها وحبـي لها حب تمكن في العـظـام
أرى طيب الحلال علي خبثـاً وطيب النفس في خبث الحرام
وذكروا أن حارثة بن بدر الغداني كان فارس بني تميم وشريفها، وكان قد غلب على زياد، وكان الشراب قد غلب عليه، فقيل لزياد: إن هذا قد غلب عليك، وهو رجل مستهتر بالشراب. فقال لهم: كيف باطراح رجلٍ ما راكبني قط فمست ركبتي ركبته، ولا تقدمني فنظرت إلى قفاه، ولا تأخر عني فلويت إليه عنقي، ولا سألته عن شيء قط إلا وجدت علمه عنده. فلما مات زياد جفاه ولده عبيد الله بن زياد، فقال له حارثة: أيها الأمير: ما هذا الجفاء مع معرفتك بحالي عند أبي المغيرة؟ فقال له عبيد الله: إن أبا المغيرة قد برع بروعاً لم يلحقه معه عيب؛ وأنا حدث، وإنما أنسب إلى من تغلب علي، وأنت رجل نديم الشراب، فدع النبيذ وكن أول داخلٍ وآخر خارج. فقال حارثة: أنا لا أدعه لله، أفادعه لك؟ قال: فاختر من عملي ما شئت! قال: ولني رامهرمز، فإنها عذبة، وسرق، فإن بها شراباً وصف لي عنه فولاه إياها، فلما خرج شيعه الناس. وكتب إليه أنس بن أبي أنيس:
أحار بن بدر قـد ولـيت ولايةً فكن جرذاً فيها تخون وتسـرق
ولا تحقرن يا حار شيئاً تخونـه فحظك من ملك العراقين سرق
وبادر تميماً بالغنى إن للغنـى لساناً به المرء الهيوبة ينطق
فإن جميع الناس إما مكـذب يقول بما تهوي، وإما مصدق
يقولون أقوالاً ولا يعلمونـهـا ولو قيل يوماً حققوا لم يحققوا
فوقع حارثة في أسفل كتابه “لا بعد عنك الرشد “.
ولما خرجت الأزارقة على أهل البصرة لاقاهم حارثة بن بدر، وتولى حربهم في أصحابه في فرسانٍ من بني يربوع، حتى أصيب في تلك الحروب. وقال فيه الشاعر:
فلولا ابن بدر للعراقين لـم يقـم لما قام فيه للعراقـين إنـسـان
إذا قيل من حامي الحقيقة أو مأت إليه معد بالأكف وقـحـطـان
وقال الشاعر
شربنا من الداذي حتى كأنـنـا ملوك لهم في كل ناحية وفر
فلما علت شمس النهار رأيتنـا تخلى الغنى عنا وعاودنا الفقر
وكان أبو الهندي من ولد شبث بن ربعي الرياحي، من بني يربوع، وكان قد غلب عليه الشراب، على كريم منصبه، حتى كاد يبطله، وكان قد ضاف إلى راعٍ يسمى سالماً، فسقاه قدحاً من لبن، فكرهه وقال:
سيغني أبا الهندي عن وطب سالم أباريق كالغزلان بيض نحورها

مفدمة قـزاً كـأن رقـابـهـا رقاب كراكٍ أفزعتها صقورها
فما ذر قرن الشمس حتى كأنما أرى قريةً حولي تزلزل دورها
ولقيه نصر بن سيار، والي خراسان، وهو يميد سكراً فقال له: أفسدت مروءتك وشرفك. قال: لو لم أفسد مروءتي لم تكن أنت والي خراسان.
ومرض أبو الهندي، فلما وجد فقد الشراب جعل يبكي ويقول:
رضيع المدام فارق الراح روحه فظل عليها مستهل المـدامـع
أديرا علي الكأس إني فقدتـهـا كما فقد المفطوم در المراضع
وكان يشرب مع قيس بن أبي الوليد الكناني، وكان أبو الوليد ناسكاً، فاستعدى عليه وعلى ابنه، فهرب معه، وقال فيه أبو الهندي:
قل للسري أبي قيس أتوعـدنـا ودارنا أصبحت من داركم صددا
أبا الوليد أما والله لو عـلـمـت فيك الشمول لما حرمتهـا أبـدا
ولا نسيت حمياهـا ولـذتـهـا ولا عدلت بها مـالاً ولا ولـدا
وشرب أبو الهندي في غرفة مع نديمٍ له، فاطلع منها فإذا بميت يزف به على شرجع
، فالتفت إلى صاحبه فقال
اصبب على قلبك من بردها إني أرى الناس يموتـونـا
فكان هذا القول منه “دليلاً” على “عدم” اتعاظه بالموت.
وكان أبو الهندي عجيب الجواب، وجلس إليه رجل كان صلب أبوه في جناية، فجعل يعرض له بالشراب، فقال أبو الهندي: أحدهم يبصر القذى في عين أخيه، ولا يبصر الجذع المعترض في أست أبيه! وقال عبد الرحمن بن أم الحكم

وكأس ترى بين الإناء وبينهـا قذى العين قد نازعت أم أبان
ترى شاربيها حين يعتورانهـا يميلان أحـيانـاً ويعـتـدلان
فما ظن ذا الواشي بأروع ماجد وعذراء خود حين يلتـقـيان
دعتني أخاها أم عمرو ولم أكن أخاها ولم أرضع لها بلـبـان
دعتني أخاها بعد ما كان بيننـا من الأمر ما لا يفعل الأخوان
وقال:
لا هنيئاً بما شربـت مـريئاً ثم قم صاغراً وغير كـريم
لا أحب النديم يومض بالعين إذا ما انتشى لعرس النديم
وقال أبو العباس المبرد: ودخل عمرو بن مسعدة على المأمون، وبين يديه جام زجاج، فيه سكر طبرزذ، وملح جريش، قال: فسلمت عليه، فرد وعرض علي الأكل، فقلت: ما أريد شيئاً. هنأك الله يا أمير المؤمنين، فلقد باكرت الغداء. قال: بت جائعاً! ثم أطرق ورفع رأسه وهو يقول:
اعرض طعامك وابذله لمـن دخـلا واعزم على من أبى واشكر لمن أكلا
ولا تكن سابري العرض محتشـمـاً من القليل فلست الدهر محـتـفـلا
ودعا برطل، ودخل شيخ من جلة الفقهاء فمد يده إليه، فقال: والله يا أمير المؤمنين، ما شربتها ناشئاً، فلا تسقينها شيخاً. فرد يده إلى عمرو بن مسعدة، فأخذها منه وقال: يا أمير المؤمنين، فإني عاهدت الله في الكعبة ألا أشربها أيضاً. ففكر طويلاً والكأس في يد عمرو بن مسعدة، فقال:
ردا علي الكأس إنـكـمـا لا تعلمان الكأس ما تجـدي
لو ذقتما ما ذقت ما امتزجت إلا بدمعكما مـن الـوجـد
خوفتماني اللـه ربـكـمـا وكخيفتيه رجاؤه عـنـدي
إن كنتما لا تشربان مـعـي خوف العقاب شربتها وحدي
شرب المأمون ويحيى بن أكثم القاضي وعبد الله بن طاهر، فتغامز المأمون وعبد الله على سكر يحيى، فغمز يد الساقي فأسكره، وكان بين أيديهم رزم من ورد ورياحين، فأمر المأمون فشق له لحد في الورد والرياحين، وصيروه فيه، وعمل بيتي شعر، ودعا قينة، فجلست عند رأسه وحركت العود وغنت:
دعوته وهو حي لا حراك بـه مكفنٌ في ثياب مـن رياحـين
فقلت قم قال رجلي لا تطاوعني فقلت خذ قال كفي لا تواتينـي
فانتبه يحيى لرنة العود، وقال مجيباً لها:

يا سيدي وأمير النـاس كـلـهـم قد جار في حكمه من كان يسقيني
إني غفلت عن الساقي فصيرنـي كما تراني سليب العقـل والـدين
لا أستطيع نهوضاً قد وهى جسدي ولا أجيب المنادي حين يدعونـي
فاختر لبغداد قاضٍ إننـي رجـلٌ الراح تقتلني والعـود يحـيينـي
حدثنا أبو جعفر البغدادي قال: كان بالجزيرة رجل يبيع نبيذاً في ماخورٍ له، وكان بيته من قصب، وكان يأتيه قوم يشربون عنده، فإذا عمل فيهم الشراب قال بعضهم لبعض: أما ترون بيت هذا النباذ من قصب؟ فيقول بعضهم: علي الآجر، ويقول الآخر: علي الجص، ويقول الآخر: علي أجرة العامل. فإذا أصبحوا لم يعملوا شيئاً، فلما طال ذلك على النباذ قال فيهم:
لنـا بـيت يهـدم كــل يوم ويصبح حين يصبح جذم خص
إذا ما دارت الأقداح قـالـوا غداً نبنـي بـآجـر وجـص
وكيف يشيد الـبـنـيان قـومٌ يمرون الشتاء بغير قـمـص
ودخل حارثة بن بدر على زياد، وبوجهه أثر، فقال: ما هذا؟ قال: ركبت فرسي الأشقر فصرعني. قال: أما إنك لو ركبت الأشهب ما صرعك.
أراد حارثة بالأشقر النبيذ، وأراد زياد بالأشهب اللبن.
وكان قيس بن عاصم يأتيه في الجاهلية تاجر خمر، فيبتاع منه، ولا يزال الخمار في جواره حتى ينفذ ما عنده. فشرب قيس ذات يوم فسكر سكراً قبيحاً، فجذب ابنته وتناول قرنها، ورأى القمر فتكلم بشيء، ثم نهب ماله ومال الخمار، وأنشأ يقول:
من تاجر فاجر جاء الإلـه بـه كأن لحيتـه أذنـاب أجـمـال
جاء الخبيث ببيسانـيةٍ تـركـت صحبي وأهلي بلا عقل ولا مال
فلما صحا أخبر بما صنع وما قال، فآلى ألا يذوق خمراً أبداً. -وربما بلغت جناية الكأس إلى عقب الرجل ونجله. قال المأمون: “يا نطف الخمار، ونزائع الظؤور، وأشباه الخؤولة”.
وقال الشاعر:
لما رأيت الحظ حظ الجاهل ولم أر المغبون غير العاقل
رحلت عنساً من كروم بابل فبت من عقلي على مراحل
وقال آخر يصف السكر:
شربنا شربة وأخرى بالمروح، ثم رحـنـا ً مـن ذات عـرقٍ بأطراف الزجاج من العصير نرى العصفور أعظم من بعير

كأن الديك ديك بـنـي تـمـيم أمير المؤمنين على السـرير
كأن دجاجهم في الدار رقطـا بنات الروم في قمص الحرير
فبت أرى الكواكـب دانـياتٍ ينلن أنامل الرجل القـصـير
أدافعهن بالـكـفـين مـنـي وألثم لبة القمـر الـمـنـير
وقال الشاعر:
دع النبيذ تكن عـدلاً، وإن كـثـرت فيك العيوب، وقل ما شئت يحتمـل
هو المشيد بأخبار الرجـال فـمـا يخفى على الناس ما قالوا وما فعلوا
كم زلةٍ من كريم ظل يسـتـرهـا من دونها ستر الأبواب والـكـلـل
أضحت كنارٍ على علـياء مـوقـدةٍ ما يستسر لها سـهـل ولا جـبـل
والعقل علق مصونٌ لو يباع لـقـد ألفيت بياعه يعطون مـا سـألـوا
فاعجب لقوم مناهم في عقولهـم أن يذهبوها بعل بعـده نـهـل
قد عقدت بخمار الكأس ألسنهـم عن الصواب ولم يصبح بها علل
وزررت بسنات النوم أعينـهـم كأن أحداقها حول وما حولـوا
تخال رائحهم من بعد غـدوتـه حبلى أضر بها في مشيها الحبل
فإن تكلم لم يقصد لـحـاجـتـه وإن مشى قلت مجنون به خبل
وقال:
أخو الشراب ضائع الصلاة وضائع الحرمة والحاجات
وحاله من أقبح الحـالات في نفسه والعرس والبنات
أف لـه أفٍ إلـى أفـات خمسة آلافٍ مؤلـفـاتٍ
من حد من الأشراف في الخمر
وشهر بها
منهم يزيد بن معاوية، وكان يقال له: يزيد الخمور، وبلغه أن مسور بن مخرمة يرميه بشرب الخمر، فكتب إلى عامله بالمدينة: أن يجلد مسوراً حد القذف، ففعل. فقال مسور:
أيشربها صرفاً بطين دنانـهـا أبو خالدٍ ويضرب الحد مسور
وممن حد في لشراب الوليد بن عقبة بن أبي معيط، أخو عثمان بن عفان لأمه. شهد أهل الكوفة عليه أنه صلى بهم الصبح ثلاث ركعات وهو سكران. ثم التفت إليهم فقال: إن شئتم زذتكم! فجلده علي بن أبي طالب بين يدي عثمان. وفيه يقول الحطيئة، وكان نديمه أبو زبيد الطائي:
شهدت الحطيئة يوم يلقى ربه أن الوليد أحق بـالـعـذر
نادى وقد تمت صـلاتـهـم ليزيدهـم خـيراً ولا يدري
ليزيدهم خيراً ولو قـبـلـوا لقرنت بين الشفع والوتـر
كبحوا عنانك إذ جريت ولـو تركوا عنانك لم تزل تجري
ومنهم عبيد الله بن عمر بن الخطاب، شرب بمصر، فحده هناك عمرو بن العاص سراً. فلما قدم إلى عمر جلده حداً آخر علانية.
ومنهم العباس بن عبد الله بن عباس، كان ممن شهر بالشراب ومنادمة الأخطل الشاعر. وفيه يقول الأخطل:
ولقد غدوت على التجار بمسمحٍ هرت عواذله هرير الأكلـب
لباس أردية الملوك تـروقـه من كل مرتقبٍ عيون الربرب
ومنهم قدامة بن مظعون، من أصحاب رسول الله )، حده عمر بن الخطاب بهشادة علقمة الخصي وغيره، في الشراب.
ومنهم عبد الرحمن بن عمر بن الخطاب المعروف بأبي شحمة، حده أبوه في الشراب، وفي أمر أنكره عليه.
ومنهم عبد الله بن عروة بن الزبير، حده هشام بن إسماعيل المخزومي في الشراب.
ومنهم عاصم بن عمر بن الخطاب، حده بعض ولاة المدينة في الشراب.
ومنهم عبد العزيز بن مروان، حده عمرو الأشدق.
وممن فضح بالشراب بلال بن أبي بردة الأشعري، وفيه يقول يحيى ابن نوفل الحميري:
وأمـا بـلال فـذاك الـذي يميل الشراب به حيث مـالا
يبيت يمص عتيق الـشـراب كمص الوليد يخاف الفصالا
ويصبح مضطرباً نـاعـسـاً تخال من السكر فيه احولالاً
ويمشي ضعيفاً كمشي النزيف تخال به حين يمشي شكـالا
وممن شهر بالشراب عبد الرحمن بن عبد الله الثقفي، القاضي بالكوفة. وفضح بمنادمة سعد بن هبار. وفيه يقول حارثة بن بدر:
نهاره في قـضـايا غـير عـادلة وليله في هوى سعد بـن هـبـار
ما يسمع الناس أصواتاً لهم عرضت إلا دوياً، دوي النحل في الـغـار
يدين أصحـابـه فـيمـا يدينـهـم كأساً بكأس وتكراراً بـتـكـرار
فأصبح الناس أطلاحاً أضربـهـم حث المطي وما كانوا بـسـفـار
ومنهم أبو محجن الثقفي، وكان مغرماً بالشراب، وقد حده سعد بن أبي وقاص في الخمر مراراً. وشهد القادسية مع سعد، وأبلى فيها بلاء حسناء. وهو القائل:
إذا مت فادفني إلى ظـل كـرمة تروي عظامي بعد موتي عروقها
ولا تدفنني بالـفـلاة فـإنـنـي أخاف إذا مامـت ألا أذوقـهـا
ثم حلف بالقادسية ألا يشرب خمراً أبداً، وأنشأ يقول
إن كانت الخمر قد عزت وقد منعت وحال من دونها الإسلام والحـرج
فقد أباكرها صهـبـاء صـافـيةً طوراً وأشربها صرفاً وأمـتـزج
وقد تقوم على رأسي مغـنـية فيها إذا رفعت من صوتها غنج
فتخفض الصوت أحياناً وترفعه كما يطن ذباب الروضة الهزج
ومنهم عبد الملك بن مروان، وكان يسمى “حمامة المسجد”، لاجتهاده في العبادة قبل الخلافة. فلما أفضت إليه الخلافة شرب الطلاء، وقال له سعيد بن المسيب: بلغني يا أمير المؤمنين أنك شربت بعدي الطلاء؟ فقال: إي والله، والدماء! ومنهم الوليد بن يزيد، ذهب به الشراب كل مذهب حتى خلع، وقتل. وهو القائل:
خذوا ملككم لا ثبت الله ملككم ثباتاً يساوي ما حييت عقـالا
دعوا لي سلمى والنبيذ وقينة وكأساً ألا حسبي بذلك مـالا
أبالملك أرجو أن أخلد فيكـم ألا رب ملك قد أزيل فزالا
وسقى قوم أعرابية مسكراً، فقالت: أيشرب نساؤكم هذا الشراب؟ قالوا: نعم. قالت: فما يدري أحدكم من أبوه! ومنهم إبراهيم بن هرمة، وكان مغرماً بالشراب، وحده عليه جماعة من عمال المدينة؛ فلما ألحوا عليه وضاق ذرعه بهم، دخل إلى المهدي بشعره الذي يقول فيه:
له لحظات عن حفافي سـريره إذا كرها فيها عقـاب ونـائل
لهم طينة بيضاء من آل هاشـم إذا اسود من لؤم التراب القبائل
إذا ما أتى شيئاً مضى كالذي أتى وإن قال إني فاعل فهو فاعـل
فأعجب المهدي بشعره، وقال له: سل حاجتك. قال: تأمر لي بكتاب إلى عامل المدينة أن لا يحدني على شراب. فقال له: ويلك، كيف نأمر بذلك؟ لو سألتني عزل عامل المدينة وتوليتك مكانه لفعلت. قال: يا أمير المؤمنين: ولو عزلت عامل المدينة ووليتني مكانه، أما كنت تعزلني أيضاً وتولي غيري؟ قال: بلى. قال: فكنت أرجع إلى سيرتي الأولى. فقال المهدي لوزرائه: ما تقولون في حاجة ابن هرمة وما عندكم فيها من التلطف؟ قالوا: يا أمير المؤمنين، إنه يطلب مالا سبيل إليه: إسقاط حد من حدود الله. قال المهدي: إن عندي له حيلةً، إذ أعيتكم الحيل فيه، اكتبوا له إلى عامل المدينة: من أتاك بابن هرمة سكران فيضرب ابن هرمة ثمانين، ويضرب الذي يأتيك به مائة. فكان ابن هرمة إذا مشى في أزقة المدينة يقول: من يشتري مائه بثمانين؟ وكان بأمج رجل يقال له: حميد، وكان مفتوناً بالخمر، فهجاه ابن عم له، وقال فيه:
حمـيد الـذي أمـــج داره أخو الخمر ذو الشيبة الأصلع
علاه المشيب على شربـهـا وكان كريماً، فـمـا ينـزع
ودخل حميد يوماً على عمر بن عبد العزيز، فقال له: من أنت؟ قال: أنا حميد. قال: “حميد الذي “؟ قال: والله يا أمير المؤمنين ما شربت مسكراً منذ عشرين سنة. فصدقه بعض جلسائه فقال له: إنما داعبناك.
الفرق بين الخمر والنبيذ
أول ذلك أن تحريم الخمر مجمع عليه لا اختلاف فيه بين اثنين من الأئمة والعلماء. وتحريم النبيذ مختلف فيه بين الأكابر من أصحاب النبي ) والتابعين بإحسان. حتى لقد اضطر محمد بن سيرين في علمه وورعه أن يسأل عبيدة السلماني عن النبيذ. فقال له عبيدة: اختلف علينا في النبيذ. وعبيدة ممن أدرك أبا بكر وعمر. فما ظنك بشيء اختلف فيه الناس وأصحاب النبي عليه الصلاة والسلام متوافرون، فمن بين كطلق له ومحظر عليه؟ وكل واحدٍ منهم يقيم الحجج لمذهبه، والشواهد على قوله.
والنبيذ كل ما نبذ في الدباء والمزفت، فاشتد حتى يسكر كثيره. وما لم يشتد فليس يسمى نبيذا، كما أنه ما لم يغل من عصير العنب حتى يشتد فليس يسمى خمراً، كمال قال الشاعر:
نبيذ إذا مر الذباب بـدنـه تقطر أو خر الذباب وقيذا
وقيل لسفيان الثوري، وقد دعا بنبيذٍ فشرب منه، ووضعه بين يديه: يا أبا عبد الله، أخشى الذباب أن يقع في النبيذ. قال: قبحه الله، إذا لم يذب عن نفسه.
وقال حفص بن غياث: كنت عند الأعمش وبين يديه نبيذ، فاستأذن عليه قومٌ من طلبة الحديث، فسترته، فقال لي: لم سترته؟ فكرهت أن أقول: لئلا يراه من يدخل، فقلت: كرهت أن يقع فيه الذباب. فقال لي: هيهات، إنه أمنع من ذلك جانباً.
ولو كان النبيذ هو الخمر التي حرمها الله في كتابه ما اختلف في تحريمه اثنان من الأمة.
دث محمد بن وضاح قال: سألت سحنون، فقلت: ما تقول فيمن حلف بطلاق زوجته، إن المطبوخ من عصير العنب هو الخمر، التي حرمها الله في كتابه؟ قال: بانت زوجته منه.
وذكر ابن قتيبة في كتاب الأشربة: إن الله تعالى حرم علينا الخمر بالكتاب، والمسكر بالسنة، فكان فيه فسحة، فما كان محرماً بالكتاب فلا يحل منه لا قليل ولا كثير، وما كان محرماً بالسنة فإن فيه فسحةً أو في بعضه، كالقليل من الديباج والحرير يكون في الثوب، والحرير محرم بالسنة. وكالتفريط في صلاة الوتر، وركعتي الفجر، وهما سنة. فلا تقول: إن تاركهما كتارك الفرائض من الظهر والعصر. وقد استأذن عبد الرحمن بن عوف رسول الله ) في لباس الحرير لبلية كانت به، وأذن لعرفجة بن سعد، وكان أصيب أنفه يوم الكلاب، باتخاذ أنفٍ من الذهب. وقد جعل الله فيما أحل عوضاً مما حرم، فحرم الربا وأحل البيع، وحرم السفاح وأحل النكاح، وحرم الديباج وأحل الوشي، وحرم الخمر وأحل النبيذ غير المسكر. والمسكر منه ما أسكرك.
مناقضة ابن قتيبة في قوله في الأشربة
قال في كتابه: فإن قال قائل: إن المنكر هو الشربة المسكرة، أكذبه النظر. لأن القدح الأخير إنما أسكر بالأول، وكذلك اللقمة الأخيرة إنما أشبعت بالأولى. ومن قال: السكر حرام، فإنما ذلك مجازٌ من القول، وإنما يريد ما يكون منه السكر حرام. وكذلك التخمة حرام.وهذا الشاهد الذي استشهد به في تحريمه “قليل ما أسكره كثيره” وتشبيهه ذلك بالتخمة شاهد عليه لا شاهد له؛ لأن الناس مجمعون أن قليل الطعام الذي تكون منه التخمة حلال، وكثيره حرام. وكذلك ينبغي أن يكون قليل النبيذ الذي يسكر كثيره حلالاً، وكثيره حرام، وأن الشربة الآخرة المسكرة هي المحرمة. ومثل الأربعة الأقداح التي يسكر منها القدح الرابع، مثل أربعة رجال اجتمعوا على رجل، فشجه أحدهم موضحة، ثم شجه الثاني منقلة، ثم شجه الثالث مأمومة، ثم أقبل الرابع فأجهز عليه. فلا نقول: إن الأول هو قاتله، ولا الثاني، ولا الثالث، وإنما قتله الرابع الذي أجهز عليه. وعليه القود.
وذكر ابن قتيبة في كتابه، بعد أن ذكر اختلاف الناس في النبيذ، وما أدلى به كل قومٍ من الحجة. فقال: وأعدل القول عندي أن تحريم الخمر بالكتاب وتحريم النبيذ بالسنة، وكراهية ما أفتر وأخدر من الأشربة تأديب.ثم زعم في هذا الباب بعينه أن الخمر نوعان: فنوع منهما مجتمع على تحريمه، وهو خمر العنب من غير أن تمسه نار، لا يحل منه لا قليل ولا كثير. ونوع آخر مختلف فيه، وهو نبيذ الزبيب إذا اشتد، ونبيذ التمر إذا صلب، وهو يسمى السكر، ولا يسمى السكر إلا نبيذ التمر خاصةً.وقال بعض الناس: ليس نبيذ التمر خمراً. ويحتجون بقول عمر: ما انتزع بالماء فهو حلال، وما انتزع بغير الماء فهو حرام.
وقال ابن قتيبة: وقال آخرون: هو خمر حرام كله. وهذا هو القول عندي، لأن تحريم الخمر نزل وجمهور الناس مختلفة، وكلها يقع عليها هذا الاسم في ذلك الوقت.وذكر أن أبا موسى قال: خمر المدينة من البسر والتمر، وخمر أهل فارس من العنب، وخمر أهل اليمن من البتع، وهو نبيذ العسل. وخمر الحبشة السكركة وهي من الذرة، وخمرة التمر يقال له: البتع والفضيخ.
وذكر أن عمر قال: الخمر من خمسة أشياء: من البر، والشعير، والتمر، والزبيب، والعسل.والخمر ما خامر العقل. ولأهل اليمن أيضاً شراب من الشعير، يقال له المزر.فزعم ها هنا ابن قتيبة أن هذه الأشربة كلها خمر. وقال: هذا هو القول وقد تقدم له في صدر الكتاب أن النبيذ لا يسمى نبيذاً حتى يشتد ويسكر كثيره، كما أن عصير العنب لا يسمى خمراً حتى يشتد، وأن صدر هذه الأمة وأئمة الدين لم يختلفوا في شيء اختلافهم في النبيذ، وكيفيته.ثم قال فيما حكم به بين الفريقين: أما الذين يذهبون إلى تحريمه كله ولم يفرقوا بين الخمر وبين نبيذ التمر، وبين ما طبخ وبين ما نقع، فإنهم غلوا في القول جداً، ونحلوا قوماً من أصحاب رسول الله ) البدريين، وقوماً من خيار التابعين، وأئمة من السلف المتقدمين شرب الخمر. زينوا ذلك بأن قالوا: شربوها على التأويل. وغلطوا في ذلك، فأتهموا القوم، ولم يتهموا نظرهم، ونحلوهم الخطأ، وبرءوا أنفسهم منه. فعجبت منه، كيف يعيب هذا المذهب ثم يتقلده، ويطعن على قائله ثم يقول به. إلا أني نظرت في كتابه فرأيته قد طال جداً، فأحسبه أنسي في آخره ما ذهب إليه في أوله.
والقول الأول من قوله هو المذهب الصحيح الذي تأنس إليه القلوب، وتقبله العقول، لا قوله الآخر الذي غلط فيه.
احتجاج المحرمين لقليل النبيذ وكثيره
ذهبوا أجمعوا أن جميع ما أسكر كثيره من الشراب فقليله حرام، كتحريم الخمر. وقال بعضهم: بل هو الخمر بعينها، ولم يفرقوا بين ما طبخ وبين ما نقع. وقضوا عليه كله أنه حرام. وذهبوا من الأثر إلى حديثٍ رواه عبد الله ابن قتيبة عن محمد بن خالد بن خداش، عن أبيه، عن حماد بن زيد، عن أيوب، عن نافع، عن ابن عمر: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: “كل مسكر حرام وكل مسكر خمر”. وحديثٍ رواه ابن قتيبة عن إسحاق بن راهويه، عن المعتمر بن سليمان، عن ميمون بن مهدي، عن أبي عثمان الأنصاري، عن القاسم عن عائشة، أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: “كل مسكر حرام. وما أسكر منه الفرق فالحسوة منه حرام”.والفرق: ستة عشر رطلاً. وللعرب أربعة مكاييل مشهورة: فأصغرها المد، وهو رطل وثلث في قول الحجازيين، ورطلان في قول العراقيين. وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم يتوضأ بالمد.والصاع: أربعة أمداد، خمسة أرطال وثلث، في قول الحجازيين، وثمانية أرطال في قول العراقيين. وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم يغتسل بالصاع.والقسط وهو رطلان وثلثان، في قول الناس جميعاً. والفرق، وهو ستة عشر رطلاً، ستة أقساط في قول الناس جميعاً.
وذهبوا إلى حديثٍ رواه ابن قتيبة عن محمد بن عبيد عن ابن عيينة عن الزهري عن أبي سلمة، عن اعائشة؛ أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: “كل شراب أسكر فهو حرام”، مع أشباهٍ لهذا من الحديث يطول الكتاب باستقصائها، إلا أن هذه أغلظها في التحريم، وأبعدها من حيلة المتأول.قالوا: والشاهد على ذلك من النظر: أن الخمر إنما حرمت لإسكارها وجنايتها على شاربها، ولأنها رجس، كما قال الله.
ثم ذكروا من جنايات الخمر ما قد ذكرناه في صدر كتابنا هذا، في باب آفات الخمر وجناياتها.ثم قالوا: فالعلة التي لها حرمت الخمر من الإسكار، ومن الصداع والصد عن ذكر الله وعن الصلاة، قائمة بعينها في النبيذ كله المسكر. فسبيله الخمر، لا فرق بينهما في الدليل الواضح، والقياس الصحيح. كما أن حديث النبي صلى الله عليه وسلم في الفأرة إذا وقعت في السمن، إنه كان جامداً ألقيت وألقي ما حولها، وإن كان ذائباً أريق السمن. فحملت العلماء الزيت وغيره محمل السمن، بالدليل الواضح.وعلمت أن النبي صلى الله عليه وسلم لم يقصد إلى السمن خاصة بنجس الفأرة، وإنما سئل عن الفأرة تقع في السمن فأفتى به، فقاس العلماء الزيت وغيره بالسمن. وكما أمر في الاستنجاء بثلاثة أحجار، فعلم أهل العلم أنه إنما أراد صلى الله عليه وسلم بالثلاثة الأحجار للتنقية من الأذى، فأجازوا كل ما أنقى: من الخزف، والخرق، وغير ذلك، وحملوه محمل ثلاثة الأحجار. ولما حرمت الخمر لعلةٍ قائمة في النبيذ المسكر حمل النبيذ محمل الخمر في التحريم.
قالوا: ووجدناهم يقولون لمن غلب عليه غنث النفس وصداع الرأس من الخمر: مخمور وبه خمار. ويقولون مثل ذلك في شارب النبيذ، ولا يقولون: منبوذ، ولا به نباذ. والخمار مأخود من الخمر، كما يقال: الكباد في وجع الكبد، والصدار في وجع الصدر.وذهبوا في تحريم النبيذ إلى حديث أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم، “أنه نهى عن أن ينبذ في الدباء والمزفت”، وقالوا: لمن أجاز قليل ما أسكر كثيره: إنه ليس بين شارب المسكر وموافقته السكر حد ينتهى إليه، ولا يوقف عنده، ولا يعلم شارب من شاربي المسكر متى يسكر حتى يسكر كما لا يعلم الناعس متى يرقد حتى يرقد. وقد يشرب الرجل من الشراب المسكر قدحين وثلاثة أقداح ولا يسكر. ويشرب من غيره قدحاً واحداً فيسكر، لا، بل قد يختلف طبع الرجل في نفسه، فيسكر مرة من القدحين ويشرب مرة أخرى ثلاثة أقداح فلا يسكر.

رسالة عمر بن عبد العزيز إلى أهل الأمصار في الأنبذة

“أما بعد فإن الناس كان منهم في هذا الشراب المحرم أمر ساءت فيه رغبة كثير منهم، حتى سفه أحلامهم، وأذهب عقولهم، فاستحل به الدم الحرام، والفرج الحرام، وإن رجالاً منهم ممن يصيب ذلك الشراب يقولون: شربنا طلاء، فلا بأس علينا في شربه. ولعمري إن فيما قرب مما حرم الله بأساً، وإن في الأشربة التي أحل الله: من العسل، والسويق، والنيذ من الزبيب والتمر لمندوحةً عن الأشربة الحرام، غير أن كل ما كان من نبيذ العسل والتمر والزبيب فلا ينبذ إلا في أسقية الأدم التي لا زفت فيها، ولا يشرب منها ما يسكر؛ فإنه بلغنا أن رسول الله صلى الله عليه وسلم نهى عن شرب ما جعل في الجرار، والدباء، والظروف المزفتة. وقال: “كل مسكر حرام”. فاستغنوا بما أحل الله لكم عما حرم عليكم. وقد أردت بالذي نهيت عنه من شرب الخمر وما ضارع الخمر من الطلاء، وما جعل في الدباء والجرار والظروف المزفتة، وكل مسكر -اتخاذ الحجة عليكم. فمن يطع منكم فهو خير له. ومن يخالف إلى ما نهي عنه نعاقبه على العلانية، ويكفنا الله ما أسر. فإنه على كل شيء رقيب. ومن استخفى بذلك عنا فإن الله أشد بأساً وأشد تنكيلاً”.
احتجاج المحللين للنبيذ
قال المحللون لكل ما أسكر كثيره من النبيذ: إنما حرمت الخمر بعينها خمر العنب خاصةً بالكتاب، وهي معقولة مفهومة، لا يمتري فيها أحدٌ من المسلمين، وإنما حرمها الله تعبداً لا لعلة الإسكار كما ذكرتم، ولا لأنها رجس كما زعمتم. ولو كان ذلك كذلك لما أحلها الله للأنبياء المتقدمين، والأمم السالفين، ولا شربها نوحٌ بعد خروجه من السفينة، ولا عيسى ليلة رفع، ولا شربها أصحاب محمد صلى الله عليه وسلم في صدر الإسلام.
وأما قولكم: إنها رجس، فقد صدقتم في اللفظ، وغلطتم في المعنى، إذ كنتم أردتم أنه منتنة؛ فإن الخمر ليست بمنتنة ولا قذرة، ولا وصفها أحد بنتن ولا قذر، وإنما جعلها الله رجساً بالتحريم، كما جعل الزنا فاحشة ومقتاً، أي معصية وإثماً، بالتحريم، وإنما هو جماع كجماع النكاح، وهو عن تراضٍ وبذل، كما أن النكاح عن تراضٍ وبذل. وقد يبذل في السفاح ما يبذل في النكاح، ولذلك سمى الله تبارك وتعالى المحرمات كلها خباثث. فقال تعالى: “ويحرم عليهم الخبائث “. وسمى المحللات كلها طيبات، فقال: “يسألونك ماذا أحل لهم قل أحل لكم الطيبات”، وسمى كل ما جاوز أمره أو قصر عنه سرفاً، وإن اقتصد فيه. وقد ذكر الخمر فيما امتن به على عباده قبل تحريمها، فقال تعالى: “ومن ثمرات التخيل والأعناب تتخذون منه سكراً ورزقاً حسناً”. ولو أنها رجس على ما تأولتم ما جعلها الله في جنته، وسماها لذة للشاربين.وإن قلتم: إن خمر الجنة ليست كخمر الدنيا؛ لأن الله نفى عنها عيوب خمر الدنيا، فقال تعالى: “لا يصدعون عنها ولا ينزفون”، وكذلك قوله في فاكهة الجنة: “لا مقطوعةٍ ولا ممنوعة”، فنفى عنها عيوب فواكه الدنيا؛ لأنها تأتي في وقتٍ وتنقطع في وقت، ولأنها ممنوعة إلا بالثمن، ولها آفات كثيرة، وليس في فواكه الجنة آفة. وما سمعنا أحداً وصف الخمر إلا بضد ما ذكرتم من طيب النسيم، وذكاء الرائحة.
قال الأخطل:
كأنما المسك نهبى بين أرحلـنـا وقد تضوع من ناجودها الجاري
وقال آخر
فتنفست في البيت إذ مزجت كتنفس الريحان في الأنف
وقال أبو نواس:
نحن نخفيها ويأبى طيب ريحٍ فتفوح
وإنما قوله فيها “رجس” كقوله تعالى: “وأما الذين في قلوبهم مرض فزادتهم رجساً إلى رجسهم”. أي كفراً إلى كفرهم.
وأما منافعها التي ذكرها الله تعالى في قوله: “يسألونك عن الخمر والميسر قل فيهما إثم كبير ومنافع للناس وإثمهما أكبر من نفعهما”، فإنها كثيرةٌ لا تحصى: فمنها أنها تدر الدم، وتقوي المنة وتصفي اللون، وتبعث النشاط، وتفتق اللسان، ما أخذ منها بقدر الحاجة، ولم يحاوز المقدار. فإذا جاوز ذلك عاد نفعها ضراً.
وقال ابن قتيبة، في كتاب الأشربة: كانت الأوائل تقول: الخمر حبيبة الروح، ولذلك اشتق لها اسم من الروح فسميت راحاً، وربما سميت روحاً.
وقال إبراهيم النظام:
ما زلت آخذ روح الزق في لطفٍ وأستبيح دماً من غـير مـذبـوح
حتى انثنيت ولي روحان في جسدي والزق مطرح جسـم بـلا روح
وقد تسمى دماً لأنها تزيد في الدم. قال مسلم بن الوليد الأنصاري:
مزجنا دماً من كرمة بدمـائنـا فأظهر في الألوان منا الدم الدم
قال ابن قتيبة: وحدثني الرياشي أن عبيداً راوية الأعشى قال: سألت الأعشى عن قوله
وسلافةٍ مما تعتق بابـل كدم الذبيح سلبتها جريالها
فقال: “شربتها حمراء، وبلتها بيضاء”. يريد أن حمرتها صارت دماً.
ومن منافع الخمر أنها تزيد في الهمة، وتولد الجرأة، وتهيج الأنفة، وتسخي البخيل، وتشجع الجبان. قال حسان بن ثابت:
ونشر بها فتتركنا ملوكاً وأسداً ما ينهنهنا اللقاء
وقال طرفة:
فإذا ما شربوها وانـتـشـوا وهبوا كل أمـون وطـمـر
ثم راحوا عبق المسك بـهـم يلحفون الأرض هداب الأزر
وقال مسلم بن الوليد:
تصد بنفس المرء عماً يغـمـه وتنطق بالمعروف ألسنة البخل
وقال الحسن بن هانئ:
إذا ما أتت دون اللهاة من الفتى دعا همه من صدره برحـيل
ومن تسخيتها للبخيل على البذل قول بعض المحدثين:
كساني قميصاً مرتين إذا انـتـشـى وينزعه منـي إذا كـان صـاحـيا
فلي فرحةٌ في سكره بقـمـيصـه وفي الصحو روعات تشيب النواصيا
فياليت حظي من سروري وترحتـي ومـن جـوده ألا عـلـي ولا لـيا
قالوا: ولولا أن الله تعالى حرم الخمر في كتابه لكانت سيدة الأشربة. وما ظنك بشراب الشربة الثانية منه أطيب من الأولى، والثالثة أطيب من الثانية، حتى يؤديك إلى أرفق الأشياء وهو النوم. وكل شراب سواها فالشربة الأولى أطيب من الثانية، والثانية أطيب من الثالثة حتى تمله وتكرهه.
وسقى قومٌ أعرابياً كؤوساً، ثم قالوا: كيف تجدك؟ قال أجدني أبشر وأجدكم تحببون إلي.
وقالوا: ما حرم الله شيئاً إلا عوضنا ما هو خير منه أو مثله، وقد جعل الله النبيذ عوضاً عن الخمر نأخذ منه ما يطيب النفس، ويصفي اللون، ويهضم الطعام، ولا نبلغ منه إلى ما يذهب العقل، ويصدع الرأس، ويغثي النفس، ويشرك الخمر في آفاتها وعظيم جناياتها.
قالوا: وأما قولكم: إن الخمر كل ما خمر، والنبيذ كله يخمر، فهو خمر -فإن الأسماء قد تتشاكل في بعض المعاني، فتسمى ببعضها لعلةٍ فيها، وهي في آخر ولا يطلق ذلك الاسم على الآخر. ألا ترى أن اللبن قد يخمرونه بروبةٍ تلقى فيه ولا يسمى خمراً، وأن العجين قد يخمر فيسمى خميراً ولا يسمى خمراً، وأن نقيع التمر يسمى سكراً لإسكاره ولا يسمى غيره من النبيذ سكراً وإن كان مسكراً. وهذا أكثر في كلام العرب من أن يحاط به.
ورائب اللبن يسكر إسكاراً كسكر النبيذ. ويقال: قوم ملبونون، وقوم روبى، إذا شربوا الرائب فسكروا منه. وقال بشر بن أبي خازم:
فأما تميم تميم بـن مـرٍ فألفاهم القوم روبي نياما
وأما قولكم للرجل: مخمور، وبه خمار، إذا أصابه صداع من الخمر، وقد يقال مثل ذلك لمن أصابه صداع من النبيذ، فيقال: به خمار، ولا يقال به نباذ- فإن حجتنا في ذلك أن الخمار إنما يعرض مما أسكر من النبيذ، وذلك حرام لا فرق بينه وبين الخمر عندنا، فيقال فيه ما يقال في الخمر. وإنما كان شربة النبيذ من أسلافنا يشربون منه اليسير على الغداء والعشاء ومما لا يعرض منه خمار.
وقد فرقت الشعراء بين النبيذ والخمر، فقال الأقيشر، وكان مغرماً بالشراب:
وصهباء جرجانية لـم يطـف بـهـا حنيف، ولم تنغر بهـا سـاعةً قـدر
أتاني بها يحيى، وقد نـمـت نـومةً وقد غارت الشعري، وقد خفق النسر
فقلت: اصطحبها أو لغيري فاسقهـا فما أنا بعد الشيب، ويحك، والخمـر
إذا المرء وافى الأربعين، ولـم يكـن له دون ما يأتي حـياءٌ ولا سـتـر
فدعه، ولا تنكر علـيه الـذي أنـى وأن جر أرسان الحياة له الـدهـر
فأعلمك أن الخمر هي التي لم تغل به القدور.
وأما قول بعض الشعراء في شاربي النبيذ، وما عابوهم به من قلة الوفاء، ونقض العهود فقد قالوا أقبح من ذلك في تارك النبيذ، وقال ابن بيض:
ألا لا يغرنك ذو سجدةٍ يظل بها دائباً يخـدع
وما للتقى لزمت وجهـه ولكن ليأتي مسـتـودع
ثلاثون ألفاً حواها السجود فليست إلى ربها ترجع
ورد أخو الكأس ما عنده وما كنت في رده أطمع
وقال آخر:
أما النبيذ فلا يذعرك شـاربـه واحفظ ثيابك ممن يشرب الماء
قوم يورون عما في نفوسـهـم حتى إذا استمكنوا كانوا هم الداء
مشمرين إلى أنصاف سوقـهـم هم الذئاب وقد يدعـون قـراء
وقال أعرابي:
صلى فأعجبني وصام فرابـنـي نح القلوص عن المصلي الصائم
وقال غيره:
شمر ثيابك واستعـد لـقـائل واحكك جبينك للقضاء بثـوم
وامش الدبيب إذا مشيت لحاجةٍ حتى تصـيب وديعةً لـيتـيم
وقال بعض الظرفاء:
أظهروا لله سـمـتـاً وعلى المنقوش داروا
وله صلوا وصامـوا وله حجـوا وزاروا
لو يرى فوق الثـريا ولهم ريش لطـاروا
وهؤلاء المراءون بأعمالهم، العاملون للناس والتاركون للناس، هم شرار الخلق وأراذل البرية. وقد فضل شربة النبيذ عليهم بإرسال الأنفس على السجية، وإظهار المروءة. ولسنا نصف بهذا منهم إلا الأدنياء، فليس في الناس صنف إلا ولهم حشوة.
ومن احتجاج المحللين للنبيذ ما رواه مالك وأثبته في موطئه، من حديث أبي سعيد الخدري: أنه قدم من سفر فقدم إليه لحم من لحوم الأضاحي، فقال: ألم يكن من رسول الله صلى الله عليه وسلم فيها أمر. فخرج إلى الناس فسألهم، فأخبروه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: “كنت نهيتكم عن لحوم الأضاحي بعد ثلاثة أيام، فكلوا وادخروا وتصدقوا. وكنت نهيتكم عن الانتباذ في الدباء والمزفت، فانتبذوا، وكل مسكرٍ حرام. وكنت نهيتكم عن زيارة القبور، فزوروها ولا تقولوا هجراً”.
والحديثان صحيحان رواهما مالك بن أنس وأثبتهما في موطئه، وإنما هو ناسخ ومنسوخ، وإنما كان نهيه أن ينتبذ في الدباء والمزفت نهياً عن النبيذ الشديد؛ لأن الأشربة التي تعتمل فيها تشتد. ولا معنى للدباء والمزفت غير هذا.
وقوله بعد هذا: “كنت نهيتكم عن الانتباذ فانتبذوا، وكل مسكر حرام”، إباحةٌ لما كان حظر عليه من النبيذ الشديد.
وقوله صلى الله عليه وسلم: “كل مسكر حرام” فنهاهم بذلك أن يشربوا حتى يسكروا. وإنما المسكر ما أسكر، ولا يسمى القليل الذي لا يسكر مسكرا. ولو كان ما يسكر كثيره يسمى قليله مسكرا ما أباح لنا منه شيئاً. والدليل على ذلك أن النبي صلى الله عليه وسلم إذ شرب من سقاية العباس، فوجده شديداً. قطب بين حاجبيه، ثم دعا بذنوب من ماء زمزم فصب عليه، ثم قال: “إذا اغتلمت أشربتكم فاكسروها بالماء “. ولو كان حراماً لأراقه وما صب عليه ماء ثم شربه.
واحتجوا: في قول رسول الله صلى الله عليه وسلم: “كل مسكر حرام وما أسكر الفرق منه فملء الكف حرام، فإن هذا كله منسوخ، نسخه شربه للصلب يوم حجة الوداع.
قالوا: ومن الدليل على ذلك أنه كان نهى وفد عبد القيس عن شرب المسكر، ثم وفدوا إليه بعد، فرآهم مصفرة ألوانهم، سيئة حالهم، فسألهم عن قصتهم فأعلموه أنه كان لهم شراب فيه قوام أبدانهم فمنعهم من ذلك، فأذن لهم في شربه. وأن ابن مسعودٍ قال: “شهدنا التحريم وشهدتم، وشهدنا التحليل وغبتم”. وأنه كان يشرب الصلب من نبيذ الجر حتى كثرت الروايات به عنه وشهرت وأذيعت، واتبعه عليه عامة التابعين من الكوفيين، وجعلوه أعظم حججهم، وقال في ذلك شاعرهم:
من ذا يحرم ماء المزن خالطه في جوف خابيةٍ ماء العناقـيد
إني لأكره تشديد الرواة لـنـا فيه، ويعجبني قول ابن مسعود
وإنما أراد: أنهم كانوا يعمدون إلى الرب الذي قد ذهب ثلثاه وبقي ثلثه، فيردون عليه من الماء قدر ما ذهب منه، ثم يتركونه حتى يغلي ويسكن جأشه ثم يشربونه. وكان عمر يشرب على طعامه الصلب، ويقول: يقطع هذا اللحم في بطوننا.
واحتجوا بحديث زيد بن أخزم، عن أبي داود، عن شعبة، عن مسعر بن كدام، عن ابن عون الثقفي، عن عبد الله بن شداد، عن ابن عباس، أنه قال: “حرمت الخمر بعينها، والسكر من كل شراب”.
وبحديث رواه عبد الرحمن بن سليمان، عن يزيد بن أبي زياد، عن عكرمة عن ابن عباس: “أن النبي صلى الله عليه وسلم طاف وهو شاكٍ على بعير، ومعه محجن، كلما مر بالحجر استلمه بالمحجن، حتى إذا انقضى طوافه نزل فصلى ركعتين، ثم أتى السقاية فقال: “اسقوني من هذا”. فقال له العباس” ألا نسقيك مما يصنع في البيوت؟ قال: “لا، ولكن اسقوني مما يشرب الناس”. فأتي بقدح من نبيذ، فذاقه فقطب، وقال: “هلموا فصبوا فيه الماء”. ثم قال: “زد فيه” مرة، أو مرتين، أو ثلاثة. ثم قال: “إذا صنع بكم هذا فاصنعوا به هكذا”.
وبحديث رواه يحيى بن اليمان، عن الثوري، عن منصور بن خالد، عن سعيد بن مسعود الأنصاري: أن النبي صلى الله عليه وسلم عطش وهو يطوف بالبيت، فأتي بنبيذٍ من السقاية فشمه فقطب، ثم دعا بذنوب من ماء زمزم فصب عليه وشرب، فقال له رجل: أحرام هو يا رسول الله؟ فقال: “لا”.
وقال الشعبي: شرب أعرابي من إداوة عمر، فانتشى، فحده عمر. وإنما حده للسكر لا للشراب.
ودخل عمر بن الخطاب رضي الله عنه على قوم يشربون ويوقدون في الأخصاص، فقال: نهيتكم عن معاقرة الشراب فعاقرتم، وعن الإيقاد في الأخصاص فأوقدتم”. وهم بتأديبهم، فقالوا: مهلاً يا أمير المؤمنين، نهاك الله عن التجسس، ونهاك عن الدخول بغير إذنٍ فدخلت فقال: هاتان بهاتين. وانصرف، وهو يقول: “كل الناس أفقه منك يا عمر”.
وإنما نهاهم عن المعاقرة وعن إدمان الشراب حتى يسكروا، ولم ينههم عن الشراب.
وأصل المعاقرة من عقر الحوض، وهو مقام الشاربة.
ولو كان عنده ما شربوا خمراً لحدهم.
وبلغه عن عامل بميسان أنه قال:
ألا أبلغ الحسناء أن حلـيلـهـا بميسان يسقى في زجاج وحنتم
إذا شئت غنتني دهاقين قـريةٍ وصناجةٌ تجذو على كل منسم
فإن كنت ندماني فبالأكبر اسقني ولا تسقني بالأصغر المتثـلـم
لعل أمير المؤمـنـين يسـوؤه تنادمنا في الجوسق المتـهـدم
فقال: إي والله، إنه ليسوؤني ذلك. فعزله وقال: والله لا عمل لي عملاً أبداً.
وإنما أنكر عليه المدام، وشربه بالكبير، والصنج والرقص، وشغله باللهو عما فوض إليه من أمور الرعية. ولو كان ما شرب عنده خمراً لحده.
حدث محمد بن داود، عن سعيد بن نصير، عن يسار، عن جعفر قال: سمعت مالك بن دينار، وسئل عن النبيذ، أحرام هو؟ فقال: انظر ثمن التمر، من أين هو، ولا تسل عن النبيذ أحلالٌ هو أم حرام؟ وعوتب سعيد بن زيد في النبيذ، فقال: أما أنا فلا أدعه حتى يكون شر عملي.وقيل لمحمد بن واسع: أتشرب النبيذ؟ قال: نعم. فقيل: وكيف تشربه؟ فقال: على غدائي وعشائي، وعند ظمئي. قيل: فما تركت منه؟ قال: التكأة ومحادثة الإخوان.قال المأمون: “اشرب النبيذ ما استبشعته، فإذا سهل عليك فدعه “. وإنما أراد به أنه يسهل على شاربه إذا أخذ في الإسكار.
وقيل لسعيد بن أسلم: أتشرب النبيذ؟ فقال: لا. قيل: ولم؟ قال: تركت كثيره لله، وقليله للناس.وكان سفيان الثوري يشرب النبيذ الصلب الذي تحمر منه وجنتاه.
واحتجوا من جهة النظر أن الأشياء كلها مباحة إلا حرم الله قالوا: فلا نزيل نفس الحلال بالاختلاف، ولو كان المحللون فرقة من الناس، فكيف وهم أكثر الفرق؟ وأهل الكوفة أجمعون على التحليل، لا يختلفون فيه. وتلوا قول الله عز وجل: “قل أرأيتم ما أنزل الله لكم من رزقٍ فجعلتم منه حراماً وحلالاً قل الله أذن لكم أم على الله تفترون”.حدث إسحاق بن راهويه قال: سمعت وكيعاً يقول: “النبيذ أحل من الماء”.وعابه بعض الناس في ذلك، وقالوا: كيف يكون أحل من الماء؟ وهو وإن كان حلالاً فهو بمنزلة الماء. وليس على وكيع في هذا الموضع عيب، ولا يرجع عليه فيه كذب، لأن كلمته خرجت مخرج كلام العرب في مبالغتهم، كما يقولون: “هو أشهر من الصباح”، و”أسرع من البرق”، و”أبعد من النجم”، و”أحلى من العسل”، و”أحر من النار”. ولم يكن أحدٌ من الكوفيين يحرم النبيذ غير عبد الله بن إدريس. وكان بذلك معيباً.وقيل لابن إدريس: من خيار أهل الكوفة؟ فقال: هؤلاء الذين يشربون النبيذ. قيل: وكيف وهم يشربون ما يحرم عندك؟ قال: ذلك مبلغهم من العلم.وكان ابن المبارك يكره شرب النبيذ، ويخالف فيه رأي المشايخ وأهل البصرة.
قال أبو بكر بن عياش: من أين جئت بهذا القول في كراهيتك النبيذ، ومخالفتك أهل بلدك؟ قال: هو شيء اخترته لنفسي قلت: فتعيب من شربه؟ قال: لا. قلت: فأنت وما اخترت.
وكان عبد الله بن داود يقول: ما هو عندي وماء الفرات إلا سواء. وكان يقول: أكره إدارة القدح، وأكره نقيع الزبيب، وأكره المعتق.
وقال: من أدار القدح لم تجز شهادته.
وشهد رجل عند سوار القاضي، فرد شهادته لأنه كان يشرب النبيذ. فقال:
أما النبيذ فإني غير تـاركـه ولا شهادة لي ما عاش سوار
حدث شبابة قال: حدثني غسان بن أبي الصباح الكوفي، عن أبي سلمة يحيى بن دينار، عن أبي المطهر الوراق قال: بينما زيد بن علي في بعض أزقة الكوفة إذ بصر به رجل من الشيعة، فدعاه إلى منزله، فأحضره طعاماً، فتسامعت به الشيعة، فدخلوا عليه حتى غص المجلس بهم، فأكملوا معه، ثم استسقى، فقيل له: أي الشراب نسقيك يا ابن رسول الله؟ قال: أصلبه أو أشده. فأتوه بعس من نبيذ فشرب، ودار العس عليهم فشربوا. ثم قالوا: يا ابن رسول الله لو حدثتنا في هذا النبيذ بحديثٍ رويته عن أبيك عن جدك، فإن العلماء يختلفون فيه؟ قال: نعم، حدثني أبي عن جدي أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: “لتركبن طبقة بني إسرائيل خذو القذة بالقذة، والنعل بالنعل. ألا وإن الله ابتلى بني إسرائيل بنهر طالوت، أحل منه الغرفة والغرفتين، وحرم منه الري، وقد ابتلاكم بهذا النبيذ، أحل منه القليل وحرم منه الكثير”.
وكان أهل الكوفة يسمون النبيذ “نهر طالوت”. وقال فيه شاعرهم:
اشرب على طرب من نهر طالوت حمراء صافيةً في لـون ياقـوت
من كف ساحرة العينين شـاطـرةٍ تربي على سحر هاروتٍ وماروت
لها تماوت ألـحـاظ إذا نـظـرت فنار قلبك من تلك الـتـمـاويت
نقلا عن( العقد الفريد) لابن عبد ربه الاندلسي

قصيدة مالك والخمر

تحدثَ مالكٌ في الخمرِ
أسدى النصحَ للعلماءِ ِ
بل أفتى:
عليكم جلدُ من يسكرْ
عليكم لعنُ بائعها
لأن شرابَها منكرْ
وصانُعها !!!!!!!!!
عليه لعنةُ الأجيال ِ أو أكثرْ
وإنْ صلى لرب ِ الناس ِ واستغفرْ
……
فهل يا مالكَ الإسلام ِ
يا من يكره المنكرْ
أذقتَ حبابها ؟
يطفو على الكاسات ِ يتبخرْ
يداعبُ لثتي .. كالموج ِ يتكسرْ
فأسبحُ في أثير ِ الصبح ِ
أدخلُ جنةَ الكوثرْ
وتصحبني فتاةٌ شعرُها الأشقرْ
على الكتفين يتبعثرْ
يُداعبُ رِدفها
يعلوه لحظات ٍ .. فيتأرجحْ
ونرفعُ كلنُا الكاسات ِ
نشربُ نخبها…… أحمرْ
نُسّبحُ حمدَ خالقها
ونعبدُ روعةً المنظرْ
وإن دارت تواجُهنا
يُقبّلُ شعرُها النهدينَ
يستهترْ
فتزجره وتلقيه بيمناها
على الكتفين ِ يتحسّرْ
…….
فهل يا مالكَ الإسلام ِ
إنْ تدعوكَ شقراءٌ على كأسٍ ٍ
ولا تقبلْ
أتحسبُ أنْ سيغفرُ ذنبكَ الرحمنُ
أو يشكرْ
فذنبُ الرفض ِ ذا أكبرْ
لأنّ الخمرَ يا مالكْ
شرابُ الحور ِ
في عدن ٍ …. وفي الكوثرْ

كامل النجار

الخمر والنبيذ

سأل رجل إياسا عن النبيذ , فقال : ” هو حرام ” , فقال الرجل : ” أخبرني عن الماء؟ ” , فقال : ” حلال ” , قال: ” فالمكسور؟ ” , قال : ” حلال ” , قال : ” فالتمر ؟ ” , قال : ” حلال ” , قال : ” فما باله إذا اجتمع يحرم ؟!” , فقال إياس : ” أرأيت لو رميتك بهذه الحفنة من التراب , أتوجعك ؟ ” , قال : ” لا ! ” , قال : ” فهذه الحفنة من التبن ؟ ” , قال : ” لا توجعني ! ” , قال : ” فهذه الغرفة من الماء ؟ ” , قال: ” لا توجعني شيئا ! ” , قال : ” أفرأيت إن خلطت هذا بهذا وهذا بهذا حتى صار طينا ثم تركته حتى استحجر ثم رميتك به أيوجعك ؟ ” , قال : ” إي والله وتقتلني ! ” , قال : ” فكذلك تلك الأشياء إذا اجتمعت “.

من كتاب “البداية والنهاية” للحافظ ابن كثير (9/336)

الفرق بين النبيذ والخمر
ما الفرق بين النبيذ والخمرة؟ ولماذا يفتي فقهاء العراق بجواز شرب النبيذ؟ ودمتم.

الفتوى :

أجاب عن السؤال الشيخ/ سعد بن عبد العزيز الشويرخ(عضو هيئة التدريس بجامعة الإمام محمد بن سعود الإسلامية).
الجـواب:
الحمد لله وحده، والصلاة والسلام على رسول الله، وبعد:
هناك فرق بين الخمر والنبيذ في الحد والحكم، فالخمر ما كان مصنوعاً من العنب، وغيره، مما جاء به النص، وأما النبيذ فهو ما كان مصنوعاً من غير العنب، هذا من ناحية الحدّ، أما من ناحية الحكم، فالخمر أجمع أهل العلم على تحريمه، وأما النبيذ ففيه خلاف، وقد ذهب قلة من أهل العلم إلى حل النبيذ ما لم يقذف الزبد، وهذا القول قول ضعيف بلا شك، والذي عليه الدليل ما ذهب إليه جماهير أهل العلم من تحريم النبيذ إلحاقاً له بالخمر بجامع زوال العقل في كل منهما، أما من قال بحل النبيذ فقد اقتصر على مورد النص، ولم يلحق النبيذ بالخمر قياساً. والله أعلم.

كثيرمن الناس يجهلون ما هو النبيذ و ما هو الخمر .. و ما الفرق بينهم.

أولاً: ما هو النبيذ بشكل عام ؟

هو مشروب يتم إنتاجه بواسطة تخمير العنب أو عصير العنب و يعتبر
أحد أقدم أنواع الخمور.

الخمر : هو الاسم الجامع لكل ما أدى إلى السكر بمختلف المواد التي يصنع منها سواء كانت من الفواكه : كالعنب أو التمر أو الزبيب
أم كانت من الحبوب : كالحنطة أو الشعير أو الذرة و الأرز.
أو حتى من النشا و البطاطس و السكر.

ثانياً: ما هو النبيذ لغةً ؟

جاء في معجم لسان العرب، الإصدار 2.02 – لابن المنظور الإفريقي :

اللحياني: نبذ تمراً جعله نبيذاً، وحكى أَيضاً: أَنبذ فلان تمراً.

قال: وهي قليلة وإِنما سمي نبيذاً لأَنَّ الذي يتخذه يأْخذ تمراً أَو زبيباً فينبذه في وعاء

أَو سقاء عليه الماء ويتركه حتى يفور فيصير مسكراً.

والنبذ: الطرح، وهو ما لم يسكر حلال فإِذا أَسكر حرم.

وقد تكرر في الحديث ذكر النبيذ، وهو ما يعمل من الأَشربة من التَّمر والزَّبيب والعسل

والحنطة والشَّعير وغير ذلك.

يقال: نبذت التَّمر والعنب إِذا تركت عليه الماء ليصير نبيذاً، فصرف من مفعول إِلى فعيل.

وانتبذته: اتخذته نبيذاً وسواء كان مسكراً أَو غير مسكر فإِنَّه يقال له: نبيذ

ويقال للخمر المعتصَرة من العنب: نبيذ، كما يقال للنَّبيذ: خمر.

بحث: شرب الخمر المعتدل يقلل مخاطر الزهايمر

الدراسة لا توصي الذين لا يشربوا بالبدء بالشرب.
الدراسة لا توصي الذين لا يشربوا بالبدء بالشرب.

دبي، الإمارات العربية المتحدة (CNN) — أظهرت دراسة جديدة أن ثمة صلة بين شرب الكحول المعتدل، وانخفاض مخاطر مشاكل الذاكرة ومرض الزهايمر أو الأشكال الأخرى من الخرف.

وعمل مؤلف الدراسة على تحليل نتائج من 143 دراسة سابقة، منها ما يعود إلى عام 1977، والتي شملت 365 ألف مشارك في 19 بلدا.

وتبين أن 23 في المائة ممن يشربون الكحول بشكل معتدل أقل احتمالا للإصابة بمشاكل في الذاكرة أو الزهايمر، وأتضح ذلك بشكل كبير في 14 من البلدان الـ19 المشاركة، بما في ذلك الولايات المتحدة.

وقال الباحثون إن الذين يعاقرون الخمر بشكل متواصل، يميلون إلى كونهم أكثر عرضة للمشاكل في الذاكرة والخرف من غيرهم، ولكن هذا الارتباط لم يكن كبيرا من الناحية الإحصائية.

ويبدو أن النتيجة المتحفظة للدراسة تعرف شرب الكحول بشكل معتدل على أنه مرة واحدة يوميا للنساء، ومرتين للرجال، بينما تعرف الإفراط في شرب الخمر على أنه تناول الكحول من 3 إلى 5 مرات يوميا أو أكثر.

وفي حين أن التحليل لم يقدم تفسيرا لارتباط الشرب المعتدل بتقليل خطر التدهور المعرفي، ألا أن الباحثين اعتبروا أن الكحول له خصائص مضادة للالتهابات، والتي يعتقد أنها تلعب دورا في مرض الزهايمر.