من هي ملهمة أشهر قصائد السياب؟

 

 

لمعان البكري و لمعان البكري والنحات نداء كاظم يوم إزاحة الستار عن تمثال السياب و لمعان البكري أيام الدراسة الجامعية وإهداء بدر لقصيدة يا {هواي البكر} إليها

 

 

 

 

 

 
 
 

 

باريس: إنعام كجه جي

بمناسبة الذكرى الخمسين لرحيل بدر شاكر السياب (1926 – 1964)، يعود التساؤل عن الحبيبة التي ألهمت الشاعر العراقي المجدد مطلع قصيدته الأشهر «أنشودة المطر». إنها ليست قصيدة غزلية تماما، بل تبدأ، على عادة الشعراء القدامى، بالتشبيب والأسى الشخصي الشفاف لتتحول إلى نشيد سياسي هادر متصاعد، يستنكر جوع الفقراء ويبشر بالثورة وبهطول المطر.

«عيناك غابتا نخيل ساعة السحر». هل هما العينان السوداوان لزميلته في دار المعلمين العالية، الشاعرة لميعة عباس عمارة، اللتان تغشاهما العتمة عند المغيب؟ أم هما العينان الخضراوان للمعان البكري، الطالبة الجديدة في كلية الحقوق، اللتان يحيل لونهما إلى غابات النخيل؟

«عيناك حين تبسمان تورق الكروم». ففي تلك الأيام الملتهبة بالنشاط السياسي من أربعينات القرن الماضي، كان يكفي أن تبتسم طالبة جامعية لكي تجد أكثر من قصيدة طوع يديها، كتبها لها زميل من شعراء دار المعلمين العالية، وما أكثرهم. ولعل السياب، الطالب الريفي القادم من الجنوب، كان أشعرهم وأكثرهم استعدادا للوقوع في شراك نظرات وابتسامات بنات المدينة. لقد استلطف الكثيرات وكتب لهن القصائد. يكفي أن تقع عيناه على وجه صبوح فتولد القصيدة. وكانت بينهن من تتقبل القصيدة، لا صاحبها، ربما لأنه كان قليل الحظ من الوسامة، مهموم بالكتب والنضال، يحمل أوراقه في جيب سترته ويتوسط حلقات الرفاق والرفيقات لكي يقرأ عليهم ما ألهمه شيطان الشعر في الليلة السابقة. وممن كتب لهن، بالإضافة إلى لميعة ولمعان، زاهدة الدبوني وسعاد البياتي ولبيبة القيسي التي سماها «لبلاب»، وطالبة يهودية حسناء تدعى «بدر»، أيضا. وكان يتهكم على نفسه قائلا إنها تستحق اسمها فعلا، أما هو فلا.

ومن بين أوهام كثيرة، كانت العلاقة العاطفية التي ربطته بزميلته الشاعرة ذات العينين المتوهجتين كالجمر، حقيقة يشهد عليها زملاؤهما، وقد ورد ذكرها في أكثر من قصيدة من قصائده. لذلك فقد كان شائعا أن الأبيات الغزلية الواردة في مطلع «أنشودة المطر» هي من نصيب لميعة. لكن من عاصروا تلك الفترة يعرفون أن السياب كتب القصيدة وراح ووضعها في يد طالبة أخرى هي لمعان البكري. فماذا تقول لميعة، وما هي رواية لمعان؟

كنت قد التقيت السيدة لمعان، صيف العام الماضي، في لندن حيث تقيم منذ سنوات في إحدى ضواحيها. وهو اللقاء الذي سمح لي أن اتصل بها، مؤخرا، لأطرح عليها سؤالي عن بدر، وعن قصيدة «أنشودة المطر»، وتوقعت أن تتحرج في العودة إلى تلك الحكاية البعيدة. لكن المرأة التي حافظت على الكثير من ألقها، ردت بكل أريحية وأسعفتني ببعض الصور وبنسخ من القصائد التي أعطاها لها السياب. وكانت لمعان قد تزوجت وتركت الدراسة وهي في الصف الأول، ثم عادت لمواصلتها بعد أن رزقت بطفل، لتتخرج في الحقوق عام 1954 وتتدرج في الوظائف وتعمل في «وزارة الإعلام». صارت مديرة عامة تشرف على الكثير من المرافق الفنية في بغداد. ومثل الكثير من العراقيين، انتهى بها المطاف إلى الإقامة في إنجلترا.

قالت: «كنت طالبة في السنة الأولى حين تعرفت على بدر أثناء سفرة نظمها طلبة دار المعلمين العالية ودعيت لها. وما زلت أذكر أن الشاعر كان يدور بدفتر قصائده بيننا ويقرأ علينا بعض أشعاره، ثم أعطاني ذلك الديوان المخطوط وطلب مني أن أقرأه. وبالفعل بدأت بتقليب الصفحات والاطلاع على ما فيها ثم أعدته له وعدنا من السفرة وانتهى كل شيء. لكن الذي حصل هو أنه واصل تردده على كلية الحقوق، قرب الجسر الحديدي، غير بعيد عن دار المعلمين. وفي كل مرة يأتيني بمغلف يسلمني إياه باليد، أو يبعثه بيد أحد من الزملاء».

كانت المغلفات تحمل قصائد غزلية جديدة لسياب، مكتوبة بخط جميل معتنى به، منها «أنشودة المطر» و«يا هواي البكر» و«نشيد اللقاء». وفي بعضها سجل الشاعر مكان كتابتها، مثل «أبي الخصيب» في البصرة، أو تاريخ الكتابة، مثل «ذكرى مساء 7 نيسان 1946». وهناك، أحيانا، هوامش يشرح فيها مفردة أجنبية وردت في القصيدة مثل «نغمة خفاقة تفنى على صدر البيان»، حيث شرح الكلمة الأخيرة بأنها تعريب لكلمة «بيانو».

كيف كان انطباعها الأول عنه؟ لا تتأنى السيدة في الجواب ولا تحاول انتقاء كلماتها: «في ذلك الوقت لم نكن نتطلع للشعراء، فهم في الغالب معدمون، نراهم في المظاهرات ونصفق لقصائدهم، لا أكثر، وحتى في المظاهرات فقد كان طلاب الحقوق وكلية الطب أشطر في الهتافات من طلاب دار المعلمين العالية. لقد كان السياب، كما رأيته يومذاك، شابا قصير القامة، مؤدبا، ذا صوت خفيض جدا، تنسدل ثيابه عليه مثلما تنسدل على علاقة الملابس، يرتدي قميصا وبدلة كما في تمثاله الموجود على كورنيش شط العرب في البصرة».

فيما بعد، حين أودى به المرض وهو في عمر مبكر، سعت لمعان البكري، التي كانت مديرة عامة في وزارة الإعلام خلال السبعينات، لإقامة مهرجان في البصرة لتكريم ذكرى بدر شاكر السياب، رائد الشعر الحديث. وقد كلفت النحات نداء كاظم أن ينحت للشاعر تمثالا أزيح عنه الستار في الأول من (يناير «كانون الثاني») 1971. أما الذي أزاح الستار فكان شاعرا آخر هو الوزير شفيق الكمالي. وتروي لمعان أن الفنانة وجدان ماهر الكنعاني، وكانت تعمل في قسم التصميم في الوزارة، التفتت نحوها أثناء مراسم رفع الستار، وهمست في أذنها: «هل تكفّرين عن ذنوبك بحق السياب؟».

في ذلك الوقت، لم تكن تشعر بالزهو لأنه كتب لها القصائد. لقد سحرت غمازتاها شعراء كثيرين نظموا لها أحاسيسهم شعرا. ولعلها تدرك اليوم قيمة تلك الوريقات التي احتفظت ببعضها وراح البعض الآخر مع ما راح من موجودات بيتها في بغداد. ومن بين ما عرضته علينا مخطوطة «يا هواي البكر»، التي كتب السياب في الصفحة الأولى منها، تحت العنوان: «لم تكن أهواؤه الأولى غير نزوات تموت مع اليأس. أما حبه الجديد فهو باقٍ رغم اليأس والحرمان… فهو هواه الأول».

هل كان هواه للميعة عباس عمارة شغف عابر، أيضا؟ حين تزوجت لمعان ولم تستجب لمشاعره، حمل عليها في قصيدة «أحبيني» الشهيرة، وقال: «وتلك كأن في غمازتيها يفتح السحر عيون الفل واللبلاب / عافتني إلى قصر وسيارة». وهي القصيدة التي شكا فيها من سبعٍ أحبهن ولم يحببنه كما كان يشتهي، بينهن لميعة «شاعرتي التي كانت لي الدنيا وما فيها». فماذا تستذكر عنه، في ذكرى رحيله، وهي في عزلتها البعيدة بمدينة ساندييغو على الساحل الغربي للولايات المتحدة؟ إنها تحاول أن تتفادى الموضوع لأن هناك من يتوهم أنها تستفيد من تلك الحكاية لتلميع صورتها. كأن صورة لميعة الشاعرة المرهفة وملهمة الأدباء تحتاج إلى تلميع.

أسألها إن كانت قد أحبت بدرا، كما أحبها، فتقول: «من الأكيد أنني كنت أحبه، وقد كتبت له شعرا، وتأثرت كثيرا بصداقتنا التي لم تكن أكثر من علاقة بريئة ومحلقة ومبدعة. وهي قد كانت فترة غنية جدا في حياة بدر، توقفت تقريبا فيها عن كتابة الشعر، طيلة الفترة التي عرفته فيها، وكنت مكتفية بدور الملهم والمستمع والناقد والرفيق والصديق. كنت الأم والحبيبة، فكان إنتاجي قليلا وإنتاجه غزيرا. وكنت سعيدة بصداقته وراضية. لكنه كان شكوكا لا يثق في النساء ولم يصدق أنني أبادله مشاعره. وأنا لست مطالبة بأن أقسم له بالأيمان الغليظة أني أحبه. فقد كان لي غروري وكبريائي وثقتي بنفسي والدلال المعروف عن العراقية، المرأة التي يلهث وراءها الرجل فلا تبدي مكنون ضمير وتبقى المترفعة. ولعله تصور أنني أحب الشاعر فيه فحسب، وأنا أحببته كإنسان. وكنت أستمتع برفقته وبالنكتة التي كان يطلقها وبالذكاء اللماح الذي يلتقط به كلماتي وبالتفاهم العظيم بيننا. كنا نستخدم لغة خاصة في الحديث، مختصرة وعميقة وجد صادقة. وكان ما بيننا لعبة أذكياء وتواطؤ موهوبين. إنها فترة من أثرى فترات حياتي العاطفية، بقينا سنتين معا، وأثناءهما كنا نتراسل، وقد دعاني لزيارته في قريته جيكور ولبيت الدعوة بصحبة خالي عبد الرزاق جودت، وبقينا ضيوفا في بيتهم ليلة واحدة، وقمنا بجولة نهرية كان خلالها يقرأ لنا الشعر».

وصلت إلي من لميعة عباس عمارة، بالبريد، مجموعة مغلفات تضم أوراقا تخصها وصورا من حياتها الحافلة وكتابات بخط يدها، منها ما قد يكون منشورا ومنها ما لم أقرأه من قبل. وبين الأوراق عثرت على ما تؤرخ فيه لعلاقتها بالسياب، حيث كتبت: «كنت أتوقع أن ألتقي بشاعر. ليست نبوءة إنما أمنية. وكنت أظن، وأنا في الثانية عشرة من عمري، أن الشعراء يسكنون في الكتب ولا يسيرون على الأرض. وفجأة التقيته. يمشي مع الناس، نحيلا يحمل أزهاره الذابلة (في إشارة إلى ديوانه «أزهار ذابلة») ويشتم حبيبته السابقة وينتظر المجهولة الآتية. وقد جاهدت أن أكون صديقا (تستخدم صيغة المذكر ولا تقول صديقة) أشاركه إعجابه بالجميلات وأستمع لما يكتب فيهن. وقلت لأستاذنا في علم النفس، محمد النحاس، إن المريض شفي من تشاؤمه وكآبته ولكني أخشى عليه من مرض أشد. ابتسم أستاذي وقال إن هذا المرض هو ما يحتاج إليه الشاعر».

في قصاصة أخرى غير مؤرخة، نقرأ: «اليوم يمر خمسون عاما على لقائي ببدر. طالبة في الصف الأول من كلية دار المعلمين العالية، فرع اللغة العربية، وطالب في الصف الثالث فرع اللغة الإنجليزية، نحيف رقيق حساس هادئ وعصبي المزاج، أحيانا. يدخن ويشرب الشاي ويلقي شعره في حديقة الكلية، جالسا على المقاعد الخشبية محاطا بالطالبات والطلاب. يقرأ بصوت جهوري معبر وبتأثر شديد، تسعفه كفان من الجلد والعظم. عيناه صغيرتان وأذناه كبيرتان. له جبهة عريضة وشعر سبط بني يميل إلى السواد وأنف فيه شيء من الكبر (تشطب الكاتبة على هذه الكلمة الأخيرة) وذقن راجع إلى الخلف. وهو حين يبتسم تبدو أسنانه العريضة وشيء من اللثة الرمادية من أثر التدخين. بسيط نظيف في ملبسه. محط اهتمام زملائه. ينظر وكأنه لا يرى وهو يدقق في كل ما يراه وبخاصة الفتيات الجميلات السافرات من بنات الذوات، حيث الأسر المثقفة والمترفة تبادر بالسماح لبناتها بدخول الكلية المختلطة، بعكس الطلاب الذين تدفعهم الحاجة واستعجال الوظيفة لدخول هذه الكلية».

وعودة إلى السؤال حول «أنشودة المطر»، القصيدة التي اختارها عنوانا لديوانه الصادر عام 1962، من هي الملهمة؟ تجيب لميعة في حديث هاتفي معها، مؤخرا: «لقد قرأ علي بدر المقاطع الأولى (عيناك غابتا نخيل) ثم أكمل عليها، فيما بعد، (أنشودة المطر). وكان لقائي به بعد أن انتهت علاقته بلمعان البكري. وأذكر أنها كانت قد طلبت صياغة سوار جميل من الذهب، منقوش عليه مطلع القصيدة. لقد التقيت السياب بدرا بعد أن كان قد قطع علاقته بها وقسا عليها بقصيدته (لعنات)، وكنت أجادله فيها وأقول: لا يجوز أن تلعن المرأة التي أحببت وأوحت لك بأحلى القصائد. لا ترمِ حجرا في البئر التي شربت منها. وكان يحقد عليها لأنها اختارت أن تقترن برجل ميسور. وكنت أسعى لتخفيف ذلك الحقد لأنني أعرف طبعه وأعرف أنه من الممكن أن يحب أي طالبة تجلس بجانبه أو تستمع لقصيدة أو تصفق له، وبالتالي يتصور أنها تحبه ويجب أن تتزوجه. لم يفهم أن الحب لا علاقة له بالزواج. والفرق بيننا أنني كنت أبحث عن الحب وهو عن زوجة. وعقدته أنه فقير ولم يتقبل أن فتيات بغداد لم يكنّ يبحثن عن شاعر يكتب لهن القصائد بل عن زوج له مستقبل».

من يعُد إلى دواوين السياب ولميعة عباس عمارة يجد حوارات شعرية واضحة بينهما وأصداء تتردد في هذا البيت أو ذاك، فهو يكتب: «سوف أمضي / أسمع الريح تناديني بعيدا». ونقرأ في قصيدة «شهرزاد» للميعة: «ستمضي فمن لي بأن أمنعك؟ / ستمضي فهل لي أن أتبعك؟ / فقلبي وشعري وعمري سدى / إذا لم أمتع بعيشي معك». وقد كتب السياب قصيدة «نشيد اللقاء» التي نجد صداها في قصيدة «شهرزاد» ذاتها: «سأهواك حتى تجف الدموع / بعيني وتنهار هذي الضلوع / ملأت حياتي فحيث التفت / أريج بذكرك منها يضوع / وفي ليلة من ليالي الشتاء / وقد لفني وفتاتي غطاء / سأرنو إلى الباب مرتاعة / وأتلو عليها (نشيد اللقاء)». ثم يعود السياب في قصيدة بعنوان «نهاية» ويردد صدى قصيدة لميعة قائلا في أحد المقاطع: «سأهواك حتى… نداء بعيد / تلاشت على قهقهات الزمان / بقاياه في ظلمة في مكان / وظل الصدى في خيالي يعيد / سأهواك… ما أكذب العاشقين / سأهوا… نعم تصدقين».

الغريب أن مخطوطة «نشيد اللقاء» موجودة، اليوم، لدى لمعان البكري. كما أن أكثر من طالبة من زميلات السياب نسبت «أنشودة المطر» إلى نفسها بعد رحيله وذيوع شهرته. فهل كان الشاعر ماكرا أم أنه كان رحب القلب والقريحة، يلتقط إلهامه من كل وجه صبوح يلوح أمامه ولا يخلص إلا لربة الشعر؟

من روائع السياب

منطرحا أمام بابك الكبير

أصرخ في الظلام أستجير

يا راعي النمال في الرمال

و سامع الحصاة في قرارة الغدير

أصيح كالرعود في مغاور الجبال

كآهة الهجير

أتسمع النداء ؟ يا بوركت تسمع

و هل تجيب إن سمعت ؟

صائد الرجال

و ساحق النساء أنت يا مفجّع

يا مهلك العباد بالرجوم و الزلازل

يا موحش المنازل

منطرحا أمام بابك الكبير

أحس بانكسارة الظنون في الضمير

أثور ؟ أغضب

وهل يثور في حماك مذنب

**

لا أبتغي من الحياة غير ما لديّ

الهري بالغلال بزحم الظلام في مداه

وحقلي الحصيد نام في ضحاه

نفضت من ترابه يدي

ليأت في الغداة

سواي زارعون أو سواي حاصدون

لتنثر القبور و السنابل السنون

أريد أن أعيش في سلام

كشمعة تذوب في الظلام

بدمعة أموت و ابتسام

تعبت من توقد الهجير

أصارع العباب فيه و الضمير

و من ليالي مع النخيل و السراج و الظنون

أتابع القوافي

في ظلمة البحار و الفيافي

و في متاهة الشكوك و الجنون

تعبت من صراعي الكبير

أشقّ قلبي أطعم الفقير

أضيء كوخه بشمعة العيون

أكسوه بالبيارق القديمة

تنث من رائحة الهزيمة

تعبت ربيعي الأخير

أراه في اللقاح و الأقاح و الورود

أراه في كل ربيع يعبر الحدود

تعبت من تصنع الحياة

أعيش بالأمس و أدعو أمسي الغدا

كأنني ممثل من عالم الردى

تصطاده الأقدار من دجاه

و توقد الشموع في مسرحه الكبير

يضحك للفجر و ملء قلبه الهجير

تعبت كالطفل إذا أتعبه بكاه

**

أود لو أنام في حماك

دثاري الآثام و الخطايا

و مهدي اختلاجه البغايا

تأنف أن تمسّني يداك

أود لو أراك من يراك ؟

أسعى إلى سدّتك الكبيرة

في موكب الخطاة و المعذبين

صارخة أصواتنا الكسيرة

خناجرا تمزّق الهواء بالأنين

وجوهنا اليباب

كأنها ما يرسم الأطفال في التراب

لم تعرف الجمال و الوسامة

تقضت الطفولة انطفا سنا الشباب

وذاب كالغمامة

ونحن نحمل الوجوه ذاتها

لا تلفت العيون إذ تلوح للعيون

و لا تشفّ عن نفوسنا و ليس تعكس التفاتها

إليك يا مفجّر الجمال تائهون

نحن نهيم في حدائق الوجوه آه

من عالم يرى زنابق الماء على المياه

و لا يرى المحار في القرار

و اللؤلؤ الفريد في المحار

منطرحا أصيح أنهش الحجار

أريد أن أموت يا إله
بدر شاكر السياب

قصيدة – قالت لي نملة

قالت لي نملة                          

علاء العبادي                                

 

قالت لي نملة يهودية

هل تقرا سورة ياسين

قلت كل يوم بعد صلاة الضحى

قالت هل تصلي

قلت بلى

قالت هل قرات العراب

قلت منذ الطبعة الاولى

قبل ان يقراها كولن ويلسون

قالت واين تسكن

قلت في الشواكة قرب افران صبري

بعيدا عن علوة الاغبياء

قالت هل تحب اليهود

هل تحب الخريط

والطماطم الخضراء

ايها المتهكم

لا احد يقرا لك

فاكتب ماشئت

ايها الحزين السخيف

تظن انك قد احرقت كل شيء

كل ذكرياتك الفارسية

وقبل ان يفكر محمد علي جناح بالانفصال

كتبت كل شيء عن كل شيء

ولا احد يقرا لك

ليس لانك رافضي احمق

وشيعي متشدد

تدافع عن الشروك والاكراد والهنود الحمر

تدافع عن الفقراء والمساكين

كما يفعل الانبياء

وتدافع عن المراة لانك لاتستطيع الحصول عليها

ايها الستيني العتيق

تعال هذا المساء

وخذني الى فرن الصمون

واطرحني هناك

على دكة الفرن الحار

ليرى اهل الشواكة الحب الحقيقي عندما يصرخ عجوز مثلك

بطنها …. بطنها

اريدك الليلة

على مراى من  الكلاب البوليسية

وعريف السرية الاولى

لن يعرف ابدا انني يهودية

وانني من محلة التوراة

وانني لم ازر ابدا تل ابيب

نكاية بيهود بولونيا

لانني لا احب الا اليهود العراقيين

الذين يقرؤون المقام عندما يتذكرون كل شيء في البصرة

هل زرت البصرة ؟!!!

هل كنت هناك

في العشار

قريبا منها

وقريبا من بدر شاكر السياب

الذي تخلى عن الحزب الشيوعي ليموت بسرعة

انا ذهبت الى التيه قبل ان اشرب من ماء دجلة

ولولا الخليفة الذي طردنا من الجزيرة لما وصلنا الى العراق ولما كان لكم ابدا محلة اسمها التوراة

تعال ياحبيبي

واشبع من الغنج اليهودي

ساغني لك

KISS ME HONEY HONEY KISS ME

وامسح صدرك كلما تذكرت البرازيلية

التي حزنت عليها كثيرا وبكيت عليها كثيرا

عندما كنت تقرا قصائدك الفخمة لشعراء مثلك

يحبون ان تقرا لهم

لانهم يحبون صوتك

الذي بدات تفقده بسبب الغدة الدرقيه

تعال ايها الكرخي الجميل

اجلس قربي

وتذكر

لعلك تتذكر بعض ايامك الجميلة في الرصافة

وقبلني كثيرا

على دكة الفرن الحاره

احدثك عن العلاقات السيئة في مناخ البحر الابيض المتوسط

عن الذباب

وعن البطولات المزيفة والملوك الذين لايموتون

تعال ايها النبي

واجلس بقربي

وحدثني عن الطائفية

وعن الربيع العربي

وعن امراة احببتها في الصيف

ولم تقل لها احبك ابدا

 

 

 

 

 

 

 

كتب

 

الأسس الإسلامية فى فكر ابن خلدون ونظرياته – مصطفى الشكعة

http://www.qaraat.com/2013/10/blog-

الحب في فكر سورن كيركجور – شانتال آن

http://www.qaraat.com/2013/08/blog-post_3.html

شعراء الصوفية المجهولون – دكتور يوسف زيدان

http://www.qaraat.com/2013/04/blog-

أصول الفلسفة العربية – يوحنا قمير

http://www.qaraat.com/2013/12/blog-

يهود الفلاشا: أصولهم ومعتقداتهم وعلاقاتهم بإسرائيل – محمد جلال إدريس

http://www.qaraat.com/2013/12/blog-

الأسس العلمية لكتابة رسائل الماجستير والدكتوراه – محمد عبد الغني ومحسن الخضيري

http://www.qaraat.com/2013/12/blog-

 

إصبع غاليليو – بيتر أتكينز

http://www.qaraat.com/2013/08/blog-

منزل الأقنان – بدر شاكر السياب

http://www.qaraat.com/2013/10/blog-

الإنسان المتمرد – ألبير كامو

http://www.qaraat.com/2013/08/blog-

المومس العمياء

بقلم الدكتور جاسم محمد
من كتاب دراسات نقدية في الشعر العربي ( رؤية وتحليل )
2007 بغداد

لقد كتب السياب قصيدة المومس العمياء عام 1954، وقد ساعدته خبرته الشخصية وتجربته على أن يرسم صورة واقعية للعلاقات في المبغى، وساعده خياله كذلك على خلق قصة مؤثرة بطلتها مومس أمتد بها العمر فأصبحت عمياء غير مرغوب فيها. لكن الشفقة لم تكن هدفه في هذه القصيدة، وإن كانت عنصراً قوياً فيها وإنما كان هدفه إن يعرض الشقاء البشري الذي لا مبرر له، ويعري الظلم الواقع في الدنيا. فلو كان العدل يسود المجتمع لزال منه كلّ شقاء . لكن البناء الاجتماعي غير عادل، ولاسيما في توزيع الثروة والسلطة، لذلك فأن الشقاء منتشر بين الناس حيث يلتقط الشاعر صورة لامرأة بائسة فريدة في وضعها النفسي والجسدي ويشخص من خلالها ، بؤس كل الساقطات ، وألم المرأة الدفين التي يدفعها المجتمع دفعاً إلى الشر من خلال الظلم والاذى وهو بين صورة الواقع المرّ والماضي البريء لطفلة نمت لتكون امرأة ساقطة . وتتلخص فكرة القصيدة ـ من حيث كيانها التأريخي ـ في سطور حيث كانت هناك فتاة اسمها سليمة، من أصل عربي صريح، عاشت في كنف أب فقير، كان يعمل حاصداً بأجر، وذات يوم سمعت طلقاً نارياً في الحقول، فهرعت تستطلع الخبر، وقلبها يحدثها أن والدها ربما صاد بطة لتصلح طعاماً لهم في ذلك اليوم، ولكنها تجد أباها غارقاً بدمائه ، حيث قتله إقطاعيّ إتهمه بأنه دخل حقله يسرق من قمحه الناضج، والفلاحون من حوله يهمسون في ذلة مرددين تلك التهمة ( رآه يسرق) فينشد الشاعر بدر:
طلق
فيصمت كل شيء
ثم يلغط في جنون
هي بطة فلم انتفضت ؟ وما عساها أن تكون ؟
ولعل صائدها أبوك، فأن يكن فستشبعون .
وتخفّ راكضة حيال النهر كي تلقى أباها:
هو خلف ذاك التل يحصد . سوف يغضب إن رآها.
مرّ النهار ولم تعنّه وليس من عون سواها
وتظل ترقى التل وهي تكاد تكفر من أساها .
وعيون فلاحين ترتجف المذلة في كواها
والغمغمات : ” رآه يسرق ” ، واختلاجات الشفاه
يخزين ميتها، فتصرخ :” يا إلهي ، يا إلهي
.
وتنشب الحرب ويجيء آلاف الجنود إلى العراق ، فتستباح اعراض، وتقع سليمة فريسة لهذا المد العاتي، وتصبح بغية محترفة ، ويكون الاقبال عليها في شبابها كبيراً .
فيقول بدر شاكر السياب:
كان الزبائن بالمئات ، ولم يكونوا يقنعون
بنظرة قمراء تغصبها من الروح الكسيرة
لترش أفئدة الرجال بها، وكانوا يلهثون
في وجهها المأجور، ابخرة الخمور ، ويصرخون
كالرعد في ليل الشتاء .
لكنها تصاب بالعمى وتحس بوطأة السنين الزاحفة ، كما يتغير اسمها بعد فقد البصر فيدعونها ” صباح” ، فيقول عنها:
هي- منذ أن عميت – ” صبـــاح ”
فأي سخريــة مريره !
اين الصباح من الظلام تعيش فيه بلا نهار
وبلا كواكب أو شموع أو كوى وبدون نار ؟ .
وبسبب عماها يبتعد عنها طلاب الشهوة وتحس بالجوع والحاجة إلى المال
لم يعرض الزانون عنها وحدها؟ لم يعرضون

وهي الفقيرة فقر شحّاذ ؟ أما هي كالنساء ؟
وفي غمار تلك الحياة القاسية تفقد بنتاً من ثمرات الاثم. فيقول بدر :
ما العمر؟ ما الايام؟ عندك ، ما الشهور ؟ وما السنين ؟
ماتت ” رجاء” فلا رجاء. ثكلت زهرتك الحبيبة !
بالامس كنت إذا حسبت فعمرها هي تحسبين
ما زال من فمها الصغير
طراوة في حلمتيك وكركرات في السرير
كانت عزاءك في المصيبة ،
وربيع قفرتك الجديبة .
كانت تشاركك العذاب لكي تكفّر عن خطيئه !
أفترضين لها مصيرك ؟
فاتركيها للتراب
في ظلمة اللحد الصغير تنام فيه بلا مآب .
وهي في ذلك الوضع المحزن تستدعي الايدي التي تشتري جسدها بما يسد الرمق فلا يسمع دعاءها أحد :
لا تتركوني يا سكارى
للموت جوعاً ، بعد موتي – ميتة الاحياء – عارا
لا تقلقوا
فعماي ليس مهابة لي أو وقارا .
ولقد كانت سليمة تنتظر الزبائن كلّ مساء في غرفتها بالمبغى على ضوء مصباح زيت تدفع أجرته ، وهي لا شك سخرية مرة إن لا تستطيع المومس أن ترى نور المصباح في شقائها وعماها ، بينما العراق يبدد ثروة زيته الذي يستغله الاجانب
ويح العراق! أكان عدلاً فيه إنك تدفعين
سهاد مقلتك الضريرة
ثمناً لملء يديك زيتاً من منابعه الغزيرة ؟
كي يثمر المصباح بالنور الذي لا تبصرين ؟ .

ولكن المومس ليست وحدها ضحية المجتمع الظالم. إنما هي صـورة مصغرة لهذا الظلم ، إذ إن كلّ الاشخاص الآخرين في القصيدة ضحايا مثلها، بمن فيهم الشرطي الذي يحرس المبغى ليلاً بينما تمارس زوجته البغاء في وحدتها وفقرها ولا يستثني منهم الرجال انفسهم الذي يقصدون المبغى
هم مثلها ـ وهم الرجال ـ ومثل آلاف البغايا
بالخبز والاطمار يؤتجرون ، والجسد المهين
هو كلّ ما يتملكون ، هم الخطاة بلا خطايا
وهم السكارى بالشرور كهؤلاء العابرين
من السكارى ، بالخمور
كهؤلاء الفاجرين بلا فجور
وتقول المومس العمياء في حوارها الداخلي وهي تصف نفسها لتجذب الزبائن:

من ضاجع العربية السمراء لا يلقى خسارا .
كالقمح لونك يا ابنة العرب ،
كالفجر بين عرائش العنب
او كالفرات ، على ملامحه
دعة الثرى وضراوة الذهب .
لا تتركوني فالضحى نسبي :
من فاتح ، ومجاهد ، ونبي !
عربية أنا: أمتي دمها
خير الدماء كما يقول أبي .
لعل أهم حادثة في حياة سليمة هي ما اتصل بمقتل والدها، حيث نرى أن الشاعر يمهد للقصة بمقدمة طويلة عرض فيها للصورة الليلية التي أطبقت على المدينة ، فإذا المدينة نفسها عمياء والعابرون في طرقاتهم هم أحفاد ( أوديب) الاعمى ـ فهم ايضاً نسل العمى ـ تقودهم شهواتهم العمياء إلى المبغى حيث المقبرة الكبرى التي تطبق على جيف مصبعة بأنواع الطلاء ، وأحد السكارى ( اعمى آخر) يدق على الباب يحلم بدفء الربيع، فيسخر الشاعر منه ومن حلمه الكاذب ويخبره أن شيطان المدينة ( أي المال) لم يراهن في ذلك الحي إلا على اجساد مهينة محطمة، فليضاجع أية امرأة منهن لييسر لها الطعام وليس ذلك السكير أسوأ حالاً من الاب الذي جعل من ابنته متاعاً يشترى بالمال، فهـو قـد دفـعها (في عماه وجهله) إلى ذلك المصير .

تلك هي المقدمة وهي رغم التنقل السريع بين جوانب مختلفة من الصورة الكبرى لوضع المرأة ، وقسوتها التقريرية، ووضوح التوجيه المقصود، من خير المقدمات التي يعنى بها السياب عناية خاصة في قصائده الطويلة ، لان وحدة(العمى) الحقيقي والمجازي تجعل قصة المومس جزءاً لا يتجزأ من اللوحة الكبرى .
وبعد ذلك تبدأ القصة بصورة بائع الطيور وهو يعرض سلعته في حي البغايا، وتناديه سليمة لتتحسس ما يبيع، وفيما هي تمرر يدها على الطيور تتذكر اسرابها التي كانت تراها في صباحها، وتتذكر اباها والطلق الناري والفاجعة .
ويمرّ عملاق يبيع الطير، معطفه الطويل
حيران تصطفق الرياح بجانبيه ، وقبضتاه
تتراوحان : فللرداء يد وللعبء الثقيل
خطواته العجلى ، وصرخته الطويلة : ” يا طيور
هذي الطيور ، فمن يقول تعال “
أفزعها صداه
عمياء تطفىء مقلتاها شهوة الدم في الرجال
وتحسسته كأن باصرة تهمّ ولا تدور
في الراحتين وفي الانامل وهي تعثر بالطيور .
وتسمع صوت قهقهات بعيدة فتعرف أن السمسار قد عاد من الترصد بالرجال على الوصيد، فيقول :
أصداء قهقهة السكارى في الازقة، والنباح
وتعدّ وقع خطى هنا وهناك : ها هوذا زبون

ويقول:
” عباس” عاد من الترصد بالرجال على الوصيد
وتتمنى لو كانت متزوجة فيخطر على بالها قصة بائسة هي امرأة الشرطي الذي يعمل حارساً في حي البغاء لكي يضمن أن لا يتم إتجار بالخطايا ( إلا لعاهرة تجاز بأن تكون من البغايا) ، وتدرك أن الزوجة ليست أحسن حالاً ، فينصرف خاطرها إلى الانتحار فتدفع عنها هذه الخاطرة لانها ( حرام) فيستبد بها الغيظ وتتسأل في حرقة بالغة : إذن (لم تستباح) ؟ فيقول بدر :

يا ليت حمالاً تزوجها يعود مع المساء
بالخبز في يده اليسار وبالمحبة في اليمين
لكن بائسة سواها حدثتها منذ حين
عن بيتها وعن ابنتيها ، وهي تشهق بالبكاء
عن زوجها الشرطيّ يحمله الغروب إلى البغايا ،
ويقول :
يا ليتها ، إذن إنتهى اجل بها فطوى أساها !
” لو استطيع قتلت نفسي” همسة خنقت صداها .
ويستمر في قوله :
وتحس بالاسف الكظيم لنفسها : لم تستباح ؟
الهر نام على الاريكة قربها لم تستباح ؟ .
ويغلي الغيظ في صدر سليمة حقداً على الرجال، وتتشفى بتوزيع الداء عليهم ولكنها تتذكر أنهم ليسوا سواء: فمن كان منهم كأهل قريتها كانوا أناساً طيبين جائعين مثلها، ومن كانوا كالذين اغتصبوها ـ من جند الحرب ـ فهم المجرمون حقاً، في استعلائهم وتسمع وقع اقدام السكارى فيتمثل لها الوجود كله مقسوماً إلى شطرين يفصل بينهما سور، ها هنا بغايا، وهنالك سكارى ـ تلك هي حياة البشر، وكـل فريق منهما يطلب الآخر، ولكن السور عنيد كسور يأجوج ومأجوج الذي سمعت عنه في الصغر، ولا يمكن أن يدركه إلا طفل اسمه ” إن شاء الله” .
فيقول الشاعر :

هي والبغايا خلف سور، والسكارى خلف سور
يبحثنّ هنّ عن الرجال، ويبحثون عن النساء،
سور كهذا، حدثوها عنه في قصص الطفولة :
” يأجوج ” يغرز فيه، من حنق، أظافره الطويلة
والسور باق لا يثلّ وسوف يبقى ألف عام ،
لكن ( إن ـ شاء ـ الإله )
ـ طفــلاً كذلــك سميــــاه ـ .

ويدركها الاحساس بأن الزبائن يعرضون عنها، الأنّها عمياء؟ ولكن الذين يطلبون جسدها لا يبحثون فيه عن عينيها. أترى أن رفيقتها ( ياسمين) هي سبب إعراضهم عنها لانها تزينها بالطلاء، فتتعمد تشويه محاسنها ، حيث يقول :
ولعل غيرة” ياسيمن” وحقدها سبب البلاء :
فهي التي تضع الطلاء لها وتمسح بالذرور

وجهاً تطفأت النواظر فيــه
ـ كيف هو الطلاء ؟
وكيف أبدو ؟
ـ ” وردة قم ضياء ”
ان الجوع الصارخ جعلها تصرخ بينها وبين نفسهاـ مستدعية السكارى، مدلة بنسبها العربي، لم لا يأتي هؤلاء السكارى فيضاجعون دماء الفاتحين ـ دم خير الامم كما كان أبوها يقول ـ ليكون في ذلك درس لكل أب لا يزوج أبنته متشبثاً بخرافة النسب، عشرون عاماً مضت وهي تأكل بنيها من سغب ، تريد الحياة وهي تخون سنّة الحياة ، وكان موت إبنتها( رجاء) راحة له إنتظار إنتظار
عشرون عاماً قد مضين، وأنت غرثى تأكلين
بنيك من سغب ، وظمأى تشربين
ويقول:
مات الضجيج. وانت ، بعد، على انتظارك للزناة ،
تتنصتين ، فتسمعين
رنين أقفال الحديد يموت، في سأم ، صداه :
الباب أوصــد
ذاك ليل مرّ
فأنتظري سواه.
إنّ قصيدة المومس العمياء لاتطرح إلا رؤيا سيابية خاصة في موضوعها أكثر مما هي رواية واقعية ، فالمضمون الواقعي الذي عبّر عنه السياب في هذه القصيدة لا يكاد يخرج عن حالة إنسانية محددة تحمل من خيالات شاعرها وتصوراته الشيء المبالغ فيه وهي بعد ذلك لا تتسع لواقع إجتماعي إراد السياب أن يجعلها معبرة عنه، ولا تقود إلى الهدف الذي يبغيه الشاعر من هكذا مضمون .
ولا نظن أن هذه القصيدة ـ كموضوع إجتماعي تطرق إليه الشاعرـ بعيداً عن المستوى الفني الذي كانت عليه ـ ترقى إلى مستوى الشعر الاجتماعي والسياسي الذي كان سائداً ، او الذي عبّر عن بعضه الشعراء العراقيون الكلاسيكيون . ولعلنا لا نغمط قصيدة السياب هذه حقاً إذا قلنا أنها لم ترق فـي التأثير الجماهيري إلى قصائدهم في ذات الموضوع . وان هذه القصيدة يمكن ان تعتبر النقطة الفاصلة التي إنتهت عندها علاقة الشاعر الواهية بالشيوعيين فقصيدة المومس العمياء قصة النساء اللواتي يطعمنّ جوعهنّ ببيع الحب لزبائنهنّ وتعالج هذه القصة الشعرية مشكلة وعواطف امرأة عمياء من هذه الطبقة سيقت إلى هذا الحتف المميت وينجح الشاعر في عرض عواطفها وذكريات شبابها الطاهر ونجح ايضاً في عرض شفقته الانسانية عنها

المومس العمياء
بدر شاكر السياب
الليل يطبق مرة أخرى، فتشربه المدينه
والعابرون، إلى القرارة… مثل أغنية حزينه.
وتفتحت كأزاهر الدفلي، مصابيح الطريق،
كعيون “ميدوزا”، تحجر كل قلب الضغينه،
وكأنها نذر تبشر أهل “بابل” بالحريق
من أي غاب جاء هذا الليل؟ من أي الكهوف
من أي وجر للذئاب؟
من أي عش في المقابر دف أسفع كالغراب؟
“قابيل” أخف دم الجريمة بالأزاهر والشفوف
وبما تشاء من العطور أو ابتسامات النساء
ومن المتاجر والمقاهي وهي تنبض بالضياء
عمياء كالخفاش في وضح النهار، هي المدينة،
والليل زاد لها عماها.
والعابرون:
الأضلع المتقوسات على المخاوف والظنون،
والأعين التعبى تفتش عن خيال في سواها
وتعد آنية تلألأ في حوانيت الخمور:
موتى تخاف من النشور
قالوا سنهرب، ثم لاذوا بالقبور من القبور!
أحفاد “أوديب” الضرير ووارثوه المبصورن.
(جوكست) أرملة كأمس، وباب “طيبة” ما يزال
يلقي “أبو الهول” الرهيب عليه، من رعب ظلال
والموت يلهث في سؤال
باق كما كان السؤال، ومات معناه القديم
من طول ما اهترأ الجواب على الشفاه.
وما الجواب؟
“أنا” قال بعض العابرين…
وانسلت الأضواء من باب تثاءب كالجحيم
يبحثن في النيران عن قطرات ماء… عن رشاش.
لا تنقلن خطاك فالمبغى “علائي” الأديم:
أبناؤك الصرعى تراب تحت نعلك مستباح،
يتضاحكون ويعولون.
أو يهمسون بما جناه أب يبرؤه الصباح
مما جناه، ويتبعون صدى خطاك إلى السكون
الحارس المكدود يعبر متعبات،
النون في أحداقهن يرف كالطير السجين،
وعلى الشفاه أو الجبين
تترنح البسمات والأصباغ ثكلى، باكيات،
متعثرات بالعيون وبالخطى والقهقهات،
أوصال جندي قتيل كللوها بالزهور،
وكأنها درج إلى الشهوات، تزحمه الثغور
حتى تهدم أو يكاد. سوى بقايا من صخور.
جيف تستر بالطلاء، يكاد ينكر من رآها
أن الطفولة فجرتها ذات يوم بالضياء
كالجدول الثرثار – أو أن الصباح رأى خطاها
في غير هذا الغار تضحك للنسائم والسماء،
ويكاد ينكر أن شقا لاح من خلل الطلاء
قد كان – حتى قبل أعوام من الدم والخطيئة –
ثغرا يكركر، أو يثرثر بالأقاصيص البريئه
لأب يعود بما استطاع من الهدايا في المساء:
لأب يقبل وجه طفلته الندي أو الجبين
أو ساعدين ك***تين من الحمائم في النقاء.
ما كان يعلم أن ألف فم كبئر دون ماء
ستمص من ذاك المحيا كل ماء للحياء
حتى يجف على العظام – وأن عارا كالوباء
يصم الجباه فليس تغسل منه إلا بالدماء
سيحل من ذاك الجبين به ويلحق بالبنين –
والساعدين الأبيضين، كما تنور في السهول
تفاحة عذراء، سوف يطوقان مع السنين
كالحيتين، خصور آلاف الرجال المتعبين
الخارجين خروج آدم، من نعيم في الحقول
تفاحة الدم والرغيف وجرعتان من الكحول
والحية الرقطاء ظل من سياط الظالمين
أتريد من هذا الحطام الآدمي المستباح
دفء الربيع وفرحة الحمل الغرير مع الصباح
ودواء ما تلقاه من سأم وذل واكتداح
المال، شيطان المدينه
إبر تسل بها خيوط من وشائع في الحنايا
وتظل تنسج، بينهن وبين حشد العابرين،
شيئا كبيت العنكبوت يخضه الحقد الدفين:
حقد سيعصف بالرجال
والأخرىات، النائمات هناك في كنف الرجال
والساهرات على المهود وفي بيوت الأقربين
حول الصلاء بلا اطراح للثياب ولا اغتسال
في الزمهرير، ودون عد لليالى والسنين!
ويمر عملاق يبيع الطير، معطفه الطويل
حيران تصطفق الرياح بجانبيه، وقبضتاه
تتراوحان: فللرداء يد وللعبء الثقيل
يد، وأعناق الطيور مرنحات من خطاه
تدمي كأثداء العجائز يوم قطعها الغزاه
خطواته العجلي، وصرخته الطويلة “يا طيور
هذي الطيور، فمن يقول تعال…”
أفزعها صداه
عمياء تطفئ مقلتاها شهوة الدم في الرجال.
وتحسسته كأن باصرة تهم ولا تدور
في الراحتين وفي الأنامل وهي تعثر بالطيور،
وتوسلته: “فدى لعينك – خلني. بيدي أراها”.
ويكاد يهتك ما يغلف ناظريها من عماها
قلب تحرق في المحاجر واشرأب يريد نور!
وتمس أجنحة مرقطة فتنشرها يداها،
وتظل تذكر – وهي تمسحهن – أجنحة سواها
كانت تراها وهي تخفق… ملء عينيها تراها:
سرب من البط المهاجر، يستحث إلى الجنوب
أعناقه الجذلى… تكاد تزيد من صمت الغروب
صيحاته المتقطعات، وتضمحل على السهوب
بين الضباب، ويهمس البريد بالرجع الكئيب
ويرج وشوشة السكون
طلق… فيصمت كل شيء… ثم يلغط في جنون.
هي بطة فلم انتفضت؟ وما عساها أن تكون؟
ولعل صائدها أبوك، فإن يكن فستشبعون.
وتخف راكضة حيال النهر كي تلقى أباها:
هو خلف ذاك التل يحصد. سوف يغضب إن رآها.
مر النهار ولم تعنه… وليس من عون سواها
وتظل ترقى التل وهي تكاد تكفر من أساها.
………..
يا ذكريات علام جئت على العمى وعلى السهاد؟
لا تمهليها فالعذاب بأن تمري في اتئاد.
قصي عليها كيف مات وقد تضرج بالدماء
هو والسنابل والمساء –
وعيون فلاحين ترتجف المذلة في كواها
والغمغمات: “رآه يسرق”… “واختلاجات الشفاه
يخزين ميتها، فتصرخ يا إلهي، يا إلهي
لو أن غير “الشيخ”، وانكفأت تشد على القتيل
شفتين تنتقمان منه أسى وحبا والتياعا
وكأن وسوسة السنابل والجداول والنخيل
أصداء موتى يهمسون رآه يسرق في الحقول
حيث البيادر تفصد الموتى فتزداد اتساعا
…….
وتحس بالدم وهو ينزف من مكان في عماها
كالماء من خشب السفينة، والصديد من القبور،
وبأدمع من مقلتيها كالنمال على الصخور
أو مثل حبات الرمال مبعثرات في عماها
يهوين منه إلى قرارة قلبها آها فآها.
ومن الملوم وتلك أقدار كتبن على الجبين؟
حتم عليها أن تعيش بعرضها، وعلى سواها
من هؤلاء البائسات وشاء رب العالمين
ألا يكون سوى أبيها – بين آلاف – أباها
وقضى عليه بأن يجوع
والقمح ينضج في الحقول من الصباح إلى المساء
وبأن يلص فيقتلوه… (وتشرأب إلى السماء
كالمستغيثة وهي تبكي في الظلام بلا دموع)
والله – عز الله – شاء
أن تقذف المدن البعيدة والبحار إلى العراق
آلاف آلاف الجنود ليستبيحوا، في زقاق
دون الأزقة أجمعين
(ذاك اسم جارتها الجديد، فليتها كانت تراها
هل تستحق اسما كهذا: ياسمين وياسمين؟)
يا ليت حمالا تزوجها يعود مع المساء
بالخبز في يده اليسار وبالمحبة في اليمين.
لكن بائسة سواها حدثتها منذ حين
عن بيتها وعن ابنتيها، وهي تشهق بالبكاء
كالغيمة السوداء تنذر بالمجاعة والرزايا،
أزراره المتألقات على مغالق كل باب
مقل الذئاب الجائعات ترود غابا بعد غاب
وخطاه مطرقة تسمر، في الظلام، على البغايا
أبوابهن، إلى الصباح – فلا تجاهر بالخطايا
ويظل يخفرهن من شبع وينثر في الرياح
أغنية تصف السنابل والأزاهر والصبايا،
وتظل تنتظر الصباح وساعديه مع الصباح
تصغى – وتحتضن ابنتيها في الظلام – إلى النباح
وإلى الريح تئن كالموتى وتعول كالسبايا
وتجمع الأشباح من حفر الخرائب والكهوف
ومن المقابر والصحاري بالمئات وبالألوف..
فتقف من فزع وتحجب مقلتيها بالغطاء،
ويعود والغبش الحزين يرش بالطل المضاء
سعف النخيل… يعود من سهر يئن ومن عياء
– كالغيمة اعتصرت قواها في القفار، وترتجيها
عبر التلال قوي تجوع – لكي ينام إلى المساء:
عيش أشق من المنية، وانتصار كالفناء
وطوى يعب من الدماء وسم أفعى في الدماء
وعيون زان يشتهيها، كالجحيم يشع فيها
سخر وشوق واحتقار، لاحقتها كالوباء
والمال يهمس أشتريك وأشتريك فيشتريها
يا ليتها إذن انتهى أجل بها فطوى أساها!
لو أستطيع قتلت نفسي.. همسة خنقت صداها
أخرى توسوس: والجحيم؟ أتبصرين على لظاها؟
وإذا اكفهر وضاق لحدك، ثم ضاق، إلى القرار
حتى تفجر من أصابعك الحليب رشاش نار
وتساءل المكان فيم قتلت نفسك يا أثيمه؟
وتخطفاك إلى السعير تكفرين عن الجريمه.
أفتصرخين أبي فينفض راحتيه من الغبار
ويخف نحوك وهو يهتف قد أتيتك يا سليمه؟
حتى اسمها فقدته واستترت بآخر مستعار
هي – منذ أن عميت – “صباح”…
فأي سخرية مريره!
أين الصباح من الظلام تعيش فيه بلا نهار
وبلا كواكب أو شموع أو كوى وبدون نار؟
أو بعد ذلك ترهبين لقاء ربك أو سعيره؟
القبر أهون من دجاك دجى وأرفق، يا ضريره
يا مستباحة كالفريسة في عراء يا أسيره
تتلفتين إلى الدروب ولا سبيل إلى الفرار؟
………..
وتحس بالأسف الكظيم لنفسها: لم تستباح؟
ألهر نام على الأريكة قربها… لم تستباح؟
شبعان أغفى، وهي جائعة تلم من الرياح
أصداء قهقهة السكارى في الأزقة، والنباح
وتعد وقع خطى هنا وهناك: ها هو
هو ذا يجيء – وتشرأب، وكاد يلمس … ثم راح
وتدق في أحد المنازل ساعة… لم تستباح؟
الوقت آذن بانتهاء والزبائن يرحلون.
كالدرب تذرعه القوافل والكلاب إلى الصباح؟
الجوع ينخر في حشاها، والسكارى يرحلون،
مروا عليها في المساء وفي العشية ينسجون
حلما لها هي والمنون:
عصبات مهجتها سداه وكل عوق في العيون،
والآن عادوا ينقضون –
خيطا فخيطا من قرارة قلبها ومن الجراح –
ما ليس بالحلم الذي نسجوا ما لا يدركون …
شيئا هو الحلم الذي نسجوا وما لا يعرفون،
هو منه أكثر: كالحفيف من الخمائل والرياح،
والشعر من وزن وقافية ومعنى، والصباح –
من شمسه الوضاء… وانصرفوا يضحكون!
ستعيش للثأر الرهيب
والداء في دمها وفي فمها. ستنفث من رداها
في كل عرق من عروق رجالها شبحا من الدم واللــ
شبحا تخطف مقلتيها أمس، من رجل أتاها
سترده هي للرجال، بأنهم قتلوا أباها
وتلقفوها يعبثون بها وما رحموا صباها،
لم يبتغوها للزواج لأنها امرأة فقيره،
واستدرجوها بالوعود لأنها كانت غريره،
وتهامس المتقولون فثار أبناء العشيره
متعطشين – على المفارق والدروب – إلى دماها.
وكأن موجة حقدها ورؤى أساها.
كانت تقرب من بصيرة لبها صورا علاها
صدأ المدينة وهي ترقد في القرارة من عماها:
كل الرجال؟ وأهل قريتها؟ أليسوا طيبين؟
كانوا جياعا – مثلها هي أو أبيها – بائسين،
هم مثلها – وهم الرجال – ومثل آلاف البغايا
بالخبز والأطمار يؤتجرون، والجسد المهين
هو كل ما يتملكون، هم الخطاة بلا خطايا
ليس الذين تغصبوها من سلالة هؤلاء:
كانوا مقطبة الجباه من الصخور
ثمتص من فزع الضحايا زهوها ومن الدماء
متطلعين إلى البرايا كالصواعق من علاء!
وتحس، في دمها، كآبة كل أمطار الشتاء
من خفق أقدام السكارى، كالأسير وراء سور
يصغي إلى قرع الطبول يموت في الشفق المضاء.
هي والبغايا خلف سور، والسكارى خلف سور،
دميت أصابعهن: تحفر والحجارة لا تلين،
والسور يمضغهن ثم يقيئهن ركام طين:
وطلول مقبرة تضم رفات “هابيل” الجنين!
سور كهذان حدثوها عنه في قصص الطفوله:
“يأجوج” يغرز فيه، من حنق أظافره الطويله
ويعض جندله الأصم، وكف “مأجوج” الثقيله
تهوي، كأعنف ما تكون على جلامده الضخام.
والسور باق لا يثل… وسوف يبقي ألف عام،
… الطفل شاب وسورها هي ما يزال كما رآه
من قبل يأجوج البرايا توأم هو للسعير!
لص الحجارة من منازل في السهول وفي الجبال
يتواثب الأطفال في غرفاتها ويكركرون…
والأمهات يلدن والآباء للغد يبسمون،
لم يبق من حجر عليها فهي ريح أو خيال.
وأدار من خطم البلاد رحى، وساط من البطون
ما ترتعيه رحاه من لحم الأجنة والعظام،
وكشاطئين من النجوم على خليج من ظلام
يتحرقان ولا لقاء ويخمدان سوى ركام –
شق الرجال عن النساء سلالتين من الأنام
تتلاقيان مع الظلام وتفصلان مع الشروق:
لو يقطعون الليل بحثا والنهار – على سواها
في حسنها هي؟ في غضارة ناهديها أو صباها
وبسعرها هي ؟ أي شيء غير هذا يبتغون؟
عمياء أنت وحظك المنكود أعمى يا سليمه.
…. وتلوب أغنية قديمه
في نفسها وصدى يوشوش: يا سليمه، سليمه
نامت عيون الناس. آه… فمن لقلبي كي ينيمه؟
ويل الرجال الأغبياء، وويلها هي، من عماها!
لم أصبحوا يتجنبون لقاءها؟
عيونها، فيخلفوها وحدها إذ يعلمون
بأنها عمياء؟ فيم يكابرون ومقلتاها
أدري وتعرف أي شيء في البغايا يشتهون
بنظرة قمراء تغصبها من الروح الكسيره
لترش أفئدة الرجال بها، وكانوا يلهثون
في وجهها المأجور، أبخرة الخمور، ويصرخون
كالرعد في ليل الشتاء
ولعل غيره “ياسمين” وحقدها سبب البلاء
فهي التي تضع الطلاء لها وتمسح بالذرور
وجها تطفأت النواظر فيه….
كيف هو الطلاء؟
وكيف أبدو؟
– وردة … قمر… ضياء!
زور.. وكل الخلق زور،
والكون مين وافتراء
لو تبصر المرآة – لمحة مقلتيها – لو تراها
– لمح النيازك – ثم تغرق من جديد في عماها!
برق ويطفأ… ثم تحكم فرقها بيد، وفاها
بيد، وترسم بالطلاء على الشفاه لها شفاها
شفتاك عارية وخدك ليس خدك يا سليمه،
ماذا تخلف منك فيك سوى الجراحات القديمه؟
وتضم زهرة قلبها العطشى على ذكرى أليمه:
تلك المعابثة اللعوب… كأنها امرأة سواها!
كالجدولين تخوض ماءهما الكواكب – مقلتاها،
والشعر يلهث بالرغائب والطراوة والعبير
وبمثل أضواء الطريق نعسن في ليل مطير،
تقتات بالعسل النقي وترتدي كسل الحرير.
ليت النجوم تخر كالفحم المطفأ والسماء
ركام قار أو رماد، والعواصف والسيول
تدك راسية الجبال ولا تخلف في المدينة من بناء!
أن يعجز الإنسان عن أن يستجير من الشقاء
حتى بوهم أو برؤيا، أن عيش بلا رجاء…
أو ليس ذاك هو الجحيم؟ أليس عدلا أن يزول؟
شبع الذباب من القمامة في المدينة، والخيول
سرحن من عرباتهن إلى الحظائر والحقول،
والناس ناموا –
هذا الذي عرضته كالسلع القديمة: كالحذاء،
كالجرار الباليات، كأسطوانات الغناء…
هذا الذي يأبي عليها مشتر أن يشتريه
قد كان عرضا – يوم كان – ككل أعراض النساء!
كان الفضاء يضيق عن سعة، وترتخص الدماء
إن رنق النظر الأثيم عليه. كان هو الإباء
والعزة القعساء والشرف الرفيع. فشاهديه
يا أعين الظلماء، وامتلئي بغيظك وارجميه
بشواظ عارك واحتقارك يا عيون الأغبياء!
للموت جوعا، بعد موتي – ميتة الأحياء – عارا.
لا تقلقوا.. فعماي ليس مهابة لي أو وقارا.
مازلت أعرف كيف أرعش ضحكتي خلل الرداء
كالقمح لونك يا ابنة العرب،
كالفجر بين عرائش العنب
أو كالفرات، على ملامحه
دعة الثرى وضراوة الذهب.
عربية أنا: أمتى دمها
خير الدماء… كما يقول أبي.
تجري دماء الفاتحين. فلوثوها، يا رجال
أواه من جنس الرجال… فأمس عاث بها الجنود
الزاحفون من البحار كما يفور قطيع دود
يا ليت للموتى عيونا من هباء في الهواء
ترى شقائي
إلا العفاة المفلسين.
أنا زهرة المستنقعات، أعب من وحل وطين
وأشع لون ضحى…
وذكرا بجعجعة السنين
سعالها. ذهب الشباب!!
ذهب الشباب!! فشيعيه مع السنين الأربعين
ومع الرجال العابرين حيال بابك هازئين.
وأتي المشيب يلف روحك بالكآبة والضباب،
فاستقبليه على الرصيف بلا طعام أو ثياب،
يا ليتك المصباح يخفق ضوءه القلق الحزين
………….
مات الضجيج وأنت، بعد، على انتظارك
تتنصتين، فتسمعين
رنين أقفال الحديد يموت، في سأم، صداه:
الباب أوصد
ذاك ليل مر…
فانتظري سواه.

انشودة المطر

أنشودة المطر
بدر
شاكر السياب

اضغط للاستماع

عيناكِ غابتا نخيلٍ ساعةَ السحر
أو شرفتانِ راحَ ينأى عنهُما القمر
عيناكِ حين تبسمانِ تُورقُ الكروم
وترقصُ الأضواءُ.. كالأقمارِ في نهر
يرجُّهُ المجذافُ وَهْناً ساعةَ السحر…
كأنّما تنبُضُ في غوريهما النجوم

وتغرقان في ضبابٍ من أسىً شفيف
كالبحرِ سرَّحَ اليدينِ فوقَهُ المساء
دفءُ الشتاءِ فيه وارتعاشةُ الخريف
والموتُ والميلادُ والظلامُ والضياء
فتستفيقُ ملء روحي، رعشةُ البكاء
ونشوةٌ وحشيةٌ تعانق السماء
كنشوةِ الطفلِ إذا خاف من القمر

كأنَّ أقواسَ السحابِ تشربُ الغيوم..
وقطرةً فقطرةً تذوبُ في المطر…
وكركرَ الأطفالُ في عرائش الكروم
ودغدغت صمتَ العصافيرِ على الشجر
أنشودةُ المطر
مطر
مطر
مطر

تثاءبَ المساءُ والغيومُ ما تزال
تسحّ ما تسحّ من دموعها الثقال:
كأنّ طفلاً باتَ يهذي قبلَ أنْ ينام
بأنّ أمّه – التي أفاقَ منذ عام
فلم يجدْها، ثم حين لجَّ في السؤال
قالوا له: “بعد غدٍ تعود” –
لا بدّ أنْ تعود
وإنْ تهامسَ الرفاقُ أنّها هناك
في جانبِ التلِ تنامُ نومةَ اللحود،
تسفُّ من ترابها وتشربُ المطر
كأنّ صياداً حزيناً يجمعُ الشباك
ويلعنُ المياهَ والقدر
وينثرُ الغناء حيث يأفلُ القمر
مطر، مطر، المطر

أتعلمين أيَّ حزنٍ يبعثُ المطر؟
وكيف تنشجُ المزاريبُ إذا انهمر؟
وكيف يشعرُ الوحيدُ فيه بالضياع؟
بلا انتهاء_ كالدمِ المُراق، كالجياع كالحبّ كالأطفالِ كالموتى –
هو المطر
ومقلتاك بي تطيفان مع المطر
وعبرَ أمواجِ الخليجِ تمسحُ البروق
سواحلَ العراقِ
بالنجومِ والمحار،
كأنها تهمُّ بالشروق
فيسحبُ الليلُ عليها من دمٍ دثار

أصيحُ بالخيلج: “يا خليج
يا واهبَ اللؤلؤ والمحارِ والردى”
فيرجع الصدى كأنّهُ النشيج:
“يا خليج: يا واهب المحار والردى”

أكادُ أسمعُ العراقَ يذخرُ الرعود
ويخزنُ البروقَ في السهولِ والجبال
حتى إذا ما فضّ عنها ختمَها الرجال
لم تترك الرياحُ من ثمود
في الوادِ من أثر
أكادُ أسمعُ النخيلَ يشربُ المطر
وأسمعُ القرى تئنّ، والمهاجرين
يصارعون بالمجاذيفِ وبالقلوع
عواصفَ الخليجِ والرعود، منشدين
مطر.. مطر .. مطر
وفي العراقِ جوعٌ
وينثرُ الغلال فيه موسم الحصاد
لتشبعَ الغربانُ والجراد
وتطحن الشوان والحجر
رحىً تدورُ في الحقولِ… حولها بشر
مطر
مطر
مطر
وكم ذرفنا ليلةَ الرحيل من دموع
ثم اعتللنا – خوفَ أن نُلامَ – بالمطر
مطر
مطر
ومنذ أن كنّا صغاراً، كانت السماء
تغيمُ في الشتاء
ويهطلُ المطر
وكلّ عامٍ – حين يعشبُ الثرى- نجوع
ما مرَّ عامٌ والعراقُ ليسَ فيه جوع
مطر
مطر
مطر

في كلّ قطرةٍ من المطر
حمراءُ أو صفراءُ من أجنّة الزهر
وكلّ دمعةٍ من الجياعِ والعراة
وكلّ قطرةٍ تُراقُ من دمِ العبيد
فهي ابتسامٌ في انتظارِ مبسمٍ جديد
أو حلمةٌ تورّدتْ على فمِ الوليد
في عالمِ الغدِ الفتيّ واهبِ الحياة
مطر
مطر
مطر
سيعشبُ العراقُ بالمطر

أصيحُ بالخليج: “يا خليج..
يا واهبَ اللؤلؤ والمحار والردى”
فيرجع الصدى كأنه النشيج:
“يا خليج: يا واهب المحار والردى”

وينثرُ الخليجُ من هباته الكثار
على الرمال، رغوةَ الأجاج، والمحار
وما تبقى من عظام بائس غريق
من المهاجرين ظل يشرب الردى
من لجة الخليج والقرار
وفي العراق ألف أفعى تشرب الرحيق
من زهرة يرُبّها الفرات بالندى

وأسمعُ الصدى
يرنّ في الخليج:
مطر
مطر
مطر

في كل قطرةٍ من المطر
حمراءُ أو صفراءُ من أجنةِ الزهر
وكلّ دمعةٍ من الجياعِ والعراة
وكل قطرةٍ تُراق من دمِ العبيد
فهي ابتسامٌ في انتظارِ مبسمٍ جديد
أو حلمةٌ تورّدت على فمِ الوليد
في عالمِ الغدِ الفتي، واهبِ الحياة

ويهطلُ المطرُ