كان مقهى ” رشيد ” موعدنا عصراً

 

كان مقهى ” رشيد ” موعدنا عصراً وكنَّا من سابقٍ أحلاسه
مجلسٌ زانَهُ الشبابُ ، وأخلوا ” للزهاويِّ” صدرَه والرياسه
هو إنْ شئتَ مجمعٌ للدُّعاباتِ وإن شتتَ معهدٌ للدراسه
ثمَّ كلن العِشاءُ فانصرف الشيخُ كسيحاً موِّدعاً جُلاّسه
وافترقنا نُريد” مَهَرانَ” نبغي وَرطة ًفي لذاذةٍ وارتكاسه
تارةً صاحبي يُصفِّقُ كأسي وأنا تارةً أُصفِّق كاسه
وجديرٌ أنْ يُمتِعَ المرءُ بالخمرةِ نفساً . وأنْ يُثقِّلَ راسه
قبلَ أن تَهجُمَ الليالي عليه فتُعري من الصِّبا أفراسه
أتُراه على حياةٍ قديراً بعدَ ما يُودِعونه أرماسه
فاحتسبنا كأساً وأُخرى فدبَّتْ سَورةٌ لم تدعْ بنا إحساسه
وهَذينْا بما استكنَّت به النفسُ وجاشتْ غريزةٌ خنَّاسه
لا ” الحسينُ الخليعُ ” يبلغُ شأوينا ولا ” مسلمٌ ” ولا ذو ” النُواسه”
قال لي صاحبي الظريفُ وفي الكفّ ارتعاشٌ وفي اللسانِ انحباسه :
أين غادرتَ ” عِمَّةً ” واحتفاظاً قلتُ : إني طرحتُها في الكُناسه
ثم عُجنا لمسرحٍ أسرجته كلُّ رَودٍ وضَّاءةٍ كالماسه
حدَّدوةُ بكلّ فينانةٍ خضراءَ بالزهرِ عطرتْ أنفاسه
ولقد زادتِ الوجوهَ به حُسناً ولُطفاً للكهرباء انعكاسه
ثمَّ جَسُّوا أوتارَهم فأثرنَ اللهوَ أيدٍ قديرةٌ جسَّاسه
وتنادَوا بالرقصِ فيه فأهوى كلُّ لدنٍ للدنةٍ ميَّاسه
خُطةٌ للعواطف الهُوج فاقَتْ خُطّةَ الحربَ جذوةً وحماسه
أُغرمَ الجمعُ واستجاب نفوساً تتقاضاهُ حاجة مسَّاسة
ناقِلاً خطوَةُ على نغمةِ العودِ وطوراً مرَّجفاً أعجاسه
وتلاقى الصدرانِ .. واصطكَّتِ الأفخاذُ .. حتى لم تبقَ إلا لُماسه!!
حرَّكوا ساكناً فهبَّ رفيقي لامساً باليدينِ منه لباسه!!
ثمَّ نادى مُعربداً لُيحيِّ الله مغناكَ وليُدِمْ أعراسه
وخرَجْنا منه وقد نصلَ الليلُ وهدَّتْ إغفاءَةٌ حُرّاسه
ما لبغدادَ بعدَ هاتيكمُ الضجَّةِ تشكو أحياؤها إخراسه
واقتحمنا بيتاً تعوَّد أنْ نطرق في الليلِ خُلسةً أحلاسه
وأخذنا بكفِّ كلِّ مَهاةٍ رنَّقَتْ في الجفونِ منها نُعاسه
لم أُطِلْ سومَها وكنتُ متى يعجبني الشئُ لا أُطيلُ مِكاسه!
قلتُ إذ عيَّرتنيَ الضعفَ لمَّا خذلتني عنها يدٌ فرّاسه:
لستُ أعيا إنْ فاتني أخذيَ الشيء بعنفٍ ، عن أخذهِ بالسياسه
ثمَّ كانتْ دعابةٌ فَمُجونٌ فارتخاءٌ . فلذةٌ .! فانغماسه !!
وعلى اسمِ الشيطانِ دُستُ عَضوضاً ! ناتئَ الجنبتَينِ .! حلوَ المداسه!
لبَداً .. تنهلُ اللُبانةُ منه ! لا بحزْنٍ ضَرسٍ .. ولاذي دَهاسه!
وكأنّ العبيرَ في ضرَمِ اللذَّةِ يُذكي بنفحةٍ أنفاسه..!
وكأنّ الثِقْل المرجّحَ بين الصدرِ والصدرِ .. يستطيبُ مراسه
وكأنّ ” البديعَ ” في روعة الأسلوب ! يُملي ” طِباقه ! ” و” جِناسه”
واستجدَّتْ من بعدِ تلك أمورٌ كلّهنَّ ارتيابةٌ والتباسه
عرَّفتنا معنى السعادةِ لمّا أنْ وضعنا حدّاً بها للتعاسه
بسَمَ الدهرُ وتجافى بعدَها كاشِراً لنا أضراسه
صاحبي لا ترُعكَ خِسَّةُ دهر ” كم نفوسٍ حسَّاسه”

الزهاوي في معاركه الأدبية – عيسى الناعوري

المعارك الأدبية المشهورة التي يعرفها المثقفون العرب هي المعارك التي كانت تدور في الصحف والمجلات المصرية , لأنها هي وحدها التي كانت منتشرة في العالم العربي كله , وكان المثقفون يتتبعونها ويتفاعلون معها باهتمام كبير , ولعل من أهمها , ومن بواكيرها معركة كتاب ( الشعر الجاهلي ) لطه حسين , وكانت من أوسع تلك المعارك وأشرسها وأبعدها أثراً . ثم تجيء معارك جماعة ( الديوان ) : العقاد والمازني . وتتلاحق المعارك والمعارك التي كان يثيرها قلم الدكتور زكي مبارك هنا وهناك .
أما المعارك التي كانت تدور خارج مصر فقل أن يسمع بها المثقفون العرب في غير البلد الذي كانت تدور فيه . وكانت المعارك كثيراً ما تدور في لبنان , والعراق , وسوريا , وغيرها , ولكنها كانت تدور في أجواء محدودة ضيقة .
لهذا كان سروري كبيراً في أن أتلقى كتاباً عنوانه ( الزهاوي في معاركه الأدبية والفكرية ) , للأستاذ عبد الرازق الهلالي . فأقبلت عليه أكاد ألتهمه التهاماً , وأود لو آتي على صفحاته الأربعمائة والتسعين في لحظة واحدة .
كان الزهاوي أدبياً وشاعراً عراقياً شهيراً , وكان حريصاً على أن يعرفه الناس ( عالماً وفيلسوفاً وشاعراً ) , وكان يسوؤه أن يخرج كاتب أو ناقد عن النظر إليه بغير الثلاثة معاً .
لقد جمع عبد الرازق الهلالي معارك الزهاوي الأدبية والفكرية كلها في هذا الكتاب ليقدم للقراء صورة عن المعارك الأدبية في تلك الفترة من عمر النهضة الأدبية في العراق , وهي فترة كان النقد الأدبي فيها يتميز بالعنف , والشراسة , والإهانات المتبادلة , فلا تناقش الفكرة بالفكرة – وهو غاية النقد – بل يتعارك الكاتب والكاتب , ويتشاتم القلم والقلم , وينتفي دور الضمير في هذه المعارك , وكأنها لا تصدر إلا عن أحقاد متوارثة بين الأدباء والكتاب , لا عن خلافات في الرأي فقط .
كذلك كان النقد الذي عرفناه لدى العقاد , والمازني , والرافعي , وزكي مبارك , – في مصر – وكذلك كان النقد الذي نجده على صفحات كتاب عبد الرازق الهلالي : بين الزهاوي والرصافي , ورفائيل بطي , ومحمد بهجت الأثري , وآخرين من العراقيين ، وبين الزهاوي والعقاد ، ونقد الزهاوي لأحمد شوقي .
لقد كان من أمانة الهلالي في عرض هذه المعارك أن جاء بها بكل تفاصيلها ووقائعها وردودها , من أي طرف كانت . وبهذا عرض المتعاركين على الحلبة أمام المتفرجين , بأشداقهم المنتفخة المزبدة , وقبضاتهم المشرعة في وجوه بعضهم البعض , وتركهم يتصارعون بكل ما في الصراع من شراسة وعنف وتجرُّد من تقاليد النقد والنقاش الفكري .
في البداية تأتي مقالات محمود أحمد السيد , ورفائيل بطي , في نقد رباعيات الزهاوي , تليها ردود الزهاوي متتابعة في كيل الصفعات لمنتقديه , وفي تفنيد آرائهم في شعره .
وأقدم للقراء هنا نماذج قليلة جداً مما قيل في هذه المساجلات البعيدة عن روح النقد وروح الأدب :
يقول محمود السيد : “نحن لم نقرأ الرباعيات , ولكن يعلم الراسخون في العلم أن ما نشر منها لم يكن جديراً بهذا الإدعاء الفارغ , ولم يكن فيها شيء جديد من هذا النوع الذي يدعى بالتفلسف – أضف إلى ذلك تفاهتها ..” .
ثم يروح يتهم الزهاوي بسرقات شعرية كثيرة , لمجرد تشابه أبيات من شعر الزهاوي مع أبيات لشعراء آخرين . وهي طريقة عقيمة في النقد , تدل على الفراغ أكثر مما تدل على فهم النقد . وهي إن كانت صالحة في عصور سابقة , فليست من مفاهيم النقد اليوم .
ويقول رفائيل بطي بعده مدافعاً عن شعر الرصافي , ومهاجماً شعر الزهاوي : ” إن الزهاوي لا يصلح لكثير من أنواع الشعر الزهاوي , ولا سيما ( شعر الأطفال ) , فيجيء نظمه غثاً ثقيلاً وتافهاً لا معنى له ” .
ثم يروح بطي يبحث عن ( سرقات ) شعرية للزهاوي , كما فعل محمود أحمد السيد .
فتجيء ردود الزهاوي عنيفة قاسية . وفي الرد الأول يقول الزهاوي عن رفائيل بطي : ” لا أريد في كتابتي هذه إفهام الملأ في بغداد أن الرجل دعي في الأدب , لأن الناس يعرفونه , وإنما لئلا تغرهم جعجعة رحاه فيظنون أن لها طحنا . أريد أن أفهمهم أنه خلو من الأدب , تهجَّمَ على صنعته الجميلة قبل أن يستعد لها ” .
يلي ذلك مقال لأحمد حامد الصراف دفاعاً عن الزهاوي , بعنوان ( الزهاوي – أنصاره وخصومه ) .
بعد ذلك يثير الزهاوي نفسه معركة حول ( الشعر المرسل ) يهاجم فيه القافية في الشعر العربي , ويعتبرها ( قيداً ثقيلاً في أرجل الشعر العربي ) ويقول : ” كم شاعر خسر المعنى لانصرافه إلى القافية , وأخذ يستخرج المعاني منها كأنها الحجر الأساسي لبناء أبياته , فهو لم يتحر القافية للمعنى , بل تحرى المعنى للقافية ” . ويقول كذلك : “والقافية هي سبب فقدان الشعر القصصي عند العرب , وسبب قلة الابتكار , وتفاهة المعاني والموضوعات عند العرب , وباختصار هي آفة الشعر العربي , وعقبة الشاعر العربي الكأداء ” .
نشر الزهاوي مقاله هذا في جريدة ( السياسة ) عام 1925 , فأيده شكري الفضلي بمقال عنوانه ( الشعر المرسل ) ,كما أيده سلمان الشيخ داود , وعبد الرازق الناصري . ولكن عبد الرازق الهلالي لم يورد مقالي الأخيرين , واكتفي بإيراد مقال شكري الفضلي . وقد هاجمه الشيخ محمد بهجت الأثري هجوماً عنيفاً , دافع فيه عن القافية في الشعر العربي , وهاجم الشعر المرسل , كما هاجم الزهاوي صاحب الدعوة إلى الشعر المرسل , فقال :
” فلا بدع إذا ما ثار بركان غضب ( المفحم الألكن ) , وصب جام لعانته على العربية وآدابها , وأصدر حكمه الصارم على عجز اللغة , وضيق عطن الآداب , ثم تناسى عجزه وجهله , ليبني حججه على مقدمات هي أفسد من أضغاث الأحلام .. ” .
ثم يجيء ( رأي الرصافي في الشعر المرسل ) , في لقاء صحفي بين رفائيل بطي والرصافي , وهو لا يهاجم الزهاوي , ويبدي في الموضوع رأياً هادئاً .
فيثور الزهاوي ويرد على ناقديه , ويحمل من جديد على القافية , ويدعو إلى تخليص الشعر العربي منها , لينطلق من قيوده العسيرة , وأكد في رده أن ” القافية سوف تزول من الشعر , كما زال السجع من النثر ” .
وما أظن إلا أن دعوة الزهاوي هذه , التي جاءت في عام 1925 إنما كانت تهيئة لمدرسة ( الشعر الحر ) التي ظهرت في العراق عام 1947 , على يد نازك الملائكة , وإن تكن جاءت على غير ما دعا إليه الزهاوي , إلى حد ما .
المعركة التالية كانت معركة بين الصديقين القديمين : الزهاوي والرصافي . والذي أوقع بينهما هو أحمد حامد الصراف , فقد أهدى الزهاوي إلى الرصافي نسخة من رباعياته , فقرأها الرصافي وعلق على حواشيها تعليقا لا ترضي الزهاوي . وزاره الصراف يوماً , واطلع على هذه التعليقات , فطلب استعارتها , فلم يمنعها الرصافي عنه . فأخذها الصراف إلى الزهاوي ليطلعه على تعليقات الرصافي .
فغضب الزهاوي , وراح يهاجم الرصافي , ويطعن في شعره وفي ذوقه , فكانت القطيعة بين الصديقين الشاعرين , وكانت حملات متبادلة بينهما على صفحات الصحف . ومات الزهاوي عام 1936 والخصومة ما تزال على أشدها بين الرجلين .
هذا التناقد والمساجلات بين الزهاوي ومواطنيه من أدباء العراق وشعرائه لا أرى فيه كبير غناء , ولذلك سأقفز عنه إلى نقد الزهاوي لشوقي , ثم المعارك الحامية التي دارت بينه وبين العقاد , في صحف مصر , لا في صحف العراق , لأن هذه المعارك خرجت من دورها الإقليمي الضيق , ليقرأها العرب خارج العراق أيضاً . ولكنني قبل ذلك أحب أن أذكر أن أكثر المعارك التي أثارها الزهاوي وأثيرت عليه في العراق , كانت تعتمد على إبراز ما يُتوهم أنه سرقات , وأنه أخطاء لغوية , ولذلك كان مثل هذا النقد يبعث على الملل , ويدل على عقم فكري وسوء فهم للنقد الأدبي .
والمؤسف أن الزهاوي نقل هذه الطريقة العقيمة نفسها إلى مصر في معركته مع العقاد , واضطر العقاد – المصارع الفكري – إلى أن يرد بمثلها , إلى جانب ردوده العنيفة القاسية .
يقول عبد الرزق الهلالي في الصفحة 218 من الكتاب :
” لم يكن الزهاوي يعترف بشاعرية غيره , فكيف إذا كان هذا الشاعر قد أصبح ( أميراً للشعراء ) … إن الزهاوي قد أغضبه هذا التنصيب , فهو أحق به من أحمد شوقي , كما يعتقد . أعرب الزهاوي عن رأيه هذا مراراً , إلا أنه تنازل شيئاً ما , فقبل أن يكون شوقي ( أميراً لشعراء مصر ) … وقد سر الزهاوي كثيراً عندما بدأت ( جماعة الديوان ) تهاجم شعر أحمد شوقي وتحط من شاعريته … وأخذ يتحين الفرص لنقد شعر شوقي ” ..
وتجيئه الفرصة حين نشرت إحدى صحف بغداد مرثية شوقي لإسماعيل صبري , فراح الزهاوي ينتقد هذه القصيدة نقداً جارحاً .
يقول الهلالي إن هذا الأمر ” أثار ضده عدداً من الكتاب الذين يخالفونه الرأي وفي طليعتهم الأستاذ محمد بهجت الأثري , فقد كتب خمس عشرة حلقة … بينما رد الهاشمي على الأثري بتسع حلقات ” .
ويصدر ديوان شوقي ( الشوقيات ) فيتناول الزهاوي بالنقد ثلاث قصائد منه , تماماً كما كان يفعل العقاد في اختيار بعض القصائد الهزيلات من شعر شوقي , ويروح يوسعها ويوسع شوقي تهكما وسخرية . غير أن الزهاوي يتناولها من الجانب اللغوي – وليته كان ضليعاً في اللغة ! – والغريب أن هذه المقالات نشرها الزهاوي – دون توقيع – في مجلة ( لغة العرب ) التي كان يصدرها في بغداد العلامة الأب أنستاس الكرملي . ولذلك ظل المعروف أن المتطوع لنقد القصائد الشوقية هو الكرملي نفسه , صاحب المجلة , وليس سواه .
وطبعاً لم يتنازل شوقي إلى الاكتراث بنقد الزهاوي , كما لم يتنازل قط من قبل إلى الاكتراث بنقد العقاد .
وأخيراً تقع الواقعة بين الزهاوي والعقاد . وهي واقعة حقاً , لأن العقاد لم يكن من نوع الناقدين العراقيين , بل كان يتميز بأعنف العنف , وأشرس الشراسة , فيوسع خصمه تمزيقاً ونهشاً , بالسخرية حيناً , وبالإهانة حيناً .

بدأت المعركة برأي قاله العقاد في الزهاوي رداً على سائل تونسي كتب إلى العقاد يسأله عن رأيه في الزهاوي . وهذا الرأي جاء في ختام مقال العقاد , وهو : ” أن خير مكان للزهاوي هو بين رجال العلوم ورادة القضايا المنطقية , فهو لا يبلغ بين الفلاسفة والشعراء مثل ذلك المكان ” .
نشر العقاد مقاله هذا في جريدة ( البلاغ ) المصرية عام 1927 واطلع عليه الزهاوي , فلم يعجبه هذا الرأي الذي يجرده من الشعر والفلسفة , ويضعه بين العلماء فقط , فرد عليه في جريدة ( السياسة الأسبوعية ) القاهرية .
لم يكن الزهاوي عنيفاً في رده , فهو يعرف مع من وقع . ولكنه راح يناقش مقال العقاد كله , متذرعا بأن العقل هو أساس كل تقدم وكل حضارة . ورد عليه العقاد في ( البلاغ ) يفند آراءه , ويؤكد أن الخيال والعاطفة – قبل العقل – هما اللذان صنعا كل الحضارات . وكان العقاد قوياً قي نقاشه , وفي رد الرأي العلمي بالرأي المنطقي .
الغريب في رد الزهاوي أنه لا يؤمن بغير العقل والمنطق , ويريد من الشعر أن يعتمد على العقل والمنطق . ولست أدري كيف يمكن أن يكون الشعر شعراً إن كان عقلاً كله ومنطقاً , ولم يعتمد على العاطفة والخيال . وأرى أن الزهاوي بهذا يجرد نفسه من الشاعرية وهو لا يدري .
وكعادة العقاد , لم يرحم الزهاوي من السخرية , والتهكم في رده عليه .
وهنا انحرف الزهاوي عن النقاش في العقل والخيال والعاطفة , وأخذ ديواناً للعقاد صدر حديثاً إذ ذاك , وراح ينتقده في مجلة ( لغة العرب ) في مقالات متلاحقة , دون توقيع أيضاً , كما فعل في نقده لشوقي .
وليس من عادة العقاد أن يسكت على نقد , وما كان يمكن أن يخرج هذه المرة على القاعدة التي اختطها لنفسه . وفي هذه المرة لم يعرف من كان صاحب النقد في ( لغة العرب ) وظنه الكرملي نفسه , فراح يهاجمه بكل عنف وقسوة , ويسخر من معرفته اللغوية , وهو لا يعرف أن الكرملي لا ذنب له في ما يرميه به من سخرية ونقد لاذع , وأنه من أسرة عربية عريقة تنتمي إلى بني مراد .
وعلى الرغم من أن المعركة طالت بين الزهاوي والعقاد , فإن الزهاوي لم يكشف عن اسمه , وصمت الكرملي عن البوح , وظل يتلقى الأذى من العقاد صابراً .
ومرت الأيام , ومات الزهاوي , ثم مات الكرملي , ثم مات العقاد , ولم يكتشف أن الذي كان ينتقد شعره في ( لغة العرب ) هو الزهاوي بأن يفصح عن نفسه , ويدفع الأذى عن رجل بريء أهين دون جريرة .
والذي كشف هذه الحقيقة – بعد فوات الأوان بكثير – هو عبد الرزاق الهلالي في كتابه هذا , ولم يكتف بالشهادة فحسب , بل نشر صوراً من مقالات الزهاوي بخطه . وقد مات الكرملي مظلوماً ولم يشأ أن يدفع عن نفسه التهمة , ومات العقاد ظالماً ولا يعرف أنه ظالم , ومات الزهاوي قبلهما , ولم يجعل الظالم يشعر بظلمه , ولا دفع التهمة عن المظلوم .
وأورد فيما يلي نموذجاً صغيراً من نقد العقاد للكرملي , وهو يحسبه المهاجم الذي يستحق العقاب :
” وفي ردنا على نقد هذه المجلة – أي لغة العرب – لديواننا فائدة قيمة , غير فائدة التصحيح وإظهار الأخطاء التي وقع فيها الناقد المغرور , وهي الكشف عن حقيقة الشهرة التي تُنال أحياناً في بلادنا الشرقية , فقد تُذاع عن بعض سمعة العلم بالعربية وهم يجهلون من أولياتها وأصولها ما يفترض علمه في صغار الشداة المبتدئين ! وترى هؤلاء المشهورين يبيحون لأنفسهم مقام الإفتاء والتحليل والتحريم في ألسنة العرب ، وهم لا يفقهون منها جائزا ولا ممنوعا ولا يقيمون فهم عبارات منها قلما تخفى على سواد الناس ! وفي طليعة هؤلاء صاحب مجلة ( لغة العرب ) . فالكشف عن حقيقة هذه الشهرة الزائفة باب من أبواب العبرة خليق أن يقصد لذاته , ويتخذ مثالا لغيره من ضروب السمعة التي لا تقوم على أساس ! ” ( ص 383 – 384 ) .
العقاد يقول هذا عن الكرملي , في حين كان الكرملي من أبرز أعضاء المجمعين اللغويين في القاهرة ودمشق , ومن أكبر علماء اللغة العربية وأصولها وقواعد صرفها ونحوها , وما يجوز فيها وما لا يجوز .
ومع ذلك تحمل الكرملي الأذى إلى آخر مداه , ولم يقل شيئاً , لأن الزهاوي لم يشأ أن يقول الحقيقة , ولم يسعفه قلمه بشيء يدفع به التهمة عن المتهم .
هذه كانت نماذج من صنوف النقد الأدبي في ذلك الحين , فهل تغير النقاد اليوم ؟ وهل أصبح النقد أكثر عفة وترفعاً عن الولوغ في المهاترات بدل مقارعة الفكرة بالفكرة والحجة بالحجة , والرأي بالرأي ؟
ــــ
المصدر : مجلة الدوحة 4/1985 .

البواخر تسير بالبخار لا بالبخاري

عبارة قالها الشَّاعر المتفلسف جميل صُدقي الزَّهاوي (ت 1936) في مجلس «المبعوثان» العثماني، عندما أخذ بنقاش جباية الضَّرائب، وكانت أُوقفت أوقاف تمنح غلتها للأئمة الذين يقرأون كتاب البخاري في البواخر، وهو صحيح أبي عبد الله محمد بن إسماعيل بن برزدبه البُخاري (ت 256 هـ). نهض الزَّهاوي قائلاً: «إننا نعرف أن البواخر تسير بالبخار لا بالبخاري، فلماذا لا تُنفق تلك الواردات على نشر التَّعليم ليتقن النَّاس استعمال البخار ما دام هو الذي يُسيّر البواخر، بدل أن ننفقها على قراءة البُخاري، الذي ليس له في تسييرها منفعة» (مذكرات سليمان فيضي).
‎قال ذلك الزَّهاوي العام 1914، وحينها كان نائباً عن بغداد، وبعد أن انتهى مِن كلامه «ضج المجلس، وكال له المتدينون ألفاظ الكفر والإلحاد، وهجم بعضهم عليه يريدون ضربه، فتدخل النُّواب العِراقيون ثانية لإنقاذه» (المصدر نفسه). كانت الأولى، التي هجم عليه النواب المعممون، وصاحوا: «يا زنديق أنزل يا كافر» لَما صعد الزَّهاوي المنبر وقال: «إِنَّ الْأَرْضَ يَرِثُهَا عِبَادِيَ الصَّالِحُونَ. فلا يظنن أحد بأن القصد مِن الصَّالحين هم العُباد والنُّساك، وإنما القصد الصَّالحون لإعمارها» (المصدر نفسه).
‎كانت فكرة الزَّهاوي أن البخار تولده الماكنة، التي اخترعها الإنسان، وهي بحاجة إلى رعاية، بل إن المجتمع بحاجة إلى رفع مستواه الثَّقافي إلى مستوى تلك الماكنة، ولو كان ذلك كذلك لتمكنت هذه الأمة أن تهيئ نفسها إلى ما بعد البخار: الكهرباء والإلكترون. فمشكلتنا، التي ما زالت قائمة، أننا لا نريد الاعتراف أن الدِّين دين والدُّنيا دُنيا، الدِّين دين والعلم علم، فعندما نتكلم عن العلماء، في المحافل والمنتديات، يُذهب مباشرة إلى علماء الدِّين فقط.
‎أتذكر مرة أن قارئ المنبر الحُسيني، السَّيد حسن، صعب عليه تلبية طلب موكبنا في تأليف ردة، والرَّجل أخذ يتظاهر بأنه لا يريد كتابة لطمية، لكنه في حقيقة الأمر لم يقدر على ذلك لأنه ليس بشاعر، فما كان مِن المتقدم بالطَّلب أن يضع يده على بطنه، وكان بطيناً، ويقول ضاحكاً: «إهنا شگثر عِلم مخزون»! والرَّجل ظل حائراً لا يريد الاعتراف بعدم معرفته الشِّعر ولا يريد كشف أمره أنه عجز عن كتابة لطمية، وهم يسمعونه يومياً خمس مرات. مثل ذلك صعب عليَّ فهم مشاعر المعمم الذي وصل بغداد، بعد نيسان (ابريل) 2003 وعاد مزهواً بأنه افتتح أربعين مدرسة دينية، فهي إشارة إلى أن الحملة الإيمانية مازالت قائمة.
‎أرى أن الزَّهاوي هو الأقرب للدِّين مِن الذي خاطبوه بالزِّنديق والكافر، لأنه فسر الآية بما ينفع النَّاس، فالإنسان النَّاسك المتبتل في الصَّومعة، والصَّاب جهده والصَّارف وقته على أمور الدِّين له في العبادة والجواب عن شأنها، لكن الأرض تحتاج إلى عقول تُعمرها بالعِلم والاختراع، فما شأن الأئمة الذين يقرأون البُخاري بأوقاف موقوفة عليهم، بينما الباخرة ستتوقف عن الجريان إذا عطلت الماكنة التي تزودها بالبخار الكافي لدوران مروحتها داخل البحار. في ردِّ أولئك على الزَّهاوي لا نجد سوى بيت أبي الطَّيب (اغتيل 354 هـ) عندما قال هاجياً سلطان مصر(الدِّيوان، قصيدة أين المحاجم يا كافور):
‎ أَغاية الدِّين أن تحفوا شَواربكم
‎يا أُمةً ضّحكت مِن جهلِها الأُممُ
‎نعم، البواخر تسير بالبُخار لا بالبُخاري!