علي بن ابي طالب

بطاقة الهوية:

الإسم: علي (ع)

اللقب: أمير المؤمنين

الكنية: أبو الحسن

اسم الأب: أبو طالب بن عبد المطلب

اسم الأم: فاطمة بنت أسد

الولادة: 13 رجب 23ق. ه

الشهادة: 21 رمضان 40 ه

مدة الإمامة: 30 سنة

القاتل: عبد الرحمن بن ملجم

مكان الدفن: النجف الأشرف

الولادة المباركة:

ولد علي بن أبي طالب (ع) في جوف الكعبة من أبوين صالحين هما: أبو طالب عمّ النبي(ص) ومؤمن قريش. وفاطمة بنت أسد بن هاشم.

مع رسول الله (ص):

نشأ علي(ع) في كنف والديه، وبعد سنوات من ولادته المباركة تعرضت قريش لأزمة اقتصادية خانقة كانت وطأتها شديدة على أبي طالب إذ كان رجلاً ذا عيال كثيرة، فاقترح النبي(ص) أن يأخذ علي (ع) ليخفّف العبء عن أبي طالب (ع)، وكان عمره ست سنوات. فنشأ في دار الوحي ولم يفارق النبي (ص) في حال حياته إلى وفاته، وهو القائل: “ولقد كنت أتّبعه إتّباع الفصيل أثر أمه. يرفع لي في كل يوم من أخلاقه علماً. ويأمرني بالاقتداء به”. وقد عاش مع النبي (ص) بدايات الدعوة “.. ولقد كان يجاور في كل سنة بحراء فأراه ولا يراه غيري”. كما سبق إلى الإيمان والهجرة “ولم يجمع بيت واحد يومئذ في الإسلام غير رسول الله(ص) وخديجة وأنا ثالثهما”.

وفي الواقع أن علياً (ع) ولد مسلماً على الفطرة ولم يسجد لصنم قط (ع) باعتراف الجميع.

علي (ع) والدعوة:

عاش علي (ع) مع الدعوة في مرحلتها السرية إلى أن نزل قوله تعالى: “وأنذر عشيرتك الأقربين” فجمع النبي (ص) أقرباءه ودعاهم إلى كلمة التوحيد فلم يستجب له سوى علي (ع) وكان أصغرهم سناً. فقال له النبي (ص): “أنت أميني ووصيي ووزيري ووارثي وخليفتي من بعدي” وقد اشتهر هذا القول بحديث الدار.

علي في المدينة:

هاجر علي (ع) الى المدينة المنورة ملتحقاً برسول الله (ص) بعدما نفّذ وصيته وردَّ أماناته الى أهلها. فدخل معه المدينة وعمل الى جانبه في بناء المجتمع الإسلامي وتركيز دعائم الدولة الإسلامية.

زواج علي (ع):

وفي السنة الثانية للهجرة تزوج علي (ع) من سيدة نساء العالمين فاطمة الزهراء بنت النبي الأكرم محمد (ص)، وكان ثمرة هذا الزواج الحسن والحسين وزينب. فشكلت هذه الأسرة النموذجية المثل الأعلى للحياة الاسلامية في إيمانها وجهادها وتواضعها وأخلاقها الكريمة.

علي (ع) في حروب النبي (ص):

شارك علي (ع) الى جانب النبي (ص) في مجمل الحروب والغزوات التي خاضها باستثناء غزوة تبوك حيث تخلف عنها بأمر من النبي (ص). وفي تلك الغزوة قال له (ص): “ألا ترضى أن تكون مني بمنزلة هارون من موسى إلاّ أنه لا نبي بعدي”.

وقد كان له في كل تلك المعارك السهم الأوفى والنصيب الأكبر من الجهاد والتضحية ففي معركة بدر التي قتل فيها سبعون مشركاً قتل علي (ع) ستة وثلاثين منهم.

وفي معركة أُحُد حينما فرَّ المسلمون وجرح النبي محمد (ص)، صمد مع ثلّة قليلة من المؤمنين يزودون عن رسول اللّه (ص) حتى منعوا المشركين من الوصول إليه.

وأما في معركة الأحزاب فقد كان حسم المعركة لصالح المسلمين على يديه المباركتين حينما قتل عمرو بن ود العامري، بضربة قال عنها النبي (ص): “ضربة علي يوم الخندق تعادل عبادة الثقلين”.

وفي معركة خيبر، وبعد أن فشل جيش المسلمين مرتين في اقتحام الحصن اليهودي المنيع قال رسول الله (ص): “لأعطين الراية غداً رجلاً يحب اللّه ورسوله، ويحبه اللّه ورسوله، كراراً غير فرار لا يرجع حتى يفتح اللّه على يديه” فأعطى الراية لعلي (ع)، وفتح الحصن وكان نصراً عزيزاً بعد ما قتل (ع) مرحب”.

وفي معركة حنين انهزم المسلمون من حول النبي (ص) وصمد علي (ع) وبعض بني هاشم يدافعون عن رسول الاسلام بكل شجاعة وعزيمة حتى أنزل الله نصره عليهم.

علي بعد النبي (ص):

حينما فاضت روح النبي (ص) إلى بارئها. انصرف علي (ع) لتجهيزه ودفنه بينما كان بعض وجوه المسلمين يتنازعون الأمر بينهم في سقيفة بني ساعدة حتى استقر رأيهم على تنصيب أبي بكر خليفة بعد رسول الله (ص). ولعدم شرعية الخلافة لم يبايع علي (ع) في البداية حتى رأى راجعة الناس قد رجعت عن الإسلام يدعون إلى محق دين محمد (ص) فخشي (ع) إن لم يبايع أن يرى في الإسلام ثلماً أو هدماً فتكون المصيبة به أعظم. ولذلك لم يعتزل الحياة السياسية العامة فنجد في علي (ع) المدبّر  والمعالج والقاضي لجميع المشاكل الطارئة طيلة عهود أبي بكر وعمر وعثمان مما لفت أنظار الأمة انذاك إلى موقعية علي (ع) في إرجاع معالم الدين وتصحيح الإنحراف وتقويم الإعوجاج الذي تسبّبت به السلطة وولاتها انذاك مما دفع الناس في جميع البلاد الإسلامية إلى الثورة على الحكم المتمثل في شخص عثمان بن عفّان وانطلقوا إلى بيت علي (ع) مبايعين.

وكانت المرّة الوحيدة التي يبايع فيها الناس شخصاً ثم يتولى أمور الخلافة بصورة شرعية خلافاً للمرات السابقة التي كان ينصّب فيها الخلفاء أولاً، ثم يُحمل الناس على مبايعتهم.

حكومة علي (ع):

امتازت حكومة علي (ع) برجوعها الى الينابيع الأصيلة للاسلام كما أمر بها الله تعالى. ومما امتازت به حكومته (ع):

أولاً: المساواة في العطاء.

وثانياً: رد المظالم التي تسبّب بها الولاة السابقون.

وثالثاً: تشديد الرقابة على بيت مال المسلمين.

ورابعاً: عزل الولاة المنحرفين واستبدالهم بنماذج خيّرة وكفوءة.

وخامساً: مراقبة الولاة وتزويدهم بالمناهج والخطط من أجل إقامة حكومة العدل والإسلام على الأرض.

وهذا الأمر أزعج المترفين من أغنياء المسلمين انذاك. الذين أحسّوا بالخطر يهدّد مصالحهم فأعلنوا العصيان والتمرّد.

حروب علي (ع):

إستمرّت حكومة علي (ع) خمس سنوات عمل خلالها مجاهداً من أجل التصحيح والتقويم والعودة إلى الأصالة وإقامة حكم الله على الأرض. وخاض خلالها حرب الجمل في البصرة مع الناكثين الذين أزعجهم مبدأ المساواة في العطاء بين المسلمين بالإضافة إلى رفض علي (ع) الانجرار وراء مطامعهم وإعطائهم ولاية الكوفة والبصرة، فنكثوا بيعته (ع) وطالبوه بدم عثمان وجمعوا له (30) ألف على رأسهم عائشة وطلحة والزبير. ولم تنفع الكتب التي أرسلها (ع) لإخماد الفتنة فاضطر إلى محاربتهم والقضاء على الفتنة من أساسها. ثم كانت حرب صفين مع معاوية الذي كان من أشد الولاة فساداً ودهاءاً. وكاد الإمام ينتصر عليه انتصاراً ساحقاً لولا الخديعة التي اصطنعها معاوية بدعوى الاحتكام إلى كتاب الله. هذه الحيلة انطلت على قسم من جيش علي (ع) وهم المعروفون بالخوارج الذين خرجوا عليه فأجبروه على قبول التحكيم ثم رفضوه ورفعوا شعار “لا حكم إلاّ لله”. فحاربهم علي (ع) في النهروان بعد أن وعظهم وأقام الحجة عليهم، وقضى عليهم، مبيّناً فساد شعارهم بأنه “كلمة حق يُراد بها باطل..” وكان عددهم (4000) خارجي.

إستشهاد علي (ع):

لم يكتب لهذه التجربة الفريدة في الحكم أن تستمر وتعطي ثمارها حيث استشهد الإمام علي (ع) في مسجد الكوفة  عاصمة الخلافة  على يد الخارجي عبد الرحمن بن ملجم أثناء الصلاة.

وبذلك اختتم علي (ع) عبادته الكبرى التي افتتحها في جوف الكعبة وأنهاها في محراب الكوفة. ليقدّم للأمة المُثُل العُليا في التواضع والشجاعة والزهد والطهارة والاخلاص والحلم والعدل.

للمطالعة

صفة علي (ع) في حديث ضرار:

روي أنّ معاوية بن أبي سفيان طلب من ضرار الكناني أن يصف له الامام علي (ع)، فامتنع، ولكن بعد الإلحاح الشديد من معاوية، قال ضرار:

كان والله بعيد المدى، شديد القوى، يقول فصلاً ويحكم عدلاً، يتفجَّر العلم من جوانبه، وتنطق الحكمة من نواحيه، يستوحش من الدنيا وزهرتها، ويأنس بالليل ووحشته، وكان غزير الدمعة، طويل الفكرة… فإن تبسَّم فعن مثل اللؤلؤ المنظوم، يعظّم أهل الدين، ويقرّب المساكين… وأشهد لقد رأيته في بعض مواقفه وقد أرخى الليل سدوله، وغارت نجومه، قابضاً على لحيته يتململ تململ السليم، ويبكي بكاء الحزين…

فبكى معاوية، ونزلت دموعه على لحيته، وجعل ينشّفها بكمّه، وقد اختنق القوم بالبكاء، وقال: رحم الله أبا الحسن كان والله كذلك… (والفضل ما شهدت به الأعداء).

هذا هو الإمام العظيم علي بن أبي طالب (ع) الذي كان قدوة مثالية للمسلمين ونبراساً رائداً للمؤمنين، وأوَّل الناس إسلاماً، وأعظمهم عبادة، وأكثرهم شجاعة

الاحداث التي رافقت وفاة النبي عليه افضل الصلاة والسلام

فهرس بأحداث أيام وفاة النبي صلى الله عليه وآله


بسم الله الرحمن الرحيم
فهرس أولي بأحداث أيام وفاة النبي صلى الله عليه وآله !

حاولتُ أن أضع تقويماً زمنياً لمراسم تغسيل النبي صلى الله عليه وآله وتكفينه والصلاة عليه ودفنه ، يضم الأحداث الخطيرة التي وقعت أثناء ذلك وبعده ، الى أسبوعين من وفاته صلى الله عليه وآله ، فوجدت ذلك مهمة صعبة ، لأن رواة الخلافة القرشية حرصوا على التعتيم عليها وتشويشها ! فجاءت نصوصها متضاربة ، ينفي بعضها الآخر !
وتذكرت ماجرى للشيخ متولي شعراوي عندما قرأ في محاضرته في التلفزيون المصري كلام علي عليه السلام في وداع فاطمة بعد دفنها عليهما السلام ، وعلَّق عليه الشعراوي بأنه يدل على وجود أحداث خطيرة بعد وفاة النبي صلى الله عليه وآله ينبغي أن نكشفها !
والكلام الذي قراه هو: ( السلام عليك يارسول الله ، عني وعن ابنتك النازلة في جوارك ، والسريعة اللحاق بك . قلَّ يا رسول الله عن صفيتك صبرى ، ورق عنها تجلدي ، إلا أن لي في التأسِّي بعظيم فرقتك وفادح مصيبتك موضعَ تَعَزٍّ . فلقد وسَّدتك في ملحودة قبرك ، وفاضت بين نحري وصدري نفسك . إنا لله وإنا إليه راجعون ، فلقد استرجعت الوديعة ، وأخذت الرهينة . أما حزني فسرمد ، وأما ليلي فمسهد ، إلى أن يختار الله لي دارك التي أنت بها مقيم . وستنبئك ابنتك بتضافر أمتك على هضمها ، فأحفها السؤال واستخبرها الحال ! هذا ولم يطل العهد ، ولم يخل منك الذكر , والسلام عليكما سلام مودع لا قالٍ ولا سئم ، فإن أنصرف فلا عن ملالة ، وإن أقم فلا عن سوء ظن بما وعد الله الصابرين). (نهج البلاغة:2/182، وروي في غيره )

وفي اليوم الثاني لكلام الشعراوي خرجت صحيفة مصرية تتساءل: هل تشيع الشعراوي ؟! وبذلك أسكتوه عن البحث في تلك الأحداث ، بل عن ذكرها !
فإذا كانت هذه حال عالم سني معروف كالشعراوي ، وبعد ألف وأربع مئة سنة من الحادثة ، وفي مصر التي يحب شعبها أهل البيت وفاطمة الزهراء عليهم السلام خاصة ! فما بال من يحاول كشف تلك الأحداث في عصور حكم الخلافة القرشية ؟!
فالعجيب هو ما وصل الينا ، وليس العجيب ماأخفوه !
وهذا تقويم تقريبي لتلك الأحداث ، وهو قابل للإتساع:

1- يوم الأحد لَدَّتْ عائشة وحفصة النبي صلى الله عليه وآله ، أي سقتاه (دواء) في حال إغمائه ، رغم نهيه المشدد عن ذلك كما في البخاري ! فلما أفاق من إغمائه غضب من فعلهما وأمر أن يسقى كل من كان موجوداً غير بني هاشم ، ذلك الدواء ! وتدهورت حالة النبي صلى الله عليه وآله بعد ذلك حتى توفي في ظهر يوم الإثنين ! (راجع صحيح البخاري:5/143و7/17، وغيره)

2-كان عدد الطلقاء الذين أرسلهم النبي صلى الله عليه وآله في جيش أسامة سبع مئة نفر منهم أبو بكر وعمر وغيرهم ، وقد تباطأ قسم منهم عن الإلتحاق بمعسكر أسامة في الجرف ، ثم ترك المعسكر من التحق منهم يوم الأحد ، وعادوا الى المدينة !
قال في فتح الباري:8/116: (وعند الواقدي أيضاً أن عدة ذلك الجيش(جيش أسامة) كانت ثلاثة آلاف ، فيهم سبعمائة من قريش ) . انتهى.

3- باشر علي عليه السلام بمراسم تجهيز النبي صلى الله عليه وآله ، بعد ظهر يوم الإثنين الى صباح الثلاثاء ، وأذن للمسلمين أن يصلوا على جنازته فرادى من ضحى ذلك اليوم الى العصر ، ثم أخذ يواجه ضغط أبي بكر وعمر ومبعوثيهما ، ثم مجيئهما الى بيته يطالبونه ومن معه بالبيعة لهم ، ويهدودنه بالهجوم على بيته إن لم يبايع !!

4- دبَّر الحزب القرشي بيعة أبي بكر في السقيفة بعد وفاة النبي صلى الله عليه وآله بنحو ساعتين فقط ! وساعدهم رؤساء الأوس ، حسداً لسعد بن عبادة رئيس الخزرج أن يصير هو الخليفة! ولم يثبت أن سعداً أو أحداً من الأنصار دعا الى اجتماع في السقيفة لبحث خلافة النبي صلى الله عليه وآله ، بل كانت السقيفة محل استقبال سعد وضيافته وهي فسحة من الشارع مسقوفة سميت باسم جيرانها بني ساعدة الخزرجيين ، وكان سعد مريضاً نائماً فيها يزوره الناس ، فاختارها الحزب القرشي للصفق على يد أبي بكر لوجود سعد وعدد من رجال الأنصار حوله ، فتركا جنازة النبي صلى الله عليه وآله واسرعا الى السقيفة ، وفتحا الموضوع وناقشا سعداً ومن حضر ، فقال بعض الأنصار لانبايع إلا علياً ، وقال بعضهم إن لم تريدوا علياً فالأنصار وسعد أولى منكم ، فبادر أبو بكر الى القول إني رضيت لكم أحد الرجلين عمر أو أبا عبيدة فبايعوا أحدهما ! فقال عمر لا نتقدم عليك ، وأخذ يده وصفق عليها هو وأبو عبيدة ، ثم بايعه ثلاثة أشخاص من الأوس المضادين لسعد !
وهكذا أعلنوا بيعة أبي بكر التي بحيلة من غير مشورة ، وساندهم كل القرشيين الطلقاء وكانو ألوفاً في المدينة ! وقد وصف عمر في خلافته بيعة أبي بكر بأنها كانت فلتة ونجحت ، وسمع أن بعضهم يقول إنه سيبادر بعد وفاة عمر الى مثلها ، فأصدر أمراً بقتل من بادر الى مثلها . رواه البخاري:8/25 !

5- اعترض سعد بن عبادة المريض المثقل ، على تصرفهم ، لكن الحزب القرشي تغلبوا عليه وشتموه وداسوا بطنه ، فحمله أولاده الى بيته !
وعندما انسحب سعد صارت السقيفة بيد القرشيين ، واتخذوها مقراً لبيعة أبي بكر ، ومركزاً لجلوسهم وعملياتهم !

6- ترك أبو بكر وعمر والقرشيون جنازة النبي صلى الله عليه وآله لعترته ، وعشيرته بني هاشم ! حتى أن مسجد النبي صلى الله عليه وآله ومحيطه كان في الأيام الثلاثة بعد وفاته صلى الله عليه وآله شبه خال ! وانشغل الصحابة إلا المنقطعون الى أهل البيت عليهم السلام بتأييد بيعة أبي بكر أو معارضتها ، وانشغلت فعاليات الحزب القرشي وهم: أبو بكر ، وعمر ، وعائشة ، وحفصة ، وأبو عبيدة ، وسالم مولى حذيفة ، ومعهم بعض الأوس ، بمعالجة موقف الأنصار ، وكانوا يزورون زعماءهم في أحيائهم لإقناعهم ببيعة أبي بكر ، ومنع تأثير سعد وعلي عليهم !

7- في اليوم الثاني جاء أنصار أبي بكر وعمر من الطلقاء الى مسجد النبي صلى الله عليه وآله مشمِّرين أزرهم، يزفون أبا بكر زفةً مسلحة ، ويهددون من لم يبايع بالقتل !
وأصعد عمر أبا بكر على منبر النبي صلى الله عليه وآله وبايعه بعض الناس ، وصلى بهم المغرب ثم عاد الى السقيفة ، ولم يزوروا بيت النبي صلى الله عليه وآله ، ولم يصلوا على جنازته !

8- في مساء الثلاثاء وليلة الأربعاء ، قام عليٌّ عليه السلام بدفن جنازة النبي صلى الله عليه وآله بعد منتصف الليل ، وحضر مراسم الدفن بنو هاشم وبعض الأنصار ، وأفراد نادرون من القرشيين ، ولم يحضرها أحد من قادة الحزب القرشي !

9- في ليلة الخميس قام أمير المؤمنين ومعه فاطمة والحسنان عليهما السلام بجولة على بيوت الأنصار ، وطالبوهم بالوفاء ببيعتهم للنبي صلى الله عليه وآله على النصرة ، حيث شرط عليهم فيها أن يدافعوا عنه وعن أهل بيته وذريته كما يدافعون عن بيوتهم وذراريهم.. فاستجاب له منهم أربعة وأربعون رجلاً ، فطلب منهم أن يأتوه غداً محلقين رؤوسهم مستعدين للموت ، فلم يأته إلا أربعة !
ثم أعاد أمير المؤمنين عليه السلام جولته على الأنصار وبعض المهاجرين ليلة الجمعة ثم ليلة السبت ! فلم يأته غير أولئك الأربعة: المقداد ، وعمار ، وأبو ذر، وسلمان!

10- في هذ المدة أرسل الحزب القرشي الى أسامة وهو في معسكره بالجرف خارج المدينة ، أن ينهي المعسكر ويأتي ومن بقي معه الى المدينة ، ويبايعوا أبا بكر لأن المسلمين بايعوه ، فاحتج عليهم أسامة بأن النبي صلى الله عليه وآله توفي وهو أمير على أبي بكر ، فأبو بكر مازال جندياً تحت إمرته !
قال الطبرسي في إعلام الورى:1/269: (فما كان بين خروج أسامة ورجوعه إلى المدينة الا نحو من أربعين يوماًً ، فلما قدم المدينة قام على باب المسجد ثم صاح: يا معشر المسلمين ، عجباً لرجل استعملني عليه رسول الله صلى الله عليه وآله فتأمَّر عليَّ وعزلني ) ! انتهى .

11- تخوف الحزب القرشي من علي عليه السلام أن يجد أنصاراً وينهض ضدهم ، لذا تتابعت رسل أبي بكر اليه بالحضور الى السقيفة ليبايعه ، فكان يتعلل بأنه مشغول بمراسم دفن النبي صلى الله عليه وآله ، ثم بجمع القرآن . لكنهم واصلوا الضغط عليه ، وصعَّدوا تهديدهم ، وجاؤوا مسلحين في جمع من الطلقاء الى باب داره مرات ، فتلاسن معهم بعض أنصاره ، لكنهم تغلبوا عليهم واقتحموا البيت بالقوة ، وأخذوا علياً مقيداً الى السقيفة ، فحاججهم بقوة منطق ، فسكتوا عنه ذلك اليوم .
وهذه الحادثة هي الهجوم الأول على بيت علي وفاطمة عليهما السلام ، وقد يكون وقتها يوم الأربعاء أو الخميس !
12- اتفق اثنا عشر صحابياً من المهاجرين والأنصار على أن يخطبوا في المسجد النبوي في يوم الجمعة التي تلت وفاة النبي صلى الله عليه وآله ، ويقيموا الحجة على أبي بكر وعمر ، فتكلموا جميعاً وبينوا وصية النبي صلى الله عليه وآله لعلي عليه السلام وبيعة المسلمين له يوم الغدير ، وأدانوا مؤامرة السقيفة !
ففي الإحتجاج للطبرسي:1/97: (عن أبان بن تغلب قال: قلت لأبي عبد الله جعفر بن محمد الصادق عليهما السلام : جعلت فداك هل كان أحد في أصحاب رسول الله صلى الله عليه وآله أنكر على أبي بكر فعله وجلوسه مجلس رسول صلى الله عليه وآله ؟ قال: نعم كان الذي أنكر على أبي بكر اثنا عشر رجلاً:
من المهاجرين خالد بن سعيد بن العاص ، وكان من بني أمية ، وسلمان الفارسي ، وأبو ذر الغفاري ، والمقداد بن الأسود ، وعمار بن ياسر، وبريدة الأسلمي .
ومن الأنصار: أبو الهيثم بن التيهان ، وسهل وعثمان ابنا حنيف ، وخزيمة بن ثابت ذو الشهادتين ، وأبيّ بن كعب ، وأبو أيوب الأنصاري .
قال: فلما صعد أبو بكر المنبر تشاوروا بينهم فقال بعضهم لبعض: والله لنأتينه ولننزلنه عن منبر رسول الله صلى الله عليه وآله ! وقال آخرون منهم: والله لئن فعلتم ذلك إذاً أعنتم على أنفسكم فقد قال الله عز وجل: وَلا تُلْقُوا بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التَّهْلُكَةِ ، فانطلقوا بنا إلى أمير المؤمنين عليه السلام لنستشيره ونستطلع رأيه، فانطلق القوم إلى أمير المؤمنين بأجمعهم فقالوا: يا أمير المؤمنين تركت حقاً أنت أحق به وأولى به من غيرك ، لأنا سمعنا رسول الله يقول(علي مع الحق والحق مع علي يميل مع الحق كيفما مال) ولقد هممنا أن نصير إليه فننزله عن منبر رسول الله صلى الله عليه وآله ، فجئناك لنستشيرك ونستطلع رأيك فما تأمرنا ؟ فقال أمير المؤمنين: وأيم الله لو فعلتم ذلك لما كنتم لهم إلا حرباً ، ولكنكم كالملح في الزاد وكالكحل في العين…..
فانطلقوا بأجمعكم إلى الرجل فعرفوه ما سمعتم من قول نبيكم ، ليكون ذلك أوكد للحجة وأبلغ للعذر وأبعد لهم من رسول الله صلى الله عليه وآله إذا وردوا عليه .
فسار القوم حتى أحدقوا بمنبر رسول الله صلى الله عليه وآله وكان يوم الجمعة ، فلما صعد أبو بكر المنبر قال المهاجرون للأنصار: تقدموا وتكلموا ، فقال الأنصار للمهاجرين: بل تكلموا وتقدموا أنتم ، فإن الله عز وجل بدأ بكم في الكتاب…..
فأول من تكلم به خالد بن سعيد بن العاص ، ثم باقي المهاجرين ، ثم بعدهم الأنصار …. فقام إليه خالد بن سعيد بن العاص وقال:
إتق الله يا أبا بكر ، فقد علمت أن رسول الله صلى الله عليه وآله قال ونحن محتوشوه يوم بني قريظة حين فتح الله له باب النصر ، وقد قتل علي بن أبي طالب عليه السلام يومئذ عدة من صناديد رجالهم وأولي البأس والنجدة منهم:
يامعاشر المهاجرين والأنصار إني موصيكم بوصية فاحفظوها ومودعكم أمراً فاحفظوه ، ألا إن علي بن أبي طالب أميركم بعدي وخليفتي فيكم ، بذلك أوصاني ربي . ألا وإنكم إن لم تحفظوا فيه وصيتي وتوازروه وتنصروه اختلفتم في أحكامكم واضطرب عليكم أمر دينكم ووليكم أشراركم .
ألا وإن أهل بيتي هم الوارثون لأمري والعالمون لأمر أمتي من بعدي . اللهم من أطاعهم من أمتي وحفظ فيهم وصيتي فاحشرهم في زمرتي واجعل لهم نصيباً من مرافقتي ، يدركون به نور الآخرة . اللهم ومن أساء خلافتي في أهل بيتي فاحرمه الجنة التي عرضها كعرض السماء والأرض !

فقال له عمر بن الخطاب: أسكت يا خالد ، فلست من أهل المشورة ، ولا ممن يقتدى برأيه ! فقال له خالد: بل أسكت أنت يابن الخطاب ، فإنك تنطق على لسان غيرك وأيم الله لقد علمت قريش أنك من ألأمها حسباً ، وأدناها منصباً ، وأخسها قدراً ، وأخملها ذكراً ، وأقلهم غناءاً عن الله ورسوله ، وإنك لجبان في الحروب ، بخيل بالمال ، لئيم العنصر ، مالك في قريش من فخر ، ولا في الحروب من ذكر ، وإنك في هذا الأمر بمنزلة الشيطان: إِذْ قَالَ لِلإِنْسَانِ اكْفُرْ فَلَمَّا كَفَرَ قَالَ إِنِّي بَرئٌ مِنْكَ إِنِّي أَخَافُ اللهَ رَبَّ الْعَالَمِين . فَكَانَ عَاقِبَتَهُمَا أَنَّهُمَا فِي النَّارِ خَالِدَيْنِ فِيهَا وَذَلِكَ جَزَاءُ الظَّالِمِينَ !! فأبلس عمر ، وجلس خالد بن سعيد…الخ) .

13- من المرجح أن الهجوم الثاني وقع بعد احتجاج وجهاء الصحابة يوم الجمعة في المسجد على أبي بكر وعمر ، وهو الهجوم الذي أشعلوا فيه النار حول البيت ، ثم دفعوا الباب على الزهراء عليها السلام ، وضربوها وأسقطوا جنينها ، ثم أخذوا علياً عليه السلام ثانيةً الى السقيفة وهددوه بالقتل إن لم يبايع أبا بكر !

14- كان تأثير احتجاج الصحابة الإثني عشر في المسجد قوياً ، فقد فقد أحدث موجة ضد مؤامرة السقيفة ، وضعف أبو بكر وانكسر أمام خطبهم ، ولزم بيته ثلاثة أيام وأخذ يلوم عمر على توريطه في الأمر ن حتى أنه وآخرون من الحزب القرشي فكروا أن يعيدوا الخلافة شورى بين المسلمين !
لكن عمر وبخهم وثبتهم ، ثم دبَّر موجة لمصلحة الحزب القرشي ، فاتفق مع جماعة من البدو القريبين أن يدخلوا المدينة ويعلنوا بيعتهم لأبي بكر !
قال الطبري في تاريخه:2/458: (حدثني أبو بكر بن محمد الخزاعي أن أسلمَ أقبلت بجماعتها حتى تضايقت بهم السكك فبايعوا أبا بكر ، فكان عمر يقول: ما هو إلا أن رأيت أسلم فأيقنت بالنصر ) !

15- في يوم الجمعة الثانية لوفاة النبي صلى الله عليه وآله خطب علي عليه السلام في مسجد النبي خطبته البليغة القوية المعروفة بـ (خطبة الوسيلة) ! وكانت تأكيداً لإقامة الحجة على أهل السقيفة وغيرهم ، بيَّن فيها مقام النبي صلى الله عليه وآله وأهل بيته عليهم السلام عند الله ، ويوم القيامة ، وواجب الأمة تجاههم . وقد جاء في مقدمتها قول الإمام الباقر عليه السلام لجابر بن يزيد الجعفي&: إسمع وع وبلغ حيث انتهت بك راحلتك إن أمير المؤمنين عليه السلام خطب الناس بالمدينة بعد سبعة أيام من وفاة رسول الله صلى الله عليه وآله وذلك حين فرغ من جمع القرآن ، وتأليفه فقال: الحمد لله الذي منع الأوهام أن تنال إلا وجوده وحجب العقول أن تتخيل ذاته لامتناعها من الشبه والتشاكل ، بل هو الذي لا يتفاوت في ذاته ولايتبعض بتجزئة العدد في كماله…) الخ. وهي خطبة طويلة. ( الكافي:8 /18).

16– أما مجئ الصديقة الزهراء عليها السلام الىالمسجد ، وخطبتها البليغة المشهورة فيه ، فوقتها بعد أحداث السقيفة وهجومهم على بيتها وضربها وإسقاط جنينها ! فبعد هجومهم على العترة عليهم السلام وإجبارهم على البيعة ، شنوا عليهم حرباً اقتصادية لغرض إفقارهم ، فحرموهم الخمس الذي لهم ، وصادروا أوقاف النبي صلى الله عليه وآله وهي سبعة بساتين ، وصادروا منها مزرعة فدك التي أعطاها إياها النبي صلى الله عليه وآله عندما نزل قوله تعالى (وَآتِ ذَا الْقُرْبَى حَقَّهُ)، ومنعوها أن ترث من أبيها صلى الله عليه وآله أي شئ ، فرأت الصديقة الزهراء عليها السلام في ذلك مناسبةً لأن تخطب في المسجد ، وتؤكد إقامة الحجة عليهم ، وتفضح مؤامرتهم !

17- يبدو أن حادثة ضرب عمر للصديقة الزهراء عليها السلام في الطريق ،كان بعد يوم أو أكثر من خطبتها في المسجد النبوي ، فقدكتب لها أبو بكر كتاباً باسترجاع فدك ، فبلغ ذلك عمر ، فلحقها في الطريق وضربها وأخذ منها الكتاب ومزقه !

الصحابة

فيما يتعلّق بالصّحابة عامّة

محمد التيجاني السماوي

إنّ كل الأحكام التشريعية والعقائد الإسلامية، جاءتنا عن طريق الصحابة، فليس هناك أحد يدّعي أنّه يعبد الله من خلال الكتاب والسنّة إلاّ وكان الصحابة هم الواسطة لإيصال هذين المصدرين الأساسيّين إلى كلّ المسلمين في مشارق الأرض ومغاربها.

وبما أنّ الصّحابة اختلفوا بعد الرّسول (صلى الله عليه وآله) وتفرّقوا، وتسابّوا وتلاعنوا، وتقاتلوا حتّى قتل بعضهم بعضاً فلا يمكن والحال هذه، أن نأخذ عنهم الأحكام بدون نقاش ولا نقدٍ ولا تمحيص ولا اعتراض، كما لا يمكن أن نحكم لهم أو عليهم بدون معرفة أحوالهم وقراءة تاريخهم وما فعلوه في حياة النبيّ (صلّى الله عليه وآله) وبعد وفاته، ونمحّص المحقّ من المُبطل، والمؤمن من الفاسق والمخلص من المنافق، ونعرف المنقلبين من الشّاكرين.

وأهل السنّة عامّة، وبكلّ أسف لا يسمحون بذلك ويمنعون بكل شدّة نقد الصّحابة وتجريحهم ويترضّون عليهم جميعاً، بل ويصلّون عليهم كما يصلّون على محمد وآل محمد ولا يستثنون منهم أحداً.

والسّؤال الذي يطرحُ على أهل السنّة والجماعة هو: هل في نقد الصّحابة وتجريحهم خروج عن الإسلام، أو مخالفةً للكتاب والسنّة؟

وإجابةً على هذا السّؤال لا بدّ لي من استعراض أعمال وأقوال بعض الصحابة في حياة النبيّ (صلى الله عليه وآله) وبعد وفاته، من خلال ما ذكره علماء أهل السنّة في صحاحهم ومسانيدهم وتواريخهم مقتصراً عليهم دون ذكر أي كتاب من كتب الشيعة لأنّ هؤلاء موقفهم من بعض الصّحابة معروف ولا يتطلّب مزيداً من التوضيح.

وحتّى أرفع الالتباس لكي لا أترك للخصم حجّة يحتجّ بها عليً، أقول إنّه عندما نتكلّم في هذا الفصل عن الصّحابة فالمقصود هو البعض منهم وليس جميعهم، وقد يكون هذا البعض أكثريّة أو أقلّية، فهذا ما سنعرفه من خلال البحث إن شاء الله تعالى. لأنّ كثيراً من المشاغبين يتّهموننا بأنّنا ضد الصّحابة، وأنّنا نشتم الصّحابة ونسبّهم ليؤثّروا بذلك على السّامعين ويقطعوا بذلك الطريق على الباحثين، في حين أنّنا نتنزّه عن سبّ الصّحابة وشتمهم بل ونترضّى على الصّحابة المخلصين الذين سمّاهم القرآن، بـ(الشاكرين) ونتبرّأ من المنقلبين على الأعقاب الذين ارتدّوا على أدبارهم بعد النبيّ وتسبّبوا في ضلالة أغلب المسلمين وحتّى هؤلاء لا نسبّهم ولا نشتمهم، وإنّما كل ما في الأمر أنّنا نكشف أفعالهم التي ذكرها المؤرخون والمحدّثون ليتجلّى الحقّ للباحثين، وهذا ما لا يرتضيه إخواننا من أهل السنّة ويعتبرون ذلك سبّاً وشتماً.

وإذا كان القرآن الكريم وهو كلام الله الذي لا يستحي من الحقّ هو الذي فتح لنا هذا الباب وأعلمنا بأنّ من الصّحابة منافقين، ومنهم الفاسقين، ومنهم الظّالمين، ومنهم المكذّبين، ومنهم المشركين ومنهم المنقلبين، ومنهم الذين يؤذون الله ورسوله.

وإذا كان رسول الله (صلى الله عليه وآله) الذي لا ينطق عن الهوى، ولا أخذه في الله لومة لائم، هو الذي فتح لنا هذا الباب وأعلمنا بأنّ من الصّحابة مرتدّين، ومنم المارقين، والناكثين والقاسطين، ومنهم من يدخل النار ولا تنفعه الصّحبة، بل تكون عليه حجّة قد تضاعف عذابه يوم لا ينفع مال ولا بنون.

فكيف والحال هذه، يشهد بها كتاب الله الحكيم، وسنّة رسوله العظيم، ومع ذلك يريد أهل السنّة منع المسلمين من التكلّم والنٌّقاش في الصّحابة لئلاّ ينكشف الحقّ ويعرف المسلمون، أولياء الله فيوالونهم كما يعرفون أعداء الله ورسوله فيعادونهم.

كنت يوماً في العاصمة التونسية داخل مسجد عظيم من مساجدها، وبعد أداء فريضة الصلاة جلس الإمام وسط حلقة من المصلّين وبدأ درسه بالتّنديد والتكفير لأولئك الذين يشتمون أصحاب النبي (صلى الله عليه وآله) واسترسل في حديثه قائلاً:

إيّاكم من الذين يتكلّمون في أعراض الصّحابة بدعوى البحث العلمي والوصول لمعرفة الحق، فأولئك عليهم لعنة الله والملائكة والنّاس أجمعين، إنهم يريدون تشكيك النّاس في دينهم، وقد قال رسول الله (صلّى الله عليه وآله): «إذا وصل بكم الحديث إلى أصحابي فأمسكوا، فوالله لو أنفقتم مثل أحدٍ ذهباً لما بلغتم معشار معشار أحدهم».

وقاطعه أحدُ المستبصرين كان يصحبني قائلاً: هذا الحديث غير صحيح وهو مكذوب على رسول الله!

وثارت ثائرة الإمام وبعض الحاضرين والتفتوا إلينا منكرين مشمئزّين، فتداركت الموقف متلطّفاً مع الإمام وقلت له: يا سيدي الشيخ الجليل، ما هو ذنب المسلم الذي يقرأ في القرآن قوله: «وما محمّد إلاّ رسولٌ قد خلت من قبله الرسل أفإن مات أو قتل انقلبتم على أعقابكم، ومن ينقلب على عقبيه فلن يضرّ الله شيئاً وسيجزي الله الشاكرين» [سورة آل عمران: الآية 144].

وما هو ذنب المسلم الذي يقرأ في صحيح البخاري وفي صحيح مسلم قول رسول الله (صلّى الله عليه وآله) لأصحابه: «سيؤخذ بكم يوم القيامة إلى ذات الشمال، فأقول: إلى أين؟ فيقال: إلى النار والله، فأقول: يا ربّ هؤلاء أصحابي، فيقال: إنّك لا تدري ما أحدثوا من بعدك إنهم لا يزالوا مرتدّين منذ فارقتهم، فأقول: سحقاً سحقاً لمن بدّل بعدي، ولا أرى يخلص منهم إلاّ مثل همل النّعم» (1).

وكان الجميع يستمعون إليّ في صمتٍ رهيب، وسألني بعضهم إن كنت واثقاً من وجود هذا الحديث في صحيح البخاري؟ وأجبتهم: نعم كوثوقي بأن الله واحد لا شريك له، ومحمّد عبده ورسوله.

ولما عرف الإمام تأثيري في الحاضرين من خلال حفظي للأحاديث التي رويتها قال في هدوء: نحن قرأنا على مشايخنا رحمهم الله تعالى بأنّ الفتنة نائمة فعلن الله من أيقظها.

فقلت: يا سيدي الفتنة عمرها ما نامت، ولكنا نحن النّائمون، والذي يستيقظ منّا ويفتح عينيه ليعرف الحقّ تتهمونه بأنّه أيقظ الفتنة، وعلى كل حال فإنّ المسلمين مطالبون باتّباع كتاب الله وسنّة رسوله (صلّى الله عليه وآله)، لا بما يقوله مشايخنا الذين يترضّون على معاوية ويزيد وابن العاص.

وقاطعني الإمام قائلاً: وهل أنت لا تترضّى عن سيدنا معاوية رضي الله عنه وأرضاه كاتب الوحي؟

قلت: هذا موضوع يطول شرحه، وإذا أردت معرفة رأيي في ذلك، فأنا أهديك كتابي «ثم اهتديت» لعلّه يوقظك من نومك ويفتح عينيك على بعض الحقائق وتقبّل الإمام كلامي وهديّتي بشيء من التردّد، ولكنّه وبعد شهر واحدٍ كتب إليَّ رسالة لطيفة يحمد الله فيها أن هداه إلى صراطه المستقيم وأظهر ولاءً وتعلّقاً بأهل البيت (عليهم السلام) وطلبتُ منه نشر رسالته في الطبعة الثالثة لما فيها من معاني الود وصفاء الروح التي متى ما عرفت الحقّ تعلّقت به وهي تعبّر عن حقيقة أكثر أهل السنّة الذين يميلون إلى الحق بمجرد رفع السّتار.

ولكنّه طلب منّي كتم رسالته وعدم نشرها، لأنه لا بدّ له من الوقت الكافي حتّى يقنع المجموعة التي تصلّي خلفه، وهو يحبّذ أن تكون دعوته سلمية بدون هرج ومرج حسب تعبيره.

ونعود إلى موضوع الكلام في الصّحابة، لنكشف عن الحقيقة المُرّة التي سجّلها القرآن الحكيم والسنّة النبوية الشريفة.

ولنبدأ بكلام الله الذي لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه فهو الحكم العدل وهو القول الفصل. قال تعالى في بعض الصّحابة:

* «ومن أهل المدينة مردوا على النّفاق لا تعلمهم، نحن نعلمهم سنعذّبهم مرتين ثم يردّون إلى عذاب عظيم» [سورة التوبة: الآية 101].

* «يحلفون بالله ما قالوا، ولقد قالوا كلمة الكفر، وكفروا بعد إسلامهم وهمّوا بما لم ينالوا» [ سورة التوبة: الآية 74].

* «ومنهم من عاهد الله لئن أتانا من فضله لنصدّقن ولنكونّن من الصّالحين فلما أتاهم من فضله بخلوا به وتولّوا وهم معرضون، فأعقبهم نفاقاً في قلوبهم إلى يوم يلقونه بما أخلفوا الله ما وعدوه وبما كانوا يكذبون» [سورة التوبة: الآية 77].

* «الأعراب أشدّ كفراً ونفاقاً وأجدر ألاّ يعلموا حدود ما أنزل الله على رسوله والله عليم حكيم» [سورة التوبة: الآية 97].

* «ومن الناس من يقول أمّنا بالله وباليوم والآخر وما هم بمؤمنين يخادعون الله والذين آمنوا وما يخدعون إلاّ أنفسهم وما يشعرون، في قلوبهم مرض فزادهم الله مرضاً ولهم عذاب أليم بما كانوا يكذبون» [سورة البقرة: الآية 10].

* «إذا جاءك المنافقون قالوا نشهد إنّك لرسول الله، والله يعلَمُ إنّك لرسوله والله يشهد إنّ المنافقين لكاذبون، إتّخذوا أيمانهم جنّة فصدوا عن سبيل الله إنّهم ساء ما كانوا يعملون، ذلك بأنّهم آمنوا ثم كفروا فطبع على قلوبهم فهم لا يفقهون» [سورة المنافقون: الآية 3].

* «ألم تر إلى الذين يزعمون أنّهم آمنوا بما انزل إليك وما أنزل من قبلك يريدون أن يتحاكموا إلى الطاغوت وقد أمروا أن يكفروا به، ويريد الشيطان أن يضلّهم ضلالاً بعيداً، وإذا قيل لهم تعالوا إلى ما أنزل الله وإلى الرسول رأيت المنافقين يصدّون عنك صدوداً، فكيف إذا أصابتهم مصيبة بما قدّمت أيديهم ثم جاؤوك يحلفون بالله إن أردنا إلاّ إحساناً وتوفيقا» [سورة النساء: الآية 62].

* «إنّ المنافقين يخادعون الله وهو خادعهم وإذا قاموا إلى الصّلاة قاموا كسالى يراؤون النّاس ولا يذكرون الله إلاّ قليلاً» [سورة النساء: الآية 142].

* «وإذا رأيتهم تعجبك أجسامهم وإن يقولوا تسمع لقولهم كأنهم خشب مسندة يحسبون كل صيحة عليهم، هم العدو فاحذرهم قاتلهم الله أنّى يؤفكون» [سورة المنافقون: الآية 4].

* «قد يعلم الله المعوّقين منكم والقائلين لإخوانهم هلمَّ إلينا ولا يأتون البأس إلاّ قليلاً، أشحَّةً عليكم فإذا جاء الخوف رأيتهم ينظرون إليك تدور أعينهم كالذي يغشى عليه من الموت، فإذا ذهب الخوف سلقوكم بالسنةٍ حدادٍ أشحًّةً على الخير أولئك لم يؤمنوا فأحبط الله أعمالهم وكان ذلك على الله يسيراً» [سورة الأحزاب: الآية 19].

* «ومنهم من يستمع إليك حتّى إذا خرجوا من عندك قالوا للّذين أوتوا العلم ماذا قال أنفاً أولئك الذين طبع الله على قلوبهم واتّبعوا أهواءهم» [سورة محمد: الآية 16].

* «أم حسب الذين في قلوبهم مرضٌ أن لن يخرج الله اضغانهم، ولو نشاء لأريناكهم فلعرفتهم بسيماهم ولتعرفنّهم في لحن القول والله يعلم أعمالكم» [سورة محمد: الآية 30].

* «سيقول لك المخلّفون من الأعراب شغلتنا أموالنا وأهلونا، فاستغفر لنا يقول بالسنتهم ما ليس في قلوبهم…» [سورة الفتح: الآية 11].

فهذه الآيات البيّنات من كتاب الله المجيد وما بيّنته من نفاق البعض منهم الذين اندسّوا في صفوف الصّحابة المخلصين، حتّى غابت حقيقتهم عن صاحب الرسالة نفسه لولا وحي الله.

ولك لنا دائماً من أهل السنّة اعتراضٌ على هذا، فهم يقولون. ما لنا والمنافقين لعنهم الله، والصحابة ليسوا من هؤلاء، أو أنّ هؤلاء المنافقين ليسوا من الصحابة، وإذا ما سألتهم مَنْ هؤلاء المنافقين الذين نزلت فيهم أكثر من مائة وخمسين آية في سورتي التوبة والمنافقون؟ فسيجيبون: هو عبد الله بن أُبي وعبد الله بن أبي سلّول، وبعد هذين الرجلين لا يجدون اسماً آخر!

سبحانه الله! فإذا كان النّبي (صلى الله عليه وآله) هو نفسه لا يعرف الكثير منهم، فكيف يُحصر النّفاق بابن أبي وابن أبي سلّول المعلومين لدى عامّة المسلمين؟

وإذا كان رسول الله (صلّى الله عليه وآله) علم ببعضهم وعلّم أسماءهم إلى حذيفة بن اليمان كما تقولون وأمره بكتمان أمرهم حتّى أن عمر بن الخطاب أيام خلافته كان يسأل حذيفة عن نفسه، هل هو من أهل النّفاق؟ وهل أخبر النّبي باسمه؟ كما تروون في كتبكم (2).

وإذا كان رسول الله (صلّى الله عليه وآله) قد أعطى للمنافقين علامةً يعرفون بها وهي بغض علي بن أبي طالب كما تروون ذلك في صحاحكما (3) فما أكثر هؤلاء من الصحابة الذين تترضون عنهم وتضعونهم في القمّة وقد وصل بهم البغض لعلي أن حاربوه وقتلوه ولعنوه حيّاً وميّتاً هو وأهل بيته ومُحبّيه، وكلّ هؤلاء من خيار الصّحابة عندكم.

واقتضت حكمة الرسول (صلى الله عليه وآله) أن يُعلّم حذيفة أسماءهم تارةً، ويعطي للمسلمين علامتهم تارة أخرى، ليُقيم على النّاس الحجّة فلا يقولوا بعدها إنّا كنّا عن هذا غافلين.

ولا عبرة بما يقوله أهل السنّة اليوم: نحن نحبّ الإمام علي رضي الله عنه وكرّم الله وجهه فنقول لهم: إنّه لا يجتمع في قلب مؤمن حبّ ولي الله وحبّ عدوّه! وقد قال الإمام علي نفسه: «ليس منّا من سوّى بيننا وبين أعدائنا» (4).

ثم إنّ القرآن الكريم عندما تكلّم عن الصحابة تكلّم عنهم بعدّة أوصافٍ وعلاماتٍ ثابتة، وإذا استثنينا منهم الصحابة المخلصين الشاكرين، فإن البقيّة الباقية منهم وصفهم الذكر الحكيم بأنّهم: فاسقون، أو خائنون، أو متخاذلون، أو ناكثون أو منقلبون، أو شاكّون في الله وفي رسوله، أو فارّون من الزحف، أو معاندون للحقّ، أو عاصون أوامر الله ورسوله، أو مثبّطون غيرهم عن الجهاد، أو منفضّون إلى اللّهو والتجارة وتاركون الصّلاة، أو قائلون مالا يفعلون، أو ممنّون على رسول الله إسلامهم، أو قاسية قلوبهم فلم تخشع لذكر الله وما نزل من الحقّ، أو رافعون أصواتهم فوق صوت النبي، أو مؤذون لرسول الله، أو سمّاعون للمنافقين.

ولنكتف بهذا القدر اليسير لأن هناك آيات كثيرة لم نذكرها روماً للاختصار ولكن لتعميم الفائدة لابدّ من ذكر بعض الآيات التي جاءت في ذمّ الصّحابة الذين اتصفوا بتلك الصّفات، ولكنّهم بفضل السّياسة أصبحوا بعد رسول الله (صلى الله عليه وآله) وبعد انقطاع الوحي كلّهم عدول أجمعين ولا يمكن لأحدٍ من المسلمين أن يتكلّم في حقّهم بشيء من النقد والتجريح.

القرآن الكريم يكشف حقائق بعض الصّحابة

وحتّى لا يتوهّم معاندٌ في آيات المنافقين ويحاول فصْلَهم عن الصّحابة كما يقول بذلك أهل السنّة، فقد تعمّدنا سرد الآيات التي تخصّ المؤمنين.

فقد جاء في الذكر الحكيم قوله تعالى:

ـ «يا أيها الذين آمنوا ما لكم إذا قيل لكم انفروا في سبيل الله إثّاقلتم إلى الأرض، أرضيتم بالحياة الدنيا من الآخرة فما متاع الحياة الدنيا في الآخرة إلاّ قليل إلاّ تنفروا يُعذّبكم عذاباً أليماً ويستبدل قوماً غيركم ولا تضرّوه شيئاً والله على كلّ شيء قدير» [سورة التوبة: الآية 39].

ـ «يا أيها الذين آمنوا من يرتدَّ منكم عن دينه، فسوف يأتي الله بقوم يحبّهم ويحبّونه أذلّة على المؤمنين أعزّة على الكافرين يجاهدون في سبيل الله ولا يخافون لومة لائمٍ ذلك فضل الله يؤتيه من يشاء والله واسع عليم» [سورة المائدة: الآية 54].

ـ «يا أيها الذين آمنوا لا تخونوا الله والرسول، وتخونوا أماناتكم وانتم تعلمون واعلموا أنّما أموالكم وأولادكم فتنةٌ وأنّ الله عنده أجرٌ عظيم» [سورة الأنفال: الآية 28].

ـ «يا أيها الذين آمنوا استجيبوا لله وللرّسول إذا دعاكم لما يُحييكم واعلموا أنّ الله يحولُ بين المرءِ وقلبه وأنّه إليه تحشرون، واتّقوا فتنةً لا تصيبنَّ الذّين ظلموا منكم خاصّة واعلموا أنّ الله شديد العقاب» [سورة الأنفال: الآية 25].

ـ «يا أيها الذين آمنوا اُذكروا نعمة الله عليكم إذ جاءتكم جنودٌ فأرسلنا عليهم ريحاً وجنوداً لم تروها وكان الله بما تعملون بصيراً، إذ جاؤوكم من فوقكم ومن أسفل منكم وإذا زاغت الأبصار وبلغت القلوبُ الحناجر وتظنّون بالله الظنونا، هنالك ابتُلي المؤمنين وزلزلوا زلزالاً شديداً، وإذ يقول المنافقون والذين في قلوبهم مرض ما وعدنا الله ورسوله إلاّ غروراً» [سورة الأحزاب: الآية 12].

ـ «يا أيها الذين آمنوا لِمَ تقولون ما لا تفعلون كبُر مقتاً عند الله أن تقولوا ما لا تفعلون» [سورة الصف: الآية 3].

ـ «ألم يأن اللذين آمنوا أن تخشع قلوبهم لذكر الله وما نزل من الحق» [سورة الحديد: الآية 16].

ـ «يمنّون عليك أن أسلموا قل لا تمنّوا عليّ إسلامكم، بل الله يمنّ عليكم أن هداكم للإيمان إن كنتُم صادقين» [سورة الحجرات: الآية 17].

ـ «قل إن كان أباؤكم وأبناؤكم وإخوانكم وأزواجكم وعشيرتكم وأموال اقترفتموها وتجارة تخشون كسادها ومساكن ترضونها أحبّ إليكم من الله ورسوله وجهاد في سبيله، فتربّصوا حتّى يأتي الله بأمره، والله لا يهدي القوم الفاسقين» [سورة التوبة: الآية 24].

ـ «قالت الأعراب أمّنا، قل لم تؤمنوا ولكن قولوا أسلمنا ولمّا يدخل الإيمان في قلوبكم» [سورة الحجرات: الآية 14].

ـ «إنّما يستأذنك الذين لا يؤمنون بالله واليوم الآخر وارتابت قلوبهم فهم في ريبهم يتردّدون» [سورة التوبة: الآية 45].

ـ «لو خرجوا فيكم ما زادوكم إلاّ خبالاً ولأوضعوا خلالكم يبغونكم الفتنة وفيكم سمّاعون لهم والله عليم بالظالمين» [سورة التوبة: الآية 47].

ـ «فرح المخلّفون بمقعدهم خلاف رسول الله وكرهوا أن يجاهدوا بأموالهم وأنفسهم في سبيل الله وقالوا لا تنفروا في الحرّ، قل نار جهنّم أشدّ حرّاً لو كانوا يفقهون» [سورة التوبة: الآية 81].

ـ «ذلك بأنّهم أتّبعوا ما أسخط الله وكرهوا رضوانه فأحبط أعمالهم، أم حسبَ الذين في قلوبهم مرض أن لن يخرج الله أضغانهم، ولو نشاء لأريناكهم فلعرفتهم بسيماهم ولتعرفنّهم في حن القول، والله يعلم أعمالكم» [سورة محمد: الآية 30].

ـ «وإنّ فريقاً من المؤمنين لكارهون يجادلونك في الحقِّ بعد ما تبيّن كأنّما يساقون إلى الموت وهم ينظرون» [سورة الأنفال: الآية 6].

ـ «ها أنتم هؤلاء تدعون لتنفقوا في سبيل الله فمنكم من يبخل، ومن يبخل فإنما يبخل عن نفسه، والله الغنيّ وأنتم الفقراء، وإن تتولّوا يستبدل قوماً غيركم ثمّ لا يكونوا أمثالكم» [سورة محمد: الآية 38].

ـ «ومنهم من يلمزُك في الصّدقات فإنّ أعطوا منها رضوا وإن لم يعطوا منها إذا هم يسخطون» [سورة التوبة: الآية 58].

ـ «ومنهم من يستمع إليك حتّى إذا خرجوا من عندك قالوا للذين أوتوا العلم ماذا قال آنفاً، أولئك الذين طبع الله على قلوبهم واتّبعوا أهواءهم» [سورة محمد: الآية 16].

ـ «ومنهم الذين يؤذون النبيّ ويقولن هو أذنٌ، قل هو أذنٌ خيرٍ لكم يؤمنُ بالله ويؤمن للمؤمنين ورحمةً للذين آمنوا منكم، والذين يؤذون رسول الله لهم عذاب أليمٌ» [سورة التوبة: الآية 61].

إنّ هذا القدر من الآيات البيّنات كافٍ لإقناع الباحثين بأنّ الصّحابة ينقسمون إلى قسمين اثنين.

1 ـ قسمٌ آمن بالله وبرسوله (صلى الله عليه وآله) وأسلم أمره وقيادته لهما، فأطاع الله ورسوله (صلى الله عليه وآله) وتفاني في حبهما وضحّى في سبيلها وكان من الفائزين، وهؤلاء يمثّلون الأقلية وقد سمّاهم القرآن «الشّاكرين».

2 ـ قسمٌ آمن بالله وبرسوله (صلى الله عليه وآله) ظاهرياً ولكنّ قلبه فيه مرض، فلم يسلم أمره إلاّ لمصلحته الشخصيّة ومنافعه الدنيوية فهو يعارض الرسول (صلى الله عليه وآله) في أحكامه وأوامره ويقدّم بين يدي الله ورسوله (صلى الله عليه وآله) فكان من الخاسرين، وهؤلاء يمثّلون الأكثرية وقد عبّر عنهم القرآن باوجز تعبير إذ يقول عزّ وجل: «لقد جئناكم بالحقّ ولكنّ أكثركم للحقّ كارهون» [سورة الزخرف: الآية 78].

فالباحث يكتشفُ أنّ هؤلاء «الأكثرية» كانوا في حياة النبي (صلى الله عليه وآله) يعيشون معه ويصلّون خلفه ويصحبونه في حلّه وترحاله، ويتقرّبون إليه بكلّ وسيلة لئلاّ ينكشف أمرهم للمؤمنين المخلصين، ويحاولون جهدهم أن يظهروا بمظهر يغبطهم عليه المؤمنون لكثرة تعبّدهم وورعهم في أعين الناس (5).

فإذا كان هذا حالهم في حياة النبيّ صلّى الله عليه وآله وسلّم، فكيف أصبحوا بعد وفاته؟ لا شك بأنّهم نشطوا وتكاثروا وازداد تستّرهم وتمثيلهم، فلم يعد هناك نبيٌّ يعرفهم ولا وحيٌ يفضحهم، وخصوصاً وقد ظهرت بموته (صلى الله عليه وآله) بوادر الشقاق والافتراق من أهل المدينة الذين مردوا على النفاق وكذلك ارتداد العرب في شبه الجزيرة الذين هم أشدّ كفراً ونفاقاً، ومنهم من إدّعى النبوّة كمسيلمة الكذاب وطليحة وسجاح بنت الحرث وأتباعهم وكلّ هؤلاء كانوا من الصّحابة.

وإذا تركنا كل هؤلاء واعتمدنا فقط على سكّان المدينة من صحابة رسول الله (صلى الله عليه وآله) فإنّا نجزم بأنّ هؤلاء أيضاً ظهرت فيهم حسيكة النّفاق وحتّى المؤمنين منهم أغلبهم إنقلب على عقبيه من أجل الخلافة.

وقد عرفنا فيما سبق من أبحاث أنّهم تآمروا على رسول الله (صلى الله عليه وآله) وعلى وصيّه وعصوا رسوله الله (صلى الله عليه وآله) في أوامره التي أمرهم بها وهو على فراش الموت.

وهذه الحقيقة لا مفرَّ منها للباحثين عن الحقّ إذ يصطدمون بها عند قراءة كتب التأريخ والسيرة النبويّة، وقد سجّلها كتاب الله سبحانه بأجل العبارة وأحكم الآيات بقوله تعالى: «وما محمد إلاّ رسولٌ قد خلتْ من قبله الرسل أفإن مات أو قُتل انقلبتم على أعقابكم ومن ينقلب على عقبيه فلن يضرّ الله شيئاً وسيجزي الله الشاكرين» [سورة آل عمران: الآية 144].

فالشّاكرون هم الأقلية من الصحابة الذين لم ينقلبوا، وثبتوا على العهد الذي أبرموه مع رسول الله (صلى الله عليه وآله) ولم يبدّلوا تبديلاً.

وبهذه الآية الكريمة ومدلولها المحكم تسقط دعوى أهل السنّة: بأنّ الصحابة لا علاقة لهم بالمنافقين ولو سلّمنا لهم جدَلاً بذلك، فإنّ هذه الآية الكريمة خاطبت الصحابة المخلصين الذين لم يكونوا منافقين في حياة النبيّ (صلى الله عليه وآله) وإنّما انقلبوا على أعقابهم بعد وفاته مباشرة.

وسوف يتّضح أمر هؤلاء إذا ما بحثنا أحوالهم في حياة النبيّ (صلى الله عليه وآله) وبعد وفاته وما قاله فيهم سول الله (صلى الله عليه وآله) وطفحت به كتب الحديث والسيرة والتأريخ.

السنّة النّبوية تكشف حقائق بعض الصحابة

وحتّى لا يتوهم معاندٌ في الأحاديث النبويّة التي تناولت الصّحابة يحاول الطعن فيها أو تضعيفها، فقد اعتمدنا فقط أحاديث البخاري والذي هو أصحّ الكتب عند أهل السنّة ورغم أنّ البخاري كتم الكثير من هذه الأحاديث حفاظاً على كرامة الصحابة كما هو معروف عنه ولان غيره من صحاح أهل السنّة أخرج أضعافها وبعبارات أكثر وضوحاً إلاّ أننا نكتفي بهذا الموجز الذي أخرجه البخاري لتكون حجّتنا أبلغ.

أخرج البخاري في صحيحه من جزئه الأول في باب خوف المؤمن من أن يحبط عمله وهو لا يشعر من كتاب الإيمان.

قال إبراهيم التيميُّ: ما عرضت قولي على عملي إلاّ خشيت أن أكون مكذّباً، وقال ابن أبي مليكة: أدركت ثلاثين من أصحاب النبيّ (صلى الله عليه وآله) كلّهم يخاف النّفاق على نفسه، ما منهم أحدٌ يقول إنّه على إيمان جبريل وميكاييل… (صحيح البخاري: 1/17).

* وإذا كان ابن أبي مليكة أدرك ثلاثين من أصحاب النبيّ (صلى الله عليه وآله) كلّهم يخاف النفاق على نفسه ولا يدّعي الإيمان الصحيح لنفسه فما بالُ أهل السنّة يرفعونهم إلى منزلة الأنبياء ولا يقبلون النقد في أي واحد منهم.

وأخرج البخاري في صحيحه من جزئه الرابع في باب الجاسوس والتجسّس من كتاب الجهاد والسير.

أنّ حاطب بن أبي بلتعة وهو من صحابة النبيّ (صلى الله عليه وآله) بعث إلى المشركين من أهل مكة يخبرهم ببعض أمر رسول الله (صلّى الله عليه وآله)، وقد جيء بكتابه إلى النبيّ (صلى الله عليه وآله) فقال له رسول الله (صلّى الله عليه وآله): ما هذا يا حاطب؟ فاعتذر للنبيّ بأنه يريد حماية قرابته في مكّة، وصدّقه رسول الله (صلّى الله عليه وآله)، فقال عمر: يا رسول الله دعني أضرب عنق هذا المنافق! قال: إنّه شهد بدراً، وما يدريك لعلّ الله أن يكن قد اطّلع على أهل بدر فقال إعملوا ما شئتم فقد غفرت لكم.. (صحيح البخاري: 4/19).

* وإذا كان حاطب وهو من الرّعيل الأول من الصحابة الذين شهدوا بدراً يبعث بأسرار النبيّ (صلى الله عليه وآله) إلى أعدائه من مشركي مكّة ويخون الله ورسوله (صلى الله عليه وآله) بعذر حماية قرابته، ويشهد عمر بن الخطاب نفسه على نفاقه، فكيف بالصحابة الذين أسلموا بعد الفتح أو بعد خيبر أو بعد حنين وكيف بالطلقاء الذين استسلموا ولم يسلموا.

أمّا ما جاء في الفقرة الأخيرة من القول المنسوب للنبي (صلى الله عليه وآله) بأن الله قال لأهل بدر إعملوا ما شئتم فقد غفرت لكم. فنترك التعليق عليه للقارئ اللّبيب.

وأخرج البخاري في صحيحه من جزئه السادس في باب قوله: سواء عليهم استغفر لهم أم لم تستغفر لهم لن يغفر الله لهم إن الله لا يهدي القوم الفاسقين من كتاب فضائل القرآن سورة المنافقين.

أنّ رجلاً من المهاجرين كسح رجلاً من الأنصار، فقال الأنصاريُّ يا للأنصار وقال المهاجريُّ يا للمهاجرين، فسمع ذلك رسول الله (صلى الله عليه وآله) فقال: ما بال دعوى أهل الجاهلية؟ قالوا: يا رسول الله كسح رجل من المهاجرين رجلاً من الأنصار، فقال: دعوها فإنّها منتنةٌ، فسمع بذلك عبد الله بن أُبي فقال: فعلوها أما والله لئن رجعنا إلى المدينة ليخرجنّ الأعزُّ منها الأذلّ، فبلغ النبيّ (صلّى الله عليه وآله)، فقام عمر فقال: يا رسول الله دعني أضرب عنق هذا المنافق! فقال النبي (صلّى الله عليه وآله): دعه لا يتحدّث النّاس أنّ محمداً يقتل أصحابه. (صحيح البخاري: 6/65).

* وهذا الحديث صريح في أنّ المنافقين كانوا من الصّحابة، فقد أقرّ رسول الله قول عمر بأنّه منافق ولكن منعه من قتله حتّى لا يُقال بأنّ محمداً يقتل أصحابه، ولعلّ الرّسول كان يعلم بأنّ أكثر أصحابه منافقون وإذا ما قتل كل المنافقين لم يبق من أصحابه عددٌ كثير. فأين أهل السنّة من هذه الحقيقة المؤلمة التي تدحض مزاعمهم.

وأخرج البخاري في صحيحه من جزئه الثالث في باب حديث الإفك من كتاب الشهادات.

أنّ رسول الله (صلى الله عليه وآله) قال: من يعذرني من رجلٍ بلغني أذاهُ في أهلي، فقام سعد بن معاذ فقال: يا رسول الله أنا والله أعذرك منه، إن كان من الأوس ضربنا عُنقه، وإن كان من إخواننا من الخزرج أمرتنا ففعلنا فيه أمرك، فقام سعد بن عبادة وهو سيّد الخزرج وكان قبل ذلك رجلاً صالحاً ولكن احتملته الحميّة فقال: كبت لعمر الله لا تقتله ولا تقدر على ذلك فقام أسيد بن الحضير فقال: كذّبت لعمر الله، والله لنقتلنّه فإنّك منافقٌ تجادل عن المنافقين، فثار الحيّان الأوس والخزرج حتّى همّوا أن يقتتلوا ورسول الله (صلى الله عليه وآله) على المنبر فلم يزل يخفّضهم حتّى سكتوا وسكت… (صحيح البخاري: 3/156 وكذلك: 6/8) .

* وإذا كان سعد بن عبادة سيد الأنصار يتّهم بالنّفاق بعد ما كان رجلاُ صالحاً كما تشهد بذلك الرّواية، ويقال عنه منافق بحضرة النبيّ (صلى الله عليه وآله) فلا يدافع عنه وإذا كان الأنصار الذين امتدحهم الله في كتابه يثورون جميعاً بأوسهم وخزرجهم ويهمّوا بالاقتتال من أجل منافق آذى النبي (صلى الله عليه وآله) في أهله فيدافعون عنه ويرفعون أصواتهم بحضرة النبي (صلّى الله عليه وآله).

فكيف يستغرب النفاقُ من غيرهم الذين كرّسوا حياتهم في محاربة النبي (صلى الله عليه وآله) ودعوته أو من الذين همّوا بحرق دار إبنته بعد وفاته من أجل الخلافة.

وأخرج البخاري في صحيحه من جزئه الثامن من كتاب التوحيد في باب قول الله تعالى: «تعرج الملائكة والروح إليه».

أنّ علياً بن أبي طالب بعث وهو باليمن إلى النبيّ (صلى الله عليه وآله) بقطع من الذهب فقسّمه رسول الله (صلى الله عليه وآله) على بعض النّاس فتغضّبت قريش والأنصار فقالوا يعطيه صناديد أهل نجد ويدعنا؟ قال النبيّ (صلّى الله عليه وآله): فمن يطع الله إذا عصيته؟ فيأمنّي على أهل الأرض ولا تأمنوني؟

فسأل خالد بن الوليد قتله فمنعه النبيُّ (صلى الله عليه وآله) من ذلك. فلمّا ولّى قال النبيّ (صلّى الله عليه وآله): إنّ من ضئضئي هذا قوماً يقرأون القرآن لا يجاوز حناجرهم يمرقون من الإسلام مروق السّهم من الرميّة يقتلون أهل الإسلام ويدعون أهل الأوثان، لئن أدركتهم لأقتلنّهم قتل عادٍ. (صحيح البخاري: 8/178).

* وهذا منافقٌ آخر من الصحابة يتّهم رسول الله (صلى الله عليه وآله) بالحيف في القسمة ويواجه النبيّ (صلى الله عليه وآله) في غير أدب بقوله: يا محمد إتّق الله ورغم معرفة النبيّ (صلى الله عليه وآله) لنفاقه وأنّه يخرج من ضئضه قومٌ يمرقون من الإسلام مروق السّهم من الرميّة فيقتلون أهل الإسلام ويدعون أهل الأوثان ورغم ذلك كلّه منع النبيُّ خالد من قتلهِ.

وفي هذا جواب لأهل السنّة الذين كانوا كثيراً ما يحتجّون عليَّ بقولهم: لو كان رسول الله يعلم أنّ من أصحابه منافقين سيكونوا سبباً في ضلالة المسلمين لوجب عليه قتلهم لحماية أمّته وحماية دينه.

وأخرج البخاري في صحيحه من جزئه الثالث في باب إذا أشار الإمام بالصلح من كتاب الصلح.

أنّ الزبير كان يحدّث أنّه خاصم رجلاً من الأنصار قد شهد بدْراً إلى رسول الله (صلى الله عليه وآله) في شراج من الحرّة كانا يسقيان به كلاهما فقال رسول الله (صلى الله عليه وآله) للزبير: إسقِ يا زبير ثم أرسل إلى جارك فغضب الأنصاريُّ فقال: يا رسول الله إن كان ابن عمّتك؟ فتلوّن وجه رسول الله (صلّى الله عليه وآله). ثم قال: أسقِ ثم أحبس حتّى يبلغ الجدر… (صحيح البخاري: 3/171).

* وهذا نمطٌ آخر من الصحابة المنافقين الذين يعتقدون بأنّ رسول الله (صلى الله عليه وآله) تأخذه العاطفة فيميل مع ابن عمّته ويقولها بكل وقاحة حتى يتغير وجه رسول الله ويتلوّن من شدّة الغضب.

وأخرج البخاري في صحيحه من جزئه الرّابع في باب ما كان النبيّ يعطي المؤلفة قلوبهم من كتاب الجهاد والسير. عن عبد الله.

قال: لما كان يوم حنين آثر النبيُّ صلّى الله عليه وسلّم أناساً في القسمةِ فأعطى الأقرع بن حابس مائة من الإبل وأعطى عيينة مثل ذلك، وأعطى أناساً من أشراف العرب فآثرهم يومئذ في القسمة، فقال رجُلٌ: والله إنّ هذه القسمة ما عُدلَ فيها وما أريد بها وجهُ اللهِ، فقلتُ واللهِ لأخُبرنَّ النبيّ (صلّى الله عليه وآله)، فأتيتُه فأخْبرتُه، فقال: فمن يعدِلُ إذا لم يعدل اللهُ ورسولُهُ؟ رحم اللهُ موسى قد أوذي بأكثر من هذا فصبر. (صحيح البخاري: 4/61).

وهذا منافقٌ آخر من صحابة رسول الله (صلى الله عليه وآله) ولعلّه من عظماء قريش ولذلك تحاشى الراوي ذكر اسمه خوفاً من الجهاز الحاكم في ذلك الوقت وترى هذا المنافق يعتقد جزماً ويُقسم على ذلك بأنّ محمداً ما كان عادلاً ولا أراد بقسمته وجه الله. ورحم الله محمّداً فقد أوذيَ بأكثر من هذا فصبر.

وأخرج البخاري في صحيحه من جزئه الرّابع في باب علامات النبوّة في الإسلام من كتاب بدء الخلق.

أنّ أبا سعيد الخدري قال: «بينما نحن عند رسول الله (صلى الله عليه وآله) وهو يقسمُ قسماً إذا أتاهُ ذو الخويصرة وهو رجلٌ من

بني تميم فقال: يا رسول الله أعدلْ! فقال: ويلَك ومن يعدلْ إذا لم أعدل قد خبتَ وخسرتَ إن لم أكن أعدل، فقال عمر: يا رسول الله إئذن لي فيه فأضرب عُنقَهُ، فقال: دعْهُ فإنَّ له أصحاباً يحقِرُ أحدكم صلاتَه مع صلاتهم وصيامهُ مع صيامهم يقرأون القرآن لا يجاوزُ تراقيهم يمرقُون من الدّين كما يمرُقُ السّهم من الرميّة…» (صحيح البخاري: 4/179).

* وهذا نمط آخر من الصحابة المنافقين الذين كانوا يظهرون أمام النّاس بمزيد من التقوى والخشوع حتّى أنّ النبيّ (صلى الله عليه وآله) قال لعمر إن أحدكم يحقر صلاته وصيامه مع صلاتهم وصيامهم. ولا شكّ أنّهم كانوا يحفظون القرآن حفظاً متراكماً ولكن لا يتجاوز حناجرهم، وقول الرسول (صلّى الله عليه وآله): «دعه فإنّ له أصحاباً» يدلّ على وجود المنافقين بأعداد كبيرة ضمن الصّحابة.

وأخرج البخاري في صحيحه من جزئه السابع في باب من لم يواجه الناس بالعتاب من كتاب الأدب.

قالت عائشة: صنع رسول (صلى الله عليه وآله) شيئاً فرخّص فيه فتنزّه عنه قومٌ، فبلغ ذلك النبيّ (صلى الله عليه وآله) فخطب فحمد الله ثم قال: ما بال أقوامٍ يتنزّهون عن الشيء أصنعه فوالله إنّي لأعلمهم بالله وأشدّهم له خشيةً، (صحيح البخاري: 7/96).

* وهذا نوع آخر من الصحابة الذين يتنزّهون عن سنّة النبيّ (صلى الله عليه وآله) ولا شكّ أنّهم كانوا يسخرون من أفعاله ولذلك نراه (صلى الله عليه وآله) يخطب فيهم ويقسم بالله أنّه لأعلمهم بالله وأشدّهم له خشية.

وأخرج البخاري في صحيحه من جزئه الثالث في باب الإشتراك في الهدي والبدن من كتاب المظالم.

عن ابن عباس قال قدم النبيّ (صلى الله عليه وآله) صبح رابعة من ذي الحجّة مهلّين بالحجّ لا يُخلطهم شيءٌ، فلمّا قدمنا أمرنا فجعلناها عُمرة وأن نحلَّ إلى نسائنا، ففشت في ذلك القالة، قال عطاء، قال جابر: فيروح أحدنا إلى منى وذكره يقطر منيّاً، فقال جابر بكفّه، فبلغ ذلك النبيّ صلّى الله عليه وآله وسلّم، فقام خطيباً فقال: بلغني أنّ أقواماً يقولون كذا وكذا، والله لأنّا أبرّ وأتقى لله منهم… (صحيح البخاري: 3/114) .

* وهذا نمط آخر من الصحابة الذين يعصون أوامر رسول الله في الأحكام الشرعية، وقول الرسول (صلّى الله عليه وآله): بلغني أنّ أقواماً يقولون كذا وكذا، يدلّ على أنّ الكثير منهم رفضوا أن يتحلّلوا لنسائهم بدعوى أنّهم يتنزّهون أن يروحوا إلى منى وذكرانهم تقطر منيّاً وغاب عن هؤلاء الجهلة أنّ الله أوجب عليهم الغسل والطّهارة بعد كل عملية جنسية، فكيف يروحون إلى منى والمنيّ يقطر من ذكورهم؟ وهل هم أعلم بأحكام الله من رسول الله نفسه؟ أم هم أبرُّ وأتقى لله منه؟

ولا شكّ أنّ زواج المتعة. أو «متعة النّساء» وقع تحريمها بعد الرسول (صلى الله عليه وآله) من طرف عمر، من هذا القبيل، فإذا كانوا في حياة النبيّ (صلى الله عليه وآله) يرفضون أوامره بنكاح نسائهم أيّام الحجّ، فلا يستغرب منهم أن يمنعوا نكاح المتعة بعد وفاته تنزيهاً منهم لأنفسهم عمّا كان يأمر به النبي (صلّى الله عليه وآله)، ويعتبرون نكاح المتعة من قبيل الزنا، كما يقول اليوم أهل السنّة بهذه المقالة.

وأخرج البخاري في صحيحه من جزئه الرّابع في باب ما كان النبي يُعطي المؤلّفة قلوبهم من كتاب الجهاد والسير.

عن أنس بن مالك، أنّ رسول الله حين أفاء الله عليه من أموال هوازن فأعطى رجالاً من قريش، فقال الأنصار: يغفر الله لرسول الله يعطي قريشاً ويدعنا وسيوفنا تقطر من دمائهم! فجمعهم رسول الله (صلى الله عليه وآله) في قبّة ولم يدع معهم أحداً غيرهم وقال لهم: «ما كان حديثٌ بلغني عنكم؟» ولمّا أعادوا عليه مقالتهم، قال: «إنّي أعطي رجالاً حديثٌ عهدهم بكفرٍ، أما ترضون أن يذهب النّاس بالأموال وترجعون إلى رحالكم برسول الله، فوالله ما تنقلبون به خيرٌ ممّا ينقلبون به» قالوا: بلى يا رسول الله قد رضينا. فقال لهم: «إنكم سترون بعدي أثرةٌ شديدة فاصبروا حتّى تلقوا الله ورسوله على الحوض» قال أنس: فلم نصبر (صحيح البخاري: 4/60).

* ونتساءل: هل كان في الأنصار كلّهم رجلٌ واحدٌ رشيد إقتنع بما فعله رسول الله (صلى الله عليه وآله) واعتقد بأنَّه لا يميل مع الهوى والعاطفة، وفهم قول الله سبحانه في هذا الصّدد: «فلا وربّك لا يؤمنون حتّى يحكّموك فيما شجر بينهم، ثم لا يجدوا في أنفسهم حرجاً ممّا قضيت ويسلّموا تسليماً» [سورة النساء: الآية 65].

فهل كان فيهم مَنْ دافَعَ عن رسول الله (صلى الله عليه وآله) عندما قالوا: يغفر الله لرسول الله؟

كلاّ لم يكن فيهم واحداً بمستوى الإيمان الذي اقتضته الآية الكريمة، وقولهم بعد ذلك: بلى يا رسول الله قد رضينا، لم يكنْ عن قناعة، ولذلك جاءت شهادة أنس بن مالك وهو منهم في محلّها عندما قال: أوصانا بالصبر فلم نصبر.

وأخرج البخاري في صحيحه من جزئه الخامس في باب غزوة الحديبية من كتاب المغازي.

عن أحمد بن إشكاب حدّثنا محمّد بن فضيل عن العلاء بن المسيّب عن أبيه قال: لقيت البراء بن عازب، فقلت: طوبى لك صحبت النبي صلّى الله عليه وسلّم وبايعته تحت الشجرة!

فقال: يا بن أخي إنّك لا تدري ما أحدثنا بعده. (صحيح البخاري: 5/66).

* لقد صدق البراء بن عازب: فإن أغلب النّاس لا يدرون ما أحدث الصّحابة بعد وفاة نبيّهم (صلى الله عليه وآله) ـ من ظلم وصيّه وابن عمّه وأبعاده عن الخلافة ـ ومن ظلم ابنته الزّهراء وتهديدها بالحرق، وغصب حقّها من النّحلة والإرث والخمس، ومن مخالفة وصايا النبيّ (صلى الله عليه وآله) وتبديل الأحكام التشريعية وحرق السنّة النبويّة وضرب الحصار عليها، ومن أذيته (صلى الله عليه وآله) في لعن وقتل أهل بيته وإبعادهم وتشريدهم وإعطاء السلطة إلى المنافقين والفاسقين من أعداء الله ورسوله. نعم كل ذلك وغيره كثير مما أحدثوه من بعده وبقي مجهولاً عند عامّة النّاس الذين ما عرفوا من الحقائق إلاّ ما أملته عليهم مدرسة الخلفاء. التي تفنّنت في تبديل أحكام الله ورسوله باجتهادات شخصية سمّيت البدع الحسنة.

وبهذه المناسبة نقول لأهل السنّة: لا تغترّوا يا إخوتنا بالصُّحبة والصّحابة فها هو البراء بن عازب من الرّعيل الأول، الذين بايعوا النبي (صلى الله عليه وآله) تحت الشجرة يقول لابن أخيه بلسان الحال: لا تغرنّك صحبتي ولا بيعتي تحت الشجرة فإنّك لا تدري ما أحدثت بعده وقد قال تعالى: « إنّ الذين يبايعونك إنّما يبايعون الله يد الله فوق أيديهم فمن نكث فإنّما ينكث على نفسه…» [سورة الفتح: الآية 10].

وكم كان عدد الصحابة النّاكثين كبيراً حتّى عهد النبيّ (صلى الله عليه وآله) لابن عمّه علي أن يقاتلهم، كما جاء ذلك في كتب التاريخ.

وأخرج البخاري في صحيحه من جزئه الأوّل والثالث في باب إذا نفر النّاس عن الإمام في صلاة الجمعة من كتاب الجمعة.

عن جابر بن عبد الله قال: أقبلت عيرٌ من الشّام تحمل طعاماً ونحن نصلّي مع النّبي (صلى الله عليه وآله) الجمعة، فانفضّ النّاس، إلاّ إثني عشر رجلاً، فنزلت هذا الآية، وإذا رأوا تجارة أو لهواً انفضّوا إليها وتركوك قائماً (صحيح البخاري: 1/225 و3/6و7).

* وهذا نمط آخر من الصحابة المنافقين الذين لا يتورّعون ولا يخشعون، بل ويفرّون من صلاة الجمعة ليتفرّجوا على العير والتجارة

ويتركون رسول الله قائماً بين يدي الله يؤدّي فريضته في خشوع ورهبة.

فهل هؤلاء مسلمون كَمُلَ إيمانهم؟ أم هل هم منافقون يهزؤون من الصّلاة وإذا قاموا إليها قاموا كُسالى؟ ولا يُستثنى منهم إلاّ الذين ثبتوا مع النبيّ (صلى الله عليه وآله) لإتمام صلاة الجمعة وعددهم إثنى عشر رجلاً.

ومن تتبّع أحوالهم واستقصى أخبارهم، فسوف يندهش لأفعالهم ولا شكٌّ أن هروبهم من صلاة الجمعة تكرّر لمرّات متعدّدة ولذلك سجّله كتاب الله سبحانه بقوله: قل ما عند الله خير من اللّهو ومن التجارة.

وحتّى تعرف أيّها القارئ العزيز، مدى احترامهم لهذه الصّلاة الّتي يحترمُها مسلمو العصر الحاضر أكثر منهم إليك هذه الرّواية.

أخرج البخاري في صحيحه من جزئه الثالث في باب ما جاء في الغرس من كتاب الوكالة.

عن سهل بن سعيد أنّه قال: إنّا كنّا نفرح بيوم الجمع كانت لنا عجوزٌ تأخذ من أصول سلقٍ لنا كنّا نغرسه في أربعائنا فتجعله في قدرٍ لها فتجعل فيه حبّاتٍ من شعير لا أعلم إلاّ أنّه قال ليس فيه شحمٌ ولا ودكٌ، فإذا صلّينا الجمعة زرناها فقرّبته إلينا، فكنّا نفرح بيوم الجمعة من أجل ذلك، وما كنّا نتغذّى ولا نقيل إلاّ بعد الجمعة. (صحيح البخاري: 3/73).

* فهنيئاً مريئاً لهؤلاء الصّحابة الذين لا يفرحون بيوم الجمعة للقاء رسول الله (صلى الله عليه وآله) والاستماع لخطبه ومواعظه والصّلاة بإمامته ولا بلقاء بعضهم البعض وما في ذلك اليوم من بركات ورحماتٍ ولكنّهم يفرحون بيوم الجمعة من أجل طعام مخصوص أعدّته لهم عجوز، ولو قال أحد المسلمين اليوم بأنّه يفرح بيوم الجمعة من أجل الطعام لأعتبر من المسوّفين المهملين.

وإذا أردنا مزيداً من البحث والتنقيب فإنّنا سنجد الشّاكرين الذين مدحهم القرآن الكريم، أقليّة لا يتجاوز عددهم الإثنى عشر رجلاً، وهؤلاء هم المخلصون الذين لم ينفضّوا إلى اللّهو والتجارة ويتركوا الصّلاة، وهم أنفسهم الذين ثبتوا في الجهاد مع النبيّ (صلى الله عليه وآله) في العديد من المواطن التي فرّ منها بقيّة الصّحابة وولّوا مدبرين.

فقد أخرج البخاري في صحيحه من جزئه الرابع في باب ما يكره من التّنازع والاختلاف في الحرب من كتاب الجهاد والسير.

عن البراء عازب قال: جعل النبيّ (صلى الله عليه وآله) على الرجّالة يوم أحدٍ وكانوا خمسين رجلاً، عبد الله بن جبير فقال: إن رأيتمونا تخطّفنا الطير فلا تبرحوا مكانكم هذا حتّى أرسل إليكم، فهزموهم، قال: فأنا والله رأيت النساء يشتددن قد بدت خلاخلهنّ وأسواقهنّ رافعاتٍ ثيابهنّ، فقال أصحاب عبدالله بن جبير: الغنيمة أي قوم الغنيمة، ظهر أصحابكم فما تنتظرون؟ فقال عبد الله بن جبير: أنسيتم ما قال لكم رسول الله (صلّى الله عليه وآله)؟ قالوا: «والله لنئأتينّ النّاس فلنصيبنّ من الغنيمة، فلمّا أتوهم صرفت وجوههم فأقبلوا منهزمين، فذاك إذ يدعوهم الرسول في آخراهم فلم يبق مع النبيّ (صلى الله عليه وآله) غير إثني عشر رجلاً فأصابوا منّا سبعين…» (صحيح البخاري: 4/26).

* وإذا عرفنا ممّا ذكره المؤرخون لهذه الغزوة بأنّ رسول الله (صلى الله عليه وآله) خرج بألف صحابي كلّهم يتشوّقون للجهاد في سبيل الله مغترّين بالنّصر الذي حصل في غزوة بدر، ولكنّهم عصوا أمر النّبي (صلى الله عليه وآله) وتسبّبوا في هزيمة نكراء شنيعة قتل فيها سبعون وعلى رأسهم حمزة عمّ النبيّ (صلى الله عليه وآله) وفرّ الباقون ولم يبق مع النّبي (صلى الله عليه وآله) في ساحة المعركة غير إثني عشر رجلاً على ما يقوله البخاري، أمّا غيره من المؤرخين فينزل بهذا العدد إلى أربعة فقط وهم علي بن أبي طالب الذي تصدّى للمشركين يحمي بذلك وجه رسول الله (صلى الله عليه وآله) وأبو دجانة يحمي ظهره وطلحة والزبير وقيل سهل بن حنيف.

ومن هذه المواقف نفهم قول رسول الله صلّى الله عليه وآله وسلم: «لا أرى يخلص منهم إلاّ مثل همل النعم» (سيأتي البحث في هذا الحديث).

وإذا كان الله سبحانه وتعالى قد توعّدهم بالنّار إذا فرّوا من الحرب فقال: «يا أيها الذين آمنوا إذا لقيتم الذين كفروا زحفاً فلا تولّوهم الأدبار، ومن يولّهم يومئذ دبره إلاّ متحرّفاٌ لقتال أو متحيّزاً إلى فئة، فقد باء بغضبٍ من الله ومأواه جهنّم وبئس المصير» [الأنفال: 16].

فما هي قيمة هؤلاء الصّحابة الذين يفرّون من الصّلاة من أجل اللّهو والتجارة، ويفرّون من الجهاد خوفاً من الموت تاركين رسول الله (صلى الله عليه وآله) وحده بين الأعداء. وفي كلتا الحالتين ينفضّوا ويولّوا الأدبار بأجمعهم ولا يبق معه (صلى الله عليه وآله) غير إثني عشر رجلاً على أكثر التقديرات. فأين الصّحابة يا أولي الألباب؟؟

ولعلّ بعض الباحثين عندما يقرؤون مثل هذه الأحداث والروايات يستصغرون شأنها ويظنّون بأنها حادثة عرضية عفى الله عنها، ولم يعد الصحابة إلى مثلها بعد ذلك.

كلا، فإنّ القرآن الكريم يوقفنّا على حقائق مذهلة، فقد سجَّل الله سبحانه فرارهم يوم غزوة أحد (6) بقوله: «ولقد صدقكم الله وعده، إذ تحسّونهم بإذنه حتّى إذا فشلتم وتنازعتم في الأمر وعصيتم من بعد ما أراكم ما تحبّون، منكم من يريد الدّنيا ومنكم من يريد الآخرة، ثم صرفكم عنهم ليبتليكم، ولقد عفا عنكم والله ذو فضل على المؤمنين إذا تصعدون ولا تلوون على أحدٍ والرسول يدعوكم في أخراكم فأثابكم غمّاً بغمّ لكيلا تحزنوا على ما فاتكم ولا ما أصابكم والله خبيرٌ بما تعملون» [سورة آل عمران: الآية 153].

فهذه الآيات نزلت بعد معركة أحد، والتي انهزم فيها المسلمون بسبب رغبتهم في متاع الدنيا عندما رأوا النّساء رافعات ثيابهن قد بدت أسواقهنّ وخلاخلهنّ على ما حكاه البخاري، فعصوا الله ورسوله (صلى الله عليه وآله) كما حكاه القرآن؛ فهل اعتبر الصّحابة بتلك الحادثة وتابوا إلى الله واستغفروه ولم يعودوا لمثلها بعد ذلك؟

كلاّ فإنهم لم يتوبوا وعادوا إلى أكبر منها في غزوة حنين والتي وقعت في آخر حياة النبيّ صلّى الله عليه وآله وسلم. وكان عددهم في تلك المعركة إثنى عشر ألفاً على ما ذكره المؤرّخون، ورغم كثرتهم فقد لاذوا بالفرار وولّوا مدبرين كالعادة تاركين رسول الله (صلى الله عليه وآله) وسط أعداء الله من المشركين ومعه تسعة أو عشرة أنفار من بني هاشم على رأسهم الإمام علي بن أبي طالب كما نصّ عليه اليعقوبي في تاريخه وغيره (7).

وإذا كان فرارهم يوم أحد شنيع فهو في حنين أشنعُ وأقبحُ لأنّ الصّابرين الذين ثبتوا معه يوم أحد كانوا أربعة من ألف صحابي وهي نسبة واحد من كل مائتين وخمسين.

أمّا في يوم حُنين فكان الصّابرون الثّابتون عشرة، من إثني عشر ألف صحابي وهي نسبة واحد من كل ألف ومائتين.

وإذا كانت معركة أحد في بداية الهجرة والنّاس لم يزالوا أقليّة وحديثي عهد بجاهلية، فما هو عذرهم في معركة حنين التي وقعت في آخر السنّة الثامنة للهجرة النبويّة ولم يبق من حياة النبيّ معهم إلاّ عامين ورغم كثرة عددهم وعدّتهم فقد أطلقوا أرجلهم للرّيح وهربوا غير ملتفتين إلى رسول الله (صلّى الله عليه وآله).

فالقرآن الكريم يبيّن بوضوح مواقفهم المتخاذلة وهروبهم من الزّحف في تلك المعركة بقوله: «ويوم حنين إذ أعجبتكم كثرتكم فلم تغن عنكم شيئاً، وضاقت عليكم الأرض بما رحبت ثمّ ولّيتم مدبرين، فأنزل الله سكينته على رسوله وعلى المؤمنين، وأنزل جنوداً لم تروها وعذّب الذين كفروا وذلك جزاء الكافرين» [سورة التوبة: الآية 26].

يبيّن سبحانه بأنّه قد ثبت رسوله (صلى الله عليه وآله) والذين صبروا معه على القتال بإنزال السكينة عليهم، ثم أمدّهم بجنود من الملائكة يحاربون معهم ونصرهم على الكافرين فلا حاجة للمرتدّين الذين يفرّون من العدوّ خوفاً من الموت، ويعصون بذلك ربّهم ونبيّهم، وكلّما امتحنهم الله وجدهم فاشلين.

ولمزيد البيان لا بدّ لنا من استعراض الرواية التي أخرجها البخاري بخصوص انهزام الصحابة يوم حنين.

أخرج البخاري في صحيحه من جزئه الخامس في باب قول الله تعالى: «ويوم حنين إذ أعجبتكم كثرتكم فلم تغن عنكم شيئاً». من كتاب المغازي.

أن أبا قتادة قال: لمّا كان يوم حنين نظرت إلى رجل من المسلمين يقاتل رجلاً من المشركين وآخر من المشركين يختله من رواءه ليقتله فأسرعت إلى الذي يختله فرفع يده ليضربني فضربت يده فقطعتها ثم أخذني فضمّني ضمّاً شديداً حتّى تخوّفت ثم ترك فتحلّل ودفعته ثم قتلته، وانهزم المسلمون وانهزمت معهم فإذا بعمر بن الخطاب في النّاس، فقلت له: ما شأن النّاس؟ قال: أمر الله… (صحيح البخاري: 5/101).

* عجيبٌ والله أمر عمر بن الخطاب الذي هو معدود عند أهل السنّة من أشجع الصّحابة إذا لم يكن أشجعهم على الإطلاق، لأنهم يروون بأن الله أعزّ به الإسلام وأنّ المسلمين لم يجهروا بالدعوة إلاّ بعد إسلامه وقد أوقفنا التاريخ على الصحيح والواقع وكيف أنّه ولّى دبره وهرب من المعركة يوم أحد، كما ولّى دبره وفرّ هارباً يوم خيبر عندما أرسله رسول الله (صلى الله عليه وآله) إلى مدينة خيبر ليفتحها وأرسل معه جيشاً فانهزم هو وأصحابه ورجعوا يجبّنونه ويجبّنهم (8)، كما ولّى دبره وهرب يوم حنين مع الهاربين أو لعلّه كان أوّل الهاربين وتبعه النّاس إذ كان هو أشجعهم، ولذلك نرى أبا قتادة يلتفت من بين ألوف المنهزمين إلى عمر بن الخطاب ويسأله كالمستغرب، ما شأن الناس؟ ولم يكتف عمر بن الخطاب بهروبه من الجهاد وترك رسول الله (صلى الله عليه وآله) وسط الأعداء من المشركين حتّى يموّه على أبي قتادة بأنّه أمر الله!.

فهل أمر الله عمر بن الخطاب بالفرار من الزّحف؟

أم أنّه أمره بالثّبات والصبر في الحروب وعدم الفرار؟ فقد قال له ولأصحابه «يا أيها الذين آمنوا إذا لقيتم الذين كفروا زحفاً فلا تولّوهم الأدبار» [سورة الأنفال: الآية 1].

كما أخذ الله عليه وعلى أصحابه عهداً بذلك، فقد جاء في الذكر الحكيم: «ولقد كانوا عاهدوا الله من قبل لا يولّون الأدبار وكان عهد الله مسؤولاً» [سورة الأحزاب: الآية 15].

فكيف يُولّي أبو حفص الدّبر من الزّحف ويدّعي أن ذلك أمر الله؟!

فأين هو من هذه الآيات البيّنات، أم على قلوب أقفالها؟

ولسنا هنا بصدد البحث عن شخصية عمر بن الخطاب فسوف نفرد له باباً خاصّاً به، ولكنّ حديث البخاري مثيرٌ لم يترك لنا مندوحة من هذه الملاحظة السّريعة، والذي يهمّنا الآن هو شهادة البخاري بأنّ الصحابة على كثرة عددهم ولّوا مدبرين يوم حنين، والذي يقرأ كتب التاريخ في تلك الحروب والغزوات يظهر له العجب العجاب.

وإذا كان أمر الله لا يطاع من أكثر الصحابة كما عرفنا من خلال الأبحاث السّابقة، فلا يستغرب منهم الإعراض عن أوامر الرّسول (صلى الله عليه وآله) وهو حيٌّ معهم ـ أمّا أوامره بعد وفاته بأبي هو وأمّي وما لقيت منهم من إهمال وتبديل فحدّث ولا حرج.

الصّحابة تجاه أوامر الرسول (صلى الله عليه وآله) في حياته

ولنبدأ بالأوامر التي أمر بها (صلى الله عليه وآله) في حياته والتي قوبلت بالتمرّد والعصيان من قبل هؤلاء الصّحابة.

وسوف لن نتحدث إلا بما أخرجه البخاري في صحيحه روماً للاختصار وضارباً على بقية صحاح أهل السنّة صفحاً وإلا فإن فيهم أضعاف الأضعاف وبعبارات أكثر وضوحاً، وأكثر تحدّياً.

أخرج البخاري في صحيحه من جزئه الثالث في باب الشروط في الجهاد والمصالحة مع أهل الحروب من كتاب الشروط.

وبعد ما أورد البخاري قصة صلح الحديبية ومعارضة عمر بن الخطاب لما وافق عليه رسول الله (صلّى الله عليه وآله)، وشكّه فيه حتّى قال له صراحة: ألست نبي الله حقّاً؟ إلى آخر القضيّة. قال البخاري: فلمّا فرغ من قضية الكتاب قال رسول الله (صلى الله عليه وآله) لأصحابه قوموا فانحروا ثم أحلقوا. قال: فوالله ما قام منهم رجلٌ حتّى قال ذلك ثلاث مرّات فلم يقم منهم أحدٌ فدخل على أمّ سلمة فذكر لها ما لقي من النّاس. (صحيح البخاري: 3/182).

* ألا تعجب أيها القارئ من تمرّد الصّحابة وعصيانهم تجاه أمر النبي (صلى الله عليه وآله) ورغم تكرار الأمر ثلاث مرات فلم يستجب له منهم أحد؟؟

ولا بدّ هنا من ذكر محاورة دارت بيني وبين بعض العلماء في تونس بعد صدور كتابي «ثم اهتديت» وأنهم قرأوا فيه تعليقي على صلح الحديبية، فعلّقوا بدورهم على هذه الفقرة بقولهم: إذا كان الصّحابة قد عصوا أمر النّبي (صلى الله عليه وآله) بالنحر والحلق فلم يمتثل لأمره أحد فإنّ عليّاً بن أبي طالب كان معهم ولم يمتثل هو الآخر لأمر الرسول صلّى الله عليه وآله وسلّم. وأجبتهم بما يلي:

أولاً: لم يكن علي بن أبي طالب معدوداً من الصّحابة، فهو أخ رسول الله وابن عمّه وزوج ابنته وأبو ولده، وقد كان عليّ مع رسول الله في جانب وبقية النّاس في جانب، فإذا قال الرّاوي في صحيح البخاري بأن النبيّ (صلى الله عليه وآله) أمر أصحابه بالنحر والحلق، فإن أبا حسنٍ سلام الله عليه لم يكن معدوداً ضمنهم، فهو بمنزلة هارون من موسى، ألا ترون أنّ الصلاة على محمد لا تكون كاملة إلاّ إذا أضيف إليها الصلاة على آله، وعلي هو سيد آل محمد بدون منازع فأبو بكر وعمر وعثمان وكل الصّحابة لا تصحّ صلاتهم إلا إذا كان فيها ذكر علي بن أبي طالب مع محمد بن عبد الله.

ثانياً: ـ إنّ رسول الله (صلى الله عليه وآله) كان دائماً يشرك عليّاً أخاه في هَدْيه كما وقع ذلك في حجة الوداع عندما قدم عليٌّ من اليمن وسأله رسول الله (صلّى الله عليه وآله): بماذا أهللت يا علي؟ فقال: بما أهلّ رسول الله. فأشركه النبي في هديه، وقد ذكر هذه القضيّة كل المحدّثين والمؤرّخين، فلا بد أن يكون شريكه يوم الحديبية أيضاً.

ثالثاً: إن عليّاً بن أبي طالب هو الذي كتب الصّلح يوم الحديبية بإملاء رسول الله صلّى الله عليه وآله وسلم، ولم يعترض عليه في شيء طيلة حياته، لا بمناسبة الحديبية ولا في غيرها، ولم يسجّل التاريخ بأنّه عليه السّلام تأخّر عن أمر الرسول (صلى الله عليه وآله) أو عصاه مرّة واحدة ـ حاشاه ـ ولا فرّ مرّة من الزحف وترك أخاه وابن عمه بين الأعداء، بل كان دائماً يفديه بنفسه. والخلاصة أن عليّاً بن أبي طالب هو كنفس النبيّ (صلى الله عليه وآله) ولذلك كان النّبي (صلى الله عليه وآله) يقول: «لا يحلّ لأحد أن يجنب في المسجد إلاّ أنا وعلي» (9).

وأقتنع أغلب المحاورين بما أوردته واعترفوا بأنّ علياً بن أبي طالب ما خالف في حياته أمر رسول الله (صلّى الله عليه وآله).

وأخرج البخاري في صحيحه من جزئه الثامن في الباب كراهية الخلاف من كتاب الاعتصام بالكتاب والسنّة.

عن عبد الله بن عباس قال: لمّا احتضر النبيُّ (صلى الله عليه وآله) قال وفي البيت رجال فيهم عمر بن الخطاب، قال: هلمّ أكتب لكم كتاباً لن تضلّوا بعده، فقال عمر: إنّ النّبي (صلى الله عليه وآله) غلبهُ الوجع وعندكم القرآن فحسبنا كتاب الله واختلف أهل البيت واخصتموا فمنهم من يقول قرّبوا يكتب لكم رسول الله (صلى الله عليه وآله) كتاباً لن تضلّوا بعده، ومنهم من يقول ما قال عمر، فلمّا أكثروا اللّغط والاختلاف عند النّبي صلّى الله عليه وآله وسلم، قال: قوموا عنّي، فكان ابن عباس يقول: إنّ الرّزية كل الرزّية ما حال بين رسول الله صلّى الله عليه وسلّم وبين أن يكتب لهم ذلك الكتاب من اختلافهم ولغطهم. (صحيح البخاري: 8/161 و1/37 و5/138).

* وهذا أمرٌ آخر لرسول الله صلّى الله عليه وآله يقابله الصّحابة بالرفض والعصيان وبانتقاص النبي صلّى الله عليه وآله وسلم.

مع الملاحظة بأنَّ عمر بن الخطاب قال بحضرة النّبي (صلى الله عليه وآله) لمّا طلب منهم إحضار الكتف والدّواة ليكتب لهم الكتاب الذي يمنعهم من الضّلالة قال: إنّ رسول الله يهجر بمعنى يهذي ـ والعياذ بالله ـ.

ولكنّ البخاري هذّب تلك العبارة وأبدلها بـ«غلبه الوجع» لأنّ قائلها عمر بن الخطاب. وتراه إذا أهمل اسم عمر في الرواية قال: فقالوا هجر رسول الله وهذه أمانة البخاري في نقل الحديث (وسوف نعقد له باباً خاصّاً).

وعلى كل حال فإنّ أكثر المحدّثين والمؤرّخين ذكروا بأنّ عمر بن الخطاب قال: إن رسول الله يهجر، وتبعه كثير من الصّحابة فقالوا مقالته بحضرة النبي (صلى الله عليه وآله) ـ ولنا أن نتصور ذلك الموقف الرّهيب وتلك الأصوات المرتفعة وكثرة اللّغط والاختلاف بحضرته (صلى الله عليه وآله) ، ومهما تكن الرّواية معبّرة فلا تعبّر في الواقع إلاّ قليلاً عن المشهد الحقيقي، كما إذا قرأنا كتاباً تاريخياً يحكي حياة موسى عليه السّلام فمهما يكن الكتاب معبّراً فلا يبلغ تعبير الفيلم السينمائي الذي نُشاهده عياناً.

وأخرج البخاري في صحيحه من جزئه السّابع في باب ما يجوز من الغضب والشدّة لأمر الله عزّ وجلّ من كتاب الأدب.

قال: احتجر رسول الله (صلى الله عليه وآله) حجيرة مخصّفةً أو حصيراً فخرج رسول الله (صلى الله عليه وآله) يصلّي إليها، فتبعه رجالٌ وجاؤوا يصلّون بصلاته ثم جاؤوا ليلة فحضروا وأبطأ رسول الله (صلى الله عليه وآله) عنهم فلم يخرج إليهم فرفعوا أصواتهم وحصبوا الباب، فخرج إليهم مغضباً فقال لهم: ما زال بكم صنعكم حتى ظننت أنّه سيكتب عليكم، فعليكم بالصّلاة في بيوتكم فإنّ خير صلاة المرء في بيته إلاّ الصلاة المكتوبة. (صحيح البخاري: 7/99 و2/252 و4/168).

* ومع كلّ الأسف فإنّ عمر بن الخطّاب خالف أمر النّبي (صلى الله عليه وآله) وجمع النّاس على صلاة النّافلة أيام خلافته وقال في ذلك: إنها بدعة ونعم البدعة (10)، وتبعه على بدعته أكثر الصّحابة الذين كانوا يرون رأيّه ويؤيدونه في كل ما يفعل ويقول، وخالفه علي بن أبي طالب وأهل البيت الذي لا يعملون إلاّ بأوامر سيّدهم رسول الله (صلّى الله عليه وآله) ولا يبغون عنها بدلاً، وإذا كانت كل بدعة ضلالة وكل ضلالة في النّار فما بالك بالّتي جعلت لتخالف أحكام النّبي (صلّى الله عليه وآله).

وأخرج البخاري في صحيحه من جزئه الخامس في باب غزوة زيد بن حارثة من كتاب المغازي.

عن ابن عمر قال: أمر رسول الله صلّى الله عليه وسلّم اُسامة على قوم فطعنوا في إمارته، فقال: إن تطعنوا في إمارته فقد طعنتم في إمارة أبيه من قبله، وأيّم الله لقد كان خليقاً للإمارة وإن كان من أحبّ النّاس إليّ وإنّ هذا لمن أحبّ النّاس إليّ بعده (صحيح البخاري: 5/84).

* وهذه القصّة ذكرها المؤرخون بشيء من التفصيل وكيف أنهم أغضبوا رسول الله (صلى الله عليه وآله) حتّى لعن المتخلّفين عن بعث أسامة وهو القائد الصغير الذي لم يبلغ عمره سبعة عشر عاماً وقد أمره النّبي (صلى الله عليه وآله) على جيش فيه أبو بكر وعمر وطلحة والزبير وعبد الرحمن بن عوف وكل وجوه قريش، ولم يعيّن في ذلك الجيش علي بن أبي طالب ولا أحداً من الصّحابة الذين كانوا يتشيّعون له.

ولكن البخاري دائماً يقتصر الحوادث ويبتر الأحاديث حفاظاً على كرامة السّلف الصّالح من الصّحابة، ومع ذلك ففي ما أخرجه كفاية لمن أرد الوصول إلى الحقّ.

وأخرج البخاري في صحيحه من جزئه الثّاني في باب التنكيل لمن أكثر الوصال من كتاب الصوم.

عن أبي هريرة قال: نعى رسول الله (صلى الله عليه وآله) عن الوصال في الصّوم، فقال له رجلٌ من المسلمين: إنّك تواصل يا رسول الله! قال: وأيّكم مثلي؟ إنّي أبيت يطعمني ربّي ويسقين، فلمّا أبوا أن ينتهوا عن الوصال واصل بهم يوماً ثم يوماً ثم رأوا الهلال، فقال: لو تأخّر لزدتكم كتنكيل لهم حين أبوا أن ينتهوا. (صحيح البخاري: 2/243).

* مرحى لهؤلاء الصّحابة الذين ينهاهم رسول الله (صلى الله عليه وآله) عن الشيء فلا ينتهوا ويكرّر لهم نهيه فلا يسمعوا، أفلم يقرأوا قول الله تعالى: «وما أتاكم الرّسول فخذوه وما نهاكم عنه فانتهوا واتّقوا الله إنّ الله شديد العقاب» [سورة الحشر: الآية 7].

ورغم تهديد الله سبحانه لمن خالف رسوله (صلى الله عليه وآله) بالعقاب الشّديد فإنّ بعض الصّحابة لا يقيمون لتهديده ووعيده وزناً.

وإذا كان حالهم على هذا الوصف فلا شك في نفاقهم ولو تظاهروا بكثرة الصّلاة والصّيام والتشدّد في الدّين إلى درجة أنهم يحرّموا نكاح نسائهم لئلاّ يرّوحوا ومذاكيرهم تقطر منيّاً. ويتنزهون عمّا يفعله رسول الله (صلى الله عليه وآله) كما تقدّم في الأبحاث السّابقة.

وأخرج البخاري في صحيحه من جزئه الخامس في باب بعث النّبي (صلى الله عليه وآله) خالد بن الوليد إلى بني جذيمة من كتاب المغازي: عن الزهري عن سالم عن أبيه قال: بعث النبيّ (صلّى الله عليه وآله) خالد بن الوليد إلى بني جذيمة فدعاهم إلى الإسلام، فلم يحسنوا أن يقولوا أسلمنا فجعلوا يقولون صبأنا صبأنا، فجعل خالد يقتُل منهم ويأسر، ودفع إلى كل رجل منّا أسره، حتّى إذا كان يومٌ أمر خالدٌ أن يقتل كلّ رجلٍ منّا أسيره، فقلت والله لا أقتل أسيري، ولا يقتل رجلٌ من أصحابي أسيره حتّى قدمنا على النّبي (صلّى الله عليه وآله)، فذكرناه له، فرفع النبيّ (صلى الله عليه وآله) يده فقال: اللهم إنّي أبرأ إليك ممّا صنع خالد مرّتين. (صحيح البخاري: 5/107 و8/118).

* ذكر المؤرّخون هذه الحادثة بشيء من التفصيل وكيف ارتكب خالد بن الوليد هذه المعصية الشنيعة هو وبعض الصحابة الذين أطاعوه ولم يمتثلوا أوامر النّبي (صلى الله عليه وآله) في تحريم قتل من أسلم، إنّها من أكبر المعاصي التي أراقت دماء بريئة، ولأنّ النّبي (صلى الله عليه وآله) أمره بدعوتهم للإسلام ولم يأمره بقتالهم.

ولكنّ خالد بن الوليد تغلّبت عليه دعوى الجاهلية وأخذته الحمية الشيطانية لأنّ بني جذيمة قتلوا عمّه «الفاكه بن المغيرة» أيام الجاهلية، فغدر بهم وقال لهم ضعوا أسلحتكم فإنّ الناس قد أسلموا ثم أمر بهم فكتّفوا وقتل منهم خلقاً كثيراً.

ولمّا علم بعض الصّحابة المخلصين نوايا خالد، هربوا من الجيش والتحقوا بالنبي (صلى الله عليه وآله) وأعادوا عليه الخبر، فتبرّأ رسول الله (صلى الله عليه وآله) من فعله وأرسل عليّاً بن أبي طالب فودّى لهم الدّماء والأموال.

ولمعرفة هذه القضية بشيء من التفصيل، لا بأس بقراءة ما كتبهُ عباس محمود العقاب في كتابه «عبقرية خالد» إذ قال العقّاد بالحرف في صفحه 57 و58 ما يلي: «فبعد فتح مكّة توجّهتْ عنايته عليه السّلام إلى تطهير البوادي المحيطة بها من عبادة الأصنام، فأرسل السرايل إلى قبائلها لدعوتها والأستيثاق من نيّاتها، ومنها سرّية خالد إلى بني جذيمة في نحو ثلاثمائة وخمسين من المهاجرين والأنصار وبني سليم ـ أرسلها دعاة ولم يأمرهم بقتال ـ وكان بنو جذيمة شرّحيّ في الجاهلية يسمّون لعقة الدم ومن قتلاهم الفاكه بن المغيرة وأخوه عمّا خالد بن الوليد ووالد عبد الرحمن بن عوف، ومالك بن الشريد وإخوته الثلاثة من بني سليم في موطن واحد، وغير هؤلاء من قبائل شتّى.

فلما أقبل عليهم خالد وعلموا أنّ بني سليم معه لبسوا السّلاح وركبوا للحرب وأبوا النزول، فسألهم خالد: أمسلمون أنتم؟ فقيل إنّ بعضهم أجابه بنعم، وبعضهم أجابه: صبأنا صبأنا! أي تركنا عبادة الأصنام، ثم سألهم: فما بال السّلاح عليكم؟ قالوا: إنّ بيننا وبين قوم من العرب عداوة فخفنا أن تكونوا هم فأخذنا السّلاح! فناداهم: ضعوا السّلاح فإنّ الناس قد أسلموا. فصاح بهم رجلٌ منهم يقال له جحدم، ويلكم يا بني جذيمة إنّه خالد والله ما بعد وضع السّلاح إلاّ الأسار وما بعد الأسار إلا ضرب الأعناق، والله لا أضع سلاحي أبداً. فما زالوا به حتّى نزع سلاحه فيمن نزع وتفرّق الآخرون.

فأمر خالد بهم فكتّفوا وعرضهم على السّيف، فأطاعه في قتلهم بنو سليم ومن معه من الأعراب، وأنكر عليه الأنصار والمهاجرون أن يقتل أحداً غير مأمور من النّبي عليه السلام بالقتال، ثم انتهى الخبر إلى النّبي فرفع يديه إلى السّماء وقال ثلاثاً: «اللهمّ إنّي أبرأُ إليك ممّا صنع خالد بن الوليد» وبعث بعلي بن أبي طالب إلى بني جذيمة فودّى دماءهم وما أصيب من أموالهم…

وقد عمّ النّكير على الحادث بين أجلاّء الصحابة، من حضر منهم السّرية ومن لم يحضرها، واشتدّ عبد الرحمن بن عوف حتى رمى خالداً بقتل القوم عمداً ليدرك ثار عميّه» انتهى كلام العقّاد.

* نعم هذا ما ذكره العقّاد في كتابه عبقرية خالد والعقّاد كغيره من مفكّري أهل السنّة، بعد ما يورد القصّة بكاملها يلتمسُ أعذاراً باردة ملفّقة لخالد بن الوليد لا تقوم علي دليل ولا يقبلها عقل سليم ـ وليس للعقّاد عُذرٌ سوى أنّه يكتب «عبقرية خالد». فكل ما جاء به من أعذار لخالد فهي واهية كبيت العنكبوت والذي يقرأها يشعر بسخافة الدفاع ووهنه.

فكيف وقد شهد هو بنفسه في كلامه بأنّ النّبي (صلى الله عليه وآله) أسلهم دعاة ولم يأمرهم بقتال ـ وأعترف بأن بني جذيمة نزعوا سلاحهم بعد ما لبسوه عندما خدعهم خالد بقوله لأصحابه: ضعوا السّلاح فإنّ الناس قد أسلموا واعترف أيضاً بأنّ جحدم الذي رفض نزع السّلاح وحذّر قومه بأنّ خالداً سيغدر بهم بقوله: ويلكم يا بني جذيمة إنّه خالد، والله ما بعد وضع السّلاح إلا الأسار وما بعد الأسار إلا ضرب الأعناق، والله لا أضع سلاحي أبداً. وقال العقّاد بأنّ بني جذيمة ما زالوا به حتّى نزع سلاحه، وهذا ما يدلُّ على إسلام القوم وحسن نيّتهم.

فإذا كان رسول الله (صلى الله عليه وآله) أرسلهم دعاة ولم يأمرهم بقتال كما شهدت يا عقّاد فما هو عذر خالد لمخالفة أوامر النبي (صلّى الله عليه وآله)؟ هذه عقدة لا أحسبك تحلها يا عقّاد.

وإذا كان القوم قد نزعوا السّلاح وأعلنوا إسلامهم وغلبوا صاحبهم الذي أقسم أن لا يضع سلاحه حتّى أقنعوه كما اعترفت به يا عقّاد فما هو عذر خالد للغدر بهم وقتلهم صبراً وهم عُزّل من السلاح؟

وقد قلت بأن خالد أمر بهم فكتّفوا وعرضهم على السّيف. وهذه عقدة أخرى ما أظنّك قادراً على حلّها يا عقّاد. وهل الإسلام أمر المسلمين بقتل من لم يقاتلهم؟ على فرض أنّهم لم يعلنوا إسلامهم. كلا فهذه حجّة المستشرقين أعداء الإسلام والتي يروّجونها اليوم.

ثم اعترفت مرّةً أخرى بأنّ النّبي (صلى الله عليه وآله) لم يأمره بقتال القوم، إذ قلت بأنّ المهاجرين والأنصار أنكروا على خالد أن يقتل أحداً غير مأمور من النّبي (صلى الله عليه وآله) بالقتال، فما هو عُذرك يا عقّاد في التماس العذر لخالد؟

ويكفينا ردّاً على العقّاد، أنّه أبطل أعذاره بنفسه وناقضها باكلمها حين اعترف بقوله: وقد عمّ النّكير على الحادث بين أجلاّء الصحابة، من حضر منهم السرية ومن لم يحضرها ـ فإذا كان أجلاّء الصّحابة شدّدوا النّكير على خالد حتّى هربوا من جيشه واشتكوه للنّبي (صلى الله عليه وآله) وإذا كان عبد الرحمن بن عوف قد اتّهم خالداً بقتل القوم عمداً ليدرك ثأر عمَيْه ـ كما شهد بذلك العقّاد ـ.

وإذا كان رسول الله (صلى الله عليه وآله) قد رفع يديه إلى السماء وقال ثلاث مرّات: «اللّهمّ إنّي أبرأ إليك ممّا صنع خالد بن الوليد».

وإذا كان النّبي بعث بعلي ومعه أموالٌ فودّى لبني جذيمة دماءهم وما أصيب من أموالهم حتى استرضاهم ـ كما شهد العقاد ـ هذا يدل على أن القوم أسلموا ولكنّ خالد ظلمهم واعتدى عليهم فهل من سائل يسأل العقّاد الذي يحاول جهده تبرير خالد إن كان هو أعلم من رسول الله (صلى الله عليه وآله) الذي تبرّأ إلى الله ثلاثً من فعله؟ أو من أجلاّء الصّحابة الذين أنكروا عليه؟ أو من الصّحابة الذين حضروا الواقعة وهربوا من السّرية لهول ما رأوه من صنيعه المُنكر؟ أو من عبد الرحمن بن عوف الذي كان معه في السّرية وهو لا شك أعرف بخالد من العقّاد، والذي اتهمه بقتل القول عمداً ليدرك ثأرَ عمَّيه؟

قاتل الله التعصّب الأعمى والحمية الجاهلية التي تقلب الحقائق؛ ومهما اختصر البخاري القضية في أربعة سطور، فإن فيما أورده كفاية لإدانة خالد وبقية الصّحابة الذي أطاعوه في قتل المسلمين الأبرياء والذين ذكرهم العقاد بقوله: فأطاعه في قتلهم بنو سليم ومن معه من الأعراب، ولكنّ البخاري لا يستثني من الصحابة الذين أطاعوه إلا اثنين أو ثلاثة هربوا من الجيش ورجعوا للنبي يشتكون خالد فلا يمكن لك أن تقنعنا يا عقّاد بأنّ المهاجرين والأنصار وعددهم ثلاثمائة وخمسون كما صرّحت أنت بذلك لم يطيعوا خالد في قتل القوم وهربوا كلهم من الجيش فهذا لا يصدّقه أحدٌ من الباحثين.

ولكنّها محاولة منك للحافظ على كرامة السّلف الصّالح من الصّحابة وستر الحقائق بأيّ ثمن. وجاء الوقت لإزاحة السّتار ومعرفة الحق.

وكم لخالد بن الوليد من مجازر شنيعة حدّثنا عنها التأريخ خصوصاً يوم البطاح عندما انتدبه أبو بكر على رأس جيش كبير مؤلّف من الصّحابة الأولين فغدر أيضاً بمالك بن نويرة وقومه ولمّا وضعوا السّلاح أمر بهم فكُتّفوا وضرب أعناقهم صبراً، ودخل بزوجة مالك ليلى أم تميم في نفس الليلة التي قتل فيها بعلها. ولمّا وقف عمر بن الخطاب يقتص منه وقال له: قتلت أمرءاً مسلماً ثم نزوت على زوجته، والله لأرجمنّك بأحجارك يا عدوّ الله! وقف أبو بكر إلى جانب خالد وقال لعمر: إرفع لسانك عن خالد فإنّه تأوّل فأخطأ. وهذه قضية أخرى يطول شرحها ويقبح عرضها. فكم من مظلوم يهضم حقّه لانّ ظالمه قويٌّ عزيز، وكم من ظالم ينصرُ ظلمه وباطله لأنّه غنيٌّ ومقرّبٌ للجهاز الحاكم، فهذا البخاري عندما يستعرض قصّة بنو جذيمة يبترها بتراً ويقول: بعث النبي خالد إلى بني جذيمة فدعاهم إلى الإسلام، فلم يحسنوا أن يقولوا أسلمنا فجعلوا يقولون: صبأنا صبأنا.

فهل كان بنو جذيمة فرس أم أتراك أم هنود وألمان، حتى لا يحسنوا أن يقولوا أسلمنا يا بخاري؟ أم هم من القبائل العربية التي نزل القرآن بلغتهم؟ ولكن التعصّب الأعمى والمؤامرة الكبرى التي حيكت للحفاظ على كرامة الصحابة هي التي جعلت البخاري يقول مثل هذا القول ليبرّر فعل خالد بن الوليد. وهذا العقاد أيضاً يقول: فسألهم خالد أمسلمون أنتم؟ ثم يقول العقّاد: فقيل إنّ بعضهم أجابه بنعم وبعضهم أجابه صبأنا صبأنا… وكلمة «فقيل» تدل دلالة واضحة على أنّ القوم يتمسكون بأي شيء قد يوهمون به النّاس ليعذروا خالد بن الوليد ـ لأن خالد بن الوليد هو سيف الحاكم المسلول وهو المدافع عن الخلافة الغاضبة وهو وأتباعه يُمثلون القوّة الضّاربة لكلّ من تحدِّثه نفسه بالخروج والتمرّد عمّا أبرمه أبطال السقيفة يوم وفاة الرّسول صلّى الله عله وآله وسلّم. فلا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم.

معاملة الصحابة لأوامر الرسول (صلى الله عليه وآله) بعد وفاته

تضييعهم سنة النبيّ (صلى الله عليه وآله)

أخرج البخاري في جزئه الأول في باب تضييع الصّلاة.. عن غيلان قال أنس بن مالك: ما أعرف شيئاً ممّا كان على عهد النّبي (صلّى الله عليه وآله)! قيل الصّلاة، قال: أليس ضيّعتم ما ضيّعتم فيها.

وقال سمعت الزهري يقول دخلت على أنس بن مالك بدمشق وهو يبكي، فقلت له: ما يبكيك؟ قال: لا أعرف شيئاً ممّا أدركت إلاّ هذه الصّلاة وهذه الصّلاة قد ضيّعت. (صحيح البخاري: 1/134).

كما أخرج البخاري في جزئه الأول في باب فضل صلاة الفجر في جماعة قال: حدّثنا الأعمش قال: سمعت سالماً قال: سمعت أمّ الدرداء تقول دخل عليَّ أبو الدرداء وهو مغضبٌ فقلت: ما أغضبك؟ فقال: والله ما أعرف من أمّة محمد (صلى الله عليه وآله) شيئاً إلاّ أنّهم يصلّون جميعاً. (صحيح البخاري: 1/159).

وأخرج البخاري في جزئه الثاني في باب الخروج إلى المصلّى بغير منبر عن أبي سعيد الخدري قال: كان رسول الله (صلى الله عليه وآله) يخرج يوم الفطر والأضحى إلى المصلّى فأول شيء يبدأ به الصّلاة ثم بعد ذلك يعظ النّاس، فلم يزل النّاس على ذلك حتّى خرجت مع مروان وهو أمير المدينة في أضحى أو فطر فأراد أن يرتقي المنبر قبل أن يُصلّي، فجذبت بثوبه فجذبني فارتفع فخطب قبل الصلاة. فقلت له: غيّرتم والله، فقال: أبا سعيد قد ذهب ما تعلم! فقلت: ما أعلم والله خيرٌ مما لا أعلم. فقال: إنّ الناس لم يكونوا يجلسون لنا بعد الصّلاة فجعلتها قبل الصّلاة. (صحيح البخاري: 2/4).

إذا كان الصحابة في عهد أنس بن مالك وعلى عهد أبي الدرداء وفي حياة مروان بن الحكم وهو عهد قريب جدّاً بحياة الرّسول (صلّى الله عليه وآله)، يغيّرون سنن النّبي (صلى الله عليه وآله) ويضيّعون كل شيء حتّى الصّلاة كما سمعت، ويقلّبون سنن المصطفى (صلى الله عليه وآله) لمصالحهم الخسيسة وهي أنّ بني أمية اتخذوا سنّة سبّ ولعن علي وأهل البيت على المنابر بعد كل خطبة فكان أكثر النّاس في عيد الفطر والأضحى عندما تنتهي الصّلاة يتفرّقون ولا يحبّون الاستماع إلى الإمام يلعن عليّاً بن أبي طالب وأهل البيت ولذلك عمد بنو أميّة إلى تغيير سنّة النّبي (صلى الله عليه وآله) وقدّموا الخطبة على الصلاة في العيدين ليتسنّى لهم سبّ ولعن علي بمحضر المسلمين كافّة ويرغمون بذلك أنوفهم وعلى رأس هؤلاء معاوية بن أبي سفيان فهو الذي سنّ لهم تلك السنّة التي أصبحت عندهم من أعظم السنن التي يتقرّبون بها إلى الله حتى أنّ بعض المؤرخين حكى أنّ أحد أئمّتهم أتمّ خطبته في يوم الجمعة ونسي لعن علي وهمّ بالنزول للصّلاة فإذا النّاس يتصايحون من كل جانب: تركت السُنّة، نسيت السنّة ـ أين هي السنّة؟ نعم، وللأسف فهذه البدعة التي ابتدعها معاوية بن أبي سفيان بقيت ثمانين عاماً متداولة على منابر المسلمين، وبقيت أثارها حتّى اليوم، ومع ذلك فأهل السنّة والجماعة يترضّون على معاوية وأتْباعه ولا يطيقون فيه نقداً ولا تجريحاً بدعوى احترام الصّحابة.

والحمد لله أنّ الباحثين المخلصين من أمة الإسلام بدأوا يعرفون الحقّ من الباطل وبدأ الكثير منهم يتخلّص من عقدة الصّحابة التي ما كوَّنها إلاّ معاوية وأشياعه وأتباعه، وأهل السنّة والجماعة بدأوا يفيقون لهذا التناقض الشنيع «في الوقت الذي يدافعون فيه عن الصّحابة أجمعين حتّى يلعنوا من انتقص واحداً منهم. وإذا قلت لهم: إنّ لعنكم هذا يشمل معاوية بن أبي سفيان لأنّه سبّ ولعن أفضلُ الصّحابة على الإطلاق وهو يقصد بالطبع سبّ رسول الله الذي قال: «من سبّ علي فقد سبّني (11) ومن سبّني فقد سبّ الله» .

عند ذلك يتلجلجون ويتلكّؤون في الجواب ويقولون أشياء إن دلّت على شيء فلا تدلّ إلاّ على سخافة العقول والتعصّب الأعمى المقيت يقول بعضهم مثلاً: هذه أكاذيب من موضوعات الشيعة، والبعض الآخر يقول: هم صحابة رسول الله ولهم أن يقولوا في بعضهم ما شاؤوا أمّا نحن فلسنا في مستواهم لكي ننتقدهم!

سبحانك اللهمّ وبحمدك لقد أوقفني كلامك في القرآن الكريم على حقائق كان من الصعب عليّ فهمها والاعتقاد بها وكنت كلّما قرأت: «ولقد ذرأنا لجهنّم كثيراً من الجنّ والإنس لهم قلوبٌ لا يفقهون بها ولهم أعينٌ لا يبصرون بها ولهم أذانٌ لا يسمعون بها، أولئك كالأنعام بل هم أضلّ أولئك هم الغافلون» [سورة الأعراف: الآية 179].

أتعجّب في نفسي وأقول كيف يكون ذلك؟ أيمكن أن يكون الحيوان الأبكم أهدى من هذا الإنسان؟ أيمكن أن ينحت الإنسان حجراً ثمّ يعبده ويطلب منه الرزق والمعونة؟ ولكن والحمد لله زال عجبي عندما تفاعلت مع النّاس وسافرت إلى الهند ورأيت العجب العجاب رأيت دكاترة في علم التشريح يعرفون خلايا الإنسان ومكوّناته، ولا يزالون يعبدون البقر، ولو اقترف هذا الإثم ، الجاهلون من الهندوس لكان عذرهم مقبول، ولكن أن ترى النخبة المثقّفة منهم يعبدون البقر والحجر والبحر والشمس والقمر، فما عليك بعد ذلك إلاّ أن تسلّم وتفهم مدلول القرآن الكريم بخصوص البشر الذين هم أضلّ من الحيوان.

شهادة أبي ذرّ الغفاري في بعض الصحابة

أخرج البخاري في جزئه الثاني في باب ما أدّيت زكاته فليس بكنز عن الأحنف بن قيس قال: جلست إلى ملإ من قريش فجاء رجلٌ خشن الشعر والثياب والهيئة حتّى قام عليهم فسلّم ثمّ قال: بشّر الكانزين برضف يحمى عليه في نار جهنم ثم يوضع على حلمة ثدي أحدهم يخرج من نغض كتفه ويوضع على نغض كتفه حتى يخرج من حلمة ثديه يتزلزل ثمّ ولّى فجلس إلى سارية، وتبعته وجلست إليه وأنا لا أدري من هو، فقلت له: لا أرى القوم إلا قد كرهوا الذي قلت! قال: إنّهم لا يعقلون شيئاً، قال لي خليلي…، قلت من خليلك؟ قال: النبيّ (صلّى الله عليه وآله)، قال لي: يا أبا ذر أتبصر أحداً قال: فنظرت إلى الشمس ما بقي من النهار وأنا أرى أنّ رسول الله (صلى الله عليه وآله) يرسلني في حاجة له، قلت: نعم، قال: ما أحبّ أن لي مثل أحدٍ ذهباً أنفقه كلّه إلاّ ثلاثة دنانير. وإنّ هؤلاء لا يعقلون إنّما يجمعون الدنيا، لا والله لا أسألهم دنيا ولا أستفتيهم عن دينٍ حتّى ألقى الله عزّ وجلّ. (صحيح البخاري: 2/112).

وأخرج البخاري في جزئه السابع في باب الحوض وقول الله تعالى: إنا أعطيناك الكوثر: إن عطاء بن يسار عن أبي هريرة أنّ النّبي (صلى الله عليه وآله) قال: بينما أنا قائم فإذا زمرةُ حتّى إذا عرفتهم خرج رجلٌ من بيني وبينهم فقال: هلمّ فقلت أين؟ قال: إلى النّار والله قلت: وما شأنهم قال: إنهم ارتدّوا بعدك أدباهم القهقرى ثم إذا زمرة حتّى إذا عرفتهم خرج رجلٌ من بيني وبينهم فقال: هلمّ، قلت أين؟ قال: إلى النّار والله قلت ما شأنهم؟ قال: إنّهم ارتّدوا بعدك على أدبارهم القهقرى فلا أراه يخلص منهم إلاّ مثل همل النّعم.

وعن أبي سعيد الخدري: فيقال إنك لا تدري ما أحدثوا بعدك، فأقول: سحقاً سحقاً لمن غيّر بعدي. (صحيح البخاري: 7/209).

كما أخرج البخاري في جزئه الخامس من باب غزوة الحديبية وقول الله تعالى: «لقد رضي الله عن المؤمنين إذ يبايعونك تحت الشّجرة».

عن العلاء بن المسيّب عن أبيه قال: لقيت البراء بن عازب فقلت: طوبى لك صحبت النبيَّ (صلى الله عليه وآله) وبايعته تحت الشجرة فقال: يا بن أخي إنّك لا تدري ما أحدثناه بعده. (صحيح البخاري: 5/66).

* وإنّها لشهادةٌ كبرى من صحابي كبير كان على الأقل صريح مع نفسه ومع النّاس، وتأتي شهادته مؤكّدة لما قاله الله فيهم «أفإن مات أو قتل انقلبتم على أعقابكم».

ومؤكّدة لما قاله النبيُّ (صلّى الله عليه وآله): «فيقال لي، إنّهم ارتدّوا على أدبارهم القهقرى».

والبراء بن عازب وهو صحابي جليل من الأكابر ومن السّابقين الأوّلين الذين بايعوا النّبي (صلى الله عليه وآله) تحت الشجرة يشهد على نفسه وغيره من الصحابة بأنّهم أحدثوا بعد وفاة النّبي (صلى الله عليه وآله) كي لا يغترّ بهم النّاس، وأوضح بأنّ صحبة النبي (صلى الله عليه وآله) ومبايعته تحت الشجرة والتي سمّيت بيعة الرضوان لا تمنعان من ضلالة الصحابي وارتداده بعد النّبي (صلّى الله عليه وآله).

وأخرج البخاري في جزئه الثامن في باب قول النبي (صلّى الله عليه وآله): لتتبعنّ سنن من كان قبلكم. عن عطاء بن يسار عن أبي سعيد الخدري عن النبي (صلى الله عليه وآله) قال: لتتّبعنَّ سنن من كان قبلكم شبراً بشبرٍ وذراعاً بذراع حتّى لو دخلوا جحر ضبٍّ تبعتموهم ـ قلنا: يا رسول الله اليهود والنّصارى قال: فمن؟ (صحيح البخاري: 8/151).

شهادة التاريخ في الصّحابة

ولنا بعد القرآن والسنّة شهادة أخرى قد تكون أوضح وأصرح لأنها ملموسة ومحسوسة عاشها النّاس وشاهدوها وتفاعلوا معها فأصبحت تاريخاً يدوّن وأحداثاً تحفظ وتكتب.

وإذا قرأنا كتب التاريخ عند أهل السنّة والجماعة كالطبري وابن الأثير وابن سعد وأبي الفداء وابن قتيبة وغيرهم لرأينا العجب العجاب ولأدركنا أنّ ما يقوله أهل السنّة والجماعة في عدالة الصّحابة وعدم الطّعن في أيّ واحد منهم، كلام لا يقوم على دليل ولا يقبله العقل السّليم ولا يوافق عليه إلاّ المتعصّبون الذين حجبت الظلمات عنهم النور، ولم يعودوا يفرّقون بين محمد النبيّ (صلى الله عليه وآله) المعصوم الذي لا ينطق عن الهوى ولا يفعل إلاّ الحق.وبين صحابته الذين شهد القرآن بنفاقهم وفسقهم وقلة تقواهم، فتراهم يدافعون عن الصّحابة أكثر ممّا يدافعون عن رسول الله (صلّى الله عليه وآله). وأضرب لذلك مثلاً.

* عندما تقول لأحدهم بأنّ سورة عبس وتولَّى لم يكن المقصود بها رسول الله (صلّى الله عليه وآله)، وإنّما المقصود بها أحد كبار الصّحابة الذي عاتبه الله على تكبّره واشمئزازه عند رؤيته الأعمى الفقير ـ فتراه لا يقبل بهذا التفسير ويقول: ما محمد إلاّ بشرٌ وقد غلط مرات عديدة وعاتبه ربّه في أكثر من موقع. وما هو بمعصوم إلاّ في تبليغ القرآن، هذا رأيه في رسول الله!

ولكنّك عندما تقول بأنّ عمر بن الخطاب أخطأ في ابتداعه لصلاة التّراويح التي نهى رسول الله (صلى الله عليه وآله) عنها وأمر النّاس بالصلاة في بيوتهم فرادى إذا كانت الصلاة نافلة (أي غير المكتوبة).

تراه يدافع عن عمر بن الخطّاب دفاعاً لا يقبل النّقاش ويقول: إنها بدعة حسنة، ويحاول بكلّ جهوده أن يلتمس له عذراً رغم وجود النّص من النبيّ (صلى الله عليه وآله) على النّهي، وإذا قلت له إنّ عمر عطّل سهم المؤلّفة قلوبهم الذي حكم به الله تعالى في كتابه العزيز فتراه يقول: إنّ سيدنا عمر عرف أن الإسلام قد قوي فقال لهم: لا حاجة لنا فيكم وهو أعلم بمفاهيم القرآن من كلّ النّاس! ألا تعجب من هذا؟

ووصل الحدّ بأحدهم عندما قلت له: دعنا من البدعة الحسنة ومن المؤلّفة قلوبهم، ما هو دفاعك عنه إذ أخذ يهدّد بحرق بيت فاطمة الزهراء بمن فيه إلاّ أن يخرجوا للبيعة؟

فأجابني بكلّ صراحة: معه الحقّ، ولولا أنّه لم يفعل ذلك لتخلّف كثير من الصّحابة عند علي بن أبي طالب ولوقعت الفتنة.

فكلامنا مع هذا النّمط من النّاس لا يجدي ولا ينفع، ومع الأسف الشّديد فإنّ الأغلبية من أهل السنّة والجماعة يفكّرون بهذه العقلية لأنهم لا يعرفون الحقّ إلاّ من خلال عمر بن الخطاب وأفعاله، فهم عكسوا القاعدة وعرفوا الحقّ بالرّجال، والمفروض أن يعرفوا الرجال بالحقّ (أعرف الحقّ تعرف أهله كما قال الإمام علي).

ثم سرت هذه العقيدة فيهم وتعدّت عمر بن الخطاب إلى كلّ الصّحابة، فهم كلّهم عدول ولا يمكن لأحد خدشهم أو الطعن فيهم وبذلك ضربوا حاجزاً كثيفاً وسدّاً منيعاً على كل باحث يريد معرفة الحقّ فتراه لا يتلّخص من موجة حتى تعترضه أمواج ولا يتخلّص من خطر حتى تعترض سبيله أخطار، ولا يكاد المسكين يصل إلى شاطئ السّلامة إلاّ إذا كان من اُولي العزم والصبر والشجاعة.

وإذا رجعنا إلى موضوع التأريخ فإنّ بعض الصّحابة قد كُشفت عوراتهم وسقطت أقنعتهم وظهروا على حقيقتهم التي حاولوا جهدهم إخفاءها على النّاس، أو حاول ذلك أنصارهم وأتباعهم. أو قل حكّم السوء والمتزلّفين إليهم.

وأوّل ما يلفت النّظر هو موقف هؤلاء تجاه رسول الله (صلى الله عليه وآله) غداة وفاته روحي له الفداء، وكيف تركوه جثة ولم يشتغلوا بتجهيزه وتغسيله وتكفينه ودفنه، بل أسرعوا إلى مؤتمرهم في سقيفة بني ساعدة يختصمون ويتنافسون على الخلافة، والتي عرفوا صاحبها الشرعي وبايعوه في حياة النبيّ (صلّى الله عليه وآله).

ممّا يؤكّد لنا بأنّهم اغتنموا فرصة غياب علي وبني هاشم الذين أبتْ أخلاقهم أن يتركوا رسول الله (صلى الله عليه وآله) مسجّى ويتسابقوا للسّقيفة فأراد هؤلاء أن يُبرمُوا الأمر بسرعة قبل فراغ أولئك من مهمّتهم الشريفة ويلزموهم بالأمر الواقع فلا يقدرون بعده على الكلام والاحتجاج لأنّ أصحاب السّقيفة تعاقدوا على قتل كل من يحاول فسخ الأمر الذي أبرموه بدعوى مقاومة المخالفين وإخماد الفتنة.

ويذكر المؤرخون أشياء عجيبة وغريبة وقعت في تلك الأيام من أولئك الصّحابة الذين اصبحوا فيما بعد، هم خلفاء الرّسول (صلى الله عليه وآله) وأمراء المؤمنين ـ كحملهم النّاس على البيعة بالضّرب والتهديد بالقوة وكالهجوم على بيت فاطمة وكشفه، وكعصر بطنها بالباب الذي كانت وراءه حتى أسقطت جنينها. وإخراج علي مكتّفاً وتهديده بالقتل إن رفض البيعة، وغصب الزهراء حقوقها من النحلة والإرث وسهم ذي القربى حتّى ماتت غاضبة عليهم وهي تدعي عليهم في كلّ صلاة، ودفنت في الليل سرّاً ولم يحضروا جنازتها وكقتلهم للصّحابة الذين أبوا أن يدفعوا الزّكاة لأبي بكر تريّثاً منهم حتّى يعرفوا سبب تأخّر علي عن الخلافة، لأنهم يعوه في حياة النبيّ في غدير خم (12).

وكهتكهم للمحارم وتعدّي حدود الله في قتل الأبرياء من المسلمين والدخول بنسائهم من غير احترام للعدّة (13).

وكتغييرهم أحكام الله ورسوله (صلى الله عليه وآله) المبيّنة في الكتاب والسنّة وإبدالها بأحكام اجتهادية تخدم مصالحهم الشخصية (14).

وكشرب بعضهم الخمر والمداومة على الزنا وهم ولاة: المسلمين والحاكمون فيهم (15).

وكنفي أبي ذر الغفاري وطرده من مدينة رسول الله (صلى الله عليه وآله) حتّى مات وحيداً بدون ذنب اقترفه ـ وضرب عمّار بن ياسر حتّى وقع له فتق وضرب عبد الله بن مسعود حتّى كسرت أضلاعه وعزل الصحابة المخلصين من المناصب وتوليّة الفاسقين والمنافقين من بني أميّة أعداء الإسلام.

طّاهرة الذي كان من رسول الله بمنزلة هارون من موسى في حرب الجمل وحرب صفين وحرب النهروان من أجل أطماع خسيسة ودنيا فانية.

وكقتلهم سيديّ شباب أهل الجنّة الإمام الحسن بالسمّ والإمام الحسين بالذبح والتمثيل، وقتل عترة الرسول (صلى الله عليه وآله) بأجمعهم فلم ينجُ منهم إلا علي بن الحسين وكأفعال أخرى يندى لها جبين الإنسانية وأُنزّه قلمي عن كتابتها وأهل السنّة والجماعة يعرفون الكثير منها ولذلك يحاولون جهدهم صدّ المسلمين عن قراءة التاريخ والبحث في حياة الصّحابة.

وما ذكرته الآن من كتب التاريخ من جرائم وموبقات هي من أعمال الصّحابة بلا شكّ، فلا يمكن لعاقل بعد قراءة هذا، أن يبقى مصرّاً على تنزيه الصّحابة والحكم بعدالتهم وعدم الطّعن فيهم إلاّ إذا فقد عقله.

مع الملاحظة الأكيدة بأنّنا واعون جدّاً إلى عدالة البعض منهم ونزاهتهم وتقواهم وحبّهم لله ورسوله (صلى الله عليه وآله) وثباتهم على عهد النبي (صلّى الله عليه وآله)، حتّى قضوا نحبهم وما بدّلوا تبديلاً فرضي الله عنهم وأسكنهم بجوار حبيبهم ونبيّهم محمد (صلّى الله عليه وآله).

وهؤلاء هم أكبر وأعظم وأسمى من أن يخدش في سمعتهم خادشٌ، أو يتقوّل عليهم متقوّلٌ وقد مدحهم ربُّ العزّة والجلالة في عدة مواضع من كتابه العزيز كما نوّه بصحبتهم وإخلاصهم نبيّ الرحمة أكثر من مرّة كما لم يسجّل لهم التاريخ إلاّ المواقف المشرّفة المليئة بالمروءة والنبل والشجاعة والتقوى والخشونة في ذات الله، فهنيئاً لهم وحسن مئاب جنات عدن مفتحة لهم الأبواب ورضاءٌ من الله أكبر ذلك جزاء الشاكرين. والشّاكرون كما ذكر كتاب الله هم أقلية قليلة، فلا تنس!

أما الذين استسلموا ولمّا دخل الإيمان في قلوبهم وصاحبوا رسول الله (صلى الله عليه وآله) رغبة ورهبة أو لحاجة في نفس يعقوب ووبخهم القرآن وهدّدهم توعّدهم، وحذّرهم رسول الله (صلى الله عليه وآله) وحذّر منهم ولعنهم في عدة مواطن، وسجّل لهم التاريخ أعمال ومواقف شنيعة… أمّا هؤلاء فليسوا جديرين بأي احترام ولا تقدير فضلاً عن نترضّى عليهم وننزلهم منزلة النبيّين والشهداء والصالحين.

وهذا لعمري هو الموقف الحقّ الذي يزن الموازين بالقسط ولا يتعدّى حدود ما رسمه الله لعباده من موالاة المؤمنين ومعادة الفاسقين والبراءة منهم قال تعالى في كتابه العزيز: «ألم تر إلى الذين تولّوا قوماً غضب الله عليهم ما هم منكم ولا منهم ويحلفون على الكذب وهم يعلمون * أعدّ الله لهم عذاباً شديداً إنهم ساء ما كانوا يعملون * اتخذوا أيمانهم جنّةً فصدّوا عن سبيل الله فلهم عذابٌ مهينٌ * لن تغني عنهم أموالهم ولا أولادهم من الله شيئاً أولئك أصحاب النار هم فيها خالدون * يوم يبعثهم الله جميعاً فيحلفون له كما يحلفون لكم ويحسبون أنّهم على شيءٍ ألا إنهم هم الكاذبون * استحوذ عليهم الشيطان فأنساهم ذكر الله أولئك حزب الشيطان ألا إنّ حزب الشيطان هم الخاسرون * إنّ الذين يحادّون الله ورسوله أولئك في الأذلّين * كتب الله لأغلبنّ أنا وسلي إنّ الله قويٌ عزيز * لا تجد قوماً يؤمنون بالله واليوم الآخر يوادّون من حادّ الله ورسوله ولو كانوا آباءهم أو أبناءهم أو إخوانهم أو عشيرتهم، أولئك كتب في قلوبهم الإيمان، وأيّدهم بروح منه ويدخلهم جنّاتٍ تجري من تحتها الأنهار خالدين فيها رضي الله عنهم ورضوا عنه أولئك حزب الله ألا إن حزب الله هم الملفحون» [سورة المجادلة: الآيات 14 ـ 22].

ولا يفوتني في هذا الصّدد أن أسجّل بأن الشيعة هم على حقّ لأنهم لا يلقون بالمودّة إلاّ لمحمّد وأهل بيته وللصحابة الذين ساروا على نهجهم وللمؤمنين الذين اتبعوهم بإحسان إلى يوم الدّين وغير الشيعة من المسلمين يلقون بالمودّة لكلّ الصحابة أجمعين غير مبالين بمن حادّ الله ورسوله، وعادةً هم يستدلّون بقوله تعالى: «ربّنا اغفر لنا ولإخواننا الذين سبقونا بالإيمان ولا تجعل في قلوبنا غلاًّ للّذين آمنوا ربّنا إنّك رؤوف رحيم» [سورة الحشر: الآية 10].

فتراهم يترضون عن عليّ ومعاوية غير مبالين بما ارتكبه هذا الأخير من أعمال أقلّ ما يقال فيها أنها كفرٌ وضلال ومحاربة لله ورسوله وقد ذكرت فيما سبق تلك الطريقة التي لا بأس بتكرارها وهي أنّ أحد الصالحين زار قبر الصّحابي الجليل حجر بن عدي الكندي فوجد عنده رجلاً يبكي ويكثر البكاء فظنّه من الشيعة فسأله: لماذا تبكي؟ أجاب: أبكي على سيدنا حجر رضي الله تعالى عنه!

قال: ما ذا أصابه؟

أجاب: قتله سيدنا معاوية رضي الله تعالى عنه.

قال: ولماذا قتله؟

أجاب: لأنه أمتنع عن لعن سيدنا علي رضي الله تعالى عنه.

فقال له ذلك الصّالح: وأنا أبكي عليك أنت رضي الله تعالى عنك.

فلماذا هذا الإصرار والعناد على مودّة كلّ الصّحابة أجمعين حتّى نراهم لا يصلّون على محمد وآله إلاّ ويضيفون وعلى أصحابه أجمعين فلا القرآن أمرهم بذلك ولا رسول الله (صلى الله عليه وآله) طلب منهم ذلك ولا أحدٌ من الصّحابة قال بذلك، وإنما كانت الصّلاة على محمد وآله محمد كما نزل بها القرآن وكما علّمها لهم رسول الله (صلّى الله عليه وآله).

وإن شككت في شيء فلا ولن أشكّ في أنّ الله طلب من المؤمنين مودّة ذي القربى وهم أهل البيت وجعلهم فرضاً عليهم كأجر على الرسالة المحمّدية فقال تعالى: «قل لا أسألكم عليه أجراً إلاّ المودّة في القربى» [سورة الشورى: 23].

وقد اتّفق المسلمون بلا خلاف على مودّة أهل البيت عليهم الصّلاة والسّلام واختلفوا في غيرهم، وقد قال رسول الله (صلّى الله عليه وآله): «دع ما يريبك إلى ما لا يريبك».

وقول الشيعة في مودّة أهل البيت ومن تبعهم لا ريب فيه وقول أهل السنّة والجماعة في مودّة الصّحابة أجمعين فيه ريبٌ كبير وإلاّ كيف يلقي المسلم بالمودة إلى أعداء أهل البيت (عليهم السلام) وقاتليهم ويترضّى عنهم؟ أليس هذا هو التناقض المقيت؟

ودع عنك قول أهل الشطحات وبعض المتصوّفة الذين يزعمون أن الإنسان لا يصفى قلبه ولا يعرف الإيمان الحقيقي إلاّ عندما لا يبقى في قلبه مثقال ذرة من بعضٍ لعباد الله أجمعين من يهود ونصارى وملحدين ومشركين، ولهم في ذلك أقوال عجيبة وغريبة يلتقوا فيها مع المبشّرين من رجال الكنيسة والمسيحيين الذين يموّهوا على النّاس بأنّ الله محبّة والدّين محبّة فمن أحبّ مخلوقاته فليس له حاجة بالصّلاة والصّوم والحج وغير ذلك.

إنّها لعمري خزعبلاتٌ لا يقرّها القرآن والسنّة ولا العقل فالقرآن الكريم يقول: «لا تجد قوماً يؤمنون بالله واليوم الآخر يوادّون من حادّ الله ورسوله» ويقول: «يا أيها الذين آمنوا لا تتّخذوا اليهود والنصارى أولياء بعضهم أولياء بعض ومن يتولّهم منكم فإنه منهم إن الله لا يهدي القوم الظالمين» [سورة المائدة: الآية 51].

وقال تعالى: «يا أيها الذين آمنوا لا تتّخذوا آباءكم وإخوانكم أولياء إن استحبّوا الكفر على الإيمان، ومن يتولّهم منكم فأولئك هم الظّالمون» [سورة التوبة: الآية 23]. وقال أيضاً: «يا أيها الذين آمنوا لا تتّخذوا عدوّي وعدوّكم أولياء تلقون إليهم بالمودّة وقد كفروا بما جاءكم من الحق» [سورة الممتحنة: الآية 1].

وقال رسول الله (صلّى الله عليه وآله): «لا يتمّ إيمان المؤمن حتّى يكون حبّه في الله وبغضه في الله».

وقال أيضاً: «لا تجتمع في قلب مؤمن حب الله وحبّ عدوّه».

والأحاديث في هذا المجال كثيرة جداً. ويكفي العقل وحده دليلاً بأنّ الله سبحانه حبّب للمؤمنين الإيمان وزيّنه في قلوبهم وكرّه إليهم الكفر والفسوق والعصيان فقد يكره الإنسان ابنه أو أباه أو أخاه لمعاندة الحقّ والتمادي في طريق الشطيان، وقد يحبّ ويوالي أجنبي لا تربطه به إلاّ أخوّة الإسلام.

ولكلّ هذا يجب أن يكون حُبّنا وودّنا وموالاتنا لمن أمر الله بمودّتهم كما يجب أن يكون بغضنا وكرهنا وبراءتنا لمن أم الله سبحانه بالبراءة منهم.

ومن أجل ذلك كانت موالاتنا لعلي والأئمّة من بنيه من غير أن تكون لنا علاقة مسبقة بمودّتهم وذلك لأنّ القرآن والسنّة والتّاريخ والعقل لم يتركوا لنا فيهم أي ريب.

ومن أجل ذلك كانت أيضاً براءتنا من الصّحابة الذين اغتصبوا حقّه في الخلافة من غير أن تكون لنا علاقة مسبقة ببغضهم وذلك لأنّ القرآن والسنّة والتاريخ والعقل تركوا لنا فيهم ريباً كبيراً.

وبما أن رسول الله (صلى الله عليه وآله) أمرنا بقوله: «دع ما يريبك إلى ما لا يريبك» فلا ينبغي لمسلم أن يتّبع أي أمرٍ مريب ويترك الكتاب الذي لا ريب فيه.

كما يجب على كلّ مسلم أن يتحرّر من قيوده وتقاليده ويحكّم عقله بدون أفكار مسبقة ولا أحقاد دفينة لأنّ النّفس والشيطان عدوّان خطيران يزينان للإنسان سوء عمله فيراه حسناً، ولنعم ما قاله الإمام البوصيري في البردة:

وخالف النّفس والشيطان واعصهما * وإن هما محضّاك النصح فاتّهم

وعلى المسلمين أن يتّقوا الله في عباده الصّالحين منهم. أمّا الذين لم يكونوا من المتّقين فلا حرمة لهم، وقد قال رسول الله (صلى الله عليه وآله) «لا نميمة في فاسق» ليكشف المسلمون أمره فلا يغترّون به ولا يوالونه.

وعلى المسلمين أن يكونوا اليوم صادقين مع أنفسهم وينظروا إلى واقعهم المؤلم الحزين المخزي ويكفيهم من التغنّي والتفاخر بأمجاد أسلافهم وكبرائهم فلو كان أسلافنا على حقّ كما نصوّرهم اليوم لما وصلنا نحن إلى هذه النتيجة التي هي حتماً حصيلة الانقلاب الذي وقع في الأمّة بعد وفاة نبيّها روحي وأرواح العالمين له الفداء.

«يا أيها الذين آمنوا كونوا قوّامين بالقسط شهداء لله ولو على أنفسكم أو الوالدين والأقربين إن يكن غنيّاً أو فقيراً فالله أولى بهما، فلا تتّبعوا الهوى أن تعدلوا وإن تلووا أو تعرضوا فإنّ الله كان بما تعملون خبيراً» [سورة النساء: 135].

قول أهل الذكر بخصوص بعض الصّحابة قال الإمام علي (عليه السّلام)، صف هؤلاء الصّحابة المعدودين من السّابقين الأوّلين: فلمّا نهضت بالأمر، نكثت طائفةٌ ومرقت أخرى، وقسط آخرون (18)، كأنّهم لم يسمعوا كلام الله حيث يقول: «تلك الدار الآخرة نجعلها للّذين لا يريدون علوّاً في الأرض ولا فساداً والعاقبة للمتّقين» بلى والله لقد سمعوها ووعوها، ولكنّهم حليت الدنيا في أعينهم وراقهم زبْرجُها ـ نهج البلاغة: 90.

وقال أيضاً سلام الله عليه فيهم: اتّخذوا الشيطان لأمرهم ملاكاً واتّخذهم له أشراكا فباض وفرّخ في صدورهم ودبّ ودرج في حجورهم فنظر بأعينهم ونطق بألسنتهم فركب بهم الزّلل وزيّن لهم الخطل فعل من قد شرّكه الشيطان في سلطان ونطق بالباطل على لسانه. نهج البلاغة: 96.

وقال (عليه السّلام) في الصّحابي المشهور عمرو بن العاص: عجباً لابن النّابغة… لقد قال باطلاً ونطق اثماً، أما وشرُّ القول الكذب، إنه يقول فيكذب ويعد فيخلف، ويسأل فيلحف ويسأل فيبخل، ويخون العهد ويقطع الإلّ. نهج البلاغة: 200.

* وقال رسول الله (صلّى الله عليه وآله): «آيات المنافق ثلاث، إذا حدّث كذب وإذا وعد أخلف وإذا ائتمن خان ـ وكل هذه الرّذائل وأكثر منها موجودة في عمرو بن العاص.

وقال (عليه السّلام) في مدح أبي ذر الغفّاري، وذمّ عثمان ومن معه الذين أخرجوه إلى الربذة ونفوه إلى أن مات وحيداً: يا ابا ذر، إنّك غضبت لله فراج من غضبت له، إنّ القوم خافوك على دنياهم وخفتهم على دينك، فاترك في أيديهم ما خافوك عليه، واهرب منهم بما خفتهم عليه، فما أحوجهم إلى ما منعتهم وما أغناك عمّا منعوك، وستعلم من الرابح غداً والأكثر حسّداً. ولو أن السّماوات والأرضين كانت على عبد رتّقاً ثم اتّقى الله لجعل الله له منهما مخرجاً، ولا يؤنسنّك إلاّ الحقّ، ولا يوحشنّك إلاّ الباطل، فلو قبلت دنياهم لأحبّوك، ولو قرضت منها لأمنوك. نهج البلاغة: 299.

وقال (عليه السّلام) في المغيرة بن الأخنس وهو أيضاً من أكابر الصّحابة: يا بن اللّعين الأبتر، والشجرة التي لا أصل لها ولا فرع، والله ما أعزّ الله من أنت ناصره، ولا قام من أنت منهضه. إخرج عنّا أبعد الله نواك ثمّ أبلغ جهدك فلا أبقى الله عليك إن أبقيت. نهج البلاغة: 306.

وقال (عليه السّلام) في طلحة والزّبير الصّحابيان الشهيران اللذان حارباه بعدما بايعاه ونكثا بيعته: والله ما أنكروا على منكراً، ولا جعلوا بيني وبينهم نصفاً، وإنّهم ليبلطون حقّاً هم تركوه، ودماً هم سفكوه…

وإنها للفئة الباغية فيها الحما والحمة والشبهة المغدقة وإنّ الأمر لواضح، وقد زاح الباطل عن نصابه واقطع لسانه عن شغبه…

فأقبلتم إلي إقبال العوذ المطافيل على أولادها تقولون البيعة البيعة، قبضت كفِّي فبسطتموها، ونازعتكم يدي فجاذبتموها.

اللّهم إنّهما قطعاني وظلماني، ونكثا بيعتي، وألّبا النّاس عليّ، فاحلل ما عقدا، ولا تحكم لهما ما أبرما، وأرهما المساءة فيما أمّلا وعملا، ولقد استتبتهما قبل القتال، واستأنيت بهما أمام الوقاع فغمطا النّعمة وردّا العافية. نهج البلاغة: 306. وفي رسالة منه إليهما أيضاً فارجعا أيها الشيخان عن رأيكما فإن الآن أعظم أمركما العار من قبل أن يجتمع العار والنار والسلام. نهج البلاغة: 626.

وقال (عليه السّلام) في مروان بن الحكم وقد أسّره في حرب الجمل ثمّ أطلق سراحه وهو من الذين بايعوا ونكثوا البيعة.

لا حاجة لي في بيعته إنّها كفٌّ يهوديّة، لو بايعني بكفّه لغدر بسبّته، أما إنّ له إمرة كلعقة الكلب أنفه وهو أبو الأكبش الأربعة، وستلقى الأمّة منه ومن ولده يوماً أحمر. نهج البلاغة: 176.

وقال (عليه السّلام) في الصّحابة الذين خرجوا من عائشة إلى البصرة في حرب الجمل، وفيهم طلحة والزبير: فخرجوا يجرّون حرمة رسول الله (صلى الله عليه وآله) كما تجرّ الأمة عند شرائها متوجهين بها إلى البصرة، فحبسا نساءهما في بيوتهما وأبرزا حبيس رسول الله (صلى الله عليه وآله) لهما ولغيرهما، في جيش ما منهم رجلٌ إلاّ وقد أعطاني الطاعة وسمح لي بالبيعة طائعاً غير مكره، فقدموا على عاملي بها وخزّان بيت مال المسلمين وغيرهم من أهلها فقتلوا طائفة صبراً، وطائفة غدراً فوالله لو لم يصيبوا من المسلمين إلا رجلاً واحداً معتمدين لقتله بلا جرم جرّه، لحلّ لي قتل ذلك الجيش كلّه إذ حضروه فلم ينكروا ولم يدفعوا عنه بلسان ولا يد، دع ما أنّهم قد قتلوا من المسلمين مثل العدّة التي دخلوا بها عليهم. نهج البلاغة: 370.

وقال (عليه السّلام) في عائشة وأتباعها من الصّحابة في حرب الجمل: كنتم جند المرأة وأتباع البهيمة، رغا فأجبتم وعقر فهربتم أخلاقكم دقاقّ وعهدكم شقاقّ، ودينكم نفاقّ. نهج البلاغة: 98.

أمّا فلانة فأدركها رأي النّساء، وضغنٌ غلا في صدرها كمرجل القين، ولو دعيت لتنال من غيري ما أتت إليّ لم تفعل ولها بعد حرمتها ألأولى والحساب على الله تعالى. نهج البلاغة: 334.

وقال (عليه السّلام) في قريش عامّة وهم صحابة بلا شك: أمّا الاستبداد علينا بهذا المقام ونحن الأعلون نسباً، والأشدّون بسول الله (صلى الله عليه وآله) نوطاً، فإنّها كانت أثرةٌ شحّت عليها نفوس قوم، وسخت عنها نفوس آخرين، والحكم الله والمعود إليه القيامة ودع عنك نهباً صيح في حجراته.

وهلّم الخطب في ابن ابي سفيان فلقد أضحكني الدّهر بعد إبكائه ولا غرو والله فيا له خطباً يستفرغ العجب ويكثر الأود، حاول القول إطفاء نور الله من مصباحه وسدّ فواره من ينبوعه وجدحوا بيني وبينهم شرباً وبيئاً، فإن ترتفع عنّا وعنهم محن البلوى أحملهم من الحقّ على محضه وإن تكن الأخرى فلا تذهب نفسك عليهم حسرات إنّ الله عليمٌ بما يصنعون. نهج البلاغة: 348.

وقال في هذا المعنى عند دفنه سيدة النّساء فاطمة الزّهراء وهو يخاطب رسول الله (صلّى الله عليه وآله): وستنبئك ابنتك بتضافر أمتك على هضمها فأحفها السؤال واستخرها الحال. هذا ولم يطل العهد ولم يخل منك الذكر… نهج البلاغة: 460.

وقال (عليه السلام) في رسالة إلى معاوية بعث بها إليه: فإنّك مترفٌ قد أخذ الشيطان منك مأخذه وبلغ فيك أمله وجرى منك مجرى الروح والدّم.

ومتى كنتم يا معاوية ساسة الرعيّة وولاّة أمر الأمّة بغير قدم سابق ولا شرف باسقٍ ونعوذ بالله من لزوم سوابق الشّقاء. وأحذّرك أن تكون متمادياً في غرّة الأمنية مختلف العلانية والسريرة.

وقد دعوت إلى الحرب فدع النّاس جانباً وأخرج إليَّ وأعف الفريقين من القتال ليعلم أيّنا المرين على قلبه والمغطّى على بصره، فأنا أبو الحسن قاتل جدّك وخالط وأخيك شدخاً يوم بدر، وذلك السيف معي وبذلك القلب ألقى عدوّي ما استبدلت ديناً ولا استحدثت نبيّاً، وإنّي لعلى المنهاج الذي تركتموه طائعين ودخلتم فيه مكرهين… نهج البلاغة: 526.

وأمّا قولك إنّا بنو عبد مناف فكذلك نحن، ولكن ليس أمية كهاشمٍ ولا حربٌ كعبد المطّلب ولا أبو سفيان كأبي طالب ولا المهاجر كالطليق ولا الصريح كاللّصيق ولا المحقّ كالمبطل ولا المؤمن كالمدغل ولبئس الخلف خلف يتتبع سلفاً هوى في نار جهنّم.

وفي أيدينا بعد فضل النبوّة التي أذللنا بها العزيز ونعشنا بها الذّليل ولمّا أدخل الله العرب في دينه أفواجاً وأسلمت له هذه الأمّة طوعاً وكرهاً كنتم ممّن دخل في الدّين إمّا رغبةً وإمّا رهبةً، على حين فاز أهل السّبق بسبقهم وذهب المهاجرون الأوّلون بفضلهم. نهج البلاغة: 533.

وقد دعوتنا إلى حكم القرآن ولست من أهله، ولسنا إيّاك أجبنا ولكنّا أجبنا القرآن في حكمه ـ والسّلام. نهج البلاغة: 595.

«وقل جاءالحقّ وزهق الباطل إنّ الباطل كان زهوقاً» [سورة الإسراء: الآية 81].

الهوامش:

1- صحيح البخاري: 7/209 و4/94 و156. صحيح مسلم: 7/66.

2- كنز العمّال: 7/24. تاريخ ابن عساكر: 4/97. إحياء العلوم للغزالي: 1/129.

3- صحيح مسلم: 1/61. صحيح الترمذي: 5/306. سنن النسائي: 8/116. كنز العمّال: 15/105.

4- نهج البلاغة: 1/155.

5- أخرج الإمام أحمد بن حنبل في مسنده وابن حجر في إصابته في ترجمة ذي الثدية عن أنس بن مالك، قال: كان في عهد رسول الله رجلٌ يعجبنا تعبّده واجتهاده، وقد ذكرنا ذلك لرسول الله (صلى الله عليه وآله) باسمه فلم يعرفه، فوصفناه بصفته فلم يعرفه، فبينما نحن نذكره إذ طلع الرجلُ، قلنا: هو ذا! قال رسول الله: إنكم تخبروني عن رجل إنّ في وجهه لسعفةٌ من الشيطان، إنّ هذا وأصحابه يقرأون القرآن لا يجاوز تراقيهم، يمرقون من الدين كما يمرق السهم من الرميّة، أقتلوهم فهم شرّ البريّة.

6- تفسير التحرير والتنوير للطاهر بن عاشور: 4/126. تفسير الطبري أيضاً. وكذلك صحيح البخاري: 5/29 باب غزوة أحد.

7- عباس العقّاد في عبقرية خالد: 68.

8- مستدرك الحاكم: 3/37 كما أخرجه الذهبي في تلخيصه.

9- صحيح الترمذي: 5/303. تاريخ الخلفاء للسيوطي: 172. الصواعق المحرقة لابن حجر: 121.

10- صحيح البخاري: 2/252 كتاب صلاة التراويح.

11- أخرجه الحاكم في المستدرك في: 3/121 وقال حديث صحيح على شرط الشيخين، كما أورده الذهبي في تلخيصه معترفاً بصحته، وكذلك الإمام أحمد بن حنبل في مسنده: 6/323 والنسائي وغيرهم.

12- قضية مالك بن نويرة وقتله مشهورة في كتب التاريخ.

13- قضية خالد بن الوليد ودخوله بليلى بنت المنهال بعد قتل زوجها.

14- كتعطيل إرث الزهراء. وسهم ذي القربى ـ وسهم المؤلفة قلوبهم ـ ومتعة الزواج ومتعة الحج وغيرها كثير.

15- كقضية المغيرة بن شعبة وزناه بأم جميل والقصة مشهورة في كتب التاريخ.

16- كما قتل معاوية بن أبي سفيان حجر بن عدي الصحابي الجليل وأصحابه لأنّه امتنع عن لعن علي بن أبي طالب.

17- يقول المؤرخون كان معاوية يستدعي معارضيه ويسقيهم عسلاً مسموماً فيخرجون من عنده ويموتون فيقول: إنّ لله جنداً من عسل.

18- يقول محمد عبده في شرح نهج البلاغة من الخطبة الشقشقية في هذا: الناكثون أصحاب الجمل، والمارقون أصحاب النهروان، والقاسطون أي الجائرون وهم أصحاب صفين

قال تعالى في بعض الصحابة…

* «ومن أهل المدينة مردوا على النّفاق لا تعلمهم، نحن نعلمهم سنعذّبهم مرتين ثم يردّون إلى عذاب عظيم» [سورة التوبة: الآية 101].

* «يحلفون بالله ما قالوا، ولقد قالوا كلمة الكفر، وكفروا بعد إسلامهم وهمّوا بما لم ينالوا» [ سورة التوبة: الآية 74].

* «ومنهم من عاهد الله لئن أتانا من فضله لنصدّقن ولنكونّن من الصّالحين فلما أتاهم من فضله بخلوا به وتولّوا وهم معرضون، فأعقبهم نفاقاً في قلوبهم إلى يوم يلقونه بما أخلفوا الله ما وعدوه وبما كانوا يكذبون» [سورة التوبة: الآية 77].

* «الأعراب أشدّ كفراً ونفاقاً وأجدر ألاّ يعلموا حدود ما أنزل الله على رسوله والله عليم حكيم» [سورة التوبة: الآية 97].

* «ومن الناس من يقول أمّنا بالله وباليوم والآخر وما هم بمؤمنين يخادعون الله والذين آمنوا وما يخدعون إلاّ أنفسهم وما يشعرون، في قلوبهم مرض فزادهم الله مرضاً ولهم عذاب أليم بما كانوا يكذبون» [سورة البقرة: الآية 10].

* «إذا جاءك المنافقون قالوا نشهد إنّك لرسول الله، والله يعلَمُ إنّك لرسوله والله يشهد إنّ المنافقين لكاذبون، إتّخذوا أيمانهم جنّة فصدوا عن سبيل الله إنّهم ساء ما كانوا يعملون، ذلك بأنّهم آمنوا ثم كفروا فطبع على قلوبهم فهم لا يفقهون» [سورة المنافقون: الآية 3].

* «ألم تر إلى الذين يزعمون أنّهم آمنوا بما انزل إليك وما أنزل من قبلك يريدون أن يتحاكموا إلى الطاغوت وقد أمروا أن يكفروا به، ويريد الشيطان أن يضلّهم ضلالاً بعيداً، وإذا قيل لهم تعالوا إلى ما أنزل الله وإلى الرسول رأيت المنافقين يصدّون عنك صدوداً، فكيف إذا أصابتهم مصيبة بما قدّمت أيديهم ثم جاؤوك يحلفون بالله إن أردنا إلاّ إحساناً وتوفيقا» [سورة النساء: الآية 62].

* «إنّ المنافقين يخادعون الله وهو خادعهم وإذا قاموا إلى الصّلاة قاموا كسالى يراؤون النّاس ولا يذكرون الله إلاّ قليلاً» [سورة النساء: الآية 142].

* «وإذا رأيتهم تعجبك أجسامهم وإن يقولوا تسمع لقولهم كأنهم خشب مسندة يحسبون كل صيحة عليهم، هم العدو فاحذرهم قاتلهم الله أنّى يؤفكون» [سورة المنافقون: الآية 4].

* «قد يعلم الله المعوّقين منكم والقائلين لإخوانهم هلمَّ إلينا ولا يأتون البأس إلاّ قليلاً، أشحَّةً عليكم فإذا جاء الخوف رأيتهم ينظرون إليك تدور أعينهم كالذي يغشى عليه من الموت، فإذا ذهب الخوف سلقوكم بالسنةٍ حدادٍ أشحًّةً على الخير أولئك لم يؤمنوا فأحبط الله أعمالهم وكان ذلك على الله يسيراً» [سورة الأحزاب: الآية 19].

* «ومنهم من يستمع إليك حتّى إذا خرجوا من عندك قالوا للّذين أوتوا العلم ماذا قال أنفاً أولئك الذين طبع الله على قلوبهم واتّبعوا أهواءهم» [سورة محمد: الآية 16].

* «أم حسب الذين في قلوبهم مرضٌ أن لن يخرج الله اضغانهم، ولو نشاء لأريناكهم فلعرفتهم بسيماهم ولتعرفنّهم في لحن القول والله يعلم أعمالكم» [سورة محمد: الآية 30].

* «سيقول لك المخلّفون من الأعراب شغلتنا أموالنا وأهلونا، فاستغفر لنا يقول بالسنتهم ما ليس في قلوبهم…» [سورة الفتح: الآية 11].

مصاحف الصحابة

أهم المصاحف (القرآئين) التى كتبت ونبى الإسلام حى التى ذكرها الساجستان


ثانيا : مصاحف التابعين أولا : مصاحف الصحابه
12- مصحف عبيد بن عمير الليثى

1- مصحف عمر بن الخطاب

13- مصحف عطاء بن أبى رباح

2- مصحف على بن أبى طالب

14- مصحف سليمان بن مهران الأعشمى

3- مصحف أبى بن كعب

15- مصحف مجاهد

4-مصحف عبدالله بن مسعود

16- مصحف سعيد بن جبير

5- مصحف عبدالله بن عباس

17- مصحف الأسد بن يزيد وعقلمه بن قيس

6- مصحف عبدالله بن الزبير

18- مصحف محمد بن أبى موسى  شامى

7-مصحف عبدالله بن عمر

19- مصحف حطان بن عبدالله الرقاشى بصرى

8- مصحف عائشه زوج النبى

20- مصحف صالح بن كيسان مدينى

9- مصحف عكرمه

21- مصحف  طلحه بن مصرف الايامى

10- مصحف أم سلمه زوج النبى

عبد الرحمن بن عوف

عبد الرحمن بن عوف بن عبد عوف بن عبد الحارث، أبو محمد، الزهري القرشي: صحابي، من أكابرهم. وهو أحد العشرة المبشرين بالجنة، وأحد الستة أصحاب الشورى الذين جعل عمر الخلافة فيهم، وأحد السابقين إلى الإسلام، قيل: هو الثامن. وكان من الأجواد الشجعان العقلاء. اسمه في الجاهلية «عبد الكعبة» أو «عبد عمرو» وسماه رسول الله صلى الله عليه وسلم عبد الرحمن. ولد بعد الفيل بعشر سنين. وأسلم، وشهد بدراً وأحداً والمشاهد كلها. وجرح يوم أحد 21 جرحاً. وأعتق في يوم واحد ثلاثين عبداً. وكان يحترف التجارة والبيع والشراء، فاجتمعت له ثروة كبيرة وتصدق يوماً بقافلة، فيها سبع مئة راحلة، تحمل الحنطة والدقيق والطعام. ولما حضرته الوفاة أوصى بألف فرس وبخمسين ألف دينار في سبيل الله. له 65 حديثاً. ووفاته في المدينة.

الزبير بن العوام

الزبير بن العوام بن خويلد الأسدي القرشي، أبو عبد الله: الصحابي الشجاع هو أحد العشرة المبشرين بالجنة، وأول من سل سيفه في الإسلام. وهو ابن عمة النبي صلى الله عليه وسلم أسلم وله 12 سنة. وشهد بدراً وأحداً وغيرهما. وكان على بعض الكراديس في اليرموك. وشهد الجابية مع عمر بن الخطاب. قالوا: كان في صدر ابن الزبير أمثال العيون من الطعن والرمي. وجعله عمر في من يصلح للخلافة بعده. وكان موسراً، كثير المتاجر، خلف أملاكاً بيعت بنحو أربعين مليون درهم. وكان طويلاً جداً إذا ركب تخط رجلاه الأرض. قتله ابن جرموز غيلة يوم الجمل، بوادي السباع (على 7 فراسخ من البصرة) وكان خفيف اللحية أسمر اللون، كثير الشعر. له 38 حديثاً.

طلحة بن عبيد الله

أن طلحة الجود هو طلحة بن عبيد الله بن عثمان التيمي القرشي المدني، أبو محمد: صحابي، شجاع، من الأجواد. وهو أحد العشرة المبشرين، وأحد الستة أصحاب الشورى، وأحد الثمانية السابقين إلى الإسلام. قال ابن عساكر: كان من دهاة قريش ومن علمائهم. وكان يقال له ولأبي بكر «القرينان» وذلك لأن نوفل بن حارث وكان أشد قريش رأى طلحة، وقد أسلم، خارجاً مع أبي بكر من عند النبي صلى الله عليه وسلم فأمسكهما وشدهما في حبل. ويقال له «طلحة الجود» و«طلحة الخير» و«طلحة الفياض» وكل ذلك لقبه به رسول الله صلى الله عليه وسلم في مناسبات مختلفة، ودعاه مرة «الصبيح المليح الفصيح». شهد أحداً وثبت مع رسول الله صلى الله عليه وسلم، وبايعه على الموت، فأصيب بأربعة وعشرين جرحاً، شهد الخندق وسائر المشاهد. وكانت له تجارة وافرة مع العراق، ولم يكن يدع أحداً من بني تيم عائلاً إلا كفاه مؤونته ومؤونة عياله ووفى دينه. قتل يوم الجمل وهو بجانب عائشة. ودفن بالبصرة. له 38 حديثاً.

ابو ذر الغفاري

أبو ذر الغفاري واسمه جندب بن جنادة بن سفيان بن عبيد، من بني غفار، من كنانة بن خزيمة كان أول من حيا رسول الله صلى الله عليه وسلم بتحية الإسلام، وهو صحابي، من كبارهم. قديم الإسلام، يقال أسلم بعد أربعة وكان خامساً. يضرب به المثل في الصدق. هاجر بعد وفاة النبي صلى الله عليه وسلم إلى بادية الشام، فأقام إلى أن توفي أبو بكر وعمر وولي عثمان، فسكن دمشق وجعل ديدنه تحريض الفقراء على مشاركة الأغنياء في أموالهم، فاضطرب هؤلاء، فشكاه معاوية (وكان والي الشام) إلى عثمان (الخليفة) فاستقدمه عثمان إلى المدينة، فقدمها واستأنف نشر رأيه في تقبيح منع الأغنياء أموالهم عن الفقراء، فعلت الشكوى منه، فأمره عثمان بالرحلة إلى الربذة (من قرى المدينة) فسكنها إلى أن مات. وكان كريماً لا يخزن من المال قليلاً ولا كثيراً، ولما مات لم يكن في داره ما يكفن به. روى له البخاري ومسلم 281 حديثاً.