أيلولُ أقسى الشهور – عماد عبد اللطيف سالم

أيلولُ أقسى الشهور 
 
عماد عبد اللطيف سالم
ايلولُ بدايةُ المنفى .
أيلولُ هو المنفى .
أيلولُ أقسى الشهور .
الأمُّ في أيلول 
، كالشجر الكَنَدّي ،
 نسيانٌ مُكثّفٌ 
لطفلٍ فكَّ القماطَ قبل الأوان ،
وذهبَ ليغفو فوق صدر الأسى الباردِِ .
كـ ” مالمو ” دون ” فوطة ” .
كـ  ” هاملت ” عراقي 
، مزروعٌ في الدنمارك ،
  مثلُ قصَبٍ شائخٍ ،
يُغنّي لهُ السمكُ القديم ..
أغنيةَ الماءِ السابقِ للهجران .
أيلولُ منفى المنافي .
أيلولُ أقسى الشهور .
أيلولُ فوطةٌ مُهَيّلَةُ
، للنحيب بصمتٍ ،
قربَ وجهٍ موشوم .
نحنُ آسفونَ يا أيلول 
، لتلطيخِ أوراقكَ ،
بسَخامِنا .

سلاما يا (سجى علاء

سلاما يا (سجى علاء)  .
سلاما يا أبنتي ، وتلميذتي ، وما تبَقّى من إيماني ، بأن قادِمَ الأيّامِ في هذا العراقِ ، ليسَ بأسوأ من حاضِرها .
لا بأسَ عليكِ سيدتي الصغيرة .
نحنُ هنا .. نكْبَرُ قبل الأوانِ ، ونحزنُ قبلَ الأوانِ ، ونُفجَعُ برحيلِ الذين نُحِبُّهُم قبل الأوان .
سلاما لكِ .. ولا بأسَ عليكِ  .
فالذين قَتَلوا شقيقكِ (أحمدَ ) لا يعرفونهُ ، ولا يعرفونكِ ، ولا يُحبّونَ بغدادَ ، ولا تعني لهم الكرّادةَ شيئاً  .. ولا ينتمون إلى الناس .
غيرَ أنّهُم يعرفونَ أنَّ أحمدَ ، عندما لا يكونُ موجوداً  ، فأنّ الضوءَ القادمَ سينطفيءُ في بيوتٍ كثيرةٍ ، ومدارسَ كثيرةٍ ، وكليّات كثيرةٍ .. وسيَعِّمُ الظلامُ العراق .
والعراقُ ياطفلتي العزيزةُ ، المغموسةِ بالحُزنِ الأسوَدِ قبل الأوان .. ليسَ بحاجةٍ للمزيدِ من الظُلْمَة.
إنّهُ بحرُ الظُلُماتْ .
ولهذا ، فنحنُ جميعاً بحاجةٍ إلى أن تكوني بيننا ، ومعنا ، لنلتمسَ منكِ العزاءَ على المِحنةِ ، والصبرَ على البلوى  .
عودي إلينا يا سجى .. ولا تغلقي على الروحِ كلّ النوافذ .
وتعالي إلى ” الصَفِّ ” .. وأرسمي وجهَ أحمدَ على كلِّ السبّوراتِ ، وكُلّ الأشجارِ ، وكُلّ الممرّات .
قولي للقَتَلةِ .. أنّني هنا .
إنّني مكسورةُ الجناحِ .. وحزينةُ حدّ الموتِ ، والفُقدانُ يقتلُني .. ولكنّني هُنا .
سأواصلُ دراستي ، وأتخرَجُ ، وأعملُ ، وأحِبُّ ، وأتزوجُ ، واملأُ الأرضَ بالأبناءِ والأمل .
ولن أضيعَ كحَبّةِ قَمْحٍ تجرفُها الريحُ .. إلى الرملِ المالِح .
( عماد عبد اللطيف  / مُعَلِّمْ مادة مباديء الأقتصاد / كلية أقتصادياتُ الأعمال / جامعة النهرين . حيثُ تُنهي الطالبة سجى علاء سنتها الجامعيّةِ الأخيرة ، وتستعّدُ لحفلِ التخرُّجِ . وبعد مقتل شقيقها الشاب في تفجير الكرادّة الأخير .. تُعلِنُ الآنَ إنها لن تعود إلى الدراسة .. لأنَ لا معنى لكّلِ ذلكَ .. أبداً ) .

 

وقائع الجمر في شارع المتنبي عماد عبد اللطيف سالم

وقائع الجمر في شارع المتنبي

عماد عبد اللطيف سالم

هو شارعُ المتنبي ،
وروّادُهُ المُدهِشون :
الشعراءُ .. والشبابُ .. وأصحابُ ” الصنائعِ السَبْعِ ” ،
والحُكَماءُ – الشيوخُ .. الذين يكتبون عن الحُبّ فيما تبّقى من العُمْرِ ،
وأولئكَ الذين يذرعون الشارعَ جيئةً وذهاباً ..
بينما لاتزالُ النساءُ تلطّخُ أسرّتهُم بالدفء الذي لايستحي من أحد .
ماذا سيحدثُ لو ..
أنّ عاشقاً صغيراً ، قَبّلَ على عَجَلٍ
حبيبتهُ أمامَ الحشود ،
في الهواءِ الطَلِقْ .
هُناكَ ..
عند باب مقهى الشابندرِ بالضبط
في مُنتصَفِ المسافةِ المُلتَبِسَةِ تلك
مابين قيصريّة حَنَشْ ،
وساحة القُشْلَة ؟
***
البصيصُ ليس أملاً .
إنّهُ .. بصيص .
الأملْ .. شيءٌ آخر .
الضوءُ في نهاية النَفّقِ ليس ضوءاً .
إنّهُ نهايةُ النَفَقْ .
الضوءْ .. شيءٌ آخر .
الأنتخاباتُ ليستْ الديموقراطيّة .
الأنتخاباتُ .. هي حفلاتُ الزَفاف .
المواليدُ الذين يأتون بعد الزفاف ..
شيءٌ آخر .
***
هذا بلدٌ هاديءٌ جداً .
تحدثُ الكثيرُ من الأشياء فيه .. وكأنّها لم تَحْدُث أبداً .
نحنُ .. سُكّانُهُ .. لاتخدشُنا الأحداثُ بعُمق .
نحنُ كائناتٌ وديعة .
وبدلاً من الأنقراض ، لمْ يُقْتَل منّا سوى بضعةُ أفرادٍ فقط ، طيلة خمسة عشر قرناً .
أنا أُحبُّ هذا البلدَ ، الغريب الأطوار ، كثيراً
وأكتبُ كثيراً عن الحُبّ .
غير أنّني في حقيقة الأمر .. لا أُحِبُّ أحداً ، ولا أحدَ يُحِبُنّي ..
والجميعُ كذلك .
أنا أكرهُ الكثيرينَ ، والكثيرون يكرهونني .
لأنّني إلــه ..
والجميعُ كذلك .
ربما تُسيئونَ الآنَ الظنّ بي .
غير أنّني أشبهُ تماماً .. هذا البيت الذي أعيشُ فيه ،
وهذه العائلة ..
والجميعُ كذلك .

***
نحنُ الأحفادُ الباقونَ من سُلالِة الـ ” ميسوبوتيميا ” .
لكي لا ننْقَرِضْ ..
أوصانا أجدادُنا قبل خمسة آلآف عام
بأنْ نذهبَ في الربع الأوّلِ من العام 2014 بعد الميلاد ، إلى بيوتٍ تشبهُ المعابد .
فيها ” صناديقُ ” صغيرةٌ ، كتِلكَ التي كانَ رمادُ ” الكَهَنَةِ ” يُحفّظُ فيها .
لقد أوصونا أيضاً .. بأن لانسمحَ لأحدٍ بخداعنا مرّةً أخرى ..
وأن نضعَ رؤوسنا على ” مذبح ” الديموقراطيّة ،
ونغمِسَ أصابعنا في حبرها المُقَدّس .
وأوصونا أخيراً ، بأن نختار فقط ..
تلك ” الآلهة ” القادرة على مساعدتنا في جمع القوت ،
و حمايتنا من البَرْقِ ..
والحيواناتِ المُفْتَرِسَة .
***
نحنُ الأطفالُ الذينَ تُعاقِبُنا العائلة ..
يجبُ ان نكونَ قد فَعَلْنا أشياءَ سيّئِةً جداً
، لِنَسْتَحَّقَ كل هذه الكدمات القديمة ،
على جلودنا المدبوغةِ .. الآن .
نحنُ الكبارُ الذين تُعاقِبُنا الآلهة ..
ماذا فَعَلْنا
لِنَسْتَحَّقَ كل هذه الكَدَماتِ الجديدةِ
، على جلودنا المدبوغةِ بالخياناتِ الصغيرةِ ،
مُذْ كان السيّدُ آدمُ ..
أبانا الوحيد .

نحنُ لسنا على مايرام – عماد عبد اللطيف سالم

نحنُ لسنا على مايرام

في هذه الأيام الرماديّة المُلتَبِسَة
أشتاقُ كثيراً إلى أيام الأستعمارِ .. والأمبرياليّة المجيدة .
إلى زمنِ البرجوازية الصغيرة .. والبروليتاريا الرَثّة .
كان الأعداء والأصدقاء ،
الوطنيون والعُملاء ،
الفاسدونَ والقَتَلَة ،
واضحون جداً .. ويَسهُلُ فَرزُهُم .
ولم تكن الوجوهُ .. كما هي الآن
مليئة بالخَوَنَة .
***
نحنُ لسنا على مايرام .
نحنٌ لسنا كما ينبغي ..
وكذلكَ العالَم .
” ثمّةَ أسفارٌ في العقلِ ، وفي القلبِ ، وأخرى في الروح .. ”
ليسَ سهلاً أنْ نعرفَ ماهيَ .
هذا هو الوقتُ ” بدلُ الضائِعِ ” ، لأستعادةِ الضوءِ ، أو إعادةُ إنتزاعِهِ ،
من قنديلِ التاريخ .
هذا التاريخُ الذي ليسَ من صُنعِنا ، ولا لَنا ، ولَمْ يكُنْ يوماً كذلك .
هذا أوانُ طرحِ الأسئلةِ الكبرى ، والأسئلةِ الصغرى ، والأسئلةِ السخيفةِ أيضاً ..
على أنفسنا ، وعلى الكَوْن .
هذا هو موعدنا مع الحزن العميق .. حُزنَنا .. لنعرفَ ماهو .. ولماذا ،
قبلَ ان يُصَفّرَ ” الحَكَمُ ” ، الذي لايرحمُ أمثالنا ، صافِرَتَهُ الأخيرة ..
وينتهي كلُّ شيء .
***
ما نفعُ التاجِ ..
إذا سقَطَتْ غرناطَة ؟
ما نَفْعُ المُلوكِ ..
إذا ضاعتْ الأندَلُسْ ..
ياعراقَ الوَصْلِ بالأندَلُسِ .

***
أسماءُ العقائِدِ جميلةٌ جداً ،
وكذلكَ الأسماءُ المُشْتّقةِ عنها ..
تلكَ التي نموتُ بسببِها الآن .
أنتَ تحتاجُ إلى ” لحظةِ تاريخيّةٍ ” واحدةِ لقتلِ الآخر ،
وإلى خمسةَ عشرَ قَرناً .. لِتَتَعَرّفَ إليه .
السهولُ الرُسوبيّةُ مُظْلِمَةٌ جداً ، وأهلُها خائفون .
لمْ يَكُنْ هذا المكانُ صالِحاً للتسامُحِ يوماً .. ولَنْ يكون ْ .
نحنُ الذينَ لا ناقَةَ لنا .. ولا جَمَلْ .
نحنُ الناقَةَ ، والدجاجَ .. والجَمَلْ .
علينا أن نُغادِرَ هذه الحظيرةَ سريعاً
قبلَ أنْ نَنْقَرِضْ
ونتحَوَلْ إلى نَفْط .
***
نعيشُ في بلدٍ لاينقُصهُ شيء .
نساؤنا أجملُ النساء ، وأهلنا أكثر الناس طيبة .
نُغنّي أعذبَ الأغاني ، ونكتبُ أجملَ قصائد الحُبِّ من أوّلِ نظرة .
نذرفُ الكثيرَ من الدمعِ ، لأيِّ سبب .. وأحياناً دون سبَبْ .
نتبادلُ الشتائمَ ، والقُبُلاتَ ، والنُكاتَ ، ونُعلنُ الحربَ والسِلْمَ على العالم..كالأطفال .
يحدُثُ أحياناً أنْ يَقْتُلَ بضعةُ أفرادٍ منّا ، بضعةُ أفرادٍ آخرينَ..لأسبابٍ سخيفةٍ جداً .
لدينا ، بطبيعة الحال ، بضعةُ أفرادٍ حمقى .. لايخلوا منهم أيُّ بلد .
نحنُ نتعرفُ الأن على بعضنا بشكلٍ أفضل .
ونُحِبُّ بعضنا بشكل أفضل .
ونكرهُ بعضنا بشكلٍ أفضل .
مهمتنا الصعبةُ جداً في العام القادم .. هي أنْ نعيشَ معاً .
أنْ نُريدَ العيشَ معاً .
أو أنْ يترُكَ كلُّ واحدٍ منّا الآخرَ ، ليذهبَ إلى حالِ سبيله .
يَشُدُّ على يديه ..
ويتمنّى لهُ أحلاماً سعيدة .
***
بينما .. نحنُ
نكتبُ الآنَ .. قصائدنا العجيبة
بعضُ النُسوَةِ .. يلْطُمْنَ
كَسَمَكٍ يَلْبُطُ من العطَش
ويخمُشْنَ السخام السورياليّ
لماكياجِ الوجوهِ .. التي لمْ تُلثَم بَعْد
ثم يرْكَبْنَ سياراتِ ” الكيّا ”
بوجومٍ لطيف
كأنّهُنَّ .. لوحدَهُنَّ
ذاهباتٍ بجَسَدٍ إضافيّ
إلى تلكَ المقبرة التي نعرفها جميعاً .
هُناك ..
حيثُ تجتمعُ العائلة
وتتبادلُ قصص الحياةِ العراقيّةِ
القصيرةِ جداً .

لاعام قادم – الاديب العراقي عماد عبداللطيف سالم

لا عام قادم
لأمرأةٍ لم تضْحكَ هذا العام
ولمْ تّمُدَّ أصابعها الطويلةَ
إلى شفتيها اليابستينِ
فتلْمَسُ ثلجَها الأبيضَ
وتجْفلُ من دهشَتِها الباردة .
لا عام قادم في المرايا
التي أدمَنَتِ التفاصيل
وما من رجُلٍ يستحّقُ الأحتساء
مثل جُرْعَةٍ زائدة .
لا عام جديد
وأمرأةٌ واحدة
تشعرُ بالضَجَر .
لا عام سعيد
وأمرأةٌ واحدة
تموءُ من الوحشَة .

عماد عبد اللطيف سالم

حين َ تمرّ ُ الوجوه ُ المضيئةُ بي ..
أتساءل ُ أين َ كانت ْهذي الوجوه ُ العذبةُ كالحلم ِ
حين َ غادرْتُ قماط َ البهجةِ صوبَ الحزن ِ الآتي
لرحاب ِ الروح ْ ؟ .
لماذا مضى العمر ُ ..ولم ْ أتَحرَّشْ حتّى بنملة ْ ؟
لماذا راح َ عمري .. ولَم ْ أُنفِق من الفرح ِ المُقَنّن ِ في داخلي ،
إلا ّ حصّتي من هذا الحزن ِ المديد ِ كقلبي ؟
لماذا لَم ْ تبق َ سوى الروح ْ
وظلال ُ المرأةِ – الحُلمِ
وجسدٌ بتفاصيل ٍ هَرِمَة ٍ
لا ينتمي لي ؟

النفط ُ والدين .. وما أكل َ السبع ُ منه

الدكتور عماد عبد اللطيف سالم

في استطلاع لرأي مجموعة من الشباب العراقيين المقيمين في الأردن ( قام به خبراء بهدف كتابة تقرير وطني عن اوضاع شباب العراق وقضاياهم الرئيسة ) تم طرح السؤال الآتي :
– ماهي الأشياء التي تتمنون لو أنها لم تكن موجودة في العراق الآن ؟ . وبصيغة أخرى لذات السؤال : ماهي العوامل التي تعتقدون انها السبب في كون الأوضاع في العراق حاليا ًتتصّف ُ بالسوء والتراجع في المجالات كافة ؟ . وبمعنى آخر : ماهي العوامل التي بزوالها سيكون العراق بوضع ٍ أفضل , ويصبح وطنا ً صالحا ً للسكن , بحيث يمكنكم العودة اليه , والعيش فيه ؟؟
وتضمنت الأجابات جملة من العوامل المختلفة كان من أهمها ما يأتي :
1 – النفط
2- الدين
3- ” النطيحةُ والمترديّةُ.. وما أكل َ السبع ُ منه ” .
تتراوح أعمار الشباب الذين تم استطلاع اراؤهم بين 18 الى 26 عاما ً . ومع ذلك فقد كانوا مدركين ان وجود النفط بهذه الوفرة في بلدهم , كان مصدر نقمة عليه وعليهم , وهو السبب الرئيس في محن العراق المختلفة , ولعناته المستدامة . وبطبيعة الحال فان اسباب ذلك كثيرة , ومعروفة على نطاق واسع , ولا مجال لأعادة سردها الآن .
وأدراكهم الثاني لعدم ملائمة وطنهم لهم حاليا ً , يتجسد في خوفهم من الأسلام السياسي , ومن تحول الدين إلى قوّة مدججّة بالسلاح والعقائد والسلوكيات المقدسّة , التي تكفّر ُ كل ّ ما عداها , وتسحق ُ أي ّ شيء ٍ يقف ُ في طريقها , أو يقف ُ بالضد من مصالحها , ومن اتساع نطاق نفوذها , وتغلغلها , في مجالات العمل , وانماط الحياة كافة .
ولا يقتصر هذا الأدراك على طائفة ٍ دون أخرى , فكل تيارات الأسلام السياسي , على أختلاف راياتها , وتوجهاتها المعلنة , منخرطة في صراع ٍ شرس على السلطة والثروة , مما حوّل المجتمع في العراق الى مجتمع ٍ هو الأكثر تطرفا ً وأنغلاقا ً, منذ عقود .
أما ” النطيحة ُ والمترديّة .. وما أكل السبع ُ منه ” فهي كناية ٌ ( منّي ) عن شرائح في المجتمع العراقي , وجدت نفسها في غفلة ٍ من الزمن , وهي تتحكم ُ بكل شيء , وتفرض ُ انساق َ أدارتها , وطبيعة قيمها , وخصائصها السلوكية , على الجميع .
ولم يتوان الشباب عن تسمية الأشياء بأسماءها ( دون تورية ٍ .. كما أفعل ُ الآن ) , وأستطردوا في ذكر المناصب والرموز ومراكز القوى , وأعتبروها اللعنة الثالثة في تسلسل اللعنات التي حطّت على الكيان العراقي الحديث , منذ خمسينيات القرن الماضي , وطبعت العراق بطابعها الخاص في السنين التسع الأخيرة .
وكلنا يتذكرُ جيدا ً ” ثالوث اللعنات المقدس ” الذي كان يؤطّر ُ هزائمنا المريرة ( كأمّة ٍ وأوطان ) , منذ ما يربو على النصف قرن . كان الكثير ُمن الكتّاب العرب مولعين بثلاثية الدين والجنس والصراع الطبقي . هذه ” التابوات ” التي كانت السلطات الحاكمة آنذاك , ترفض ُ تداولها أو الأقتراب منها , إلاّ أذا تمرغت كرامتها ” الوطنية ” , في وحل الهزائم ” القومية ” , من كل صنف ٍ ولون , وأنكسر نتيجة لذلك حاجز خوف ” رعاياها ” منها .
وها هم الشباب الآن يطرحون مقاربة ً جديدة ً لــ ” تنمية التخلف ” , في هذا الحيّز المكاني الملعون , الذي وجدوا أنفسهم غارقين في أتونه .
فلا يوجد الآن ” صراع ٌ طبقي ّ ” . ذلك ان ” تحالف النفط والدين ” ( وأحدهما ثروة , والآخر سلطة ) قد نجح في ” تفريخ ” ( بدلا من ” تبلور” ) طبقته الأجتماعية الخاصة به , ووضعها فوق جميع الطبقات ” القديمة ” , وحوّلها إلى ” أقليّة حاكمة ” , تقبع ُ تحتها جميع شرائح المجتمع العراقي الأخرى , بأعتبارها ” أغلبيّة محكومة ” .
ولا يوجد الآن ” حراك أجتماعي ” (حقيقي ) بالمعنى المتعارف عليه في العلوم الأجتماعية . كما لم تعد هناك ” طبقة وسطى ” ( تقليدية ) خارج الأشتراطات التي يحددها ” تحالف الدين والريع”
في العراق الذي كان يفترض ُ به أن يكون ” جديدا ً ” , وليس نسخة ً مشوّهة ً عن العراق الذي سبقه , وليتحول بذلك إلى البلد الأكثر هشاشة ً وفسادا ً وتفككا ً وسوء حُكم , مقارنة بجميع تلك الفظائع والنكبات التي حلّت به من قبل .
إن الريع ” النفطي , وغير النفطي ” لا يفكك آليات الأستبداد لمجرد أنتقاله من يد ٍ لأخرى , ومن ” متصرف ٍ” معين ٍ به ِ إلى ” متصرف ٍ” آخر . ولن يغيّر هذا الريع وظيفته لمجرد تغيير شكل النظام السياسي . إن الريع يغذي نزعات الأستبداد , ويمنحها شرعيتها المعروفة في الأدب السياسي بــ ” شرعية الأنجاز ” . وهو بهذه الكيفية لا يخدم المستبدين وحدهم , بل ” يُرضِع ُ” معهم جميع الكائنات الأنتهازية الملتصقة بهم . وسرعان ماتنتفخ ُ هذه الكائنات الممسوخة ُ , وتتمدد , فارضة سطوتها على كل من يقع ُ ” خارجها ” , دون أن يغير أدراكها , وأدراك الآخرين لها , على أنها ” نطيحة ً ومترديّة ” من واقع الحال شيئا ً .
ان هذه ” الطبقة الأجتماعية الجديدة ” باتت تجترّنا على عجل , وتجتّر ُ معنا آمالنا المشروعة , وأحلامنا المستحيلة . وتسحق ُ, في طريقها لأحكام قبضتها على كل شيء , حاضرَ أبنائنا , ومستقبل أجيالنا القادمة .
وحين طـُـرح َعلى الشباب سؤال ٌ آخر , حول مايتمنون وجوده في العراق , مما هو غير موجود ٍ الآن , أجابوا : بأنهم يحلمون بالعودة ِ إلى ” عراق السبعينيات ” من القرن الماضي .
ان ذاك ” العراق ” , الذي يحلم ُ شباب ُ اليوم بالعودة اليه , هو ذاته ُ عراق الريع النفطي ّ . ولكن الفرق كما يبدو يتلخص ُ في ان الشرائح ” المترديّة والنطيحة ” في المجتمع العراقي آنذاك , كانت اقل شأناً ونفوذا ً وتأثيرا ًمما هي عليه الآن . لقد كان هناك ” سبع ٌ ” واحد يترك لها ” رمم ” الريع , ويحدد حصتها منه , ويجبرها بحد السيف على تمرير أجزاء مهمة منه الى الرعايا الآخرين . أما الآن , فأن ” السباع ” كثيرةٌ جدا , ولم تعد ” المغانم ُ ” كما ” المظالم ُ ” موزعة بعدالة ( وان كانت نسبية ) بين الجميع .
إن ذلك العراق , الذي يحلم بالعيش في كنفه شباب اليوم , هو عراقٌ متخيّل . فهم لم يعيشوا فيه أبدا ً. ولم يخوضوا غمار اي حرب ٍ من حروبه السابقة واللاحقة . ولم يختبروا أيا ً من فظاعاته .
وولدوا بعده بعشرين عاما ً ( على الأقل ) . ومع ذلك فأنهم يعتقدون انه ُ ” العراق ُ ” الوحيد الجدير بالعيش والصالح للسكن , مقارنة ً بـ ” زريبة الضباع المتناطحة ” المعروضة عليهم الآن , والمسماة ُ ” وطنا ً ” .
وبهذا فأن الشباب ( في حاضرهم .. الآن ) يرسمون لأنفسهم ” مستقبلا ً ” هو جزء ٌ من ” الماضي الملتبس ” لآباءهم . ويحدث ُ هذا , لا لشيء , إلا لكون تلك المرحلة من الماضي هي الأكثرُ حرية ً وأنفتاحا ً ورفاهية ً بالنسبة لهم . وهذا يعني ان الشباب لا يعنيهم كثيرا ً شكل ُ السلطة الحاكمة , أو طبيعة النظام السياسي والأقتصادي في بلدهم . إن أولوياتهم تتشكل ُ على وفق ” السرديّات ” التي ينقلها اليهم آباؤهم . وهي سرديّات ٌ لا تنقصها المصداقية ُ على أية حال , ولدرجة بات الشباب معها يحسدون آبائهم ,علانية ً, على عيشهم لتلك السنوات ” السعيدة ” المعدودات , مقارنة ً بالسنين الطوال ” العجاف ” التي يعيشونها همُ الآن .
ان تلك السلطة ” البائدة ” المذمومة الآن .. هي الأقرب ُ الى تحقيق تطلعاتهم من السلطة الجديدة التي كان يفترض أن تكون سلطتهم ” هُم ” , وعلى وفق انماط تفكيرهم , وسلوكياتهم , وتطلعاتهم , وليس على وفق اشتراطات السلطة التي يتربع فوقها ” الآخرون ” ويملون على الشباب من خلالها شروطهم وقيمهم , وانماط عيشهم , ولو إلى حين .
وأخيرا فان الشباب في العراق لم يفجرّوا ثورة ً سرقها الآخرون منهم ( على غرار ما حدث في الكثير مما يسمى بثورات الربيع العربي ) . وبالتالي فأن حصتّهم في التغيير الذي حدث في العراق بعد العام 2003 ( كحصّة غيرهم ) لا زالت قليلة . وبأمكانهم تنظيم أنفسهم من خلال المؤسسات والتسهيلات التي يتيحها النظام الجديد ( وهي بالقطع لم تكن موجودة , ولم يكن ليسمح بها أبدا ً في النظام القديم ) . وهذه المرة عليهم بناء ” سردياتهم ” الخاصة بهم , وبعصرهم , وعدم الأتكاء على حنين ماضوي يرتبط بـ ” سرديات ” آبائهم واجدادهم , وذلك من أجل ان تكون لهم حصة أكبر في تقرير طبيعة الحاضر وشكل المستقبل , لعراقٍ آخر , غير العراق القائم الآن .