فلسفة فوكو في السلطة The power thinker:

فلسفة فوكو في السلطة The power thinker:
Colin Koopman

ترجمة: أنس سمحان

“يمكننا أن ننظر إلى فلسفة فوكو عن السلطة على أنها مبهرة ومضنية ومحبطة في بعض الأحيان، ولكنها الآن مهمة أكثر من أي وقتٍ مضى”. Original, painstaking, sometimes frustrating and often dazzling. Foucault’s work on power matters now more than ever
تصوّر أنه قد طلب منك أن تكتب قصّة قصيرة جدًا عن تاريخ الفلسفة. ولربما قد مررتَ قبلًا في تحدٍ لتجمع وتضغط أطراف الفلسفة المترامية بوسعها في تغريدات لك على تويتر، ويمكنك طبعًا عند محاولتك كتابة القصة التي طلبت منك أن تقوم بما هو أسوأ من أن تبحث عن الكلمة التي تمثل وتعبّر عن فلسفة كل فيلسوف مهم. فأفلاطون “ونظرية المُثُل”، وديكارت “والعقل”، وجون لوك “والأفكار”، وجون سيتورات ميل “والحرية”، أما في الفلسفة الحديثة، فكلمة جاك دريدا كانت “النص”، وكلمة جون رولس كانت “العدالة”، وكلمة جوديث بتلر كانت “الجنوسة/ جندر”. واستمرارًا في لعبة الكلمات هذه، فإن كلمة فوكو، قطعًا هي “السلطة”.
لا يزال فوكو واحدًا من أكثر المفكّرين الذين يتم الاستشهاد بهم في القرن العشرين، وهو، وفقاً لبعض القوائم، الفيلسوف الأكثر استشهادًا بكلامهِ في مجال العلوم الإنسانية والاجتماعية. من أهم أعماله، وهما: “المراقبة والمعاقبة: ولادة السجن” (1975) وتاريخ الجنسانية: إرادة العرفان، المجلد الأول (1976)، والتي تعد المصادر الرئيسية لتحليلاته للسلطة. ومن المثير للاهتمام أن نعرف أن فوكو لم يكن يعرف دائماً “بالسلطة”. فقد اكتسب أولا نفوذه وحضوره الضخم في عام 1966 مع نشره لكتاب “The Order of Things”. العنوان الفرنسي الأصلي يعطي إحساساً أفضل بالوسط الفكري الذي كتب فيه “Les mots et les choses”، أو كما ترجمه مركز الإنماء القومي للعربية “الكلمات والأشياء”. كانت الفلسفة في ستينيات القرن الماضي تدور بشكل رئيسي حوله وخاصة بين معاصري فوكو.
في أجزاء أخرى من باريس كان دريدا يؤكّد على رأيهِ بأنه “ليس هناك أي شيء خارج النص”، وجاك لاكان يحوّل التحليل النفسي إلى علم اللغويات من خلال الادعاء بأن “اللاوعي منظم ومبنيّ كأنه لغة”. في عام 1967، لخص الفيلسوف الأميركي الأكثر شهرة في جيله ريتشارد رورتي الروح الجديدة في كتاب يضمّ مختارات من المقالات بعنوان “التحول اللغوي”. في العام نفسه، نشر الفيلسوف الألماني يورغن هابرماس، والذي أصبح بعدها بمدة قصيرة رائدًا في مجالهِ، محاولته لوضع “أسس العلوم الاجتماعية في نظرية اللغة”.
تابع معاصرو فوكو هاجسهم باللغة ما لا يقل عن بضع عقود أخرى. وظل كتاب هابرماس العظيم، بعنوان نظرية الفعل التواصلي (1981)، مكرسًا لاستكشاف الظروف اللغوية للعقلانية. واتبعت الفلسفة الأنجلو أميركية نفس الخط تقريبًا، وكذلك فعل معظم الفلاسفة الفرنسيين (إلا أنهم كانوا يفضلون الطبيعة اللغوية لللاعقلانية بدلاً من ذلك).
أما فوكو، فلم يَعْلَق مثل باقي أقرانهِ، بل تفوّق عليهم. وبدلًا من البقاء عالقًا في عوالم الكلمات، حول اهتمامه الفلسفي بشكلٍ كامل في سبعينيات القرن الماضي إلى السلطة، وقد كانت فكرة واعدة للمساعدة في فهم كيف للكلمات أو أي مهم آخر أن يعطوا الأشياء النظام الذي هم عليهِ. ولكن أهمية فوكو الدائمة ليست لأنه أوجد بعض المفاهيم الرئيسية الجديد، والتي يمكن أن تفسر كل المفاهيم الأخرى. فالسلطة، عند فوكو، ليست مصطلحاً فلسفياً آخر. وأهم مطالب فوكو حول السلطة هو أنه يجب علينا أن نرفض التعامل معها مثلما تعامل الفلسفة دومًا مع مفاهيمها المركزية على أنها شيء وحدوي ومتجانس ويمكنها أن تفسّر كل شيء آخر.
لم يحاول فوكو بناء قلعة فلسفية حول مفهوم السلطة. فقد شهد بشكلٍ مباشرٍ كيف تصير حجج فلاسفة التحوّل اللغويّ هشّة فور نشرها واستخدامها لتحليل الكثير باستخدام طريقة الكلمات. لذلك رفض فوكو نفسه بصراحة تطوير نظرية شاملة للسلطة. وقد ضغط عليهِ الصحافيون في المقابلات واللقاءات ليعطيهم نظرية موحدة ولكنه كان دائمًا يعترض ولا يعطيهم شيئًا. فحسب فوكو، إن إعطاء نظرية واحدة شاملة، ليس أبدًا من أهداف عملهِ على السلطة. ولا يزال فوكو يشتهر بتحليلاته للسلطة، بل إن اسمه، بالنسبة لمعظم المثقفين، مرادف تقريبا لكلمة “السلطة”. لكنه لم يقدم نفسه على أنه فيلسوف السلطة. فكيف يكون هذا معقولاً؟
وهنا يكمن ثراء وتحدي عمل فوكو. فعمله يعد نهجاً فلسفياً للسلطة يتميز بأنه مبتكر ومضنٍ ومحبطٌ في بعض الأحيان وفي كثير من الأحيان يمكن النظر لعملهِ على أنه محاولات مبهرة لتسييس السلطة نفسها. وبدلاً من استخدام الفلسفة ليجمع ويوّحد السلطة في جوهر خالدٍ، ومن ثم استخدام هذا الجوهر لفهم كثير من مظاهر السلطة في العالم، سعى فوكو للتخفيف عن الفلسفة ومن صورتها كجوهر جاف ومتجمّد. أراد تحرير الفلسفة لتتبع تحركات السلطة وحرارة وغضب عملها لتحديد “الكلمات والأشياء”.
ولكي نقدر أصالة نهج فوكو، فمن المفيد أن نقارن ذلك مع الفلسفة السياسية السابقة. وقبل فوكو، كان الفلاسفة السياسيون يفترضون أن للسلطة جوهراً: سواء كان هذا الجوهر هو سيادتها أو تفوّقها أو سيطرتها الموحدة. وقد رأى المنظّر الاجتماعي الألماني ماكس فيبر (1864-1920) بشكل مؤثر أن سلطة الدولة تتكون من “احتكار الاستخدام المشروع للقوة البدنية”. أما الفيلسوف الإنكليزي توماس هوبز (1588-1679)، والمنظر الأصلي لسلطة الدولة، فقد رأى أن جوهر السلطة هو سيادة الدولة، إذ يعتقد هوبز أنه وفي أفضل حالاتها فإن السلطة سوف تُمارس من الموقف المفرد للسيادة والتي دعاها “ليفياثان”.
لم ينكر فوكو أبدًا حقيقة سلطة الدولة بالمعنى الهوبزي. لكن فلسفته السياسية تنبثق من شكوكه حول الافتراض (وكان مجرّد افتراض حتى حوّله فوكو إلى موضوع) أن القوّة الحقيقية الوحيدة هي السلطة السيادية. قَبِلَ فوكو أن هناك قوى حقيقية للعنف في العالم، وليس فقط عنف الدولة. وهناك أيضًا عنف مؤسّسي بسبب التكثيف الهائل لرأس المال والعنف القائم على نوع الجنس على شكل النظام الأبوي، والانتهاكات على حد سواء العلنية والخفية مثل التفوّق الأبيض على عدة أشكال مثل الرق والعبودية وفرض الخط الأحمر على شراء الفقراء للعقارات والآن الحبس الجماعي. وأكدت فلسفة فوكو أن مثل هذه الممارسات للقوة كانت عبارة عن معارض للسلطة السيادية، تمامًا على شكل الليفياثان. وما شكّ فيهِ فوكو هو الافتراض الذي يمكننا أن نستقرأه من خلال الملاحظة السهلة التي تقول: أن الشكل الأكثر تعقيدًا لفكرة السلطة يظهر فقط على شكل الليفياثان.
ومن خلال النظر إلى التفرّد الوهمي للسلطة، فوكو كان قادرًا أيضًا على تصورها موضوعة ضد نفسها. وقد استطاع أن يفترض وبالتالي أن يدرس إمكانية أن السلطة لا تفترض دائما شكلا واحدا فقط وأنه في ظل ذلك، يمكن أن تتعايش مع شكل معين من أشكال السلطة جنبا إلى جنب مع أشكال أخرى من السلطة أو حتى أن تتعارض معها. ومثل هذا التعايش والتعارض، بطبيعة الحال، ليست مجرّد مغامرات متضاربة، بل هي نوع من الأشياء التي يحتاج المرء إلى تحليلها تجريبيًا من أجل فهمها.
وبالتالي فإن افتراض فوكو المتشكّك سمح له بإجراء تحقيقات دقيقة في الوظائف الفعلية للسلطة. إن ما تكشفه هذه الدراسات هو أن السلطة، والتي تخيفنا بسهولة، اتضح بأنها أكثر دهاء لأن أشكالها الأساسية يمكن أن تتغير استجابة لجهودنا المستمرة لتحرير أنفسنا من قبضتها. ولأخذ مثال واحد فقط، كتب فوكو عن الطريقة التي جاء بها حيز سيادي كلاسيكي مثل المحكمة القضائية لقبول إجراءات شهادة الخبراء الطبيين والنفسيين الذين تُمارسُ سلطتهم وقوتهم دون اللجوء إلى العنف السيادي. إن تشخيص خبير لأحدهم “بالجنون” اليوم أو “بالشذوذ” قبل 100 سنة يمكن أن يؤدّي لتخفيف أو زيادة القرار القضائي.
وأظهر فوكو كيف أن السلطة السيادية لليفياثان (التاج والكنائس ورأس المال) على مدى السنوات الـ 200 الماضية صارت الآن في مواجهة شكلين جديدين من السلطة: السلطة الانضباطية (التي تدعى أيضًا بالسياسة التشريحية بسبب اهتمامها المفصل لتدريب الجسد البشري) والسياسة الحيوية. وكانت السلطة الحيوية (السلطة على الحياة) هي موضوع فوكو في كتابهِ تاريخ الجنسانية: إرادة العرفان، المجلد الأوّل. في حين أن سلطة الضبط والمراقبة والسياسة التشريحية للجسد، كانا موضع تركيز فوكو في كتاب المراقبة والمعاقبة.
وفي كتابهِ المراقبة والمعاقبة بنى فوكو بَصْمَتَه في السلطة أكثر من أي كتاب آخر بأسلوب دقيق من التحقيق في الآليات الفعلية للسلطة. والمجموعة الكاملة من محاضرات فوكو، والتي نشرت مؤخرًا في كوليج دو فرانس في باريس (لربما هي المؤسّسة الأكاديمية الأرفع في العالم، وقد حاضر فوكو فيها في الفترة 1970-1984) تكشف أن كتاب المراقبة والمعاقبة كان نتيجة لخمس سنوات على الأقل من البحوث الأرشيفية المكثفة.
وفي غمرة انشغال فوكو بعملهِ على هذا الكتاب، كان مندمجًا بشكلٍ عميق مع مواده، فعقد ندوات بحثية وأعطى محاضرات عامة ضخمة يتم نشرها حالياً تحت عناوين مثل المجتمع العقابي والسلطة النفسية. المواد التي تناولها تراوح في نطاق واسع ابتداءً من ولادة علم الجريمة الحديثة ووصولًا إلى الطب النفسي القائم على الجنوسة للهستيريا. وتظهر المحاضرات أفكار فوكو عن التنمية، وبالتالي تقديم نظرة ثاقبة لفلسفته في خضم تحولاته. وعندما رتّب في نهاية المطاف مواده الأرشيفية في كتاب، كانت النتيجة حجة موحدة وفعالة من المراقبة والمعاقبة.
والضبط والمراقبة، وفقًا لتحليلات فوكو التاريخية والفلسفية، هي شكل من أشكال القوة التي تخبر الناس كيفية التصرّف عن طريق إقناعهم لضبط أنفسهم ضمن ما هو “طبيعي”. وهذه السلطة خرجت في شكل تدريب إصلاحي/ تصحيحي. فالمراقبة والضبط يعملان ببراعة ولا يضربان الموضوع الذي يتم توجيهه كما تفعل السيادة. يعمل مبدأ المراقبة والضبط بمهارة أكثر بل وبرعاية دقيقة حتى، حتى تضمن طاعة الناس. ودعا فوكو المنتجات المطيعة والطبيعية للمراقبة والضبط بـ “الذوات الخاضعة”.

الحق والخير والجمال في الفلسفة

الحق والخير والجمال .. هل تعلم ماذا يعني الفلاسفة الحقيقيون بهذه الكلمات؟

الحق والخير والجمال  .. هل تعلم ماذا يعني الفلاسفة الحقيقيون بهذه الكلمات؟ – بقلم: خيال بعيد

هذه هى الكلمات الثلاثة التى عبر بها الفلاسفة عن غايتهم النهائية من الفكر والتفكر.وجعلوا من معرفتها مثلاَ اعلى يستحق التضحية فى سبيله بكل مؤثر عند النفس من رغبات ارضية ضئيلة وشهوات محدودة حقيرة . ويستحق الرضا فى سبيله بكل الم ومعاناة أو جهد ومشقة —– فما معنى هذه الكلمات الثلاث ؟ ؟ ولما انحصرت المعرفة الفلسفية فى هذه الثلاث فقط. ؟؟. . وانه لسؤال جدير بالفكر والتأمل والنظر والتدبر بل انه روح الفلسفة وسرها العميق الخفى عن البصائر والابصار . واذا كان الأمر كذلك فلا يوجد ما هو اهم من الاجابة على هذا السؤال والتصدى لسبر اغواره واظهار خفاياه . ولعل هناك فائدة اكبر واعظم من مجرد معرفة معانى هذه الكلمات الثلاث والاسرار الباطنة فيها. واقصد ان يتضح لنا الفلسفة الحقيقية ونميزها من تلك الرطانة والعى المريض الذى لا يكف ادعياء الفكر واصحاب النظرات المزيفة والافكار السطحية من تصديع ادمغتنا وتلويث أسماعنا بها . ولعل هذه الفائدة هى المطلوب الأهم والأعم فى عصر الجهل والإدعاء بلا برهان او سلطان.

فما هو اذاَ السبب فى انحصار الفكر عند الفلاسفة الحقيقين فى هذه الكلمات الثلاث؟؟؟

اعلم اخى القارئ اننا قد ننظر للشئ الواحد بثلاث اعتبارات اما نظريا واما عمليا واما جماليا وهذه ثلاث نظرات للشئ الواحد وهى موجودة فى كل نفس بشرية ولا يختص الأمر بالفلاسفة وحدهم وانما هى فطرة انسانية عامة وشاملة ولا يتصور ان يشذ عنها انسان ولو كان مجنونا . ولنضرب مثلا يوضح هذه الفكرة للأذهان وليكن مثالنا هو الماء فهو موجود من الموجودات يمكن ان نتأمله نظريا وعمليا وجماليا وهذه ثلاث تأملات مترتبة على بعضها البعض فلا يصح تأمل عملى الا بعد تأمل نظرى ولا يصح تأمل جمالى الا بعد تأمل عملى فهى ثلات تاملات مرتبة على بعضها البعض بنفس هذا الترتيب.

الماء نظريا

اذا تأملنا الماء نظريا فإننا نقول هو سائل ولا طعم له ولا رائحة ولا لون وهو يغلى عند درجة حرارة معينة وهو غير قابل للانضغاط الى حجم اقل وهو يطفئ النار…… فكل هذه هى احكام نطلقها على الماء عند تأمله نظريا — ومن خلال هذا المثال نستطيع ان نقول ان التأمل النظرى للشئ هو معرفة صفة موصوف او علاقة سبب ومسبب وجميع المعارف النظرية التى تبحث عنها العلوم هى قضايا تعبر اما عن (صفة وموصوف) واما عن (سبب ومسبب) وهذا مطرد فى اى علم حقيقى لا وضعي مثل العلوم الطبيعية والانسانية على السواء. .. فتأمل الشئ نظريا هو معرفة علاقته بغيره وهذه العلاقة لها شكلان فهي إما صفة وموصوف مثل قولنا (الماء سائل) (فهذه قضية تعبر عن معرفة نظرية لاننا نعرف الماء ونفهمه فهما تصوريا لذاته ونعرف السيولة ونتصورها فى اذهاننا ثم ننسب السيولة للماء ونجعلها صفة له ). اما الشكل الثانى للمعرفة النظرية فهو السببية مثل قولنا ( النار تسخن الماء) او مثل قولنا (الخمر مسكر ) أو مثل قولنا (الماء مزيل للعطش ) فهذه علاقة سببية بين النار و الماء وفحواها ان النار هى السبب فى سخونة الماء التى نشعر بها بحاسة اللمس. فالغرض من تأمل الشئ نظريا هو معرفة علاقته بغيره وهذه العلاقة اما اتصاف واما سببية.

تأمل الماء عمليا

معنى تأمل الشئ عمليا اى اننا نرغب فى معرفة نسبته إلينا ضرا ونفعاَ ولذة والماَ .. .فكون الشئ ضارا او نافعا ولذيذاَ او مؤلما ليست بصفات ذاتية له وانما هى احكام عملية نطلقها عليه حسب اّثاره علينا من حيث اللذة والالم… وفى مثال الماء فإننا اذا تأملناه عمليا اى رغبنا فى معرفة نسبته الينا من حيث النفع والضر واللذة والألم نقول ( الماء نافع) لأننا نستعمله فى النظافة والوضوء وتوليد الكهرباء وزراعة النباتات اللازمة لحياة الانسان . فنحن هنا نبحث عن فائدة عملية للشئ ولكن هذه الفائدة العملية قائمة على معرفتنا بعلاقاته بغيره اى انها قائمة على المعرفة النظرية بالشئ. وقد نحكم على الماء حكما عمليا مضادا فنقول ( الماء ضار) لأنه قد يكون سبباَ فى الغرق وبالتالى الموت وقد يكون سبباَ فى تدمير المدن الساحلية او المحاصيل الزراعية اذا زادت كميته . فهذه هى اّفات الماء ومضاره العملية. ولا يخلو شئ فى هذا الوجود عن فوائد ومضار ولذلك فانه نافع وضار فى نفس الوقت ولكن نافع من جهة وضار من جهة اخرى..فالغرض من تأمل الشئ عمليا هو ان نعرف حكمه من حيث النفع والضر حتى اذا عرفنا هذا طلبناه وسعينا لتحصيل فوائدة ان كان نافعا او دفعناه وهربنا منه ان كان ضارا .. وهذا لا يكون الا بالعمل وهذا بدوره لا يكون الا بمعرفة كيفية العمل. فهذه علوم مرتبة على بعضها البعض.

تأمل الماء جماليا

اما اذا تأملنا الماء جماليا فإننا نقول (ما اجمل خرير الماء وتدفقة الوديع من نبع صغير وما اروع ذلك الصخب المندفع من شلال منحدر من اعالى الجبال وما اجمل حبو الماء بين جذور الا شجاركطفل صغير ليرويها ويمنحها قبلة الحياة وقدرة على الاثمار. فهذا هو التأمل الجمالى للماء وغايته ان نعرف حكم الماء من حيث الجمال والقبح فهل هو جميل ام قبيح. .. وكل شئ فى هذا الوجود فله الينا نسبة جمالية فلابد اولا من معرفة حكم الشئ من ناحية الجمال فاذا عرفنا هذه النسبة (تذوقناه جماليا )واللذة هى تابعة لتذوق الجمال بالضرورة.

فهذا هو السر

فى تلميحات الفلاسفة واشاراتهم لانحصار الفكر فى الحق والخير والجمال .. ولكنهم ينمازون عن العوام والوعي الطبيعي برغبتهم فى الخلاص من الاوهام التى تجعل العقل يخطئ فى حكمه فيرى الباطل حقا والشر خيراَ والجميل قبيحا او بالعكس من ذلك .. فالناس ملوثون بالاوهام التى تجعلهم فى غفلة عن الحق والخير الحقيقى والجمال الحقيقى ….. والغرض من الفكر انما هو الخلاص من هذه الاوهام ومعرفة الاشياء كما هى وليس كما تبدو لوعينا المنحط الغارق فى المحسوسات والعلل القريبة….وكما اننا قادرون على تأمل تلك الاشياء الجزئية التى نراها فى عالمنا هذا بالاعتبارات الثلاث اى نظريا وعمليا وجماليا فكذلك الانسان اى انسان يمكن ان يتأمل الوجود كله والعالم كله من خلال هذه الاعتبارات الثلاث . وهذا التأمل للوجود كله كشئ واحد بهذه الاعتبارات الثلاث هو موجود فى كل عقل بشرى حتى المجنون نفسه فكل انسان لديه اعتقادات عن جملة الوجود نظريا وعمليا وجماليا . ولكن هذه الاعتقادات قد تكون حقيقية وقد تكون مزيفة والغالب هو الزيف والضلال.

العالم نظريا

اما تأمل العالم كله نظريا فهذا هو ما يسميه الفلاسفة ب (الفلسفة الاولى او الالهيات) وهي عبارة عن تصور مجمل كلي عن العالم أي أن تتمثل العالم في جملته وكل موجود فيه وهيئة الاجتماع بين هذه الموجودات… تماما كما أنك تتمثل سيارة في جملتها وتركيبها مثلا فيكون في عقلك صورة كلية عن السيارة .. فكذلك الالهيات هي عبارة عن تصور كلي مجمل عن العالم.. ولذلك تجد الفلاسفة الاسلاميين مثل بن سينا ينظرون في ذات الله وصفاته وأفعاله لأن الوجود كله هو عبارة عن ذات الله وصفاته وأفعاله وبذلك يكون لهم تصور مجمل عن العالم كله .. وهذا التصور هو بعينه عقيدتك الدينية عن العالم ( سواء اّمنت بوجود اله أو لم تؤمن فدينك هو عبارة عن تصورك عن جملة العالم أيا كان هذا التصور ) وهو بعينه ما أتى على لسان الانبياء من عقائد حول ذات الله وصفاته وأفعاله ولكن الأنبياء يعبرون عن المعاني بالتمثيل الرمزي والاستعارات حتى يمكن للبشر أن يتصوروا العالم كله نظريا عن طريق التمثييل والتخييل والرمز إن كانوا عاجزين عن تصور الحقيقة في ذاتها .فالدين فى حقيقته هو عبارة عن تمثيل رمزى لحقيقة الوجود كله نظريا . اما العباقرة فهم بحكم الذكاء المفرط لا يكفيهم الاقتصار على معرفة مثال الحقيقة ولكنهم يرغبون فى معرفة الحقيقة فى ذاتها وكما هى بلا تمثيل او رموز . وهذه معضلة كبرى لان العقل البشرى قاصر عن هذه المعرفة ولذلك تنقضى سنوات فى عالم التيه ما بين تناقض ونسبيةوتضارب فى المشاعر ..

العالم عمليا

اما تأمل العالم عمليا فهو رغبة فى معرفة الخير النهائى والشر النهائي للانسان أي غاية نهائية تطلبها لانك لن تقدر على معرفة نسبة اى شئ اليك من حيث الخير والشر الا اذا عرفت هذه الغاية النهائية والخير النهائى والشر النهائي . ولكن معرفة الخير والشر النهائيين تتوقف على معرفة نظرية وهي (استمرار الحياة والخلود بعد الموت وبالتالى البحث عن الاسباب التى تنفعك بعد الموت ) اما اذا لم تلتفت للعاقبة فانك ستقصر نظرك على الخير الدنيوى وهذه معرفة سهلة قريبة لانها واقعة فى التجربة المحسوسة اما احوالنا بعد الموت فهى مجهولة لا تقع فى التجربة ولم يرجع شخص الينا بعد موته ليخبرنا ماذا وجد ويخبرنا عن الاعمال النافعة لنا فى الاخرة ووجه كونها نافعة… فهذه معرفة لا تنال بالعقل وانما يجب ان نصدق فيها الانبياء (بعد ان يثبت لنا بدلالة المعجزة أنهم أنبياء ) ونؤمن بصدق ما قالوه عن يوم اّخر وعن الاعمال النافعة والضارة فى الاّخرة ودون ان نعرف لما كانت نافعة ولما كانت ضارة لان هذا لا يكون الا بعد التجربة.

العالم جماليا

وكذلك يمكن للانسان ان يتأمل العالم كله جماليا ويالها من لذة ما بعدها لذة لأنك ستدرك الجمال الأبدى وجها لوجه وسوف تنسحق عروق قلبك تحت وطأة الشعور بالجلال اللانهائى وسوف تفنى روحك عند مطالعة الجمال الكلى الشامل اوهو يتدفق بين الاشياء.
وانه لمن حماقة بعض البشر قولهم ان العالم قبيح وانه ملئ بالظلم والعبث كما يحلو لبعض الوجوديين ان يعبروا عن مشاعرهم تجاه الوجود من اشمئزاز وقرف وخوف ورعدة وقلق . وكل هذه المشاعر هى تابعة لرؤيتك الجمالية عن العالم فمن اعتقد ان الوجود قبيح او شر فلابد وان يتشائم ولا بد وان يشعر بالعبث الكونى الشامل. … ومشكلة هؤلاء انهم لا يتظرون للعالم فى جملته وانما يقصرون نظرهم على جزء منه ولذلك فهم يدركون قبحا ولا يدركون جمالا ومثلهم كمثل شخص نظر للوحة فنية بارعة الجمال ولكنه قصر نظرة على مساحة ضئيلة من هذه اللوحة فلم يرها فى جملتها ولكنه رأى جزء منها فيه لون اسود . فقال للفنان الذى رسمها ما هذا القبح ان لوحتك كلها سوداء . ولو رجع هذا المعتوه قليلا للوراء لرأى اللوحة فى كليتها وشمولها وعرف وقتها ان هذا اللون الاسود هو السبب فى جمال اللوحة… ولو فرضنا عدم وجوده لكانت اللوحة قبيحة بالفعل.

ومن هذا المثال يظهر لنا صدق من قال انه ليس فى الامكان ابدع مما كان فإن لم ترى هذا الابداع والجمال الكونى الشامل فإعلم انك تنظر لجزء من لوحة الوجود بينما انت فى غفلة عن اللوحة فى شمولها. فلا قبح فى الوجود ولا نقص ولا قصور بل هو جمال صرف وابداع محض انما العيب فى قصورك ونظرتك الجزئية.

كتب

رواية فى ديسمبر تنتهى كل الاحلام لـ أثير عبد الله

Posted: 28 Dec 2016 03:50 PM PST

موسوعة الظلام لـ أحمد خالد توفيق و سند راشد دخيل

Posted: 28 Dec 2016 11:14 AM PST

كتاب مطبخ منال العالم

Posted: 28 Dec 2016 10:59 AM PST

القرآن الكريم كاملا

Posted: 28 Dec 2016 10:44 AM PST

موسوعة لالاند الفلسفية – أندريه لالاند

Posted: 28 Dec 2016 10:44 AM PST

كتاب سنة أولى زواج – ايمن الحسينى

Posted: 28 Dec 2016 09:44 AM PST

كتاب هندسة القوى الكهربية – د. محمود جيلاني

Posted: 28 Dec 2016 09:35 AM PST

كتاب الاغتيال الإقتصادى للامم لـ جون بركنز

Posted: 28 Dec 2016 09:20 AM PST

كتاب شهر عسل بلا خجل – أيمن الحسيني

Posted: 28 Dec 2016 09:14 AM PST

كتاب من علم الفلك القراني الثوابت العلمية في القران الكريم – عدنان الشريف

Posted: 28 Dec 2016 08:50 AM PST

كتاب طرائف علم الفلك – ف . كوماروف

Posted: 28 Dec 2016 08:44 AM PST

كتاب الموسوعة الفلكية – خليل بدوي

Posted: 28 Dec 2016 08:29 AM PST

كتاب الدورة التأهيلية للحياة الزوجية لـ محمد خير الشعال

Posted: 28 Dec 2016 08:29 AM PST

لونجمان قاموس الصور لتعلم اللغة الإنجليزية

Posted: 28 Dec 2016 08:14 AM PST

كتاب تعلم الإنجليزية بنفسك – محمد بشير

Posted: 28 Dec 2016 07:59 AM PST

كتاب المختارات – عبد الوهاب البياتي

Posted: 28 Dec 2016 07:44 AM PST

كتاب القدرات الخفية تخاطر عن بعد – مارك اوريف

Posted: 28 Dec 2016 06:14 AM PST

رواية إمضاء ميت – محمد رجب

Posted: 28 Dec 2016 05:05 AM PST

رواية فرعون موسي – عاطف عزت

Posted: 28 Dec 2016 02:05 AM PST

كتاب الفراسة قراءة البشر عن بعد – احمد بهيج

Posted: 27 Dec 2016 11:44 PM PST

رواية إيجن – صابرين الديب

Posted: 27 Dec 2016 11:05 PM PST

كتاب الحب فى التاريخ – سلامة موسي

Posted: 27 Dec 2016 09:45 PM PST

كتاب اتحاد القوي الداخلية – مقالات في الباراسيكولوجيا

Posted: 27 Dec 2016 07:14 PM PST

كتاب اذكار الصباح والمساء – للشيخ محمد سعيد رسلان

Posted: 27 Dec 2016 07:05 PM PST

موسوعة الطب الشعبي والعلاج البديل – أيمن الحسيني

Posted: 27 Dec 2016 06:04 PM PST

الفلسفة والسينما : علاقة الفلسفة بالسينما

الفلسفة والسينما : علاقة الفلسفة بالسينما

بقلم : حسن العمراني
 السينما كحقل إبداعي تخيلي تهم الفيلسوف على أكثر من صعيد، إذ تملك القدرة على حمل الإنسان على التفكير والاندهاش وتهبه، بفضل خلقها وابتكارها صورا جديدة للحياة، فرصة تجديد فهمه لذاته وللعالم من حوله. أو ليس التفكير، كما يعلمنا دولوز، هو “اكتشاف وابتكار إمكانات جديدة للحياة”[1]؟
إن المتأمل في علاقة الفلسفة بالسينما لا بد أن تنتصب أمامه أسئلة على درجة كبيرة من الأهمية يمكن بسطها كما يلي:
ماذا يمكن أن تقدم الفلسفة للسينما؟ وماذا يمكن أن تقدم السينما للفلسفة؟ بل وقبل هذا وبعده، كيف يستقيم الجمع بين الفلسفة التي تقدم عادة كخطاب نخبوي غارق في التجريد، وبين السينما كحقل إبداعي جماهيري تندغم فيه الصورة ويمتزج فيه الفكر بالخيال على نحو فريد؟
هناك أكثر من طريقة واحدة لمقاربة هذه ا؟ لإشكاليات: فقد يبدو مغريا، مثلا، معرفة الكيفية التي تعامل بها كل من برغسون وجيل دولوز مع السينما، الأول من خلال كتابه الشهير التطور الخلاق، حيث وظف فيه مفاهيم الديمومة، الحركة، الشعور.. في قراءة الصورة السينمائية، والثاني من خلال كتابيه: “الصورة، الحركة” و”الصورة-الزمان” حيث استثمر فيهما دولوز جملة من المفاهيم الفلسفية و”الآليات المنطقية لتحليل الخطاب السينمائي لدى أشهر المخرجين العالميين أمثال: ازنشتاين، هتشكوك، فلليني، برتولوتشي، غودار، دوسيكا…إلخ.
بيد أن غنى هذه المواضيع وتشعبها من جهة، وضيق الحيز المخصص لهذه الورقة من جهة أخرى، يحولان دون تفصيل القول فيها، إذ أن الأمر يحتاج إلى بحث مطول يتغيا إلقاء الضوء على نوع الحوار الذي يمكن أن يقيمه الفيلسوف بين الصورة والمفهوم حتى يتسنى له الابتعاد بالفلسفة من تهمة التجريد الخالص التي تتربص بها. ولهذا سنعمل في البداية على إبطال دعوى أن الفلسفة تفكير نظري خالص يسبح في سماء المعقولات، ثم سنتجه إلى مساءلة لغة السينما في علاقتها بالصورة والكتابة والواقع، لنخلص إلى أنه إذا كانت مهمة الفلسفة هي أصلا وضع المفاهيم والتفكير بواسطتها، فإن السينما بدورها “تفكير” يتوسل بالصور، والصوت أيضا، والخيال.. للتعبير عن المضامين الفكرية والأشكال الجمالية.
1 – هل الفلسفة نظر عقلي خالص؟
لقد دأب البعض على فك الارتباط بين الفلسفة والسينما والنظر إليهما وكأنهما قارتان معرفيتان منفصلتان، حجتهم في ذلك أن الفلسفة نمط من المعرفة يعلو على كل الأغراض، ما دامت تقوم على خلق المفاهيم المجردة، قاصدين بالتجريد مفارقة المحسوس والتعالي عليه.
ولتكذيب هذه الدعوى لا نحتاج إلى التنقير بعيدا، بل يكفي أن ننظر في معنى التجريد الذي لا يعدو كونه “انتزاعا الصور المعقولة من الموضوعات المنظور فيها (الأشياء، الأفراد..) وإنشاء المعاني الكلية التي تشترك فيها هذه الموضوعات، وقد بين أحد الدارسين كيف أن الفلسفة تنهل من المحسوس بل وتتوزع مذاهبها أحيانا بحسب دوائر حسية مخصوصة، وفيما يلي بيان ذلك من أمثلة مرتبطة بالبصر واللمس:
أ – الإدراك البصري: من المفاهيم المأخوذة من دائرة حاسة البصر نذكر المفهوم اليوناني theôria  من theôren بمعنى “رأى بالعين”، وأيضا المفاهيم الفرنسية ذات الأصل اللاتيني: contemplation من contemplare بمعنى تأمل، وspeculation من speculare بمعنى “نظر”، وintuition من intueri بمعنى “رأى”.
ب – الإدراك اللمسي: من المفاهيم المأخوذة من دائرة اللمس، نورد الاسم الذي يطلق على المفهوم الألماني وهو Das Begriff من Begrifein بمعنى “أمسك”، وكذلك المفاهيم الفرنسية ذات الأصل اللاتيني compréhension من conpréhendère بمعنى “أمسك”[2].
أما فيما يخص توزع المذاهب الفلسفية تبعا للحواس، فحسبنا أن نشير إلى التقسيم الطريف الذي وضعه فيورباخ، حينما اعتبر “اللمس والشم والذوق أدوات حسية تنتمي إلى التيار المادي، بينما خص التيار المثالي بالإبصار والسمع، العين والأذن يمثلان الرأس في حين تقوم بقية الحواس بتمثيل البطن. كذلك تجدر الإشارة إلى المقاربة العميقة والمرحة التي قام بها د.عبد السلام بنعبد العالي في كتابه ثقافة الأذن وثقافة العين، عندما ربط العين بالرؤية والتفكير، بل العقل، وقرن الأذن بالنقل والحفظ والذاكرة أي أن العين ترتبط بالنظر والتأويل والنقد والتحرر من الأحكام المسبقة، بينما تكون ثقافة الأذن ثقافة السمع والمحافظة والوثوقية والتقليد[3].
والآن بعد بياننا الصلة الوثيقة التي تربط المفهوم بالمحسوس، ومن ثم الفلسفة بالواقع، نكون قد أبطلنا دعوى “الفلسفة كنظر عقلي خالص” وأثبتنا مشروعية الحديث عن الفلسفة في علاقتها الجدلية بالسينما. لنمض إذن إلى بسط هذه العلاقة الممكنة من خلال الحديث عن السينما كفضاء إبداعي متميز.
2 – السينما كتابة بالصور وأفق للتفكير الفلسفي:
يسود الاعتقاد لدى الكثيرين بأن السينما فن تسلية وترويح عن النفس، وأنه لا ينبغي أن نأخذها مأخذ الجد، وبالأحرى أن نعتبرها مصدرا من المصادر الباعثة على التفكير وممارسة التفلسف. يقوم هذا التصور على تمجيد للنص المكتوب وشبه احتقار للصورة المرئية “فالمكتوب يتسم بطابع نقدي بينما الصورة نرجسية. الأول موقظ في حين أن الثانية سبب من أسباب الغفلة وتراخي الانتباه”[4]. والحال أن الصورة السينمائية لا تقل أهمية عن الكتاب، إذ تستطيع هي الأخرى، شحذ الذهن وحثه على التفكير. إن الفكر لا ينبجس من تلقاء ذاته، بل يحتاج إلى شيء يحمله على أن يبسط أجنحته، وهذا الشيء قد يكون عبارة عن تلاق أساسي، ربما كان اللقاء بسقراط أو بسمفونية أو لوحة تشكيلية أو بفلم..إلخ. “يعرف الإنسان، كما يقول هيدغر، كيف يفكر متى كانت لديه الإمكانية، غير أن هذا الإمكان لا يضمن بعد أننا قادرون على ممارسة التفكير”[5]. ويرى دولوز من جهته، “أن السينما تمنحنا القدرة على التفكير، إذ تقوم بإحداث نوع من الصدمة على مستوى الفكر، فتنقل إلى الجهاز العصبي ذبذبات خاصة(…) فكأنها تقول، معي أنا الصورة-الحركة (image-mouvement)، لن تستطيعوا أبدا الإفلات من هذه الصدمة (choc) التي توقظ المفكر النائم بداخلكم”[6]. فالصورة-الحركة تجبرنا على التفكير وتدفعنا إليه دفعا. بالطبع نحن لا نتحدث هنا عن السينما التجارية التي تقوم في معظم الأحيان على العنف والجنس…إلخ، ولا عن السينما التجريبية التي تعرض أفكارا مضطربة مشوشة بأساليب فجة ومبتذلة، بل إننا نقصد ذلك النوع من السينما الذي يوفر إمكانية التفكير بطريقة مغايرة في ذواتنا وفي العالم من خلال خلق صور مبتكرة للحياة في تقاطعها مع الخيال، في إطار كتابة ترفع المخرج إلى مستوى المؤلف. لكن هل يجوز لنا الحديث عن الكتابة في السينما؟ وهل يرقى المخرج برؤيته وأساليبه إلى مستوى المؤلف؟
تختلف الكتابة السينمائية عن الرواية والشعر، إذ أن لها منطقا خاصا. فإذا كانت الفلسفة مثلا تتحدد ماهيتها من خلال “وضع المفاهيم” فإن السينما تنبسط، كما يقول كوكتو، “ككتابة بالصور”. لكن ما المقصود بالصورة؟ وبأي معنى تحضر في السينما؟
لا يتسع هذا الموضع للحديث عن المكانة التي حظيت بها الصورة في تاريخ الفلسفة، بل حسبنا أن نشير بشكل خاطف للمجهود التنظيري الذي قام به هوسرل في سبيل إعطاء الصورة الوضع الذي تستحقه. لقد وجه هذا الفيلسوف انتقادات عنيفة لبعض التصورات الفلسفية المتداولة في عصره، وعلى رأسها التصور الديكارتي الذي كان يقضي بشيئية الصورة أي أنه كان يعتبرها شيئا جسمانيا يتولد عن الآثار التي تحدثها الأجسام الموجودة في عالم الأعيان، والتي تنقلها الحواس إلى عالم الأذهان. المادة والوعي، ضمن هذا التصور، يقصي بعضهما بعضا. والصورة مجرد موضوع، مثلها في ذلك مثل الموضوعات الخارجية. ضد هذا التصور، عمل هوسرل على تقديم نظرية جديدة تروم فحص ماهية “الصورة استنادا إلى مبدأ القصدية الذي تعبر عنه العبارة الهوسرلية الشهيرة: “كل وعي هو وعي بشيء ما”. فالقصدية، بحسب هذا التصور، هي البنية الجوهرية المحددة لكل وعي، فهناك الوعي من جهة، ثم الموضوع الذي ينصب عليه هذا الوعي من جهة ثانية، والذي لا يمكن أن يوجد إلا خارجه. لقد “أفرغت القصدية الوعي، وجعلته دون محتوى، فبفضلها صفا الوعي وأصبح واضحا كريح شديدة، أصبح لا يشوبه شيء إلا حركته ليخرج من ذاته. ليس فيه شيء إلا ذبيبه خارج ذاته. وإذا حدث ما لا يمكن حدوثه ودخلتهم في وعي ما، يأخذكم الدوار ويقذف بكم إلى خارج، قرب الشجرة، وسط الغبار، لأن الوعي لا داخل له(…) وإذا حاول الوعي أن يعود إلى ذاته ويتحد معها وينغلق على نفسه انعدم”[7].
يتعلق الأمر، كما هو واضح، بعلاقة قصدية تربط وعيا ما بشيء ما. وتبعا لذلك، ستغدو الصورة صورة لشيء ما. وعلى الجملة نقول إنه بتسليطه الضوء على البنية القصدية للصورة يكون قد نقلها من مستوى الوعي الساكن إلى مستوى الوعي التركيبي في علاقة بموضوع ترنسندنتالي، كما يكون قد نفى عنها طابع التشيؤ الذي ما فتئ ديكارت يفرغ الجهد من أجل تثبيته. يقول سارتر مؤكدا نفس المعنى: “الصورة نمط من الوعي، إنها فعل وليست “شيئا”.
وبالعودة إلى السينما نؤكد أن الصورة تشكل الأداة الأساسية المعتمدة داخل الفيلم، حيث “تشكل المادة الفيلمية الأولية، ولكنها الأكثر تعقيدا أيضا، لأن تكوينها يتميز، بالفعل، بازدواج عميق: فهي نتاج نشاط أوتوماتيكي لآلة تقنية قادرة على إعادة إنتاج الواقع الذي يتقدم إليها بدقة وموضوعية. غير أنها في نفس الآن، نشاط موجه في الاتجاه المحدد والمرغوب فيه من طرف المخرج”[8]. ومن غير الخفي أن دولوز قام بتقسيم الصور السينمائية إلى ثلاث لقطات محددة. [1] الصورة-الإدراك الحسي (image perception) وتقابلها اللقطة العامة (plan général)، [2] الصورة-الإدراك الوجداني (image-affection) وتقابلها اللقطة المكبرة (gros plan)، [3] الصورة-الفعل (image action) وتقابلها اللقطة المتوسطة (plan moyen). غير أنه لا ينبغي أن يفوتنا التذكير بأن اللغة السينمائية لا تتشكل فقط من الصور، بل يدخل في ركابها الفن التشكيلي، الموسيقى، المناظر، والعدسات المختلفة، والحوار والحركة..إلخ. إن الفيلم شبكة مبنية للعديد من القوانين: منها ما هو خاص بالسينما، أي ما يستعمل في السينما فقط؛ وما يستعمل فيها وفي غيرها، أي ما هو غير خاص بالسينما. وقد عمل فانوي على إحصاء هذه القوانين وإبرازها على النحو التالي:
أ – القوانين الخالصة: حركات الكاميرا السائرة (travelling)، الماسحة (panoramique)، استعمالات خارج الحقل الصوتي، التناظر الحقلي، تنويع اللقطات (متوسطة، أمريكية، مكبرة..) الخدع السينمائية، التركيب (الصور، الضجيج) العلامات (التبطيء، السرعة)، أدوات الربط (الوصل، الفصل كالربط بالسواد)..إلخ.
ب – القوانين غير الخالصة: وتدخل في زمرتها مجموعة من المكونات المأخوذة من حقول أخرى كالموسيقى، الحوار، التشكيل، الملابس..إلخ[9].
استنادا إلى ذلك نقول إن السينما لغة صور لها مفرداتها وبديعها وبيانها وقواعد نحوها، وأنه متى اشتط السينمائي، كما يخبرنا صلاح أبو سيف، في استعمال اللغة السينمائية بعيدا عن الهدف الأصلي، أصبح لا يختلف عن الذي يربط الكلمات ربط منغما دون أن يكون لها معنى، كأنها تمتمات معتوه يخرف بألفاظ ليس لها معنى وليست من اللغة في شيء.
يتعين علينا الآن بعد أن بينا كيف أن للسينما لغة خاصة، أن نوضح بأي معنى يمكن الحديث المؤلف في السينما. لا يختلف إثنان على أن العمل السينمائي يكون ثمرة لتضافر جهود فريق من التقنيين قد يجاوز عدد أفراده المائة في كثير من الأحيان، غير أن هناك إجماعا على أن المخرج هو الذي يتحمل مسؤولية العمل في نهاية المطاف، لأن عليه يقع عبء توجيه وتأطير الفريق الذي يشتغل معه، وهو الذي يحدد الرؤية الفنية للفيلم ويبصمها ببصمته الخاصة. وقد شهدت فرنسا، في الستينات من القرن المنصرم، نقاشات محتدمة حول المخرج ومكانته، حيث أفرزت ظاهرة “سينما المؤلف” التي يعتبر غودار وتروفو وروهمر أبرز روادها. فالفيلم بالنسبة لهؤلاء جميعا تعبير عن عالم ذهني استطاع المخرج-المؤلف نسجه بعناية فائقة. بل إن غودار يذهب إلى حد القول بأن المخرج يمكنه إبداعه من الرقي إلى مرتبة الفيلسوف حيث يعمل على خلق رؤى وتصورات جديدة يكتبها بواسطة الكاميرا! فالسينما عنده ليست فرجة بل كتابة تنهل من الرواية الجديدة تقنياتها في السرد والتخييل، ومن الفلسفة قدرتها على توليد الأسئلة وخلخلة الأفكار الجاهزة. كما اشتهر بتوظيفه، إلى جانب الصور، حوارات مكتوبة بطريقة غير مألوفة في الحياة اليومية، وقريبة جدا مما هو متداول في الحقل الروائي.
لقد عمل غودار، وزملاؤه في تيار الموجة الجديدة، على التقريب بين الأدب والفلسفة والسينما، كما ناهضوا بقوة فكرة “موت المؤلف” التي انتشرت في الأوساط الثقافية الفرنسية على الخصوص بفضل كتابات رولان بارت وبعض أنصار المنهج البنيوي. إن المؤلف بحسب غودار حي يرزق ويبدع مثله في ذلك مثل باقي المبدعين  في المجالات الأخرى. ولعل أكبر شاهد على ذلك هو تاريخ السينما الذي يحفل بأعمال ذات قيمة فكرية وفنية عالية المستوى غيرت نظرة الإنسان لذاته وبدلت علاقته مع العالم والآخرين.
3 – الصورة والواقع:
كان يحلو لبارت عند حديثه عن الصورة وما تثيره من قضايا، أن يذكر بدلالتها الاشتقاقية القديمة، حيث ترجع كلمة image إلى الأصل اللاتيني imitari الذي يعني المحاكاة. يسمح هذا الربط بطرح جملة من الأسئلة نصوغها على النحو التالي: ما نوع العلاقة التي تربط الصورة السينمائية بالواقع؟ هل تكمن وظيفتها في جعله ينعكس على مرآتها أم أنها تعمل على إبداعه وإعادة تشكيله؟
إن المتأمل في علاقة السينما بالواقع لا يلبث أن يتبين أن هناك أسلوبين لمقاربتها: الأول يؤمن أن بوسع الصورة أن تعكس الواقع وأن تطبق صورة طبق الأصل له؛ والثاني يضع الواقع موضع إشكال. وبالمثل هناك منهجان لمقاربة السينما في علاقتها بالحقيقة: أولهما يدعي أن ما تلتقطه عين الكاميرا هو الحقيقة العارية من كل الشوائب، في حين أن الثاني يقوم باستشكال الحقيقة ومساءلتها.
من المعروف أن السينما في بدايتها كانت تتوسل بالصور لتقديم أفلام تسجيلية تروم تعقب الواقع في أدق تفاصيله. إذ كان الهاجس الأكبر لدى السينمائيين هو استنساخ الواقع وترك وثائق بصرية تضطلع بعرض حقيقته في “صفائها ونقائها”. بيد أن هذه الأعمال كانت غارقة في وهم كبير، لأن كل فيلم وثائقي إلا ويحمل معه نصيبه من الكذب (docu-ment) مهما حرص صانعه على الدقة والأمانة. فالكاميرا، إذ تصور الواقع لا تعكسه كما هو، بل تجتزئه وتعمل على تقطيعه، ثم تعيد توليفه وفق رؤية المشرف على العمل. هذا فضلا عن أن هذه الصور الوثائقية يمكن التحكم فيها وتغيير معناها عن طريق المونطاج أو استعمال تعليقات جديدة.
ومع ظهور التلفزيون وقع تحول نوعي في الإنتاج السينمائي، حيث استطاع تحرير السينما من واجب إنجاز أفلام وثائقية، تماما مثلما حررت الصورة الفوتوغرافية أهل الرسم من سلك طريق المحاكاة الذي كان يقتصر على إعادة إنتاج ما هو موجود في الواقع. وبهذا انتقل الفيلم من مجرد أداة للتسجيل إلى أداة للتعبير الفني تتشكل لحمتها الأساسية من الخيال الذي يصور لنا عوالم وهمية تبعث الحماس في النفس وتصحبها إلى مملكة الجمال. بالطبع يظل الواقع مصدر إلهام دائم للمبدع، إذ منه يقتات وبه ينتعش خياله التواق إلى السفر بعيدا عن عالمنا المرئي. ولعل هذا هو المعنى الذي رمى إليه الشاعر ريلك عندما كتب في قصيدته “نحل اللامرئي”. “إننا نلحس باستمرار عسل المرئي لنجمعه ونضعه في الخلية الذهبية للامرئي”.
على أن هذه الحقيقة على جلالها انحجبت عن بعض المدارس السينمائية، ونخص منها بالذكر هنا “تيار الواقعية الجديدة” في إيطاليا. وقد عرف هذا التيار بحرصه على الالتصاق بالواقع والإنصات إلى نبضه بعيدا عن الطرق المعتمدة في الرواية أو المسرح أو السينما التي تعتمد على اقتباس بعض طرائقهما. ويعد زفاتيني Zavattini من أهم المنظرين الذين أكدوا على أن الحرب والمقاومة في إيطاليا هي التي كشفت للسينمائيين أهمية الواقع وخصوبته. فهو يقول بأن “للسينما القدرة على الاتصال بالواقع في ديمومته وحيويته”، لهذا كان يدعو في كثير من أعماله إلى ضرورة ردم الهوة بين الفن والواقع والتخلي التام عن الأشكال السردية والآليات التخييلية المعمول بها في الأدب، لأن من شأنها أن تنأى بنا عن الواقع وتبتعد عن “الحقيقة” المنشودة. ومن أهم الأعمال التي تنتمي إلى هذا التيار نذكر على سبيل المثال لا الحصر: Rome ville ouverte (1945)، le voleur de bicyclette (1944)، la terre tremble (1948).. وقد لجأت كلها إلى مفاهيم وتقنيات خاصة قطعت مع الكتابة الروائية بكل أصنافها. وقد تعرض هذا التيار لانتقادات عديدة لعل أقلها عنفا تلك التي صدرت عن كياريني (Chiarini)، الذي كان يميز بين الفرجة السينمائية والفيلم: تحيل الأولى على واقع مركب يهيمن عليه البحث عن المتعة التي يحققها الإخراج والعمل السينوغرافي من خلال الحرص على إبراز جمالية الصورة وتقنيات الحكي عبر توظيف المتخيل: أما الثاني فإنه يختار طريق الفيلم الخالص، وذلك بالاستغناء عن النموذج التقليدي في الحكي والإخراج، والاجتهاد في إقامة علاقة مباشرة مع الواقع. بيد أن العلاقة مع الواقع، حسب كيارني دائما، لا تعني خلودا إلى السلبية والفتور، بل عملا مضنيا يتوخى صياغة الوقائع الأصلية بطريقة خلاقة، وهذا ما يشكل في رأيه خصوصية السينما. بينما حث أرسطارسيو Aristarcio على ضرورة تجاوز الفيلم الوثائقي الذي يكتفي بملاحظة الواقع من الخارج عن طريق وضع الكاميرا أمامه كما لو كان الأمر يتعلق بمرآة عاكسة. ويقترح هذا الناقد، وهو قريب جدا من الواقعية التي اشتهر بالمنافحة عنها الشيوعيون أمثال لويس أراغون، ضرورة إنشاء سينما نقدية ملتزمة بقضايا الشعب وفاضحة لممارسات حاكميه. إلا أن أعنف انتقاد تعرضت له “الواقعية الجديدة” وكل التيارات القريبة منها، هو ذلك الذي صدر عن الموجة الجديدة بفرنسا، وهي تتشكل كما بينا ذلك من قبل، من فنانين، بعضهم ينحدر من الحقل الروائي (مرغريت دوراس، ألان غريي..) والآخرون جاؤوا إليها من النقد السينمائي (تروفو، غودار، روهم..). ولا حاجة بنا إلى التذكير بأهم خصائص الرؤية الفنية لهذه المدرسة، فقد سبقت الإشارة إلى ذلك، بل يكفي أن نقول بأنها كانت تسخر من الاتجاهات التي تزعم أن بمقدورها تصوير الواقع كما هو، ورصده في مختلف جزئياته وتلوناته. وكانت تدعو، وما زالت مع غودار على الخصوص، إلى الوصل بين الأدب والفلسفة من جهة والسينما من جهة ثانية، وهذا لعمري ما نجحت في تحقيقه إلى حد بعيد من خلال العديد من أفلامها.
قبل الختام:
والآن وبعد أن أبطلنا دعوى مفارقة الخطاب الفلسفي للملموس، وبعد تطوافنا في رحاب السينما من خلال استشكالنا لعلاقة الصورة السينمائية بالواقع، ولعلاقة المخرج بمؤلفه (الفيلم) الذي هو ثمرة كتابة سينمائية لا تخلو في الغالب من عمق، نخلص إلى أن السينما كحقل إبداعي تخيلي تهم الفيلسوف على أكثر من صعيد، إذ تملك القدرة على حمل الإنسان على التفكير والاندهاش وتهبه، بفضل خلقها وابتكارها صورا جديدة للحياة، فرصة تجديد فهمه لذاته وللعالم من حوله. أو ليس التفكير، كما يعلمنا دولوز، هو “اكتشاف وابتكار إمكانات جديدة للحياة”[10]؟
الهوامش :
………………………
[1]  – Deleuze (G), Nietzsche et la philosophie, PUF, 9è édition, 1995, p115.
[2] – طه عبد الرحمن، القول الفلسفي، المركز الثقافي العربي، ص142.
[3] – عبد السلام بنعبد العالي، ثقافة الأذن وثقافة السمع، دار توبقال للنشر، ص7-8.
[4]  – Regis de bray, Vie et mort de l’image, Gallimard, p330.
[5]  – Heidegger (M), Qu’appelle t-on penser, PUF, p21.
[6]  – Deleuze (G), L’image-temps, Edition Minuit, p203.
[7] – عبد السلام بنعبد العالي، التراث والاختلاف، المركز الثقافي العربي، ص106-107.
[8] – نور الدين أفاية، السينما، الكتابة والهوية، مجلة الوحدة، العدد 37-38، السنة 1987.
[9] – عبد الرزاق الزاهير، السرد الفلمي: قراءة سيميائية، دار توبقال.
[10]  – Deleuze (G), Nietzsche et la philosophie, PUF, 9è édition, 1995, p115.
——————————————————————————————
المصدر : مجلة فكر ونقد – العدد 49/50 (16)   مايو/يونيو 2002

لودفيج فويرباخ فيلسوف المادية الأنثروبولوجية والتنوير الألماني

أسعد الخفاجي
الحوار المتمدن – العدد: 1600 – 2006 / 7 / 3 – 08:35
المحور: الفلسفة ,علم النفس , وعلم الاجتماع
راسلوا الكاتب-ة  مباشرة حول الموضوع
    

“إن الغرض من كتاباتي ، هو تحويل علماء الآلهة إلى علماء الأنسان ، رجال الكهنوت إلى فلاسفة ، تطوير حكماء كل الأزمنة إلى مستوى طلاب حداثة. تحرير العبيد ، من هيمنة الدين والسلطة الأرستقراطية ، ليصبحوا مواطنين أحراراً ، مفعمين بالوعي والإرادة الحرة”.
لودفيج فويرباخ

عرف الناس في المانيا لودفيج أندرياس فويرباخ أول مرة ، من خلال كتابه الشهير: “جوهر المسيحية” ، الذي صدر عام 1841 في مدينة لايبزج ، عرفوه فيلسوفاً متخصصاً في نقد الفكر الديني. وفي الحقيقة كان الكتاب موجهاً أصلاً ، إلى دائرة ضيقة من المثقفين ذوي الإلمام بالفلسفة. لكنه إنتشر على غير المتوقع ، في عموم ألمانيا ، وجعل مؤلفه الشاب بين ليلة وضحاها في مصاف المشاهير. تصدى فويرباخ في كتابه “جوهر المسيحية” ، للحملة الآيديوليوجية الصارمة التي شنها أنصار الهيجلية ، ضد الأفكار المادية ودعوات التنوير الديني. أثار الكتاب زوبعة من الجدل العنيف حول النقد الديني ، كإحدى مستحقات عصر النهضة ، الأمر الذي أشعل فتيل النقد المضاد ، للفكر الكنسي إلى أبعد الحدود. وبعد سنتين من ذلك التأريخ ، صدرت الطبعة الثانية للكتاب ، لكن فويرباخ بدأ يشعر بضغط سافر ، سلطه عليه رجال الكنيسة ، بسبب ما إحتواه الكتاب من أفكار عدّوها مناهضة لهم. فكتب في المقدمة: “أشعر أني بتأليف هذا الكتاب قد تسببت في إغضاب الله والناس معاً. ويبدو أن الإستهتار قد بلغ مني حداً ، أنني ذكرت فيما كتبت ، أن الديانة المسيحية أصبحت في عداد الماضي ، وأنه يتعين علينا أن نستذكر بإجلال الحقيقي والعظيم والكلاسيكي فقط ، أما غير الحقيقي ، والتافه ، وغير الكلاسيكي ، فينبغي عدم الإشارة إليه والإكتفاء بعرضه أمام الناس كنوع من الطرائف الهزلية!”. وهكذا جلب الكتاب على فويرباخ غضب كبار رجال الدين والمثقفين الهيجليين وغيرهم. مقابل هذا إستقبلته الحركات الثورية واليسارية المعروفة آنذاك (مثل الإشتراكيين والديمقراطيين والشيوعيين) ، بحماس واضح ، لا يخلو من التحفظ والنقد. إن أعمال الفيلسوف والمؤرخ الفلسفي والناقد الديني لودفيج فويرباخ تشكل في فلسفة القرن التاسع عشر إنعطافة هامة ، صوب التنوير والإنعتاق والحرية.

حياته وأعماله
ولد لودفيج فويرباخ في 28 تموز (يوليو) من عام 1804 ، في مدينة لاندزهوت في مقاطعة بايرن (بافاريا) الألمانية الجنوبية. عُمّدَ في صغره حسب المذهب الكاثوليكي ، وتربى حسب المذهب البروتستانتي. أبدى إهتماماً بالأمور الفقهية ، وهو مايزال طالباً في مرحلة الدراسة الإعدادية في مدينة أنزباخ. إلتحق عام 1923 بجامعة هايدلبرج ، ليدرس العلوم الدينية والفقه البروتستانتي. لم يتم تعليمه ذلك ، وبتأثير من كارل داوب ، تحول عام 1824 لدراسة الفلسفة في مدينة برلين ، بإشراف أستاذه الفيلسوف هيجل (1770-1831). وعلى مدى عامين واظب لودفيج فويرباخ بشغف كبير ، على الإستماع إلى محاضرات هيجل في علم المنطق. وفي عام 1826 أضطر تمشياً مع قوانين التعليم ، إلى العودة إلى مقاطعة بايرن ، لدراسة الأدب والتأريخ في جامعة أيرلانجن. وبعد سنة دراسية واحدة ، كتب رسالة جامعية في موضوع علم النبات والتشريح والفسلجة ، أسماها “العقل – لانهائيته ، وحدته ، عموميته”. وفي حزيران (يونيو) عام 1828 تخرج من الجامعة في إختصاص الفلسفة ، ثم حصل في نهاية العام نفسه على شهادة الدكتوراه. وفي غضون الأسابيع القليلة اللاحقة ، بدأ وظيفة التدريس في جامعة أيرلانجن. وكان كتابه “خواطر حول الموت والخلود” باكورة إنتاجاته الأكاديمية. نُشر في عام 1830 بُعيد الأحداث التي هزت ألمانيا ، نتيجة ثورة تموز (يوليو) الباريسية. وبحجة إحتواء الكتاب على نصوص إنتقادية للدين ، تم حظره فور نشره! وتعرض الكاتب بسبب ذلك إلى الملاحقة البوليسية. ونتيجة الإحباط توقف فويرباخ عن التدريس في الجامعة ، إبتداءًّ من ربيع عام 1832. وفي سياق البحث المضني عن البديل ، كتب فويرباخ في موضوع “تأريخ الفلسفة من بندكت وحتى سبينوزا”. وما أن إنتشر صدى تلك الكتابات ، حتى إستدعي فويرباخ من قبل جمعية النقد العلمي الهيجلية ، للمشاركة في تحرير كتابها السنوي. وجلب موضوعان مما نشره فويرباخ في الكتاب السنوي الأنظار ، كونهما يتعرضان بالنقد إلى المدرسة المثالية لهيجل. وألقى فويرباخ للمرة الأخيرة ، محاضرات في الفلسفة في جامعة أيرلانجن ، ضمن الفصل الشتائي للعام الدراسي 1835/36.

تزوج في عام 1837 من المالكة الصناعية برتا لوف ، وسكن معها في جناح من المصنع الذي كانت تملكه ، والكائن في قرية قريبة من مدينة أنزباخ ، مما مكنه من التفرغ للمتابعة الفلسفية ، والبحث العلمي في موضوع العلوم الطبيعية. وإستهوته نظريات عالم الرياضيات الألماني لايبنتس ، فراح يبحث فيها. وتلقى من آرنولد روجز دعوة للعمل معه ، في جمعية الهيجليين الشباب ، وذلك بالمشاركة في إصدار الكتاب السنوي للجمعية إبتداءً من عام 1838. وجد فويرباخ في ذلك المطبوع فرصة جيدة ، للتفاعل مع آيديولوجية وأفكار عصر النهضة ، فنشر كتاب “نقد الفلسفة الوضعية” في عام 1838 ، وكتاب “نقد الفلسفة الهيجلية” عام 1839. وفي عام 1841 صدر في مدينة لايبزج ، كتابه الشهير: “جوهر المسيحية” ، الذي طور نقده للدين بشكل أصبح فيه مميزاً ثقافياً ، لتلك المرحلة من التأريخ. وفي عام 1842 بدأ بكتابة مواضيع معاصرة حول إصلاح الفلسفة ، التي تأخر إصدارها في كتاب بسبب الرقابة حتى خريف عام 1843. وفي هذا الكتاب ، تعرض فويرباخ إلى طرح السؤال التقليدي ، حول كيفية توصل الإنسان إلى فكرة “الأنا” التي كونت الوجود ، ونشوء الفكرة المطلقة.

وتعرض فويرباخ إلى ضائقة مالية ،بسبب تراجع الأرباح للمصنع ، العائد إلى زوجته. وفي فرانكفورت أقام علاقة مع كتلة برلمانية متطرفة ، كانت تعرف بإسم: “اليساريين الديمقراطيين” أو “نادي دونرزبرغ”. وتعرّف عن كثب ، على شخصيات سياسية معروفة ، مثل: كرستيان كاب وفريدريش كاب ، ولودفيج بامبرجر ، وويوليوس فرويبل ، وأتو لويننج ، وكارل فوجت. وإكتشف فويرباخ في وقت مبكر عدم جدوى الجهود البرلمانية ، ولم يعول عليها كثيراً. وإنتقل في خريف عام الثورة 1848 إلى هايدلبرج ، بناء على دعوة طلاب الجامعة هناك ، لإلقاء 30 محاضرة فلسفية مفتوحة عامة ، في موضوع طبيعة الدين ، إستمرت لغاية آذار (مارس) من عام 1849 ، إستناداً إلى كتابه “جوهر الدين” ، الذي كان قد صدر عام 1846. وتمنى طلابه آنذاك أن ينضم فويرباخ إلى الهيئة التدريسية لجامعة هايدلبرج ، لكن إدارة الجامعة مانعت بشدة في ذلك وآثرت عدم التعاون معه ، بتأثير مباشر من رجال الكنيسة. وقررت عدم السماح له بإلقاء المحاضرات في قاعاتها ، مما إضطره إلى إستخدام قاعة البلدية لهذا الغرض. وتنوع زوار محاضراته الذي وصل عددهم 250 مستمعاً ، بين طلبة الجامعة (ومنهم جوتفريد كلر وأدوارد بروكهاوس) ، الذين شكلوا نسبة الثلث ، وبين المواطنين من خارج الجامعة ، الذين كونوا الثلثين. وجمع محاضراته الثلاثين التي ألقاها في هايدلبرج ، في كتاب صدر عام 1851 في لايبزج ، في ثمانية أجزاء ، أسماه: “محاضرات حول جوهر الدين”.

وبعد إندلاع ثورة آذار (مارس) عام 1848 ، طُلب من فويرباخ الترشيح نائباً في برلمان فرانكفورت عن دائرة أنزباخ. ثم عاد عام 1849 إلى بروكبرج ، تملأ قلبه المرارة ، ليراقب إنحسار الثورة في عموم القارة الأوربية. ونشر مقالتين ساخرتين كتبهما بإسلوب مفعم بالإنتقاد اللاذع لقوى الرجعية المنتصرة ، إشتهر في إحداهما وكانت بعنوان: “درس في المواد الغذائية للمواطن” ، من خلال قدرته الفائقة على إستخدام الألفاظ اللغوية لأغراض النقد الحاد ، مثل: “إن الإنسان هو ما يأكل!”. وبالتدريج دفن فويرباخ نفسه في أعماق الكتب ، التي تتحدث عن الثقافتين اليونانية والرومانية. وفيما هاجر زملاؤه النشطاء إلى كل مكان خارج ألمانيا ، هرباً من الملاحقة البوليسية ، قرر فويرباخ الهجرة إلى الولايات المتحدة ، لكنه عدل عن الفكرة ، بسبب عجزه عن الحصول على المال اللازم ، لتغطية تكاليف الرحلة!

وفي عام 1859 أفلس مصنع بروكبرجر كلياً. ولم يخسر فويرباخ وزوجته كل مدخراتهما وحسب ، وإنما طردا أيضاً من السكن فيه! وبعد جهود مضنية إستطاع العثورعلى دار قديمة للسكن ، في قرية رشنبرج قرب نويرنبرج. وقد ساعده أصدقاؤه من زمن الثورة ، في توظيب الدار ونقل أثاثه إليها ، وفي تغطية مصاريف المعيشة ، وذلك من خلال جمع التبرعات. وإنخفض معدل كتاباته كثيراُ ، مقتصراً على المقالات البسيطة ، حول الروحيات والماديات وحرية الإختيار. و هزت الحرب بين بروسيا والنمسا عام 1866 فويرباخ من الأعماق ، فبدأ على غير عادته يهتم بالأوضاع السياسية. لكنه رفض تماماً المشروع الوحدوي لبسمارك ، وعدّه مشروعاً تعسفياُ ، لا يترك للناس حرية تقرير مصيرهم. وإنكب في تلك الفترة من حياته ، على دراسة الجزء الأول من كتاب “رأس المال” لكارل ماركس. كما وأبدى تضامنه مع حركة التحرر النسوية ، المتصاعدة آنذاك في الولايات المتحدة. وفي عام 1868 بدأ كتابة مؤلفه الجديد ، حول الأخلاق وحرية الإختيار ، ولكنه لم يتمه. إلتحق في عام 1869 بحزب العمال الإشتراكي الديمقراطي ، إستجابة للعلاقة مع صديقيه ليبكنشت وبيبل. وفي نهاية عام 1871 ظهر على صفحات جريدة الحزب ، نداء يدعو القراء إلى جمع التبرعات للفيلسوف فويرباخ ، الذي أصابه الفقر المدقع. وكررت صحف أخرى نشر النداء ، فإستجاب القراء لذلك النداء ، وتوفر لديه مبلغ من المال ، كاف لضمان معيشته مع زوجته وإبنته حتى رحيله.

فلسفته المادية
عندما بدأ فويرباخ أبحاثه حول الدين ، كان التصور الفلسفي المثالي قد بلغ القمة ، في عهد التنوير الألماني ، ولاسيما فلسفة هيجل. وجد فويرباخ نفسه أمام كنيسة معادية للعقل ومعادية للتقدم ، ومتحالفة مع السلطة الإصلاحية القمعية الحاكمة. والواقع أنه كان تواقاً إلى فلسفة للمستقبل ، فلسفة بعيدة عن الإدعاءات المثالية ، فلسفة تتخذ من الإنسان نقطة للإنطلاق ، بعيدة عن الجوهر المطلق ، قريبة من الكيان البشري النسبي ، ومن تجاربه الملموسة ، لذلك أُطلق على منهاج فويرباخ الناقد للفكر الديني إسم “الفلسفة المادية الأنثروبولوجية”. بموجب تلك الفلسفة ، أعلن فويرباخ ، أن الدين هو إنعكاس لاغير لأمنيات البشر وتصوراتهم ، ومن أجل منفعة الإنسانية الحقيقية. وخصص فويرباخ أبحاثه لمناقشة مفهوم “النوع الإنساني” للبشر ، عوضاً عن الإله ، بحيث أن الإنسان يرى نفسه كوحدة متكاملة. أراد فويرباخ من خلال ذلك أن يضئ الجوهر المظلم للدين بمشعل العقل ، لكي يتوقف الإنسان عن أن يكون فريسة أو لعبة بيد القوى المعادية للإنسانية ، التي مازالت تستخدم ظلمات الدين في إضطهادها للناس. إن نهج فويرباخ إيجابي ، تأكيدي ، يمنح الطبيعة والإنسان كلاهما المعنى والكرامة. به تنتعش الطبيعة ويزدهر الإنسان. على عكس الفلسفة المثالية التي حجبت ذلك عن أتباعها ، وسلبتهم كل حيويتهم وقوتهم. وبينما يستند علم الإلهة في تكوينه إلى الأخلاق والعدل ، لايكف رجال الدين عن تبرير أكبر المظالم ، وأشد الشرور المرتكبة ضد الإنسان والطبيعة بإسم الدين.

ويمضي فويرباخ في منهجه الفلسفي ، ليشير إلى ضرورة أن يكون الإنسان المحسوس الظني الإجتماعي ، منطلق كل الفلسفات. إن الإنسان حسب فويرباخ هو مقياس واقعي لجميع الأشياء ، كما وأنه مقياس للحقيقة. يجب إلغاء جميع التناقضات الموجودة في الواقع: حيث تُؤنسن الآلهة ، وتتحول وهماً إلى واقع يجري تقديسه. وفيما يتعلق بكيان الإله ، رأى فويرباخ أن ضمير اللانهائي لا يعدو أن يكون ضميراً للانهائية الضمير. عليه فإن ضمير الإله ماهو إلا الضمير الشخصي للإنسان. ومعرفة الإله ماهي إلا معرفة الإنسان لِذاته. إن الإله هو الإعتراف الصريح ، بأسرار الحب والخوف المخزونة في داخله ، وإنعكاسها إلى الخارج. إن الإله هو محض تعبير عن الذكاء البشري ، والإرادة البشرية ، بما فيها الكمال والعدالة والحب. وبإمكان خيال الإنسان أن يخلق من القوى والغرائز والرغبات والغرائز كياناً حقيقياً ، هو ما سماه “الإله” ، الذي يجسّد كل هذه الأشياء بشكل متكامل. إن الدين هو سلوك الإنسان تجاه ذاته ، وكأنه يتعامل مع كيان آخر. ففي الدين يفصل الإنسان كيانه النهائي الفردي ، عن كيانه اللانهائي كنوع ، يزيّن الأخير بنفائس الصفات ، ثم يبدأ بعبادته. إن التمييز الخاطئ بين الصفات البشرية والصفات الإلهية (أي فوق البشرية) ، يؤدي إلى أن الفرد (الأنا الأول) سيشعر بأنه ذو قيمة دونية ، ومفعم بالخطايا ، بينما يُبجّل نصفه الثاني (الأنا الآخر) كإله (كيان النوع البشري). ينتج عن ذلك معاناة الإنسان من حدوث إنفصام شخصي ، وإغتراب ، وبؤس ، على سبيل المثال إنفصال الجسد عن العقل ، في كل زمان بدلاً من هذه المرة. يقول فويرباخ: ” إن الإنسان هو الذي إبتدع فكرة الإله ليكون على شاكلته”. وقد آن الأوان لكي يستعيد العقل البشري حسيته ، لغرض إيجاد الوحدة الموضوعية بين الجسد والعقل. وقد أصطلح على ذلك بالمادية الإنسانية لفويرباخ.

ويعد كتابه “جوهر المسيحية” المؤلف الأفضل الذي شرح فلسفة فويرباخ. وقد تقدم فويرباخ في هذا الكتاب على سابقيه من المفكرين الذين إنتقدوا الدين أمثال جوردانو برونوز ، أو باروخ سبينوزا ، رغم أنه إستفاد من أفكارهما. كان فويرباخ أشد تأثراً بحركة التنوير الفرنسية ، ولاسيما أعمال الناقد للدين فولتير ، والأفكار الفلسفية المادية لديدرو ، ودولباخ. في الوقت نفسه تأثر فويرباخ بأفكار فلاسفة التنوير الألمان ، إبتداءً من لايبنتس ، حتى كانت و هيجل. وقد أبدى تجاه الأخير تحفظاً ، فإنتقده بسبب تصوراته المثالية. وبوضعه الإنسان في مركز الثقل تألق فويرباخ في أوربا كرائد للفلسفة المادية. إن أهم ما ورد في كتابه “جوهر المسيحية” ، إستنتاجه أن الدين ما هو إلا محاولة بدائية بائسة ، لإضفاء صفة المطلقية على السلوك البشري. لقد إنتزع الإنسان من داخله عناصره المكونة: كالعقل ، والإرادة ، والقلب ، وصدّرها إلى خارجه ، متوهماً أن تلك العناصر موجودة موضوعياً في الطبيعة ، دونما أية علاقة بكيانه البشري. بموجب ذلك كان للدين نشأته الطبيعية ، ووظائفه الطبيعية. والواقع أن هذا التفسير الخيالي أفقد الدين مبررات نشوئه ، وجرده من الهيمنة على الطبيعة. عليه تحول الدين إلى مصدر أساسي (طبيعي) لمعرفة الكيان البشري: “الدين هو إنعكاس ذاتي للكيان البشري” ، “الرب هو مرآة للإنسان”. وبالمقارنة بما جاء في الكتاب المقدس حول “خلق الرب للإنسان على شاكلته” ، يرى فويرباخ: “أن الإنسان هو الذي صمم الإله حسب شاكلته وسلوكه وليس العكس”. و “إن خوف الإنسان من الفناء جعله يؤمن بالآلهة”. إلى ذلك فإن ” المقبرة البشرية هي المكان الذي تولد فيه الآلهة!” ، و”عندما خلق الإنسان آلهته
جعل جوهرها متطابقاً مع جوهره ، فيما عدا الحدود المفروضة عليه ، كالفناء والمرض. إن الإله هو الصيغة المثالية للإنسان ، إذا إستثنينا اللامحدودية ، والتكامل ، والكمال ، والخلود ، والقدسية ، التي هي من صفات الآلهة حصرياً”.

وبعد أن ناقش فويرباخ فكرة الخلق خلص إلى أن الإنسان هو الذي إخترع فكرة الإله ، الذي لايمكن أن يُعد كياناً مادياً ، وإنما هو نتاج الفكر البشري. إن الإله ذلك الكيان المجرد ، الذي ينشأ من مطلقية الفكر الإنساني وحده ، ليس هو خالق كل الأشياء ، لأنه صناعة بشرية. لذا فإن المادة ، حسب فويرباخ ، هي تاج الحياة ، هي وحدها الخالدة. أما الإنسان فهو ناتج مادي ، يُصنع فيها ومن خلالها ، ويتطور منها ، لذلك يحق القول “أن الإنسان هو ما يأكل!”. من ناحية أخرى ، إتهم فويرباخ في كتابه ، الدين بتجريده الإنسان من حريته ، ووضعه في حالة إغتراب وإنفصام مع ذاته وكيانه ، الأمر الذي يتطلب منه التخلص من الدين ، ليصبح قادراُ على إستيعاب دوره كلياً ، وإدراك حقيقة أولوية المادة في الطبيعة ، “حينذاك فقط يمكن للإنسان أن يستوعب معنى الحياة على هذا الكوكب”.

الواقع أن المنظور المادي لفويرباخ حول الفكر الديني ، لم يجرد الديانات من طبيعتها المبهمة ، وحسب ، إنما وجه ضربة قاسية ، لفلسفة هيجل المثالية ، القائلة بأولوية الفكرة المطلقة. وعلى هذا الصعيد ، أدت أعمال فويرباخ الناقدة للدين ، إلى تنازله النهائي عن الفلسفة المثالية الهيجلية. وبصدور كتاب “جوهر المسيحية” يكون فويرباخ قد تبنى منهجاً في النقد الديني ، صار بديلاً عن الفلسفة المثالية الألمانية. أجاب فويرباخ على كيفية نشوء الفكرة المطلقة ، وتوصُل الإنسان إلى فكرة “الأنا” التي كونت الوجود ، أجاب كالآتي: إن هذه “الأنا” ، كذلك الفكرة المطلقة ، ما هما سوى “فقه علماني” ، أو بعبارة أخرى “تعبير عن قدرة الإنسان على التنظير” ، أي بمعنى: “نقل تفكير الإنسان إلى خارج الإنسان”. وفي مؤلفه “أسس فلسفة المستقبل” ، الذي صدر بعد عام من ذلك التأريخ ، جسّد فويرباخ هذا النقد في مقولته الشهيرة: “إن الحقيقة الأولية هي الحقيقة المحسوسة ، وعلى التفكير أن يبدأ بها”. من هنا يقوم الأساس المعرفي النقدي: “إن الحقيقة لاتوجد في التفكير ، ولا في المعرفة بحد ذاتها ، وإنما تتولد فقط من رحم الحياة البشرية ، والجوهر الإنساني”. ومن خلال نقده للفكر الديني والفلسفة المثالية ، الذي عدّته أوسع الأوساط دعوة جريئة إلى التحرر الإنساني ، إشتهر فويرباخ ، كرمز قيادي في ثقافة الحداثة التي أسست لها مدرسة فرانكفورت. وواضح تأثير فويرباخ الفلسفي ، على كل من ماركس وأنجلز ، من خلال المراسلات العديدة معه. وقد تعاطف هو نفسه ، مع الأفكار الماركسية – الأنجلزية.

لم يكن فويرباخ مستهزئاً بالدِّين ، ذلك لأنه رأى الجانب الدِّيني للحياة ليس عبثاً ، وإنَّما رآه كمفهوم أساس لإدراك الإنسان لذاته: “وما الدين غير علاقة الإنسان بطبيعته” ، “إن فكرة الإله المجسّد لصفات البشر ، تعني أن الإنسان ، عندما يكون عابداً ، فإنما يعبد كمالات نوعه هو”.
ذلك لأن موضوع الدِّين الرئيسي هو الإنسان ، كما يتضح من تحليل الخبرات الدينية ، التي تتعدَّى صور الإله غير المتناسقة. “لقد جعلت نفسي في دور المستمع الذي يقوم بالتأويل ، وليس التلقين”. فالإله عند فويرباخ انعكاس للإنسان على ذاته. إن سقوط الدين في التحولات العلمانية هو نوع من التطور. ففي السابق أرجع الإنسان كل شئ خيراً وشراً إلى الإله ، ومع التطور التأريخي ، تراجع ذلك الدور للدين ، ويبدو أن هذه العملية مستمرة حتى النهاية. ومن الواضح أن الوهن بدأ يصيب علوم الآلهة ، في الوقت الذي تتألق فيه علوم الإنسان. إن الشك في وجود الآلهة لا يعني البتة التنكر إلى القيم المنسوبة إليها. إن الإلحاد ما هو إلا الإرتباط التام بالإنسانية. إن الإنسان هو إله الإنسان. والمرء حينما يتعبد فإنه يتعبد للإنسانية وقيمها الجيدة. لذا فإن الحب الإلهي ما هو سوى الحب الإنساني.

أوضح فويرباخ في محاضرته الثالثة التي ألقاها عام 1848 على طلاب جامعة هايدلبرج ، الفرق بين كتابيه: “جوهر المسيحية” الذي صدر عام 1841 ، وبين “جوهر الدين” الذي صدر عام 1846 ، مبيناً مايأتي: ” كان موضوع البحث في كتابي الأول حول الإله ككيان أخلاقي ، دون التطرق إلى النصف الثاني من الإله ، ونعني صفاته الفيزيائية. لذا توجب علي الإشارة في كتابي الثاني ، إلى دين الطبيعة ، الدين الذي يشمل الإله الفيزيائي. لقد توصلنا في الكتاب الأول إلى أن الإله هو كيان معنوي ، أو بعبارة أخرى ، الكيان العقلي المؤلّه والمجسد للإنسان. عليه يكون علم الآلهة عملياً هو علم الإنسان. أما في كتابي الثاني ، “جوهر الدين” ، فإني وصفت الإله الفيزيائي ، أو الإله الذي الذي تسبب في قيام الطبيعة ، والكواكب ، والأشجار ، والصخور ، والحيوانات ، والبشر ، حيث أن تلك أيضاُ كيانات فيزيائية طبيعية. وهنا يتحول علم الآلهة بالضرورة إلى علم الإنسان والفسلجة! ويمكن تلخيص فلسفتي الأنثروبولوجية بكلمتين: الإنسان والطبيعة!”. من أجل إيجاد توافق بين “إنسانية” “جوهر المسيحية” و”طبيعية” “جوهر الدِّين”. حاول فويرباخ أن يعثر في مفهوم الإله على العناصر الإنسانية والطبيعية. وصرح فويرباخ في حينها واصفاً الغرض من كتاباته ومحاضراته ، بأنه “تحويل الفقهاء إلى علماء الإنسان ، ورجال الكهنوت إلى فلاسفة ، تطوير حكماء كل الأزمنة إلى مستوى طلاب حـداثة. وتحرير العبـيد من هيمنة الـدين والسلطة الأرسـتقراطية ، ليصبحوا مواطنين أحراراً ، مفعمين بالوعي والإرادة الحرة”. ومن الجدير بالذكر أن فويرباخ ، توصل في أبحاثه إلى أن الديانة المسيحية تتعارض والفلسفة.

نهايته
مات رائد الفلسفة المادية لودفيج فويرباخ ، في الثالث عشر من أيلول (سبتمبر) عام 1872 في مدينة نورنبرج الألمانية ، إثر نوبة رئوية حادة ، وكان في حينها فقير الحال ، مشوش الأفكار. ونشرت الصحف في ذلك الحين وصفاً لدفنه في مقبرة يوهان ، في مدينة نورنبرج البافارية ، جاء فيه: “لقد شارك في التشييع عدد هائل من الناس ، والمنظمات ، وحزب العمال الإشتراكي الديمقراطي”. وهكذا ، وفي سياق إطفاء أية شعلة للتحرر ، من قبل قوى الظلام الفكري ، إنطفأت فلسفة فويرباخ نهائياً في عقول وأفئدة القراء ، ولم يعد أحد ليهتم بها. فيما إشتهرت فلسفته في إنجلترا والولايات المتحدة ، بعد أن تُرجم كتابه “جوهر المسيحية” إلى اللغة الإنجليزية.
ومما أكسبه شهرة أوربية أن فويرباخ كرس فلسفته لمساواة المرأة بالرجل. وفي رسالة إلى أحد الأصدقاء السياسيين كتب فويرباخ حول موقع المرأة في المجتمع الديني الألماني قائلاً: “حقاً يختلف الرجل والمرأة جسدياً ، وعقلياً ، الأمر الذي جعل هذا الفرق يقود إلى هيمنة الرجل على المرأة ، وعزلها عن النشاطات الفكرية عموماً ، ووضعها بين جدران المنزل. وأنا على ثقة أنها لو مارست السياسة ، ستكون مثل الرجل. ربما ستصنع سياسة مختلفة ، سياسة أفضل من السياسات التي يصنعها الرجال!”

كتب فويرباخ عن محاضراته عام 1848 في جامعة هايدلبرج قائلاُ: “سأذهب إلى هايدلبرج لإلقاء محاضرات حول جوهر الدين. ولو أن بذرة واحدة فقط مما سوف أزرع هناك ، نبتت بعد مئة عام ، وأصبحت شجرة ، فإنني أكون قد أديت خدمة إلى البشرية”. “حقاً أن الإنسان يجهل الكثير مما يحدث له من حوله ، لكن ذلك لايبرر اللجوء إلى ماوراء الطبيعة ، للعثور على التفسير. كم من أسرار عجز أسلافنا عن معرفة كنهها ، واليوم يلم الإنسان بكل خفاياها”. لقد ترك فويرباخ بنظريته الدينية أثراً قوياً على الفكر الإنساني إلى يومنا هذا. فلايستطيع باحث أن يكتب ، حتى في القرن الحادي والعشرين ، عن الفكر الديني ، دون المرور مثلاً بالنظرية الإسقاطية ، القائلة أن الإنسان إبتدع الآلهة حسب صورته ، وأن الإله ليس سوى الفكرة التي يتمناها كل إنسان لنفسه ، ولا يفقه عنها شيئاً ، رغم وجودها في داخله: “لا شئ حقيقياً سوى البشري الفعلي المحسوس”.

ولم يعد الناس ، عدا الدائرة الضيقة من المثقفين وذوي الإختصاص ، يهتمون بأفكار فيلسوف التنوير الألماني لودفيج فويرباخ. والحكومة الألمانية التي تصدر كل يوم طابعاً يحمل رمزاً دينياً كنسياً ، تذكرت أخيراً فأصدرت طابعاً بريدياً يتيماً ، يحمل صورة فيلسوف التنوير فويرباخ. والغريب في الأمر أن ذلك يحدث في بلاد مثل (ألمانيا) ، حيث أكثر من ثلث شعبها متحرر صراحة من الدين!.

الفلسفة

مدخـل
إن أول من يتعامل مع مادة الفلسفة يثير فيه الفضول الفكري عدة تساؤلات حول طبيعة الفلسفة وأهميتها، ومنفعتها، وما إذا كانت فكراً يمكنه أن يترجم إلى ممارسات عملية، إلى غير ذلك من التساؤلات؛ وهي – في الواقع – تساؤلات حاول الفلاسفة الإجابة عنها. وبتعبير آخر، إن هذه التساؤلات مرتبطة بتاريخ الفلسفة ذاتها.. ولعل محتويات هذا الدرس كفيلة بإظهار ذلك؛ وهي في نفس الوقت إجابة مباشرة على بعض التساؤلات التي يطرحها المتعلم على نفسه.
·         فما هي الفلسفة؟
·         وما علاقتها بالحياة والمجتمع؟
·         من هو الفيلسوف ؟ وما طبيعة شخصيته؟
·         ما هي رهانات الفلسفة؟
إن الإجابة على السؤال ما هي الفلسفة؟ ليست إجابة سهلة، لأن طرح السؤال إشعار بالتفلسف ودخول في حبال الفلسفة. فكما يقول هيدغر Heidegger إن هدف السؤال “هو الولوج داخل الفلسفة والإقامة فيها والتصرف وفقها، أي التفلسف” ؛ فالسؤال يحتم علينا أن “نتحرك داخل الفلسفة، عوض أن ندور حولها”، لأن السؤال ما هي الفلسفة؟ من طبيعته أنه سؤال ماهوي، وسؤال إشكالي. أضف إلى ذلك أن الإجابة المباشرة على السؤال ما هي الفلسفة؟ تعترضها عدة صعوبات، بعضها يرجع إلى غير المتفلسفة، وبعضها يرجع إلى الفلاسفة أنفسهم:
فالأوائل تصدر عنهم آراء متضاربة، بعضهم يصف الفلسفة بأنها ثرثرة وكلام فارغ، وبعضهم يعتبرها تفكيرا في الغيبيات، وبعضهم يعتبرها آراء وهمية، إلى غير ذلك من النعوت القائمة على الأفكار القبلية، والمسبقة، التي لا تستند إلى علم بالموضوع..
أما الصعوبات التي يخلقها الفلاسفة فإنها صعوبات تكمن في عدم إجماعهم على تعريف محدد. فحينما يعرف الفيلسوف الفلسفة، إنما يعرف فلسفته الخاصة. وهذا ما يجعلنا أمام زخم هائل من التعاريف قد يصل عددها إلى عدد الفلاسفة أنفسهم، وذلك يرجع إلى عوامل أربعة رئيسة:
ا) غياب موضوع محدد: فالفلسفة لا تدرس موضوعا بعينه. فكل موضوع صالح لكي يجلب اهتمامات الفلاسفة مادام يتسم بطابع الإشكالية. لذا يقال إن الفلسفة تدرس كل شيء بما في ذلك نفسها.
ب) غياب منهج موحد: لكل فيلسوف منهجه الخاص، يعتقد أنه موصله إلى اليقين. وقد يتأثر الفيلسوف ببعض العلوم فيقتبس منها مناهجها (ديكارت مثلا). لكن، في غالب الأحيان الفلاسفة مناهجهم الخاصة (المنهج التوليدي عند سقراط مثلا).
ج) ارتباط الفلسفة بالعصر: إن الفيلسوف مرتبط بقضايا زمانه وعصره، هي التي تملي عليه المواضيع والإشكاليات، وسبل التفكير، وطبيعة المعارف التي سيستخدمها.. ولما كان عصر أفلاطون ليس هو عصر ديكارت، لابد أن نجد اختلافا بين الفيلسوفين سواء في تعريف الفلسفة أو تحديد أهدافها ..إلخ.
د) قناعات الفيلسوف الخاصة: يمكن أحياناً أن ينتمي الفلاسفة إلى نفس العصر (الطبيعيون مثلا) أو لعصور متقاربة، لكن هذا لا يمنع وجود الاختلاف بينهم. لأن لكل فيلسوف قناعاته الفردية تكون مسؤولة عن تميزه وتفرده، واتسام فلسفته بالجدة والأصالة.
إن الإشكالية التي تضعها الفلسفة من خلال تنوعها، تدفعنا إلى طرح السؤال التالي: ما قيمة الفلسفة؟ يجب أولا أن نعلم أن الفلسفة لا تهتم بالقضايا التي تدخل ضمن اهتمامات العلم، بل – كما يقول برتراند راسل B. Russel – “إن موضوعاً ما يكف عن الانتماء إلى الفلسفة ويصبح موضوع علم قائم بذاته، بمجرد ما يكون تحقيق معرفة مضبوطة ومحددة عنه أمرا ممكنا.” لكن، هل فسر العلم كل شيء ؟ هل وصلت المعرفة العلمية إلى أوجها؟
إن استقلال العلم عن الفلسفة مكنه من أن يحقق تطورا سريعا؛ لكن، ابتداء من القرن التاسع عشر ظهرت في العلم قضايا، وإشكاليات، وأزمات (كأزمة البداهة، وأزمة التجربة مثلا)، أضحى العلم إثرها في حاجة إلى الفلسفة قصد القيام بدراسة نقدية لمبادئه، ومناهجه واستباق نتائجه. وهذا ما أدى إلى ظهور نوع جديد من فلسفة العلوم يسمى “الإبستيمولوجيا”.
قديما كانت المواضيع التقليدية تنحصر في دراسة الوجود (الأنطولوجيا)، ودراسة القيم (الأكسيولوجيا)، ودراسة المعرفة (الغنوسيولوجيا). وهذا لا يعني أن هذه المواضيع أصبحت متجاوزة، لأن العلم لم يقدم كل الحلول، ولأن العالم سيظل لغزا محيرا للإنسان.
قيمة الفلسفة تكمن – إذن – في كونها تستطيع أن تدرس قضايا يعجز العلم عن حلها، بل قد يحتاج إليها العلم لتفسير تحولاته وأزماته. كما أن القضايا الفلسفية قضايا أكثر عمومية كالقضايا المصيرية المرتبطة بالوجود الإنساني، كالموت والحرية ..إلخ. وتكمن قيمة الفلسفة كذلك، في كونها فكر إشكالي يرفض ويحارب الاستسلام للأفكار القبلية والاعتيادية؛ لأنها تخضع كل شيء للنقد، وتضع كل شيء موضع تساؤل. ومن ثمة يتبين أن قيمة الفلسفة لا يمكن حصرها في جانب معين، إنها تظهر بقدر ما تنجح في تحويل الموضوعات إلى قضايا إشكالية.
إذا كانت قيمة الفلسفة كذلك، فمن أين نبدأ التفلسف؟ يؤكد إدموند هوسرل E. Husserl أن التفلسف يبدأ بالرجوع إلى الذات قصد تحطيم المعارف المسلم بها والجاهزة، والتي يمكنها أن تكون عائقا إببستيمولوجيا في بلوغ الحقيقة. فعلى الفيلسوف أن ينشئ فلسفة خاصة، قائمة على حدوسه المطلقة، وعلى أسس حجاجية وبرهانية ومنهجية.
وعليه كذلك أن ينزع بفلسفته نحو الكونية. لكن عليه أن يتحلى دائما بالتواضع المعرفي، وأن يؤمن باستمرار بحاجته إلى طلب المزيد من المعرفة. من هذا المنطلق يكون الشك المنهجي – الذي أسسه ديكارت – أسوة لكل فيلسوف مبتدئ، وبهذه الطريقة وحدها تولد الفلسفة.
من خلال ما تقدم، يمكن أن نستشف، أن صعوبة تعريف الفلسفة لا تعني بالضرورة، أن الفلسفة فكر متعال عن الواقع، أو فكر يصعب إدراكه وتمثله. إنما يعني ذلك فقط أن للفلسفة بعض الخصوصيات التي تميزها عن غيرها،وهذه الخصوصيات يمكن اعتبارها في ذات الوقت آليات مشتركة بين سائر الفلاسفة. ويمكن تلخيص بعضها إجمالا في ما يلي:
1. النسقية: إن مفهوم النسق يفيد النظام والتأليف، ويشير إلى وجود منظومة من العناصر. ومن هذا المنطلق، نقول إن الفلسفة ليست فكرا مرتجلا، وليست شطحات فكرية لا يعرف مصدرها، وليست شذرات من الآراء من هنا وهنالك؛ وإنما هي تفكير منظم، وبنية من الأفكار والنظريات. فقد يتناول الفيلسوف موضوعات متعددة، كالوجود، والمعرفة، والقيم، لكن هذا لا يمنع من اتسام فلسفته بالنظام والتدرج، ولاحتكام إلى صرامة منطقية.
2. العقلانية والتأمل: إن الفلسفة فكر عقلاني تأملي باعتبارها فكرا بعيدا عن الارتجال، وخصوصا لأن العقل وحده يستطيع أن يبحث في القضايا ذات الطبيعة الفلسفية. كما أن الفلسفة تفكير عميق يبتعد عن العواطف الوجدانية حيث يقول هيدغر Heidegger: “فالعواطف، لا تنتمي إلى الفلسفة، والعواطف، كما يقال، هي شيء لا عقلي. والفلسفة، على العكس من ذلك، ليست شيئا عقليا فحسب، بل المدبر الحقيقي للعقل.”
3. الشمولية: إن الفلسفة – على خلاف العلم – تترفع عن الجزئيات، حيث لا تهتم إلا بالقضايا الأكثر عمومية، وتتسم بالتناول الكلي للموضوعات..
4. التجريد: قد تكون الفلسفة وليدة واقع معين، لكنها تحتفظ لنفسها بالمقاربة التجريدية،لأنها ابتعاد عن الارتباط العضوي والمباشر بالمحسوس والجزئي، خصوصا وأنها تسعى إلى بناء معارف ذات طابع شمولي وعام.
5. النقد: إن الفلسفة فكر نقدي لأنها إعادة نظر متواصلة، خصوصا وأنها لا تؤمن بوجود معارف ثابتة ومطلقة. كما أنها تجاوز للاعتقادات الساذجة والبديهية. لذا تتسم بالشك القبلي في وجود معرفة نهائية.
6. التساؤل: إن الفلسفة فكر تساؤلي باعتبارها فكرا إشكاليا نقديا. فالتفكير الفلسفي يجعل من كل شيء موضوع تساؤل ومناقشة وسجال. لذا قال كارل ياسبرس Jaspers : “الأسئلة في الفلسفة أهم من الإجابات عليها، وكل جواب يصبح بدوره سؤالا جديدا”.
إن الخاصية الأخيرة تدفعنا إلى أن نتساءل : ما هي طبيعة السؤال الفلسفي؟ وما هي خصوصياته؟
يحددها ألان جورانفيل A.Juraville في ما يلي:
(ا) إن السؤال الفلسفي سؤال قصدي، لأنه يروم بناء معرفة تتسم بالشمولية والإطلاقية.
(ب) إن السؤال الفلسفي سؤال يتضمن شكا قبليا في الجواب، على اعتبار أن ليست هناك معرفة جاهزة ونهائية.
(ج) إن السؤال الفلسفي يوجه بالخصوص إلى أولئك الذين يعتقدون امتلاك الحقيقة (سلوك سقراط مثلا)، ليظهر لهم دونية معرفتهم. فالفلسفة فكر يجند نفسه ضد الوثوقية (الدوغمائية).
(د) إن السؤال الفلسفي تساؤل، باعتباره سؤالا يتضمن في الواقع سلسلة متدرجة من الأسئلة: فكل سؤال يستدعي سؤالا آخر؛ وكل سؤال هو بداية لتساؤل جديد (كارل ياسبرس).
إن طبيعة السؤال تتحدد وترتبط بطبيعة الجواب ، وتفسر لماذا تتعدد الخطابات الفلسفية. إن السؤال الفلسفي – في العمق – ليس إلا إشعارا بحدوث الدهشة لدى المتسائل. وكما قال أرسطو : ” إن الدهشة هي التي دفعت الناس إلى التفلسف”. فالإنسان هو أكثر الموجودات دهشة، لأن الدهشة تتطلب درجة عالية من العقل. إلا أن هناك اختلافا بين “الدهشة العلمية” و”الدهشة الفلسفية” ؛ فكما يرى شوبنهاور Schopenhauer : دهشة الفيلسوف هي دهشة أمام الأمور الاعتيادية والتي تكتسي حلة البداهة، وهي دهشة أمام الأشياء ذات الصبغة الأكثر عمومية، وجعلها موضوع التساؤل، وتحويلها إلى قضايا إشكالية. أما دهشة العالم، فهي دهشة أمام أمور جزئية نادرة ومنتقاة، وهي سعي لربطها بقضايا معروفة لديه سابقا، أو بتعبير أدق هي إرجاع المجهول إلى المعلوم.
وما دامت هناك أمور تؤلم الإنسان كالمرض والموت، والبؤس، والشقاء.. وما دام الوجود الإنساني ووجود العالم يشكلان لغزا محيرا فستستمر الدهشة الفلسفية وسيستمر التفلسف.
إن الفلسفة شأنها شأن أشكال الوعي البشري، فهي لصيقة بقضايا المجتمع وهموم العصر الذي أفرزها ؛ وقد قال ماركس Marx في هذا الصدد : “ليس وعي الناس هو الذي يحدد وجودهم، بل إن وجودهم الاجتماعي هو الذي يحدد وعيهم”.
إن الفلسفة – إذن – ليست فكرا مستلبا أو متعاليا عن الواقع الاجتماعي وإنما هي خلاصة عصرها، وتاريخ الفلسفة حافل بالنماذج التي تؤكد ذلك: إن تفكير أفلاطون في “مدينة مثالية” (كتاب الجمهورية) لم يكن إلا محاولة منه لإصلاح المجتمع اليوناني الذي أفسده السفسطائيون. وما تفكير الفارابي في “مدينة فاضلة” إلا محاولة لإرجاع الدولة الإسلامية إلى أمجادها البائدة.
لكن الفلسفة تختلف عن السوسيولوجيا والأنثروبولوجيا. لأنها ليست دراسة علمية موضوعية لقضايا مجتمع معين ؛ وليست مجرد تشخيص لبعض الأمراض الاجتماعية. إن الطابع العام والشمولي للفلسفة يأبى ذلك. إنها لا تدرس ما هو كائن إلا في إطار ما ينبغي أن يكون. إن طموح الفيلسوف إلى تحقيق الكونية يجعله يترفع عن أن يصبح مجرد مصلح اجتماعي، أو أن يكون على الأكثر عالما اجتماعيا فرضته ظرفية تاريخية. فما هو السبب – إذن – في اهتمام الفيلسوف بقضايا الحياة والمجتمع؟
يكمن جواب ذلك في عاملين متداخلين، أولهما أن الفلسفة بحث عن الحقيقة ؛ والأجوبة التي تقترحها، تبين أنها فحص مثابر وراء الإسهام المباشر في حل المشاكل الإنسانية مهما كانت فرص النجاح ضعيفة. وهنا يبزغ العامل الثاني، والذي يتجلى في الأهمية القصوى التي توليها الفلسفة للإنسان وتعتبره مركز اهتماماتها، حيث لا تهتم بالقضايا إلا بقدر ما ترتبط بالإنسان، لذا قال فيورباخ L. Feurbach إن كل فلسفة تؤسس خارج الإنسان وبمعزل عنه لا يمكن اعتبارها فلسفة..
انطلاقا مما تقدم نطرح السؤال التالي : هل الفلسفة إلزام أم إلتزام؟ يقول ديكارت : “لأن يحيى المرء بدون تفلسف هو حقا كمن يظل مغمضا عينيه لا يحاول أن يفتحهما: والتلذذ برؤية كل ما سيكشفه البصر لا يمكن أن يقارن بالرضى الذي ينال من معرفة الأشياء التي تنكشف لنا بالفلسفة”. يتأكد إذن – من خلال هذا القول- أن الفلسفة ليست ترفا فكريا وإنما هي ضرورة. ولعل ضرورتها تتجلى في الانسياب الفكري الذي تطلبه؛ وفي رفضها كل حدود للعقل. إن الطابع الإشكالي والنقدي للفلسفة يحتمان عليها إعادة النظر في كل شيء، وفي كل قضايا الحياة، وبالتالي إخضاعها للمساءلة.
والفلسفة، كذلك، التزام لأنها اندماج وانصهار في كل ما من شأنه أن يساهم في سيرورة الحياة، وبالتالي الانطلاق بها إلى فضاء أرحب وأوسع. ومن هذا المنطلق نفهم لماذا تتجند الفلسفة ضد جميع ضروب العنف محاولة منها نشر ثقافة التسامح والانفتاح على الغير. لأن العنف يعتبر من المسارات الخسيسة التي بإمكانها أن تجهض حركية الحياة، وتقتضي على طموح الإنسان في بلوغ غايات نبيلة. فالفلسفة تحارب العنف لأنه ليس مجرد سلوك فردي ينحصر في أخذ ثأر أو إنزال عقوبة أو قصاص؛ ولكنها تحاربه لأن العنف – كما يقول إيف ميشو Y. Michaud – يوجد “عندما يحطم واحد أو عدد من الفاعلين شخصا آخر، مباشرة، أو بصفة غير مباشرة، دفعة واحدة أو بالتدريج، أو يمسهم في كيانهم الجسمي أو النفسي، في ممتلكاتهم، أو في انتماءاتهم الثقافية أو الرمزية المختلفة. ليس العنف فقط مسألة جروح أو قتل، إذ يمكن أن يكون التحطيم سيكولوجيا، بواسطة التعذيب أو النفي، أو الإيذاء في الممتلكات، أو يلحق لغة الجماعة، أو ثقافتها أو معتقداتها، أو يعني الحرمان من العمل ..إلخ”.
بناء على هذا، نستطيع القول إن الفيلسوف ضد العنف لأنه، كما يعتقد إريك فايل E. Weil، سلوك لا عقلي يهدف إلى النيل من كرامة الإنسان وبالتالي النيل من إنسانيته. إن الفلسفة ضد العنف لأنه يقوم على كل الأفكار السلبية التي تحاربها كالتسلط، والظلم، والبؤس والشقاء والحرمان ..إلخ.
وعلى الفلسفة أن تتنبه للعنف لأن خطورته، اليوم، تكمن في أنه سلوك ممنهج يهدف إلى إخفاء أبعاده وخلفياته وبالتالي إخفاء أساليبه وآلياته، أو كما يقول إيف ميشو : “… إن ما يميز العنف المعاصر عن أشكال العنف التي عرفها التاريخ، هو التدخل المزدوج للتكنولوجيا والعقلنة في إنتاجه”. ولعل ذلك ما يجعلنا نقول إن العنف أصبح اليوم سلوكا لا عقليا أنتجه العقل.
صورة الفيلسـوف
بعد أن بحثنا في ماهية الفلسفة، وبعد أن تعرفنا عن العلاقة الفيلسوف بالحياة والمجتمع، يتاح لنا الآن أن نتعرف عن شخصية الفيلسوف. فمن هو الفيلسوف؟ وما طبيعة شخصيته؟
إنه لايمكن أن نتمثل صورة الفيلسوف خارج خصوصيات الفلسفة. ومع ذلك نؤكد أن الفيلسوف إنسان دائب التساؤل، نظرا لوجود عوامل عدة ومختلفة. فالفيلسوف إنسان يشعر دائما بفقر إلى المزيد من المعرفة. ولا غرابة في ذلك فأول من أطلق على نفسه فيلسوف كان يقصد هذا بالضبط : حيث رفض فيتاغورس أن يدعى حكيما لأن الحكمة تعني امتلاك الحقيقة، فارتأى أن التعبير الأنسب والأصدق هو أن يقال عنه إنه فيلسوف (محب الحكمة)، أي مجرد إنسان يتوق إلى المعرفة وليس مالكا لها. ومن هذا المنطلق نستطيع أن نفهم سلوك سقراط من وجهين: فإحساسه بدونية معرفته جعله يرحل إلى رجال الدولة والشعراء ..، باحثا عن الحقيقة، لكن الوجه الثاني للصورة يتجلى في أن سقراط ذهب إليهم بشك قبلي ليحطم عندهم ذلك الاعتقاد الدوغمائي بامتلاك الحقيقة، وهذا فعلا ما توصل إليه سقراط حينما وجد أن دونية معرفته تفوق بكثير معرفتهم.
فالفيلسوف، إذا، شخصية لا تكتفي بالإجابات الارتجالية والسطحية والساذجة. إنه إنسان يرفض الاعتقاد بوجود أفكار جاهزة ومعارف مسلم بها. إنه، كذلك، رجل سجال ونقد، رجل إقناع واقتناع، يقارع الحجة بالحجة، علما بأنه يؤمن بالاختلاف. ومن ثمة فإنه ضد جميع أشكال العنف؛ خصوصا الإرهاب الفكري الذي يمارسه كل متسلط دوغمائي، علاوة على أصناف القهر الجسدية والنفسية. هكذا نجد ماركس – مثلا – جند نفسه لمحاربة الاستغلال الطبقي، ونجد فلاسفة الأنوار جندوا أنفسهم لمحاربة هيمنة الكنيسة، وتسلط طبقة النبلاء.
إن الفيلسوف إنسان ملتزم بقضايا عصره، وبهموم المجتمع، وبرغبة الإنسان الدائمة نحو الحرية والانعتاق. وهذا ما يحطم الاعتقاد الساذج، والشائع، الذي يصور الفيلسوف في صورة إنسان زاهد في الحياة، وبالتالي إنسان يعيش على هامش المجتمع.
صحيح أن للفيلسوف آراء خاصة، وقناعات متميزة بفردانية أكيدة، وهذا راجع إلى طبيعة التفكير الفلسفي الذي يتخذ شكل تمثلات خاصة ؛ إلا أن الفيلسوف إنسان صادق مع نفسه أولا، وصادق مع الآخرين ثانيا. وصدقه هو الذي يجعله ينزع بأفكاره نحو الكونية، فيدعو الناس إلى مشاطرته أفكاره. وسعادة الفيلسوف المثلى تتجلى في الوصول إلى المعرفة لذاتها، أي أنه يحاول باستمرار أن يتخلص من البعد الدوغمائي للمعرفة.
إن النظرة البرغمائية إلى العلم قد تحجب عنا أهمية الفلسفة. حيث يبدو أنه كلما تقدم العلم، إلا وأحكم الإنسان سيطرته على الطبيعة، وكلما تقدم العلم إلا وصاحبه تقدم تكنولوجي ملحوظ، يساهم، بدوره، في إدخال الرفاهية على حياة الإنسان. فكيف تستطيع – إذن – أن تحتفظ الفلسفة بمكانتها كفكر ضروري؟
إن الفلسفة تراهن على طبيعة المواضيع التي تعالجها، خصوصا تلك التي يصبح فيها العلم عاجزا عن تقديم نتائج. وتراهن كذلك على أزمات العلم الداخلية (التي عرفها – ويعرفها – ابتداء من القرن 19) والتي تؤكد حاجة العلم ذاته إلى تدخل الفلسفة قصد فهم وتفسير، ومعالجة مشاكله، وإشكالياته الإبستيمولوجية. كما أن العلم – دون الفلسفة – يتحول إلى تكنولوجيا مدمرة، وإلى فكر دوغمائي لا يراعي القيم الأخلاقية، والاعتبارات الإنسانية (ظاهرة الاستنساخ مثلا).
كما تراهن الفلسفة على الانعكاسات السلبية للتقدم التكنولوجي. ونذكر منها – على سبيل المثال – وضعية الاستلاب التي يعرفها لإنسان داخل عملية الإنتاج. أضف، إلى ذلك تشيؤ العلاقات الإنسانية: فلإنسان أصبح داخل علاقات الإنتاج – المرتكزة على المردودية فقط – يعيش وضعية استلاب لا تراعى فيها إنسانيته لأنه أصبح مجرد أداة مسخرة للرفع من وتيرة الإنتاج وجودته، وممكن الاستغناء عنه في أي وقت. فأصبح الإنسان مجرد شيء، يقيم (بفتح الياء الثانية) في إطار علاقاته بأشياء أخرى ( الآلات، المعامل، الأبناك، البورصة ..إلخ).
إن الفلسفة إزاء هذا، يمكن أن تنبه إلى كارثة ، أو تقدم حلولا قد لا تفهم في حينها نظرا لطابعها الكوني والشمولي؛ فتراهن في مقابل ذلك على الزمن والتاريخ اللذين يؤكدان مصداقية أفكارها. كما تراهن الفلسفة في تطورها، على تأثيث نفسها من الداخل، من خلال طرحها الدائم للسؤال “ما هي الفلسفة ؟” حتى تتلاءم تمثلاتها مع قضايا المجتمع، وسعيا منها إلى الحفاظ على إنسانية الإنسان والدفاع عن كرامته.
نقلاً عن موقع: “منبر”

الفلسفة العربية المستحيلة

جورج طرابيشي

لنبدأ بتقرير حقيقة واقعة، وهي أنه لاوجود لفلسفة عربية حديثة أو معاصرة. وان وجدت فلسفة كهذه فهي فلسفة مترجمة، أو مولّدة يوساطة الترجمة. يصدق ذلك على توماوية يوسف كرم، ووجودية عبد الرحمن بدوي ، وجوانية عثمان أمين، وشخصانية عزيز الحبابي، وماركسية سمير أمين، وفيورباخية حسن حنفي وهوسرليته في آن معاً.

ولكن اذ نقرر هذه الحقيقة الواقعة، فلا بد أن نقرن هذا بتفسير،وبالتالي أن نتساءل: لماذا لاتوجد، ولماذا يكاد يستحيل أن توجد فلسفة عربية حديثة أو معاصرة؟

للإجابة عن هذا التساؤل نستطيع أن نرصد، على ما يتراءى لنا، ثلاث سلاسل متراكبة من السببيات.

أولاً، ان الفلسفة المعاصرة نفسها، على الصعيد العالمي، في أزمة. ومرد هذه الازمة الى تطور العلم بالذات. فالفلسفة رأت النور وازدهرت قبل ان يرى التصور العلمي للعالم النور، وكبديل عن هذا التصور. والفلسفة قابلة للتعريف، من هذا المنظور، بأنها ماقبل تاريخ العلم. ولكن منذ أن طرح العلم نفسه أداة وحيدة للمعرفة وللسيطرة على الكون راح مجال الفلسفة يتقلص، وراح العلم يجرًدها من حقول تخصصها الواحد تلو الآخر. فتطور الفيزياء الرياضية قد أغنى عنها في معرفة الطبيعة والكون. وتطور علم الأحياء والتشريح قد وضع حداً للتفلسف في مجال «خلقة الإنسان». وجاء مولد علم النفس ليستنقذ منها موضوعه الأثير في انفاذ إلى كنه النفس البشرية. بل إن التحليل النفسي قد سد عليها المنافذ الى اللاشعور والبنى النفسية التحتية، ورسم علامات استفهام حول مشروعية صبواتها ورؤاها الأخلاقية. وقل مثل ذلك في تطور علوم الاجتماع والسياسة الذي أقفل باب البحث في المدينة الفاضلة. ولكن إذا كانت فتوح العلم قد سدّت على هذا النحو الطريق الى الماقبل فقد أبقته مفتوحاً الى المابعد. ورغم التقلص الكبير الذي طرأ على هذا النحو على متن الفلسفة فقد استطاعت في العالم الحديث والمعاصر أن تجد لها ملاذاً في الهامش. فمن فعالية عقلية في ماقبل العلم تحولت إلى فعالية عقلية في مابعد العلم. فحصرت نفسها تارة بمجال القيم والغايات النهائية، وأرادت نفسها طوراً آخر فلسفة علمية خالصة تعمل حصراً على مستوى الابستمولوجيا، أي معرفة المعرفة. ولكن في الحالين معاً غدت الفلسفة مرهونة بالممارسة العلمية. فبدون أن تكون الفلسفة تابعة بالضرورة للعقل العلمي، لم يعد ثمة مناص من أن تكون تالية له، لاحقة عليه. وباستثناء الاستمراريات الفلسفية وشبه السكولائية في الثقافات ماقبل العلمية، فإن الثقافات الوحيدة المنتجة للفلسفة اليوم هي الثقافات المنتجة للعلم. وحسبنا أن نقرر أن الثقافة العربية المعاصرة غير منتجة للعلم حتى نفهم لماذا يتحتم أن يكون المتفلسفون العرب عالة سواء على الفلسفة الإسلامية القديمة أو الفلسفة الغربية الحديثة. فانتفاء شرط الإنتاجية العلمية لايترك لهم من نصاب آخر سوى أن يكونوا في الفلسفة من المستهلكين، اي المحاكين شرحاً أو ترجمة.

ثانياً، تماماً كما كان الأصوليون القدامى يقولون إنه لايجوز لمجتهد ان يجتهد إلا وفقاً لمثال سابق، كذلك فإن المتفلسف العربي- ولا نقول الفيلسوف- يجد نفسه اليوم في وضعية من لايستطيع أن يتفلسف إلا وفق مثا ل سابق. ولكن مع هذا الفارق: فما كان الأصوليون يضعونه في الماضي، يلقاه المتفلسف العربي مسقطاً أمامه في المستقبل. فسبق الغرب إلى اجتراح مأثرة الحداثة قد جعل كل مايمكن ان يفكر به الملتحقون بركب الحداثة مفكّراً به مسبقاً. فالحضارة الغربية قد باتت، بحكم أسبقيتها الى الحداثة، تتحكم بالزمان الثقافي للحضارات الأخرى . وخلا الخروج من التاريخ أو السقوط في الهمجية ، فإنه لم يعد للمتخلفين في هذا العالم من مستقبل آخر غير حاضر المتقدمين. وهذا الانحصار في زنقة التاريخ يسدّ حتى المخرج النقدي – وهو المخرج الذي تؤثر الفلسفة ان تعمل على مستواه. فكل ما يمكن أن ننقد عليه الحضارة الغربية قد سبقتنا هي نفسها إلى نقد نفسها عليه. وبالعودة الى لغة حسن حنفي فلنا أن نلاحظ أن الفلسفة النقدية، التي يدعو إليها تحت اسم « الاستغراب» كرد على « الاستشراق « لاتعدو هي نفسها أن تكون فلسفة « وكيلة» فمن دهن الفلسفة الغربية لايفتأ هو نفسه يسقي نقده لهذه الفلسفة الغربية. وهذا يصدق أيضاً على ماتشهده الساحة الثقافية العربية اليوم من محاولات مجهضة سلفاً لتبيئة فلسفة مابعد الحداثة. ذلك أن كل مايمكن أن يقوله المتفلسفون العرب في نقد الحداثة- الغربية حصراً – قد سبقهم إلى قوله نقاد هذه الحداثة من المفكرين الغربيين، سواء أتمثلوا بمدرسة فرانكفورت الألمانية واستطالاتها الأميركية: هوركمايمر وأدورنو وماركوزه وهابرماس وشومسكي، أم بمدرسة مابعد الحداثة الفرنسية: دريدا وليوتار وبوديار، فضلا عن أصحاب التراكيب النظرية الكبيرة في الحداثة من أمثال ميشيل فوكو وألان تورين وجان ماري دوميناك وإدغارموران. وبالفعل، عندما يتصدى متفلسفون من مجتمعات ماقبل حديثة premodernes لممارسة فلسفةمابعد الحداثة moderne – post  فإنه لاخيار أمامهم سوى لأن يكونوا مستهلكين ، لا منتجين، لخطاب نقد الحداثة في الغرب نفسه؟ أو بعبارة أخرى : مجرد مترجمين.

ثالثاً، إن الفلسفة نبتة، لاتنتش ولا تزهر إلا في تربة العقل واستقلالية العقل. وبدون ان ندخل في تفاصيل لايتسع لها المجال، فإننا سنلاحظ أن العقلانية كشرط شارط لتمخض الفلسفة ما زالت بعيدة عن أن تكون صاحبة الكلمة الأولى في الثقافة العربية المعاصرة. ونحن لانعني بالعفلانية شيئاً  آخر سوى هذا المبدأ البسيط والثوري معاً : إنه لايجوز أن تعلو فوق سلطة العقل أية سلطة أخرى. والحال ان سلطان الثقافة العربية مازال يعتمّ بعمامة الدين. وباستعادة صيغة ميشيل فوكو المشهور:

« الدين هو عقل مجتمع بلا عقل»، فلنا أن نلاحظ أن العقل السائد في الثقافة العربية،  وفي المجتمعات العربية، ليس العقل الفلسفي، بل العقل الديني. ليس العقل الشارع وذا السؤدد الذاتي ، بل العقل التابع والمشرّع له. وعلى حد تعريف الشاطبي الذي مازال يحتفظ بصدقيته تامة: « العقل الذي لايسرح في مجال النظر إلا بقدر مايسرَحه النقل»، و» لا يتقدم بين يدي الشرع» بل « يهتدي بالأدلة الشرعية، يجري بمقدار ماأجرتْه ، ويقف حيث وقفته». ودوماً بلغة الشاطبي الفقهية، فإن العقل ليس أصلاً بحد ذاته، بل « ينبني على أصل متقدم ومسلَم  بإطلاق.. عن طريق الوحي».

وكما في كل الثقافات ذات الإبستميه الدينية كان يمكن للعقل اللاهوتي أن يضطلع بدور الوسيط بين العقل الفلسفي والعقل الديني. ولكن اللاهوت نفسه، كشكل معقلن من الدين، مازال منفياً من الثقافة العربية منذ أن كٌفَر فلاسفة الإسلام  وطٌرد علم الكلام المعتزلي خارج المدينة الإسلامية وتقلصت الحضارة العربية الإسلامية الى محض حضارة فقه. ولقد دفع الشهيد محمود محمد طه ثمناً غالياً لمحاولته إعادة فتح باب الاجتهاد في اللاهوت القرآني. ذلك أن السقف الأعلى للعقل الديني في الثقافة العربية السائدة – وهي سيادة قد عززها في العقود الأخيرة المنّ النفطي – مايزال هو العقل الفقهي. وباستثناء محاولات مهمَشة مثّلها ، فيمن مثلّها ، داعية تجديد الفقه الإسلامي جمال البنا، فإن العقل الفقهي السائد في الساحة العربية، والإسلامية بشكل أعم، مازال عاجزاً عن الوفاء بوعده – الذي كان أطلقه منذ مطلع عصر النهضة –بتحديث نفسه. ولسنا نماري في أن باب الاجتهاد في هذا الفقه قد اعيد فتحه في العقود الأخيرة على ايدي منظَري حركات الإسلام المؤدلج والمسيَس معاً لكن هذا الباب ما أعيد فتحه للتقدم الي الأمام، نحو الحداثة ، بل للارتداد الى الخلف، نحو القديم . وهذا ليس حتى إلى عصر مالك وأبي حنيفة والشافعي، بل الى عصر ابن تيمية الذي كان هناك الى زمن قريب، شبه إجماع على توصيفه بانه عصر انحطاط. ولعلنا – ونحن نستقرئ مايطالعنا به المشهد العربي السائد من حولنا اليوم من صعود لمد القوى الناشطة تحت لواء العقل الديني بطبعته الاكثر أصولية – لانغالي إذا قلنا إن العالم العربي يقف في مطلع القرن الحادي والعشرين هذا على عتبة الانكفاء على نفسه فيما لانتردد أن نسميه قروناً وسطى جديدة.

الفلسفة

فروع الفلسفةالجمال، علمالأخلاقالمنطقالميتافيزيقاالفلسفة الشرقيةالبوذيةالكونفوشيةكونفوشيوسالدروزالهندوسيةاليانيةالصوفيةالشيعةالشنتوالسيخيةالطاويةزونزيالخوارجالإمامية الاثنا عشريةالمعتزلةالأشاعرةالماتريديةالجهميةعلم الكلام الإسلاميالقاديانيةالفلسفة الإسلاميةالأخلاق في الإسلامالإسماعيليةالزيدية الحركات الفلسفية القديمةالمذهب الذريالفلسفة الكلبيةاللذة، مذهبالأفلاطونية المحدثةالشكوكيةالفلسفة المشائيةفلسفة ماقبل سقراطالفلسفة الرواقيةالفلسفة القديمة-تراجمأناكسمندرأناكسيمينيسأرسطوكارنياديسشيشرون، ماركوس توليوسديموقريطسديوجينإمبيدوقليزأبيكتيتوسأبيقورهرقليطسلوكريشيسماركوس أوريليوسبارمنيدسأفلاطونأفلوطينبورفيريبيرهو الأليسيفيثاغورثسقراططاليسزينون الرواقيزينون الإيليفلسفة القرون الوسطىأبيلارد، بيترألبرت الكبير، القديسأنسيلم، القديسالأكويني، القديس توماأوغسطين، القديسابن رشد ابن سينابيكون، روجربويثيس، مانليوس سفرنسبونافنتورا، القديسدنس سكوتس، جونالغنوصيةابن خلدونلومبارد، بيترابن ميمون، موسىالمدرسيةوليم أوف أكامالمعري، أبو العلاءابن عربي، محيي الدينالفارابي، أبو نصرأبو حامد الغزاليابن الراونديالأشعري، أبو الحسنالجبائيواصل بن عطاءالكندي، أبو يوسفابن حنبل الحركات الفلسفية الحديثةعصر العقلالتجريبيةالوجوديةالماديةالعدميةالفنومنولوجياالفلسفة الوضعيةالذرائعيةالعقلانيةالفلسفة المتعاليةمذهب المنفعة الفلسفة الحديثة-تراجمبيكون، فرانسيسبيل، بييربينثام، جيرميبيردييف، نيكولاسبيرجسون، هنريباركلي، جورجبرادلي، فرانسيس هربرتبرونو، جيوردانوبوبر، مارتنكامو، ألبيركونت، أوجوستكوندرسيه، الماركيز دوكروتشي، بينيديتوديكارت، رينيهديدرو، دينيسإمرسون، رالف والدوفيورباخ، لودفيج أندريافيشته، جوهان غوتليبهيجل، ج و فهايدجر، مارتينهوبز، توماسهيوم، ديفيدجيمس، وليمياسبرز، كارلكانط، إيمانويلكيركيجارد، سورين أوبيلايبنيز، غوتفريت فلهلملوك، جونلوتز، رودلف هيرمانمارسيل، جابرييلماريتان، جاكماركس، كارلمندلسون، موزيسمونتسكيونيتشه، فريدريكأورتيجا، إي جاسيت خوسيهروسو، جان جاكراسل، برتراندسانتيانا، جورجسارتر، جان بولشيلنج، فريدريتش ولهلم جوزيف فونشوبنهاور، آرثرسبنسر، هربرتسبينوزا، باروكأونامونو، ميجل ديهفولتيروايتهد، ألفرد نورثفيتجنشتاين، لودفيجابن تيمية، تقي الدين Philosophy أهمية الفلسفة فروع الفلسفة ما وراء الطبيعة نظرية المعرفة المنطق الأخلاق علم الجمال فلسفة اللغة الفلسفة والميادين الأخرى الفلسفة والعلم الفلسفة والدين الفلسفة الإسلامية الفلسفة الشرقية تاريخ الفلسفة الغربية الفلسفة القديمة فلسفة القرون الوسطى الفلسفة الحديثة أسئلةالفَلـْسَفَةُ حقل للبحث والتفكير يسعى إلى فهم غوامض الوجود والواقع، كما يحاول أن يكتشف ماهية الحقيقة والمعرفة، وأن يدرك ماله قيمة أساسية وأهمية عُُظمى في الحياة. كذلك تنظر الفلسفة في العلاقات القائمة بين الإنسان والطبيعة، وبين الفرد والمجتمع. والفلسفة نابعة من التعجّب وحب الاستطلاع والرغبة في المعرفة والفهم. بل هي عملية تشمل التحليل والنقد والتفسير والتأمل. وتتناول هذه المقالة الفلسفة في الغرب والشرق الأقصى مع التركيز على الفلسفة الغربية. أما الفلسفة الإسلامية فقد أفرد لها مقال مستقل. انظر: الفلسفة الإسلامية. كلمة فلسفة لا يمـكـن تحديـد معـناهـا بدقـة؛ لأن موضوعها مُعقد جدًا ومثير للجدال. فقد تختلف آراء الفلاسفة حول طبيعتها ومناهجها ومجالها. أما كلمة فلسفة في حد ذاتها فأصلها من الكلمة اليونانية فيلاسوفيا التي تعني حب الحكمة. بناءً على ذلك فالحكمة تتمثل في الاستخدام الإيجابي للذكاء، وليست شيئًا سلبيًا قد يمتلكه الإنسان. عاش رواد الفلسفة الغربية المعروفون، في اليونان القديمة في مطلع السنوات الخمسمائة الأولى ق.م. وقد حاول هؤلاء الفلاسفة الأوائل أن يكتشفوا التركيب الأساسي للأشياء، وكذا طبيعة العالم والواقع. وكان الناس في استفسارهم عن مثل هذه المسائل، يعتمدون إلى حد كبير على السحر والخرافات وأصحاب الخبرة. لكن فلاسفة اليونان اعتبروا هذه المصادر من المعرفة غير موثوقة، وعوضًا عن ذلك التمسوا الأجوبة عن تلك المسائل بالتفكير ودراسة الطبيعة. للفلسفة أيضا تاريخ طويل في بعض الثقافات غير الغربية، خصوصا في الصين والهند. ويرجع عدم التبادل بين الشرق والغرب إلى صعوبات السفر والاتصال بالدرجة الأولى، مما جعل الفلسفة الغربية تتطور على العموم بصورة مستقلة عن الفلسفة الشرقية. مصطلحات فلسفية الأبيقورية هي الاعتقاد بأن اللذة الحقيقية مرهونة بضبط النفس والاعتدال والسلوك القويم. الأخلاق فرع من الفلسفة يدرس سيرة الإنسان وطبيعة الحق والباطل. التجريبية مفادها أن التجربة مصدر ومخبر المعرفة. الجدلية الهيجلية. في فلسفة ف. هيجل هي مجرى التغير الحاصل بالصراع بين المتناقضات. هذا الصراع يفرز أمرًا جديداً يسمى (التركيب)، كما أن التركيب بدوره يتصارع مع نقيضه. الحتمية الجدلية الهيجلية المذهب القائل: إن كل الأحداث لها أسباب وتقع بالضرورة. الذرائعية فلسفة تختبر الحقائق، وتقدر قيمة الأفكار بما لها من نتائج عملية. الشكوكية التأكيد بأنه لا يمكن التوصل إلى معرفة حقائق الأشياء. العقلانية تقول إن العقل الأساس الوحيد للمعرفة بصرف النظر عن الحواس. علم الجمال فرع من الفلسفة يدرس الفن والجمال. علم الكونيات يدرس الكون الفيزيقي. المادية الاعتقاد بأن المادة وحدها لها وجود واقعي وأن الظواهر العقلية ناتجة عن النشاط المادي. المثالية قوامها الاعتقاد بأن الواقع المطلق يتألف من العقول والأفكار، لا من الأشياء المادية. ويعتقد المثاليون أن وجود الأشياء مرهون بالعقول والأفكار. مذهب اللذّة الاعتقاد بأن اللذّة هي الخير الأسمى. مذهب المنفعة الاعتقاد بأن سيرة الإنسان ينبغي أن يكون أساسها عمل الخير لأكبر عدد ممكن من الناس. الميتافيزيقيا (علم ما وراء الطبيعة) فرع من الفلسفة يسعى إلى فهم سر الكينونة والواقعية. المنطق فرع من الفلسفة يعنى بمبادئ المحاكمة العقلية. النزعة الإنسانية تؤكد على قيمة الإنسان وطبيعته المتميزة في العالم. نظرية المعرفة فرع من الفلسفة يدرس طبيعة المعرفة وأساسها ومداها. الواقعية تقول إن الأشياء لها وجود يخصها بصرف النظر عما قد يفكر الناس فيها. أهمية الفلسفة الفكر الفلسفي جزء لا يتجزأ من حياة الإنسان؛ فما من أحد من غير المؤمنين تقريبًا إلا وقد وجد نفسه بين الحين والآخر مُحتارًا أمام أسئلة يغلب عليها الطابع الفلسفي من نوع: ما معنى الحياة؟ هل كان لي وجود قبل ميلادي؟ هل من حياة بعد الموت؟ أما المؤمنون فقد تعرض لهم هذه الأسئلة ذاتها، ولكنهم سرعان ما يجدون الإجابة عنها بما أوتوا من العلم مما أنزله الله في كتبه الناطقة بالحق المنزلة بالصدق وما صح عن الأنبياء صلوات الله عليهم. ولمعظم الناس نوع من الفلسفة من حيث نظرتهم الشخصية إلى الحياة، وحتى الإنسان الذي يعتقد أن الخوض في المسائل الفلسفية مضيعة للوقت، تجده مع ذلك يولي اهتمامه لكل ما هو عظيم وذو شأن وقيمة. يستطيع الإنسان بدراسة الفلسفة، أن يوضح جوانب الغموض في مُعتقداته، فيدفعه ذلك إلى التفكير في المسائل الأساسية، ويصبح قادرا على دراسة آراء الفلاسفة القدامى، لكي يفهم لماذا فكروا على النحو الذي فكروا فيه، وأي أثر يمكن لأفكارهم أن تحدثه في حياته.كما أن العديد من الناس يجدون متعة في قراءة آثار كبار الفلاسفة خصوصًا كبار الكتاب منهم. للفلسفة تأثير كبير في حياتنا اليومية، وحتى في اللغة التي نتحدث بها نصنف الأمور تصنيفا مستمدًا من الفلسفة، فعلى سبيل المثال فإن تصنيف الكلمة إلى اسم وفعل وحرف، يتضمن فكرة فلسفية مفادها أنه يوجد اختلاف بين الكلمات وما يحدث لها. وعندما نتساءل: ما الفرق بين ذا وذاك؟ فإننا بهذا السؤال نشرع في إجراء تحقيق فلسفي. ما من مؤسسة اجتماعية إلا وهي مرتكزة على أفكار فلسفية، سواء في مجال التشريع أو نظام الحكم أو الدين أو الأسرة أو الزواج أو الصناعة أو المهنة أو التربية. وإن الخلافات الفلسفية قد أدت إلى الإطاحة بالحكومات وإحداث تغييرات جذرية في القوانين وتحويل الأنظمة الاقتصادية بالكامل. إن تلك التغييرات ما كانت لتقع إلا لأن الناس المعنيين بالأمر كانت لهم آراء يؤمنون بها حول ما يعتبرون أنه الأهم والأقرب إلى الحقيقة والواقع والأكثر فائدة، وحول الكيفية التي يجب أن تنظم بها الحياة. تسير الأنظمة التربوية بمقتضى الأفكار الفلسفية التي يؤمن بها المجتمع حول ما يجب أن يتعلمه الأطفال، ولأي غرض يتعلمون. وتؤكد الأنظمة الديمقراطية على ضرورة تعليم الإنسان كيف يفكر، وكيف يختار بنفسه ما ينفعه. أما المجتمعات التي تفتقد الشورى والحوار فإنها تثبط أمثال هذه المبادرات، وتريد من المواطنين أن يتنازلوا عن مصالحهم لفائدة الدولة. وهكذا فالقيم والمهارات التي يعلمها النظام التربوي إنما تعبر عن الأفكار الفلسفية التي يؤمن بها المجتمع حول ما يعتبره هو الأهم والأصلح. فروع الفلسفة يمكن القيام باستقصاء فلسفي في أي موضوع، لأن الفلسفة تتناول كل ما يوجد في الكون وكل ما له ارتباط بالمعرفة. على أنه من أجل تحقيق أغراض الدراسة، قد جرت العادة أن تُقسم الفلسفة إلى خمسة فروع، وكل فرع ينتظم فيه البحث حول عدد من المسائل المتميزة. هذه الفروع هي: 1- ماوراء الطبيعة (الميتافيزيقا). 2- نظرية المعرفة. 3- المنطق. 4- الأخلاق. 5- علم الجمال. وفضلاً عن ذلك فقد عظم شأن فلسفة اللغة في القرن العشرين، حتى أصبح البعض يعتبرها فرعًا آخر من فروع الفلسفة. ما وراء الطبيعة (الميتافيزيقا). علم يدرس الواقع والوجود من حيث طبيعتهما الأساسية، كما يدرس ماهية الأشياء. ومن الباحثين من يقسم علم ما وراء الطبيعة إلى ميدانين: علم الوجود، وعلم الكون. فعلم الوجود يدرس الموجودات؛ أما علم الكون فيدرس الكون الطبيعي ككل. كما أن علم الكون يُقصد به ذلك الفرع من العلوم الذي يدرس نظام الكون وتاريخه ومستقبله. يتناول علم ما وراء الطبيعة مسائل من نوع: ما الواقع؟ ما الفرق بين الظاهر والواقع؟ ما المبادئ والمفاهيم العامة التي يمكن بموجبها تأويل تجاربنا وفهمها؟ هل لدينا إرادة حرة أم أن أعمالنا مُسيرة بأسباب ليس لنا فيها خيار؟ لقد أوجد الفلاسفة عددًا من النظريات في علم ما وراء الطبيعة وهي: المادية، والمثالية، والآلية، والغائية. إن المادية تؤكد أن المادة وحدها هي التي لها وجود حقيقي، وأن المشاعر والأفكار وغير ذلك من الظواهر العقلية إنما هي ناتجة عن نشاط المادة. وتقرر المثالية بأن أي شيء مادي إنما هو فكرة أو شكل من أشكال الفكرة، وبمقتضاها فإن الظواهر العقلية هي وحدها المهمة والمطابقة للحقيقة. أما الآلية فتؤكد أن كل الأحداث إنما هي ناتجة عن قوى آلية محضة، وليس عن غاية معينة، بل لا يعقل أن نقول إن الكون في حد ذاته من ورائه غاية معينة. أما الغائية، فهي على العكس، تقرر بأن الكون وكل شيء فيه يتصف بالوجود والحدوث من أجل غاية معينة. نظرية المعرفة. هدفها تحديد طبيعة المعرفة وأساسها ومجالها، كما تستكشف الطرائق المختلفة المؤدية إلى المعرفة وجوهر الحقيقة والعلاقات بين المعرفة والإيمان. إن نظرية المعرفة تطرح أمثال الأسئلة الآتية: ما العلامات الدالة على المعرفة الصادقة من أجل تمييزها عن المعرفة الكاذبة؟ ما الحقيقة، وكيف يمكن أن نعرف الصواب والخطأ؟ هل هناك أنواع مختلفة من المعرفة؟ وهل لكل واحدة منها حُجج وخصائص؟ كثيرًا ما يميز الفلاسفة بين نوعين من المعرفة: القَبْلية، والتجريبية. نتوصل إلى المعرفة القبلية بالتفكير من غير أن نستعين بالتجربة، مثلا، نعرف أن الدقيقة تشتمل على ستين ثانية، عن طريق تعلمنا لمعنى كل من العبارتين. بالطريقة نفسها نعرف أن الساعة فيها أيضًا ستون دقيقة، ومن هاتين المسألتين نستنتج أن الساعة تشتمل على 3,600 ثانية، ونتوصل إلى هذا الاستنتاج بمجرد عملية فكرية. أما المعرفة التجريبية فنكتسبها من الملاحظة والتجربة. مثلاً، نعرف بالملاحظة كم مفتاحا في الآلة الكاتبة؟ كما نعرف بالتجربة أيّ المفاتيح يطبع أي حرف؟ إن جوهر الحقيقة قد حيّر الناس منذ قديم الزمان، ربما لأن الناس كثيرًا ما يُطلقون صفة حقيقي على أفكار يتجاوبون معها ويميلون إليها، وكذلك لأنهم كثيرا ما يختلفون في الرأي حول أي من الأفكار تطابق الحقيقة. لقد حاول الفلاسفة أن يحددوا معايير الحكم من أجل التمييز بين الصواب والخطأ، ولكنهم اختلفوا حول معنى الحقيقة، وكيف يمكن التوصل إلى أفكار مطابقة للحقيقة. إن نظرية التطابق تقول: إن الفكرة تعتبر حقيقية إذا كانت مطابقة للوقائع والمجريات. أما النظرية الذرائعية أو البرغماتية، فتؤكد أن الفكرة تطابق الحقيقة، إذا هي أثرت في المشكلة المطروحة، أو قدمت لها حلاًّ. أما نظرية الترابط فتقول: إن الحقيقة مقياسها في الدرجة؛ أي أن الفكرة مطابقة للحقيقة بمقدار ما هي متماسكة أو متوافقة مع أفكار أخرى يؤمن بها الإنسان. أما النظرية الشكوكية فتدَّعي أنه من المستحيل التوصل إلى المعرفة، وأن وجه الحقيقة لا يمكن أن يُعرف. المنطق. يتناول بالدراسة مبادئ وطرائق المحاكمة العقلية؛ فهو يستكشف كيفيات التمييز بين المحاكمة القويمة والمحاكمة السقيمة. ويُسمَّى المثال المستخدم في المحاكمة البرهان أو الاستدلال. يتمثل البرهان في جملة من الحجج تسمى مقدمات، وهذه تقترن بحجة أخرى تسمى النتائج التي من المفروض أن تستند إلى المقدمات أو تنبثق عنها. إن البرهان القوي يكون سندًا للنتائج، بعكس البرهان الضعيف. يوجد نوعان أساسيان من المحاكمة العقلية، يسمى أحدهما الاستنتاج والآخر الاستقراء. يوصف البرهان الاستنتاجي بأنه صحيح عندما يأتي الحكم صحيحًا بالضرورة من المقدمتين. ويوصف بأنه باطل إذا كان حكمه النهائي لا يتولد بالضرورة عن المقدمتين. فالبرهان الذي صيغته: البشر كلهم عُرضة للموت. اليونانيون بشر. إذن اليونانيون كلهم عُرضة للموت، هذا البرهان الاستنتاجي صحيح. لكن البرهان الذي صيغته: البشر كلهم عُرضة للموت. اليونانيون كلهم عُرضة للموت. إذن اليونانيون كلهم بشر، هذا البرهان باطل وإن كان الحكم النهائي صحيحًا، لأن هذا المنوال من المحاكمة العقلية يجعلنا نفترض جدلاً أن الكلاب باعتبار أنها أيضًا عُرضة للموت هي بشر أيضًا. تُستعمل المحاكمة العقلية الاستنتاجية لاستكشاف النتائج المترتبة على بعض الافتراضات، أما المحاكمة العقلية الاستقرائية فيستعان بها لإثبات الوقائع والقوانين الطبيعية، وليس هدفها أن تكون صحيحة من الناحية الاستنتاجية. فالذي يحكم عقليًا أن السناجب تحب الجوز، على أساس أن كل السناجب التي رصدها تحب الجوز، يكون قد بنى حكمه بطريقة استقرائية. فالحكم النهائي قد يكون هنا باطلاً حتى ولو كانت المقدمة صحيحة. ومع ذلك فالمقدمة توفر سندًا قويًا لاستخلاص الحكم النهائي. الأخلاق. لها علاقة بسيرة الإنسان وشخصيته وقيمه، فهي تدرس طبيعة الصواب والخطأ، وتميّز بين الخير والشر. فالأخلاق تستكشف خصائص العدل والمجتمع العادل، وكذلك واجبات الإنسان نحو ذاته ونحو غيره ونحو المجتمع. تطرح الأخلاق أمثال الأسئلة الآتية: ما وجه الصواب في العمل الصائب؟ وما وجه الخطأ في العمل الخاطئ؟ ما الخير وما الشر؟ ما القيم الخاصة بالحياة؟ قد تبرز المشاكل في مجال الأخلاق، لأننا كثيرًا ما نجد صعوبة في إدراك ما يلزم القيام به. وفي العديد من الحالات تتعارض واجباتنا، أو تبدو لنا غامضة فضلاً عن كون الناس كثيرًا ما يختلفون حول ما إذا كان عمل من الأعمال أو مبدأ من المبادئ، صائبًا أو خاطئًا من الناحية الأخلاقية. أما وجهة النظر المسماة مذهب النسبية فتقول: إن الصواب والخطأ كلاهما مرهون بنوعية الثقافة المعنية. فما هو صائب في مجتمع قد يكون خاطئًا في مجتمع آخر. هذه النظرة تعتمد على المجادلة، لذا لا توجد معايير أساسية يمكن بموجبها أن نحكم بأن ثقافة ما، على صواب أو على خطأ. أما النظرية الموضوعية فتدعي أنه توجد معايير موضوعية للصواب والخطأ يمكن اكتشافها وانطباقها على أي إنسان. أما النظرية الذاتية فتقول: إن كل المعايير الأخلاقية ما هي إلا مسائل لها علاقة بالذوق أو الرأي. علم الجمال. يبحث في الإبداع، وكذا في المبادئ التي يقوم عليها الفن والجمال، كما أنه يدرس أفكارنا ومشاعرنا ومواقفنا حينما نرى ونسمع ونطالع شيئًا جميلاً قد يتمثل في شيء جميل، كالأثر الفني، مثل الرسم أو السيمفونية أو القصيدة، أو غروب الشمس أو غيره من الظواهر الطبيعية. فضلاً عن ذلك، فإن علم الجمال يستقصي الخبرة التي اكتسبها من يمارس بعض الأنشطة المختلفة مثل الرسم بأنواعه المختلفة والتمثيل السينمائي والمسرحي. يتطابق علم الجمال أحيانًا مع فلسفة الفن التي تبحث دائمًا في طبيعة الفن ومجريات الإبداع الفني وطبيعة التجربة الجمالية ومبادئ النقد. لكن ميادين تطبيق علم الجمال أوسع، حيث تشتمل على الأعمال الفنية التي أبدعها الإنسان، وكذا مظاهر الجمال الملحوظة في الطبيعة. ندرك علاقة علم الجمال بالأخلاق و الفلسفة السياسية حينما نتساءل: أي دور ينبغي أن يؤديه الفن والجمال في المجتمع، وفي حياة الفرد؟ من بين تلك الأسئلة أيضًا: كيف يمكن تحسين ذوق الإنسان في مجالات الفن؟ وكيف ينبغي أن نعلّم الفنون في المدارس؟ هل للحكومات حق في وضع القيود للتعبير الفني؟ فلسفة اللغة. أصبحت ذات أهمية خاصة في الأعوام الأخيرة؛ فبعض الفلاسفة يؤكدون أن جميع المسائل الفلسفية نابعة من مشكلات لغوية، ويؤكد آخرون أن جميع المسائل الفلسفية ما هي في الواقع إلا مسائل تدور حول اللغة. من بين الأسئلة الأساسية هذا السؤال: ما اللغة؟ لكن توجد أسئلة أخرى حول العلاقات بين اللغة والفكر وبين اللغة والعالم، وكذا أسئلة حول طبيعة المعنى والتعريف. أثيرت مسألة ما إذا كان من الممكن وجود لغة منطقية، تتصف بالكمال، وتعبر مضامينها عن خصائص العالم الأساسية. هذه المسألة تثير مسائل أخرى حول كفاية اللغة العادية لكي تكون أداة للفلسفة. فهذه المسائل كلها تندرج في نطاق فلسفة اللغة التي لها ارتباطات وثيقة مع الفروع الأخرى من الفلسفة. الفلسفة والميادين الأخرى من خصائص الفلسفة أن السؤال: ما الفلسفة؟ هو في حد ذاته سؤال فلسفي، لكن السؤال: ما الفن؟ ليس سؤالاً فنيًا بل سؤال فلسفي. نفس الشيء يقال عن الأسئلة الأخرى مثل: ما التاريخ؟ و ما القانون؟ فكل واحد منهما سؤال فلسفي. لذلك فأمثال هذه الأسئلة تنطبق على فلسفة التربية وفلسفة التاريخ وفلسفة القانون وغير ذلك من ميادين العلوم. إن كل واحد من هذه الميادين، يحاول أن يحدد الأسس والمقولات الجوهرية والمناهج الصالحة لمؤسسة ما أولقطاع خاص من الدراسة. لذلك توجد علاقة قوية بين الفلسفة والميادين الأخرى من النشاط. وهذا ما يتضح بالنظر في اثنين من الميادين: 1- الفلسفة والعلم. 2- الفلسفة والدين. الفلسفة والعلم. إن العلم يدرس الظواهر الطبيعية والظواهر الاجتماعية. لكن العلم لا يدرس العلم في حد ذاته. وعندما يفكر العلم في ذاته، فإنه يتحول إلى ما يسمى فلسفة العلم التي تتناول عددًا من المسائل الفلسفية من بينها: ما العلم؟ ما المنهج العلمي؟ هل الحقيقة العلمية تطلعنا على حقيقة العالم والواقع؟ وما قيمة العلم؟ تولّدت عن الفلسفة عدة ميادين مهمة من العلوم. ولم يكن هناك من تمييز بين العلم والفلسفة إلى نهاية القرن السابع عشر الميلادي. فعلى سبيل المثال، كانت الفيزياء تسمى الفلسفة الطبيعية. بينما كان علم النفس يشكل جزءا مما يسمى الفلسفة الخلقية. أما في مطلع القرن التاسع عشر الميلادي، فقد انفصل علم الاجتماع واللسانيات عن الفلسفة وصارا ميدانين متميزين من العلوم. وكان المنطق دائمًا يعتبر من فروع الفلسفة، لكنه تطور كثيرا، حتى صار يُعد فرعًا من فروع الرياضيات التي هي من العلوم الأساسية. الفلسفة والعلم يختلفان من عدة وجوه، على سبيل المثال، فقد بلغ العلم الدرجة القصوى في المعرفة الاختبارية بالنسبة للعديد من المواد، واستطاع بالتالي أن يفصل في العديد من الخلافات حولها، عكس الفلسفة. وقد نتج عن ذلك أن الجدل كان دائمًا عن خصائص الفلسفة. على أن العلم والفلسفة يشتركان في هدف واحد مهم: فكل منهما يسعى لاكتشاف الحقيقة، وحل المشكلات وإرضاء غريزة حب الاستطلاع، كما أنهما يثيران المزيد من المسائل والمشكلات، بحيث يجلب كل حلٍّ معه المزيد من المسائل والمشكلات. الفلسفة والدين. كانت الفلسفة في العصور القديمة نتيجة لتساؤلات متعددة حول طبيعة الحياة والكون والإنسان، وكان بسبب ذلك تأملات في هذه الأمور نمت وتطوّرت حتى أضحت تشكل ما عرف بالفلسفة. وكذلك فقد مازجت هذه التأملات نظرات دينية في عدد من المناطق التي كانت فيها حضارة ما، وقد دارت تلك التساؤلات عن خالق الكون ومسيره وفق نواميس ثابتة، وقد اهتمت الفلسفة في أوروبا في عصورها الوسطى اهتمامًا كبيرًا بموضوع إقامة البرهان على وجود الله سبحانه وتعالى. أما الدين فهو في الأصل ما أنزله الله على آدم أبي البشر، ثم دخلت عليه شوائب عدة وخرافات وبدع فاختلف الناس شيعًا ومذاهب، وكانوا قبل ذلك أمة واحدة على الدين الحق، فبعث الله الأنبياء والرسل يردونهم إلى الحق ويهدونهم سواء السبيل. وكان محمد ³ خاتمهم قال تعالى: ﴿وما كان الناس إلا أمة واحدة فاختلفوا﴾ يونس: 19 . وقال: ﴿ كان الناس أمة واحدة فبعث الله النبيين مبشرين ومنذرين وأنزل معهم الكتاب بالحق ليحكم بين الناس فيما اختلفوا فيه﴾ البقرة: 213 . ويرى بعض الفلاسفة أن الهدف الرئيسي للفلسفة ليس اكتساب العلم والمعرفة والعمل بهما فقط بل إن مساعدة الناس لكي يتحملوا متاعب الحياة الدنيا وهمومها وشقاءها هدف رئيسي مهم من أهداف الفلسفة. وفي الواقع لا يستطيع تحقيق هذا الهدف إلا الدين. ومن هنا كان الفلاسفة الراغبون في تحقيق هذا الهدف يعتمدون على الدين ويتأملون الحقائق الدينية التي يقررها عن الحياة والوجود والمصير. الفلسفة الإسلامية ترافق تطور العلوم عند العرب والمسلمين ابتداءً من القرن الثاني الهجري مع ظهور اهتمام بالفلسفات الشرقية واليونانية أدى إلى تشكل حركة فلسفية قادها عدد من المفكرين المسلمين من العرب وغير العرب. انظر: الفلسفة الإسلامية. الفلسفة الشرقية يوجد فرعان رئيسيان في الفلسفة الشرقية: الفرع الصيني والفرع الهندي، وأساس كل منهما ديني وأخلاقي، من حيث الأصل والطابع، وليس لهما أي اهتمام بالعلم. من المعروف عن الفلسفة الصينية أنها كانت دائمًا من حيث أهدافها، عملية، وإنسانية واجتماعية. وقد تطورت باعتبارها وسيلة لإصلاح المجتمع والوضع السياسي. أما الفلسفة الهندية فمعلوم أنه غلب عليها الطابع الروحاني أكثر من الطابع السياسي، وقد اعتمدت بالدرجة الأولى على بعض الكتب المقدسة التي تسمى الفيدا. ويزعمون أنها مُنَزّلة تنزيلاً وصادقة كل الصدق، وبالتالي فهي صالحة للتفسير فقط لا للانتقاد. وقد ركزت معظم الآراء الفلسفية الهندية على الانسحاب من الحياة اليومية، والانقطاع للحياة الروحية. أما الفلسفة الصينية فقد تميزت ببذل الجهود للمشاركة في نشاط الدولة من أجل تحسين ظروف الحياة. وكما هو معروف فإن الفلسفة الصينية بدأت في القرن السادس ق.م مع الفيلسوف كونفوشيوس. وقد ظلت فلسفته التي تسمى الكونفوشية، هي فلسفة الصين الرسمية لعدة قرون، ورغم أنها فُسّرت تفسيرات عديدة عبر الأجيال، فقد كان هدفها مساعدة الناس على تحسين حياتهم وإصلاح شؤونهم، عن طريق الانضباط والاطلاع على ما يوافق أهداف حياتهم. وكان المرشحون لمناصب الحكم يُمتحنون في الفكر الكونفوشي الذي هو الأساس فيما تتخذه الحكومة من قرارات. وهكذا فالحضارة الصينية أكثر الحضارات تركيزًا على أهمية الفلسفة. ومن المذاهب الفلسفية الأخرى المعروفة والموجودة في الصين: الطاويّة والموهيّة والواقعية، كما ظهرت في القرن الثاني عشر الميلادي حركة تسمى الكونفوشية المحدثة مستفيدة من كل المذاهب الفلسفية التي سبقتها. لا نعرف بالضبط متى بدأت الفلسفة الهندية. وقد كان الفكر الفلسفي في الهند متداخلا مع الدين، حيث كان معظمه ذا طابع وهدف ديني. وقد ظهرت التفاسير الفلسفية للكتب المقدسة أثناء القرن السادس ق.م، وتسمى هذه الدراسات في اللغة الهندية باسم دَرْشانا الذي يعني الرؤية، وهو يطابق ما كان يسميه قدماء اليونان فيلاسوفيا. كان الناس سواء في الهند أو في الصين، يعتبرون الفلسفة نمطًا في الحياة وليس مجرد نشاط فكري. وكان الهدف الرئيسي في الفلسفة الهندية هو التحرر من العذاب والتوتر الناتجين عن البدن والحواس، والكف عن التشبث بالدنيا وما فيها. وأهم الفلسفات التي ازدهرت في الهند: الهندوسية والبوذية، اللتان تعتبران في الوقت نفسه من الأديان. لكن بعض الفلاسفة الهنود أوجدوا منظومة معقدة من المنطق، وأنجزوا بحوثًا في نظرية المعرفة، وكان لبعض آرائهم الفلسفية تأثير في الغرب ومن بينها تناسخ الأرواح؛ أي الاعتقاد بأن روح الإنسان يمكن أن تحل على التوالي في أجسام أخرى. تاريخ الفلسفة الغربية ينقسم تاريخ الفلسفة الغربية عادة إلى ثلاث مراحل: القديمة والوسطى والحديثة. تمتد مرحلة الفلسفة القديمة من القرن السابع ق.م إلى القرن الخامس الميلادي. وتمتد مرحلة الفلسفة الوسطى من القرن الخامس إلى القرن السابع عشر الميلاديين. أما مرحلة الفلسفة الحديثة فتمتد من القرن السابع عشر الميلادي حتى العصر الحديث. الفلسفة القديمة. كانت في معظمها يونانية. وأعظم الفلاسفة من العهد القديم كانوا ثلاثة من اليونانيين في القرن الخامس والرابع ق.م، وهم سقراط وأفلاطون وأرسطو؛ حيث أثرت فلسفتهم في الثقافة الغربية المتأخرة. فأفكار الغرب المتعلقة بما وراء الطبيعة والعلم والمنطق والأخلاق، يرجع أصلها إليهم، كما أن بعض المدارس الفلسفية المتميزة ازدهرت في بلاد اليونان القديمة. السابقون لسقراط. يعتبرون أول الفلاسفة اليونانيين، وترجع تسميتهم إلى أن معظمهم عاشوا قبيل ميلاد سقراط، أي نحو 469ق.م. وكانوا يهتمون على الخصوص بطبيعة الكون ومصدره، وكذا أصل الحقيقة والواقع. كما أرادوا أن يعرفوا الجوهر الكامن وراء المظهر، إذ به يمكن أن ندرك المظهر على حقيقته. إن الفلاسفة السابقين لسقراط كانوا، كمعظم المعاصرين لهم، لا يؤمنون بوجود آلهة أو قوى فوق الطبيعة، تتسبب في ما يقع من أحداث. فعوضًا عن ذلك كانوا يلتمسون للظاهرة الطبيعية تفسيرًا مستمدًا من الطبيعة. وقد نظر هؤلاء الفلاسفة إلى الكون باعتباره مجموعة من الظواهر الموحدة التي يستطيع الإنسان بفكره أن يوجد لها تفسيرًا ما. وقد أعطوا العديد من الأجوبة المختلفة المتضاربة للمسائل الفلسفية الأساسية، غير أن أهمية الفلاسفة السابقين لسقراط لا ترجع إلى صدق أجوبتهم بقدر ما ترجع إلى كونهم اهتموا قبل كل شيء ببحث المسائل، علماً بأنه لم تتوفر لهم آنذاك تقاليد فلسفية يستفيدون منها، بل إن أفكارهم هي التي تحولت إلى تراث ينهل منه الفلاسفة اللاحقون.سقراط. لم يترك أي أثر مكتوب رغم أنه كان دائمًا ينهمك في المناقشات الفلسفية، وقد وصلتنا أفكاره ومناهجه عن طريق مجالس الحوار، التي كتبها تلميذه أفلاطون، حيث برز سقراط شخصًا رئيسيًا يشرف على الحوار، ويشرح عملية البحث عن الحقيقة. عاش سقراط في أثينا، وعلّم في الشوارع والأسواق والملاعب الرياضية بطريقة السؤال والجواب، كما حاول أن يضع تعريفًا دقيقًا لبعض الأفكار التجريدية مثل المعرفة والفضيلة والعدل والحكمة، كل ذلك عن طريق أسئلة محكمة صارمة متلاحقة، من نوع :ماذا تعني؟ كيف عرفت ذلك؟ إن هذا الإجراء الذي يسمى الطريقة السقراطية مالبث أن أصبح من الطرائق الفلسفية النموذجية التي تُعنى بالمناقشة والحوار. انظر: سقراط. أراد سقراط أن يستبدل بالآراء الغامضة أفكارًا واضحة، وكثيرًا ما كان يجادل بعض أعيان أثينا ويفضح ادعاءهم الفارغ للمعرفة والحكمة، مما سبب له العداوة بينهم، فحُكم عليه بالموت بدعوى أنه يشكل خطرًا على الدولة، وبذلك أصبح رمزًا للفيلسوف الذي يواصل باستمرار بحثه عن الحقيقة مهما كان الثمن. أفلاطون. كان يعتقد أنه لا يمكن التوصل إلى معرفة حقيقة الأشياء عن طريق الحواس، لأن الأشياء المدركة عن طريقها سريعة الزوال ومتغيرة باستمرار. ويرى أن الإنسان لا يستطيع أن يتوصل إلى المعرفة الأصيلة إلا فيما يخص الأشياء التي لا تتغير، مثل الحقيقة والجمال والخير وغير ذلك من الأمور التي ندركها بالعقل، التي سماها الأفكار أو الأشكال. يقول أفلاطون: إن الأفكار وحدها مطابقة للحقيقة، وأن الأشياء الأخرى كلها إنما هي صور منعكسة عن الأفكار. وقد أصبحت وجهة النظر هذه تُعرف باسم المثالية. يرى أفلاطون أن أعظم الأفكار هي فكرة الخير، وأن موضوع الخير هو الأجدر بالبحث، بل هو الهدف الذي تخضع له كل الأشياء الأخرى، ويرى أيضًا أن الحياة المثلى هي التي يُكرسها الإنسان للتأمل في الحقائق الأبدية. على أنه يعتقد أن الإنسان إذا وصل إلى هذا المستوى، ينبغي له أن يعود إلى دنيا الناس، ويستعمل قدراته ومعلوماته في خدمة الإنسانية. كذلك يعتقد أفلاطون أن الروح خالدة، وأن الجسم وحده هالك عند الممات. وقد ساهمت أفكاره في إثراء تصورات الغربيين الفلسفية عن الجسم والروح والحقائق الخالدة، التي تناولها اللاهوت النصراني فيما بعد بمزيد من الشرح. انظر: أفلاطون. أرسطو. يُعتبر أعظم تلامذة أفلاطون، فقد تطرق لجميع المواضيع المعروفة في زمانه، وهو الذي ابتكر فكرة العلم واختلاف العلوم، بحيث ينفرد كل واحد منها بمبادئه، ويتناول المواد الخاصة به.ولذلك فإنه ألّف في مختلف المواضيع كالفيزياء وعلم الفلك وعلم النفس وعلم الأحياء وعلم وظائف الأعضاء وعلم التشريح. كما أنه بحث في ما سمّاه الفلسفة الأولى التي أصبحت تُعرف فيما بعد باسم الميتافيزيقا. يُعد أرسطو أول من أنشأ منظومة فلسفية، حيث قال: إن كل فروع البحث والمعرفة إنما هي أجزاء من منظومة شاملة، وهي مترابطة فيما بينها بجملة من المفاهيم والمبادئ. يعتقد أرسطو أن جميع الأشياء ما وُجدت في الطبيعة إلا لأداء غرض معين. وبمقتضى فلسفته فإن الخصائص الطبيعية للأشياء تابعة للغرض الذي من أجله وجدت، لذلك فجميع الأشياء تسعى إلى إبراز خصائصها بالسعي لتأدية ذلك الغرض. يتمثل المنهج الأساسي الذي اعتمده أرسطو في بحوثه في الانطلاق مما نعرفه، أو نعتقد بأننا نعرفه، ثم الانتقال للسؤال: كيف؟ ماذا؟ ولماذا؟ أما في كتابه الميتافيزيقا (ما وراء الطبيعة)، فقد شرح فكرة السبب الأول الذي في حد ذاته ليس ناتجًا عن أي سبب آخر، حيث وجد فيه التفسير النهائي للوجود. وقد تبنى اللاهوتيون النصارى فيما بعد هذه الفكرة برهانًا أساسيًا على وجود الله. ويقول أرسطو: إن كل إنسان يسعى لما يراه خيرًا وإن السعادة لا تكمن في اللّذة، بل في العمل الصالح، ويعني به السلوك بمقتضى الوسط بين الطرفين؛ أي أن خير الأمور أوسطها، على سبيل المثال فالشجاعة هي الوسط بين الطرفين: الجبن والتهور. لكن الإنسان السعيد حقًا هو ذلك الذي يستعمل عقله في التفكير التأملي. انظر: أرسطو. الرواقية والأبيقورية. هما المدرستان الرئيسيتان في الفلسفة اليونانية؛ حيث برزتا بعد وفاة أرسطو عام 322ق.م. فمن تعاليم المدرستين أن الهدف من المعرفة هو تمكين الإنسان من أن يحيا حياة هانئة راضية. مؤسس الرواقية هو زينون الرواقي، القائل إن الإنسان يجب أن يسعى للتحلي بالفضيلة التي هي أعظم الخصال الحميدة. يؤمن الرواقيون بـ الحتمية المحضة، أي الاعتقاد بأن جميع الأشياء محكوم عليها أن تكون على ما هي عليه، لذلك يجدر بمن يتحلى بالحكمة والفضيلة أن يرضى بما لا سبيل إلى تغييره، وأن يبذل ما في وسعه لكي يستفيد منه. وقد انتشرت الرواقية في روما، حيث كان من بين زعمائها رجل الدولة ماركوس توليوس شيشرون والإمبراطور ماركوس أوريليوس، والمعلّم أبيكتيتوس. أما الأبيقورية فقد أسسها أبيقور الذي اعتمد في فلسفته على مبدأ اللـّذة أي الفكرة بأن الخير الوحيد في الحياة يتمثل في المتعة. لكنه قال: إن اللذات لا تُعد كلها خيرًا. فاللذات الحسنة هي المصحوبة بالهدوء والاعتدال لأن اللذات المتطرفة قد تفضي إلى الألم. يقول أبيقور: إن أحسن اللذات هي صحة الأبدان وسلامة الأذهان، حيث يتخلص الإنسان فيها من الألم. الشكوكية. من المدارس الفلسفية التي أسسها بيرهو الأليسي في الفترة نفسها التي ازدهرت فيها الفلسفات الرواقية والأبيقورية. يقول بيرهو: إن الإنسان لا يستطيع أن يعرف شيئًا؛ لأن حواسنا توقعنا في الخطأ، ولا تعطينا معلومات دقيقة عن حالة الأشياء، لذلك فكل الادعاءات بالمعرفة إنما هي باطلة. وبما أننا عاجزون عن المعرفة فينبغي أن نعامل كل الأشياء باللامبالاة، وأن نمتنع عن إصدار الأحكام. الأفلاطونية المحدثة. كانت صياغة جديدة لبعض أفكار أفلاطون في صورتها المعدلة من طرف أفلوطين الذي من المعتقد أنه ولد وعاش بمصر في القرن الثالث الميلادي. لقد حاول أن يرشد الإنسان إلى الوحدانية، وبذلك تكتمل سعادة الإنسان. يعتقد أفلوطين أن روح الإنسان متشوقة للالتقاء بالله، وهذا لا يتحقق إلا عن طريق التجربة الروحانية، لذلك تعتبر فلسفته جسرًا بين الفلسفة اليونانية والفلسفة النصرانية في عهدها الأول، ويستفاد منها أن الحقائق الكبرى لا تنكشف إلا عن طريق الإيمان بالله والفضل الإلهي، وليس عن طريق العقل. فلسفة القرون الوسطى. تطورت الفلسفة الغربية أثناء العصور الوسطى بكيفية جعلتها جزءًا من اللاهوت النصراني، أكثر من كونها فرعا مستقلا من البحث العلمي. وهكذا فلم يبق للفلسفة اليونانية والرومانية من آثار سوى ما تركته من أثر على الفكر الديني. كان القديس أوغسطين أشهر الفلاسفة في أوائل العصور الوسطى. ففي كتابه مدينة الله الذي ألّفه في بداية القرن الخامس الميلادي أعطى للتاريخ البشري تفسيرًا من حيث إنه صراع بين النصارى الذين يعيشون في مدينة الله، والوثنيين والمرتدين الذين يعيشون في مدينة الدنيا. يقول أوغسطين: إن أصحاب مدينة الله سوف يكون جزاؤهم الخلاص الأبدي، أما أصحاب مدينة الدنيا فسوف ينالون العذاب المستديم. إن هذا الكتاب قد زعزع الوثنية السائدة في روما، وساعد في انتشار النصرانية خلال ذلك الوقت. في فلسفة القرون الوسطى سادت منظومة من الفكر تسمى المدرسية بين القرن الثاني عشر والقرن الخامس عشر الميلاديين. والمدرسية تُشير إلى منهج فلسفي للاستقصاء، استعمله أساتذة الفلسفة واللاهوت في الجامعات الأولى التي ظهرت في أوروبا الغربية. وكانوا يُسمّون المدرسيين. يعتمد المنهج المدرسي على التحليل الدقيق للمفاهيم، مع التمييز البارع بين المدلولات المختلفة لتلك المفاهيم. وقد استعمل المدرسيون المحاكمة الاستنتاجية انطلاقًا من المبادئ التي وضعوها بمنهجهم، بقصد إيجاد الحلول للمشكلات العارضة. نشأت المدرسية نتيجة لترجمة أعمال أرسطو إلى اللاتينية التي هي لغة الكنيسة النصرانية في العصر الوسيط. فهذه الأعمال حثت المفكرين آنذاك على التوفيق بين أفكار أرسطو الرئيسية والتوراة والعقيدة النصرانية. إن أشهر المدرسيين هو القديس توما الأكويني. حيث اجتمع في فلسفته فكر أرسطو والفكر اللاهوتي، حتى إنها أصبحت هي الفلسفة الرسمية للكنيسة الرومانية الكاثوليكية. قدّم المدرسيون مساهمات قيمة في تطور الفلسفة، منها ما قدّموه من أعمال في مجال فلسفة اللغة. حيث بينوا كيف يمكن لخصائص اللغة أن تؤثر في تصورنا للعالم. كما أنهم ركزوا على أهمية المنطق في البحوث الفلسفية. الفلسفة الحديثة. قامت في أوروبا حركة ثقافية كبرى، تسمى النهضة، أعقبت نهاية العصور الوسطى، وشكلت فترة انتقالية بين فلسفة القرون الوسطى والفلسفة الحديثة. نشأت النهضة في إيطاليا من نحو 1300 إلى 1600م، وكانت صحوة جديدة نجمت عن إعادة اكتشاف الثقافة اليونانية والرومانية. تميزت النهضة بما حدث فيها من تقدم كبير في بعض العلوم، كالفلك والفيزياء والرياضيات. كما أن العلماء المعروفين باسم الإنسانيين أكدوا على أهمية الكائنات البشرية ودراسة الأدب القديم، من أجل فهم أسرار الحياة. فهذا التركيز على العلوم والإنسانيات أدى إلى حدوث تغير كبير في أهداف البحوث الفلسفية، وتقنياتها، وهكذا ضعفت المدرسية، وتحررت الفلسفة من روابطها مع الفكر اللاهوتي الموروث من القرون الوسطى. كان فرانسيس بيكون الإنجليزي من أوائل الفلاسفة المؤيدين للمنهج العلمي، ومعظم المؤرخين يعتبرون بيكون ورينيه ديكارت الفرنسي مؤسسي الفلسفة العصرية. ومن مؤلفات بيكون الرئيسية: التقدم في التعليم (1605م)؛ المنطق الجديد (1620م)، حيث أوضح أن المعرفة إنما هي قدرة من القدرات التي لا يمكن الحصول عليها إلا بالطريقة الاستقرائية في البحث. وقد تصور بيكون عالمًا جديدا، تتوافر فيه الثقافة وأوقات الراحة، ويمكن تحقيقه بالبحث في قوانين الحياة ومجرياتها. إنه بوصفه لهذا العالم قد تنبأ بما سوف يكون للتقدم في العلوم والهندسة التقنية من آثار حضارية. الفلسفة العقلانية. تتمثل في وجهة نظر فلسفية ظهرت في القرن السابع عشر الميلادي، الفكرة الرئيسية فيها هي أن العقل مُقدم على التجربة كمصدر للمعرفة، وأن الإدراك الحسي ينبغي إقامة البرهان على صحته بالمزيد من المبادئ. لقد حاول العقلانيون أن يحددوا طبيعة العالم والواقع، عن طريق الاستنتاج من مقدمات قد ثبت أنها هي في حد ذاتها يقينية من حيث المبدأ، كما أنهم أكدوا على إجراء العمليات في الرياضيات. وزعماء الفلسفة العقلانية هم: رينيه ديكارت، باروك سبينوزا، وغوتفريت لايبنيز. كان ديكارت عالمًا في الرياضيات وفيلسوفًا في الوقت نفسه. اخترع الهندسة التحليلية، واهتم بوضع أسس متينة للعلوم، مثل الأسس التي وضعها للرياضيات. وهكذا كان مشغولا جدًا بوضع أسس المعرفة. وكان ديكارت من دعاة المذهب الآلي (القائل بأن العمليات الطبيعية قابلة للتفسير بنواميس الفيزياء والكيمياء)؛ أي أنه يعتبر كل الظواهر الفيزيائية مترابطة آليًا بموجب قانونيْ: العلة والأثر. وقد أثارت فلسفته مشكلة العلاقة بين العقل والمادة: كيف تمت بينهما؟ أما سبينوزا فقد أنشأ منظومة فلسفية على منوال الهندسة إذ حاول أن يستخلص الاستنتاجات الفلسفية من عدد محدود من البديهيات المركزية؛ أي التي تفترض أنها من الحقائق المسلم بها، وكذلك من التعاريف. لم يكن سبينوزا يتصور الإله كائنًا فوق البشر وأنه خلق الكون، بل تمثل الإله في الكون. يُعد سبينوزا أيضا من دعاة الفلسفة الآلية لأنه يرى أن كل شيء في الكون مقدر حتمًا. وكان هدفه الأساسي ذا طابع أخلاقي، حيث أراد أن يشرح كيف يمكن للإنسان أن يكون حرًا عاقلاً راضيًا مرضيًا في هذا العالم الذي تسيِّره الحتمية في زعمه. اعتقد لايبنيز أن هذا العالم ما هو إلا أحد العوامل الممكن تصورها. كما حاول أن يبين أن العالم الحالي هو أحسن تلك العوالم، وقصْده من ذلك أن يقول: إن الله أراد بالبشرية خيرًا. وهكذا حاول أن يحل المشكلة التالية: كيف يمكن لله الذي يتصف بالقدرة والكمال، أن يوجد عالمًا مليئًا بأنواع من العذاب والشر؟ كذلك فإن لايبنيز والعالم الإنجليزي إسحاق نيوتن ساهما في تطوير حساب التفاضل والتكامل. كما أن لايبنيز من السابقين لتطوير المنطق الرمزي، أي استعمال الرموز والعمليات الرياضية في إيجاد الحلول لمشكلات المنطق. الفلسفة التجريبية. تؤكد الفلسفة التجريبية على أهمية التجربة والإدراك الحسي مصدرًا للمعرفة وأساسًا لها. يُعتبر الإنجليزي جون لوك، الذي عاش في القرن السادس عشر الميلادي أول الفلاسفة التجريبيين الكبار، ثم جاء من بعده الأيرلندي جورج باركلي، والأسكتلندي ديفيد هيوم، حيث توليا تطوير الفلسفة التجريبية في القرن الثامن عشر الميلادي. حاول لوك، في كتابه مقالة عن الفهم الإنساني الذي صدر عام (1690م)، أن يحدد منشأ المعرفة البشرية ومداها وصحتها. يقول لوك: إنه لا توجد أفكار فطرية: الأفكار المطبوعة في الإنسان قبل الولادة. ويعتقد أن الإنسان عند ولادته يكون عقله مثل الصفحة البيضاء من الورق. لذلك فالتجربة هي مصدر جميع الأفكار والمعارف. تناول باركلي المسألة التالية: إذا كان كلّ ما يعرفه الإنسان مجرد فكرة عن شيء ما، فكيف السبيل إلى التأكد من وجود شيء في العالم يتطابق مع تلك الفكرة؟ وكان جوابه أن الوجود يحدث بحصول إدراكه، فالشيء لا وجود له إلا عندما يدركه عقل الإنسان، أي أن الأشياء المادية إنما هي أفكار مرسومة في العقل، وليس لها وجود مستقل. أما هيوم فقد توسع في شرح نظريات لوك وباركلي وانتهى به الأمر إلى نوع من الشك حو ل كل شيء تقريبًا، حيث قال: إن جميع محتويات العقل إنما هي انطباعات وأفكار. وقد تخطر بالبال فكرة يمكن الاهتداء إلى أصلها المتمثل في انطباع سابق. يرى هيوم أنه يجدر بالإنسان أن يحدد الانطباع الذي أنتج الفكرة وأعطاها معنى معينًا، فالفكرة التي تخطر بالبال من غير أن نستدل على أصلها لابد أنها عديمة المعنى. كذلك أثار هيوم المسألة التالية: كيف يمكن التأكد من أن المستقبل سوف يكون مثل الماضي؟ أي هل ستمارس قوانين الطبيعة عملها على المنوال السابق نفسه؟ فأجاب بأننا لا نستطيع أن نؤكد أنها جميعا سوف تستمر في السير على المنوال نفسه. عصر العقل. تميز عصر النهضة بنشاط فكري كبير خلال القرن السابع عشر الميلادي واستمر إلى أواخر القرن السابع عشر الميلادي. إن هذه الفترة تسمى أيضًا عصر التنوير؛ حيث ركّز الفلاسفة آنذاك على تحكيم العقل بدلاً من الاعتماد على التنزيل عن طريق الكتب المقدسة، يرى هؤلاء أن العقل يوفر الوسائل الكفيلة بالتوصل إلى الحقيقة حول العالم، وبتنظيم المجتمع البشري تنظيماً يحقق الهناء للإنسان. وأبرز هؤلاء الفلاسفة هم: ديكارت، ولوك، وباركلي وهيوم. كما يُعد منهم جان جاك روسو، وفولتير، ودينيس، وديدرو، وغيرهم من الفلاسفة الفرنسيين المعروفين باسم الفلاسفة. إن أبرز الأفكار التي تميّز بها عصر العقل هي نظريات لوك. فقد أراد لوك أن يرسم حدود الفهم البشري، ويعرف مدى قدرة الإنسان على تحصيل المعلومات، لعله يهتدي بها في سلوكه، وينتفع منها في حياته. كما حاول أن يبين أن الناس يجب أن يتعاملوا وفق مبادئ التسامح والحرية والحقوق الطبيعية. ففي كتابه مقالتان عن الحكومة الذي صدر (1690م)، وضع الأُسُس الفلسفية التي نهلت منها الثورتان الأمريكية والفرنسية في أواخر القرن الثامن عشر الميلادي. فلسفة إيمانويل كانط الفيلسوف الألماني الكبير الذي عاش في القرن الثامن عشر الميلادي تكاد تكون هي الأساس لكل التطورات الفلسفية التي ظهرت فيما بعد. وتُسمى فلسفة كانط الفلسفة النقدية أو الفلسفة المتعالية، وقد تأثر كانط بفلسفة هيوم الشكوكية، حيث سعى إلى الجمع بين الفلسفتين: العقلانية والتجريبية. ففي كتابه نقد العقل المحض الذي صدر (1781م)، حاول كانط أن يقدم دراسة وصفية نقدية لقدرات العقل البشري وحدوده، لكي يبين ما يمكن وما لا يمكن أن يُعرف. وقد استنتج أن العقل يمكّننا من إدراك الأشياء في ظاهرها فقط، وليس أبدًا في ماهيتها. يعتقد كانط أن العقل يقوم بدور نشط في المعرفة وليس مجرد جهاز لتسجيل الوقائع التي يتلقاها من الحواس، ويؤدي هذه الوظيفة من خلال مقولات أو أشكال أساسية من الفهم، وهي مستقلة عن التجربة وبدونها لن يكون لتجربتنا أي معنى، فمن خلال هذه المقولات والعمليات الذهنية وبالاعتماد على تجاربنا الحسية، نستطيع أن نتوصل إلى المعرفة، أي معرفة الأشياء الخاضعة للتجربة الحسية، دون غيرها. انتقد كانط البراهين التقليدية المعتمدة لإثبات وجود الله، متذرعا بأنها كلها باطلة؛ لكونها تناولت مسألة خارجة عن نطاق التجربة، وبالتالي فهي تتجاوز قدرات العقل البشري. ففي كتابه نقد العقل العملي الذي صدر (1788م)، قال: إن العقل العملي؛ أي العقل المطبق في مجال الممارسة، يرشدنا كيف يجب أن نعمل، وكذلك يقدم لنا حجة عقلية عملية للاعتقاد بوجود الله، من غير أن تكون تلك الحجة دليلاً قاطعًا على وجوده. الفلسفة في القرن التاسع عشر. أثرت فسلفة كانط في العديد من المنظومات الفكرية التي ظهرت في القرن التاسع عشر الميلادي على يد فريدريك هيجل وكارل ماركس، الألمانيين، حيث شرح هيجل نظريته حول التغير التاريخي التي تُسمى الجدلية الهيجلية، بأن التنازع بين المتناقضات يؤدي إلى نشوء وحدة جديدة ثم إلى نقيضها. وقد حول ماركس نظرية هيجل إلى ما يسمى المادية الجدلية. يعتقد ماركس أن الأشياء المادية وحدها واقعية، وأن كل الأفكار مبنية على أساس اقتصادي، وأن التنازع الجدلي بين الرأسماليين والعمال الصناعيين، سوف يفضي إلى قيام الشيوعية التي سماها الاشتراكية نظامًا اقتصاديًا وسياسيًا. أما فريدريك نيتشه، الفيلسوف الألماني فقد كان مُلحدًا ؛ حيث أعلن في كتابه هكذا تكلم زرادشت الذي صدر في 1883-1885م أن الله قد مات، (تعالى عن ذلك علوًّا كبيرًا)، وقصد بذلك أن فكرة الإله فقدت مالها من قوة بوصفها دافعًا وضابطًا لسلوك الناس، وما عليهم إلا أن يبحثوا عن فكرة أخرى، يهتدون بها في حياتهم، وقد تنبأ نيتشه بظهور السوبرمان أو الإنسان الأمثل الذي لا يشكو من ضعف البشر، ولا يحتكم إلى الأخلاق لأن الاحتكام إلى الأخلاق من شيم الضعفاء وليس من شيم الأقوياء. فالسلوك ينبغي أن يكون قائمًا على إرادة القوة؛ أي ميل الإنسان للسيطرة على غيره والتحكم في أهوائه، والسوبرمان سوف يسعى إلى نوع جديد من الكمال والتفوق بماله من قدرة على تحقيق مسعاه للسلطة بأسلوب الأقوياء، لا بأسلوب الضعفاء. سيطر مذهب المنفعة في إنجلترا خلال القرن التاسع عشر الميلادي بزعامة جيرمي بينثام، وجون ستيوارت ميل. قال النفعيون: أكبر قدر من السعادة لأكبر قدر من الناس هو معيار الحق والباطل؛ أي أن المنفعة هي التي تحدد اتجاه الحقيقة، صدقًا كان أم كذبًا. كذلك فكل المؤسسات الاجتماعية وبالأخص المؤسسة التشريعية والحكومة ينبغي تحويلهما إلى جهاز يحقق أكبر قدر من السعادة. يقول ميل في كتابه خضوع النساء الذي صدر (1869م): إن هذا الخضوع القانوني للرجال ينبغي تعويضه بمبدأ المساواة التامة، وقد اعتُبرت هذه الفكرة من الأفكار الثورية في عصر ميل. الفلسفة في القرن العشرين. شهدت الفلسفة في القرن العشرين الميلادي انتشار خمس حركات رئيسية، اثنتان منها: الوجودية والظواهرية كان لهما تأثير كبير في بلدان أوروبا الغربية. أما الحركات الثلاث الأخرى: الذرائعية، والوضعية المنطقية، والتحليل الفلسفي فقد مارست تأثيرها خصوصًا في الولايات المتحدة الأمريكية وبريطانيا. في منتصف القرن العشرين الميلادي أصبح تأثير الوجودية ملحوظًا؛ وذلك أن الحرب العالمية الثانية (1939 – 1945م) ولّدت شعورًا عامًا باليأس والقطيعة من الوضع القائم. هذا الشعور قد أفضى إلى الاعتقاد بأن الناس عليهم أن ينشئوا القيم التي تليق بهم في عالم أصبحت القيم القديمة فيه عديمة الجدوى؛ كما أن الوجودية تلح على القول: إن الأفراد يجب عليهم أن يجددوا اختياراتهم وبذلك يعبرون عن شخصيتهم المتميزة، لأنه لا توجد أنماط موضوعية تفرض على الفرد فرضًا. ويُعتبر الكاتب الفرنسي جان بول سارتر أشهر الفلاسفة الوجوديين. أما الفلسفة الظواهرية فقد أنشأها الفيلسوف الألماني إدموند هوسيرل، الذي تصور أن مهمة الظواهرية ـ وبالتالي مهمة الفلسفة ـ تتمثل في وصف الظاهرة؛ أي موضوعات التجربة الشعورية، وصفها بد قة وبكيفية مستقلة عن كل الافتراضات المشتقة من العلم. ويعتقد هوسيرل أن هذا العمل من شأنه أن يؤدي إلى إدراك الواقع إدراكًا فلسفيًا. أما الفلسفة الذرائعية التي يمثلها في القرن العشرين الميلادي الأمريكيان وليم جيمس وجون ديوي، فتؤكد أن المعرفة خاضعة للعمل، وذلك أن اشتمال الأفكار على المعاني والحقائق متعلق بمدى ارتباطها بالتطبيق. أما الفلسفة الوضعية المنطقية التي نشأت في فيينا بالنمسا في العشرينيات من القرن العشرين الميلادي فتقول: إن الفلسفة ينبغي أن تحلّل منطق لغة العلم. وهي تعتبر العلم المصدر الوحيد للمعرفة وتدعي بأن ماوراء الطبيعة لافائدة منه، اعتمادًا على مبدأ إمكانية التحقق؛ أي أن القول لا يكون له معنى إلا إذا ثبت بالتجربة الحسية أنه مطابق للحقيقة، ويعد البريطاني السير ألفرد جول آير من أكبر فلاسفة المذهب الوضعي المنطقي. حاولت الفلسفة التحليلية عامة أن توجد الحلول للمشكلات الفلسفية عن طريق تحليل مفردات اللغة ومفاهيمها، كما حاولت بعض اتجاهات هذه الفلسفة أن تبرهن على أن بعض المشكلات الفلسفية التقليدية تنحَلُّ تلقائيًا ـ أي أنها تزول ـ بمجرد تحليل العبارات التي صيغت بها. وهناك اتجاهات أخرى منها تستعمل التحليل اللغوي من أجل إلقاء الأضواء على المشكلات الفلسفية التقليدية لكن من غير أن تزيلها. ومن أشهر الفلاسفة الذين مارسوا منهج التحليل الفلسفي، برتراند راسل، ولودفيج فيتجنشتاين، الذي وُلد في النمسا، لكنه درس وتعلم في إنجلترا. أسئلة من المساهمون في إيجاد الفلسفة الحديثة؟ ما وجوه الاختلاف بين الآلية والتقنية؟ ما الفروع الفلسفية ذات العلاقة بالمعرفة الإنسانية؟ ما المعرفة الفكرية والمعرفة التجريبية العملية؟ ما وجوه الاختلاف بين الفلسفتين الصينية و الهندية القديمتين؟ ما أهم الحركات الفلسفية التي وجدت في القرن العشرين الميلادي؟ كيف يتأثر التعليم بالأفكار الفلسفية للمجتمع؟ ما الأسلوب السقراطي؟

الفلسفة المشائية

الفلسفة المشّائية مذهب فلسفي أسسه الفيلسوف اليوناني أرسطو في القرن الرابع قبل الميلاد. وقد كان أرسطو يمشي أثناء إلقاء محاضراته تحت أروقة ذات عمد مظلَّلَة، تُسمى البُورِتيْكُوز وذلك في مبنى الليسيوم في أثينا؛ ومن هنا أخذت هذه الفلسفة اسمها. كان أرسطو تلميذًا لأفلاطون الذي كان يرى أن الإنسان باستطاعته أن يصل إلى الحقيقة عن طريق الحُجَّة والمنطق. كما كان يعلِّم تلاميذه بأن عالم الظواهر ـ ويعني بذلك الحياة اليومية المشاهدة ـ لايُمثِّلُ العالم الحقيقي بدقة، ذلك العالم الذي يتضمن الصور المثالية. أما أرسطو فقد كان يعتقد بأنه لا يمكن فصل الحقيقة عن الظاهر بهذه الطريقة. بل كان يعتقد أنه لإدراك الحقيقة ينبغي على المرء أن يتمعن ويدرس الظواهر. كما كان يعتقد بأن كل شيء ماهو إلا مزيج من الصورة والمادة. انظر أيضًا: أرسطو

الفلسفة الاسلامية

الفلسفة الإسلامية. عرف المسلمون الفلسفة من خلال اليونانيين. فقد ذكر الخوارزمي (ت 387هـ، 997م) في مفاتيح العلوم “أن الفلسفة مشتقة من كلمة يونانية وهي فيلاسوفيا وتفسيرها محبة الحكمة، فلما عُرّبت قيل: فيلسوف، ثم اشتقت الفلسفة منه، ومعنى الفلسفة علم حقائق الأشياء والعمل بما هو أصلح. وتنقسم إلى قسمين أحدهما الجزء النظري والآخر الجزء العملي. ومنهم من جعل المنطق قسمًا ثالثًا غير هذين، ومنهم من جعله جزءًا من أجزاء العلم النظري، ومنهم من جعله آلة للفلسفة، ومنهم من جعله جزءًا منها وآلة لها. هذه هي الفلسفة، فما الفلسفة الإسلامية إذن؟ يرى بعض الفلاسفة هي مجموعة الأفكار التي ارتآها الكندي والفارابي وابن سينا ومن سار على نهجهم في الله والعالم والنفس الإنسانية،.ويرى ابن رشد (ت 595هـ، 1198م) في فصل المقال ¸أن النظر في كتب القدماء ـ يقصد بالقدماء هنا فلاسفة اليونان مثل أفلاطون وأرسطو ـ واجب بالشرع، إن كان مغزاهم في كتبهم ومقصدهم هو المقصد الذي حثنا الشرع عليه، وأن من نهى عن النظر فيها من كان أهلاً للنظر فيها ـ وهو الذي جمع بين أمرين: أحدهما: ذكاء الفطرة، والثاني: العدالة الشرعية، والفضيلة العلمية والخلقية ـ فقد صد الناس عن الباب الذي دعا الشرع منه الناس، إلى معرفة الله، وهو باب النظر المؤدّي إلى معرفته حق المعرفة، وذلك غاية الجهل والبعد عن الله تعالى·. فالفلسفة عند ابن رشد تفتح باب العلم بالله ومعرفته حق المعرفة. ويرى ابن خلدون (ت 808هـ، 1406م) في المقدمة أن الفلسفة من العلوم التي استحدثت مع انتشار العمران، وأنها كثيرة في المدن ويعرِّفها قائلاً: ¸بأن قومًا من عقلاء النوع الإنساني زعموا أن الوجود كله، الحسي منه وما وراء الحسي، تُدرك أدواته وأحواله، بأسبابها وعللها، بالأنظار الفكرية والأقيسة العقلية وأن تصحيح العقائد الإيمانية من قِبَل النظر لا من جهة السمع فإنها بعض من مدارك العقل، وهؤلاء يسمون فلاسفة جمع فيلسوف، وهو باللسان اليوناني محب الحكمة. فبحثوا عن ذلك وشمروا له وحوَّموا على إصابة الغرض منه ووضعوا قانونًا يهتدي به العقل في نظره إلى التمييز بين الحق والباطل وسموه بالمنطق.· ويحذّر ابن خلدون الناظرين في هذا العلم من دراسته قبل الاطلاع على الشرعيات من التفسير والفقه، فيقول: ¸وليكن نظر من ينظر فيها بعد الامتلاء من الشرعيات والاطلاع على التفسير والفقه ولا يُكبَّنَّ أحدٌ عليها وهو خِلْو من علوم الملة فقلَّ أن يَسلَمَ لذلك من معاطبها·. ولعل ابن خلدون وابن رشد اتفقا على أن البحث في هذا العلم يستوجب الإلمام بعلوم الشرع حتى لا يضل العقل ويتوه في مجاهل الفكر المجرد لأن الشرع يرد العقل إلى البسيط لا إلى المعقد وإلى التجريب لا إلى التجريد. من هنا كانت نصيحة هؤلاء العلماء إلى دارسي الفلسفة أن يعرفوا الشرع والنقل قبل أن يُمعنوا في التجريد العقلي. ويذهب الكندي (ت نحو 260هـ، 873م) إلى أن الفلسفة هي علم الحق الأول الذي هو علة كل حق، ولذلك يجب أن يكون الفيلسوف التام الأشرف هو المرء المحيط بهذا العلم الأشرف لأن علم العلة في نظره أشرف من علم المعلول، والعلم التام هو علم العلة. ويرى الفارابي (ت 339هـ، 950م) أن الفلسفة هي العلم بالموجودات بما هي موجودة ويقسمها إلى حكمة إلهية وطبيعية ورياضية ومنطقية. ويعطيها الشيخ الرئيس ابن سينا (ت428هـ، 1037م) طابعًا نفسيًا فيقول: الحكمة استكمال النفس الإنسانية بتصور الأمور والتصديق بالحقائق النظرية والعملية على قدر الطاقة الإنسانية. ويقسم الحكمة كذلك إلى نظرية يتعلمها الإنسان، ولا يعمل بها، وحكمة عملية مدنية ومنزلية وأخلاقية. وحول هذه المفاهيم، كان يتناول فلاسفة الإسلام الفلسفة مقتفين أثر الأساتذة القدماء من حكماء اليونان. فكانوا تارة يقتربون من أساتذة اليونان وتارة يبتعدون عنهم، ولم ينتهجوا منهجًا مستقلاً في التفلسف ولم يخالفوا رأي القدماء إلا في المسائل التي تخرجهم من ملة الإسلام، وظلوا أساتذة في هذا العلم في ظل أساتذة الفلسفة السابقين. متى نشأت الفلسفة الإسلامية وكيف إذا كانت كلمة فلسفة يونانية الأصل وكان المسلمون قد نظروا في فلسفة اليونان، فكيف وصلت الفلسفة إلى المسلمين مع فارق المسافة والثقافة واللغة؟ وهل كان علم الحق الأول عند المسلمين مستخرجًا من الكتاب والسنة؟ أو أن هناك مؤثرات أخرى جعلت من اتجه من المسلمين يتجه صوب الفلسفة؟ الشاهد التاريخي يقول إن القرآن والسنة لم يدفعا المسلمين إلى التفلسف ـ إلا من باب التأمُّل الذي أمروا به ـ بل كانت هناك مؤثرات خارجية وفدت إلى ديار المسلمين إثر عصور الترجمة، وحاول العلماء الذين خاضوا في هذه العلوم الجديدة الوافدة التوفيق بين رصيدهم من العلوم النقلية الشرعية وبين العلوم العقلية الفلسفية المنقولة باللغة السريانية أو العبرانية عن اللغة اليونانية. وقد أثْرت حركة الترجمة الحياة العلمية عند المسلمين خاصة في مجال العلوم الطبيعية. لكن على الرغم من ذلك فإن هناك بعض الملاحظات التي أبداها علماء المسلمين على حركة الترجمة، منها أن المترجمين لم يكونوا من أهل الاختصاص في العلوم التي نقلوها وحدث ما كان يخشاه علماء المسلمين من التصحيف والتحريف في اللغة المنقول منها واللغة المنقول إليها، وكان ذلك أشد وضوحًا فيما نقلوه من الفلسفة اليونانية. إن المترجمين نقلوا ـ مثلاً ـ كتاب الربوبية لأفلوطين ونسبوه خطأً لأرسطو. وغلب على ظن كثير من متفلسفة الإسلام أن الربوبية حقيقة لأرسطو ووقعوا في مغالطات الذين كانوا يقولون بالتوفيق بين الفلسفة والدين، والعقل والنقل. ومن ناحية أخرى، فإن بعض المترجمين كانوا قومًا أهل دين: منهم النساطرة النصرانيون الذين كانوا ينشرون النصرانية في كل محفل ما استطاعوا إلى ذلك سبيلاً، ومنهم اليهود الذين كانوا يرون في الإسلام مزاحمًا ومنافسًا فكريًا فأرادوا أن يستبعدوه ليخلو لهم الجو. هذا فيما يتعلق بالعلوم النظرية، أما العلوم التطبيقية، فقد برع فيها المسلمون واستفادوا أيما فائدة من الترجمات والشروح على الترجمات التي وصلت إليهم من العلوم اليونانية عن طريق السريانية. ظهرت هذه الترجمات بعد الفتوحات الإسلامية في العصرين الأموي والعباسي ولم يكن دور العصر الأموي كبيرًا في الترجمة إلا أن العصر العباسي كان عصر الترجمة الزاهر. حركة الترجمة في العصر الأموي. لم يؤدِّ الأمويون دورًا كبيرًا في حركة الترجمة، بل كان دورهم ثانويًا إبان الفتوحات الإسلامية لأنهم كانوا حريصين على حماية الثغور وفتح البلدان وتأمين الدولة الجديدة، ما عدا الدور الذي أدَّاه خالد بن يزيد الذي ترك الإمارة والحكم وكرّس جهده للطب وترجمة كتب الكيمياء والطب إلى العربية. وظهر في هذا العصر الطبيب ما سرجويه، وكان ينقل من السريانية إلى العربية. ودارت في هذا العصر مناقشات وجدال حول الإمامة والجبر والاختيار كانت إرهاصًا بظهور الفرق الإسلامية فيما بعد. حركة الترجمة في العصر العباسي بدأت الترجمة في هذا العصر في خلافة المنصور ونشطت حركة الترجمة من اليونانية إلى السريانية وظهرت أسماء بعض المترجمين في هذا العصر أمثال سرجيوس الرأس عيني أو الرسعني الذي ترجم آثار جالينوس في الطب والأخلاق وآثار أرسطو المنطقية إلى السريانية، وعبدالله بن المقفع الذي ترجم من الفارسية إلى العربية حكايات كليلة ودمنة، وقيل إنه ترجم بعض كتب أرسطو في المنطق. وازدهرت حركة الترجمة في عصر المأمون إذ إنه أسس في بغداد مدرسة الحكمة أو بيت الحكمة سنة 217هـ، 832م وائتمن يحيى بن ماسويه عليه، وخلف يحيى تلميذه الشهير حنين بن إسحق في الفترة الواقعة بين سنة 194-260هـ، 809-873م، وكان حنين أشهر مترجم للمؤلفات اليونانية إلى السريانية والعربية دون منازع، وكذلك كان ابنه إسحاق بن حنين وابن أخيه حبيش بن الحسن. ومن الأسماء التي لمعت في فن الترجمة يحيى بن البطريق (مطلع القرن التاسع الميلادي) وعبد المسيح بن عبدالله بن ناعمة الحمصي (النصف الأول من القرن التاسع)، وهو الذي كان مساعدًا للفيلسوف الكندي وقد ترجم لأرسطو، وإليه يرجع الفضل في ترجمة كتاب الربوبية (إثولوجيا) المنسوب إلى أرسطو وكان قد وضعه أفلوطين الإسكندري. وكذلك لمع اسم قسطا بن لوقا البعلبكي، وقد كان طبيبًا وفيلسوفًا وفيزيائيًا معروفًا ترجم شروح الإسكندر الأفروديسي ويوحنا فيلويون على كتاب الطبيعة لأرسطو. وله شروح جزئية للكون والفساد لأرسطو، وله رسالة في الفرق بين الروح والعقل، وله بحوث في الشفاء شبيهة بعلم النفس المعاصر. وفي القرن العاشر الميلادي، ظهرت أسماء مثل أبي بشر متى القنائي (ت 329هـ،940م) والفيلسوف النصراني يحيى بن عدي صاحب تهذيب الأخلاق (ت 364هـ، 974م) وتلميذه أبي الخير بن الخمار (ولد 331هـ، 942م). وقد ظهرت في هذا العصر مدرسة الرَّهَا وكانت تضم صابئة حران الذين كانوا يدينون بالمعتقدات الكلدانية القديمة ويهتمون بالدراسات الرياضية والفلكية والروحية بالإضافة إلى الأفلاطونية الفيثاغورثية المحدثة. ومن أشهر المترجمين في مدرسة الرها ثابت بن قرة، وقد ترجم العديد من المؤلفات الرياضية والفلكية. لماذا اشتغل المسلمون بالفلسفة. لم يهتم المسلمون بالآداب اليونانية لأنها كانت وثنية في مبدئها ومنتهاها فلم يحفلوا بها كثيرًا. وكانت معرفتهم بالفلسفة اليونانية عن طريق بلوتارك الذي نقل عن ديوجين اللايرتي، وفرفوريوس، وجالينوس. ولذلك كانت معرفتهم بالفلسفة السابقة لسقراط مزيجًا من الأساطير والخرافات التي نسبوها إلى فلاسفة اليــونان المتأخــرين في مدرسة الإسكندرية. وقد عرف المسلمون الفلاسفة الذين جاءوا قبل سقراط كأنبا دقليس الذي كانوا يسمونه ابن دقليس، وديموقريطس وفيثاغورث، وكذلك عرفوا السوفسطائيين أمثال بروتاغوراس وجورجياس وعرفوا سقراط عن طريق ما كتبه عنه إسكانوفان في التعاليق وكتبوا عن سيرة سقراط وموته ودفاعه عن فكره حتى موته. وكذلك عرفوا أفلاطون واعتبروه أقرب الفلاسفة إليهم لأنه تكلم عن الخلق الإلهي وأثبت وجود الصانع وبرهن على وجود النفس وخلودها وكان تأثيره فيهم كبيرًا. تأثر به الكندي والفارابي وابن سينا وكل التيار الإشراقي الصوفي ومن دار في فلكهم. وتأثر هؤلاء أيضًا بأفلوطين صاحب الأفلاطونية المحدثة والمذهب الإشراقي. وقد كان أرسطو مثار إعجاب فلاسفة الإسلام إذ إنهم، كما كانوا يجلّون أفلاطون الإلهي، أصبحوا يقدرون أرسطو العقلي إعجابًا بعلمه وعقله وإجلالاً لفلسفته. لكنهم وضعوا حول سيرته روايات وأساطير قصصية كانت من عمل مدرسة الإسكندرية والسريان المتأخرين، ونُسبت إليه كتب كثيرة لم تكن من تأليفه، نذكر منها على سبيل المثال، كتاب التفاحة وكتاب الربوبية واشتغلوا بكتبه كثيرًا لا سيما كتب المنطق، وكذلك عرفوا كتبه في الأخلاق والطبيعيات والسياسة. وقام فلاسفة الإسلام بمحاولة الجمع بين رأي الحكيمين أفلاطون وأرسطو. وعندما توغل المسلمون في الفلسفة وفي شروح أرسطو ومنطقه وأقيسته وأصبحوا أساتذة وطال باعهم في التفلسف، حصلت في القرن الثاني عشر والثالث عشر الميلاديين حركة ترجمة عكسية من العربية إلى اللاتينية. وقد أثرت هذه الترجمات على الفكر الأوروبي وأعادت إلى الأوروبيين التراث اليوناني مزيدًا ومنقحًا ومشروحًا ومعلقًا عليه، ونشأت مدرسة أوروبية في العصور الوسطى تُسمى بالرشدية لقيامها على آراء الفيلسوف المسلم ابن رشد الذي كانوا يعرفونه بأفروس وعرفوا ابن سينا بأفيسينا، وكان كتاب القانون في الطب لابن سينا يدرَّس في جامعات فرنسا إلى القرن الثالث عشر الميلادي كما عرفته أيضًا قاعات أكسفورد إلى نهاية القرن الثالث عشر الميلادي. وقد كانت الفلسفة الإسلامية الجسر الذي نقل الفلسفة اليونانية إلى أوروبا. تأثير الفلسفة في المتكلمين. كان المتكلمون يدافعون عن العقيدة ويقارعون الخصوم الحجة بالحجة. وعندما شاع الاشتغال بالفلسفة والمنطق اليوناني، خاضوا في مسائل المنطق للدفاع عن العقيدة، ومنهم من لم تعجبه أساليب اليونان ففضل أساليب القرآن في الحجاج ومقارعة الخصوم، ومنهم من اشتغل بالمنطق وقضاياه باعتباره أداة من أدوات المعرفة. وكانت لهم مآخذ على منطق أرسطو وخاصة شيخ الإسلام ابن تيمية (ت 728هـ، 1328م) الذي قال إن منطق أرسطو لا يحتاج إليه الذكي ولا يستفيد منه الغبي لأنه تحصيل حاصل، وذكر أن المنطق يتأثر باللغة، وكذلك منطق اليونان قد تأثر باللغة اليونانية بكل ما فيها من وثنيات، ولذلك يُخشى على من ليس لهم علم بذلك من معاطب الطريق. نخلص من هذا إلى أن تأثير الفلسفة في المتكلمين وفي علماء المسلمين لم يكن تأثير الأستاذ على التلميذ، كما تدّعي بعض الدوائر الاستشراقية، بل هو في جملته تأثير عكسي، تأثير الذي يريد أن يعرف الشر لكي لا يقع فيه، وقد عرفوا لهم الفضل وحفظوه فيما ليس فيه شر. بعض قضايا الفلسفة الإسلامية من المشكلات التي تعرَّض لها فلاسفة الإسلام بالجدال مشكلة إثبات وجود الله ، وصفاته ووجود العالم أحادث هو أم قديم، ومشكلة النفس الإنسانية، وهل هي موجودة وخالدة أم فانية؟ لقد تصدى الفلاسفة المسلمون لهذه المشكلات ودخل بعضهم في بطون فلاسفة اليونان ولم يستطيعوا أن يخرجوا منها، وظل فكر كثير منهم أسير التصورات اليونانية. ومن الذين تصدوا للدفاع عن الفلسفة والخوض في مسائلها الكندي والفارابي وابن سينا وابن رشد. وفيما يلي بعض آرائهم في هذه المشكلات الفلسفية. القضية الأولى ¸الله·. تناقش هذه القضية من خلال آراء الكندي والفارابي وابن سينا وابن رشد. أما الكندي فيعرف بأنه فيلسوف العرب لأن جذوره تمتد إلى أصل عربي قحطاني، كان أبوه من ملوك كندة بالعراق. انظر: الكندي، أبو يوسف. عرف الكندي الاعتزال فكان من متكلمي المعتزلة وعرف الفلسفة عن طريق الترجمة، وقيل كان يعرف اليونانية وترجم عن اليونانية، وكانت له علاقة بابن ناعمة الحمصي. وقد كان له اطلاع واسع على الترجمات العربية للكتب اليونانية وبخاصة فلسفة أرسطو كما أنه صحح بعض الترجمات وراجعها وألَّف رسالة في الفلسفة الأولى، وهي في البحث عن الإلهيات، وهي عنده من أشرف العلوم لأنها علم الحق. فالله عنده هو العلة الأولى، وهو الفاعل الأول والمتمم لكل شيء ومؤيِّس الكل عن ليس، والأيْسُ هو الوجود وضده اللّيْس وهو العدم، فالله هو موجد الكل من العدم. وقد تأثر الكندي في هذه الرسالة بكتاب الربوبية (إيثولوجيا) المنسوب لأرسطو، وهو كتاب يبحث في الإلهيات كتبه أفلوطين الإسكندري ونسبه فلاسفة الإسلام خطأ إلى أرسطو لأنهم لم يعرفوا أنه مَنْحول على أرسطو. وفكرة الأيْس عن ليْس (خلق الوجود عن عدم) فكرة أصيلة عند الكندي، وهي فكرة إسلامية تعني خلق العالم من عدم. والكندي في هذه المسألة يخالف رأي أرسطو الذي يقول بقدم العالم، وهذه إحدى المسائل التي جعلت الكندي مفكرًا أصيلاً في نظر بعض النقاد. يقتفي الكندي هنا أثر أرسطو اليوناني ويقيم براهينه على وجود الله على نفس النسق الأرسطي الذي يستند إلى الحركة والكثرة والنظام في إثبات وجود الله. والبرهان الأول هو برهان الحدوث، فالشيء عنده لا يمكن أن يكون علة لذاته، أي لا يمكن أن يكون موجودًا لذاته. وجرم العالم عنده متناه أي أن له بداية في الزمن وما دام متناهيًا فهو موجود من العدم أي أنه أَيْس من ليْس، فهو حادث ولابد له من محدث، ومحدثه هو الله لَيْس أن الله هو علة حدوثه. ويوافق الكندي علماء الطبيعة المحدثين في أن العالم له بداية في الزمن ، وهم يرجعون ذلك إلى ملايين السنين عندما كان الكون في حالة غازية سائلة ملتهبة، أما الكندي فقد ذهب مذهبًا آخر عندما نظر إلى كتلة العالم فرأى أنها إما أن تكون متناهية أو غير متناهية ووصل إلى أنها متناهية ومتميزة، ومن ثم عرف أن الوجود المتناهي لابد أن تكون له بداية في الزمن. أما البرهان الثاني الذي يتخذه على وجود الله، فهو برهان الكثرة، فقد رأى الكندي أن الأشياء المحسوسة متكثرة بالأنواع ومتحدة بالأجناس، فالحيوان واحد بالجنس كثير بالأنواع، حيث يضم الإنسان والحمار والحصان… إلخ، فالاشتراك في الوحدة يرجع إلى علة أولى ما بعدها علة، هي علة اشتراكها في الوحدة. وهذه العلة الأولى هي الله. أما البرهان الثالث، فهو برهان التدبير وهو دليل الغائية في الوجود المحسوس. فالعالم المحسوس لم يوجد عبثًا بل لابد له من مدبّر، ولا يمكن معرفة المدبّر إلا بمعرفة تدبيره، وهو الكون المحسوس المنتظم. وهذا الدليل اقتبسه الكندي من أرسطو. يأتي بعد الكندي الفارابي وهو تركي الأصل من إقليم فاراب بتركيا وأمه فارسية. توفي سنة 339هـ، 950م. لقّبه مؤرخو الفلسفة بالمعلم الثاني، (لتأثره بأرسطو الذي لقّبه مؤرخو الفلسفة بالمعلم الأول)، وذلك لتأثره كلية بفلسفة أرسطو. وقد عُرفت فلسفته بأنها فلسفة توفيقية يحاول فيها الفارابي أن يوفق بين عقيدته الإسلامية وفلسفة اليونان. انظر: الفارابي، أبو نصر. أما دليله على وجود الله فهو دليل الوجوب والإمكان. يقسم الموجودات إلى قسمين: ممكن الوجود وواجب الوجود. وواجب الوجود عنده هو الموجود الذي وجوده من ذاته، فإذا فُرض عدم وجوده لكان ذلك مُحالاً. أما ممكن الوجود فهو الذي وجوده من غيره، فإذا فُرض عدم وجوده لما كان ذلك محالاً. والوجود الممكن يتعادل وجوده وعدمه، أي أن وجوده وعدمه سواء إلا إذا ترجح أحدهما على الآخر. فإذا ترجح وجوده كان لابد له من مرجح يرجح وجوده على عدمه أي لابد له من موجد ترجح عنده الوجود على العدم فأخرجه إلى الوجود. فلابد لكل موجود ممكن الوجود من مرجّح لوجوده على عدمه، ولا يمكن أن تمضي سلسلة المرجحات الممكنة الوجود إلى مالانهاية لأن هذا محال، فلابد إذن أن نصل إلى مبدأ أول أو سبب أول هو علة وجود كل الممكنات في العالم وهو الذي رجح وجود هذا العالم على عدمه وهو الله. وهو واجب الوجود بذاته ولا يحتاج إلى غيره أبدًا. وقد رفض الفارابي دليل الحكماء الطبيعيين الذين يرون أنه لابد من الاستدلال على وجود الله بآثاره لأن الصنعة تدل على الصانع، وهذا يعني أنهم يصعدون من الفعل إلى الفاعل، ومن المخلوق إلى الخالق، لكنه يرى أنهم يفكرون في الأفعال التي تصدر في العالم فلا يتجاوزون عالم الحوادث المتناقضة، ولا يجدون تصورات شاملة للموجودات. أما الفارابي، فقد أراد أن يصل إلى العلة الأولى الوحيدة، وهذه العلة الوحيدة هي واجب الوجود. ومعنى الموجود الواجب يحمل في ذاته البرهان على أنه واحد لا شريك له، فلو وجد موجودان كل منهما كامل الوجود وواجب الوجود لكانا متفقين من وجه ومتباينين من وجه، وما به الاتفاق غير ما به التباين، فلا يكون كل منهما واحدًا بالذات، فالموجود الذي له غاية الكمال يجب أن يكون واحدًا. فهو واحد بالذات لا تركيب فيه ولَيْس له ليس ولا يمكن حده، لكن الإنسان يثبت للبارئ أحسن الأسماء الدالة عليه وعلى منتهى كماله، وتأثر الفارابي هنا بفلسفة أرسطو في المحرك الأول. وعمومًا كان للفارابي الفضل في توطيد أركان الفلسفة في العالم الإسلامي؛ فقد اتخذت شكلها التي آلت إليه بعد وفاته إلى أن جاء عصر ابن رشد؛ حيث مزج الفارابي بين الأفلاطونية والأفلوطينية من جهة والفلسفة الأرسطية المشائية من ناحية ثانية، ومن ثم نجد ذلك التشابه التام فيما ذكره الفارابي عن المدينة الجماعية في كتاب السياسة المدنية والديمقراطية التي وضعها أفلاطون. ولأن الفارابي لم يكن لديه تلاميذ مباشرون، فقد أثر فيمن أتي بعده من الفلاسفة العرب والمسلمين، وكان على رأس هؤلاء الشيخ الرئيس ابن سينا الذي اعتمد على الفارابي في فهم الفلسفة اليونانية، وبالتالي في وضع كثير من الآراء والنظريات. أما ابن سينا فقد عُرف عند مؤرخي الفلسفة بالشيخ الرئيس وذلك لاشتغاله بالعلم والوزارة، ولد بأفشنة بالقرب من بخارى بفارس سنة 370هـ،980م، وحفظ القرآن منذ نعومة أظفاره، وكان عنده شغف بالعلم ونهم لا ينقطع للاطلاع والقراءة فاشتغل بالطب والفلسفة والكيمياء والفقه والرياضة والهندسة، وبرع في كل ما درسه، وما جلس لأستاذ قط إلا صار أستاذًا لأستاذه. انظر: ابن سينا. وقد تأثر بأفلاطون وأرسطو عن طريق شروح الفارابي، وأما فلسفته، فكانت مزيجًا من الأفلاطونية والمشائية (فلسفة أرسطو). ولإثبات وجود الله عند ابن سينا، فقد قسم الأدلة إلى قسمين: دليل عقلي ودليل حسي؛ أما الدليل العقلي فهو دليل الإمكان الذي ذهب إليه الفارابي حيث قسم الموجودات إلى واجب وممكن، فالواجب الوجود هو الذي متى فرض غير موجود عرض عنه محال. والممكن الوجود هو الذي متى فرض غير موجود لم يعرض عنه محال، والواجب الوجود هو الضروري الوجود، والممكن الوجود هو الذي لا ضرورة فيه بوجه، أي لافي وجوده ولا في عدمه. وواجب الوجود إما أن يكون واجبًا بذاته وإما أن يكون بغيره. والبارئ عز وجل هو الواجب لذاته لا لشيء آخر. أما واجب الوجود بغيره فهو واجب الوجود لا بذاته؛ فالاحتراق مثلاً واجب الوجود لا بذاته ولكن عند التقاء القوة المحرقة والمحترقة، ومن هنا يتشعب الوجود إلى ثلاثة أقسام. واجب الوجود بذاته، وواجب الوجود بغيره، وممكن الوجود. وواجب الوجود هو العلة الأولى ومبدأ الوجود المعلول على الإطلاق، لأنه لا توجد سوى علة واحدة مطلقة هي واجب الوجود. والممكنات هي الموجودات الصادرة عنه التي تحتاج في وجودها الممكن إلى علة هي واجب الوجود، وترتفع الأسباب كلها إليه لأنه غاية الموجودات جميعًا وإليه ترجع الأسباب جميعًا. وكما ترى، فهذا الدليل هو عين الدليل الذي ذكره الفارابي لإثبات وجود الله، وهو دليل عقلي لأنه يستند إلى التأمل في مفهوم الواجب والممكن ومن ثم يصل عقليًا، عن طريق الاستنباط، إلى ضرورة وجود الواجب الوجود. ويرى بعد ذلك أننا يجب أن لا نستند في البرهان على الخالق إلى شيء من مخلوقاته لأننا نستطيع أن نصل إلى الوجود الأول الواجب الوجود عقليًا ونعرف أن وجوده عين ما هيته أي أنه وجود متحقق. وهو يختلف عن الدليل الأول في أن ابن سينا لا يستخدم المنطق بل يصل إلى الدليل بالحدس المباشر. والحدس ضرب من ضروب المعرفة المباشرة دون وسيط حسي، إذ إن ابن سينا هنا لم يستدل بالمخلوق على الخالق كما هو الحال في الدليل الكوني، بل حدس فكرة الموجود الأول من فكرة الوجود فقط ووصل إلى وحدانيته لأنه يشهد على ما بعده في الوجود. يقول ابن سينا في الإشارات: ¸تأمل كيف لم يحتج برهاننا لثبوت الأول إلى تأمل لغير نفس الوجود، ولم يحتج إلى اعتبار من خلقه وفعله، وإن كان ذلك دليلاً عليه، لكن هذا الباب أوثق وأشرف، أي إذا اعتبرنا حال الوجود، فشهد به الوجود من حيث هو وجود، وهو يشهد بعد ذلك على سائر ما بعده في الوجود، وإلى مثل هذا أشير في الكتاب الإلهي: ﴿ سنريهم آياتنا في الآفاق وفي أنفسهم﴾ فصلت: 53 ، أقول: هذا حكم لقوم، ثم يقول: ﴿ أو لم يكف بربك أنه على كل شيء شهيد﴾ فصلت: 53، أقول إن هذا حكم الصديقين الذين يستشهدون به لا عليه”. وابن سينا يعني بهذا أنه لم يستشهد بوجود المخلوق على وجود الخالق بل فعل عكس ذلك فاستشهد بوجود الخالق على وجود المخلوق. ويسميه الفلاسفة الدليل الوجودي. يأتي بعد ابن سينا في هذه القضية العالم الأندلسي ابن رشد، الذي ولد بقرطبة عام 520هـ، 1126م ويسمى ابن رشد الحفيد لأن أباه كان قاضيًا وفقيهًا وكذلك جده لأبيه كان من أشهر فقهاء الأندلس، وقد كان هو فقيهًا وطبيبًا وفيلسوفًا، وقد تأثر بفلسفة أرسطو حتى سُمي بالشارح الأكبر لفلسفة أرسطو، وقد أثر في الفكر الفلسفي الغربي، وقامت مدرسة فلسفية غربية في القرون الوسطى تُسمى بالرشدية وتتميز فلسفته بالتوفيق بين الفلسفة والدين. انظر: ابن رشد . يرى ابن رشد أن العالم يخضع للتغيُّر ويستلزم حركة أزلية تحتاج إلى محرك أزلي، وهذا المحرك الأزلي موجود وهو منشئ نظام العالم البديع. وقد أخذ ابن رشد هذا البرهان من كـتاب الميتافيزيقا (ما وراء الطبيعة) لأرسـطو وتعليل هذا الدليل عنده أن كل متحرك له محرك وأن المتحرك إما أن يتحرك بالقوة؛ أي من جهة قابليته للحركة إذا حُرك، وإما أن يتحرك بالفعل، وأن سلسلة الحركة لابد أن تنتهي عند محرك أول لا يتحرك أصلاً ولا من شأنه أن يتحرك، وهو المحرك الأزلي ضرورة. لأننا لو قلنا إنه متحرّك لزم أن يكون له محرّك، وهكذا إلى مالانهاية، لذلك فالمحرك الأول عنده لا يتحرك بل هو محرك كل حركة. القضية الثانية ¸العالم·. يرى الكندي أن العالم خُلق من العدم. وهذا الرأي مخالف لرأي أستاذه أرسطو الذي يقول بأن العالم قديم وأنه ليس مخلوقًا من العدم. أما أفلاطون، فإنه قال بحدوث العالم وهذا جعل فلاسفة الإسلام ينحازون إليه. وقد استطاع الكندي أن يصل إلى دليل أصيل لخلق العالم يبين فيه أن العالم ليس بقديم كما كان يقول المعلم الأول أرسطو، واتفق الكندي مع أرسطو في القول بدليل الحركة لكنه وصل إلى نتيجة تختلف عن النتيجة التي وصل إليها أستاذه. وفحوى دليل الكندي أن كل ما في العالم متحرك والحركة لا تتم إلا في زمان، فإذا كانت حركة كان الزمان، وإذا لم تكن حركة لم يكن زمان. والحركة هي حركة الجرم أو الكتلة، فإذا كان جرمٌ كانت حركة وإذا لم يكن جرمٌ لم تكن حركة، فالجرم أو الكتلة والحركة والزمن لا يسبق بعضها بعضًا بل تتساوى في الحدوث. والجرم متناه وحركته متناهية ولا يجوز أن نتخيل زمنًا لا متناهيًا إلا بالقوة (الإمكان). وبما أن الزمن في حقيقته متناه فلابد أن تكون له بداية. وبما أنه مقياس الحركة والحركة لا يمكن أن تكون بدون الموجودات المتحركة في العالم؛ فالحركة إذن محدثة والعالم محدث لأن له بداية في الزمن، وهو مخلوق لله تعالى. وهذا الدليل يتّفق مع الاعتقاد الإسلامي في أن الله تعالى خلق العالم من العدم وهو الذي أبدع ما فيه من آيات لأنه سبحانه هو الخالق البارئ المصور والمبدئ والمعيد. يقول الفارابي إن الله منزَّه عن المادة، يعني أنه عقل محض لا يخالط المادة ولا يخلقها. أما كيف خلق الله العالم فيقول الفارابي كما قال أفلوطين (ت 352 ق.هـ، 270م) في كتاب الربوبية (إيثولوجيا) إن الله لم يخلق هذا العالم الفاسد (المتغير) لكن العالم فاض عنه فيضًا وصدر عنه صدورًا عقليًا. والموجودات جميعًا تصدر عن علم الواحد. فالله يعقل ذاته ويصدر عنه العالم نتيجة لعلمه بذاته. والفيض يصدر آلياً عن الواحد وليس الوجود غاية لعلم الواحد بل يصدر الوجود عن الواحد تلقائيًا لكماله وجماله المطلق. وهنا يكرر الفارابي نظرية الفيض الأفلوطينية الإشراقية دون تعديل أو تبديل في مضامينها الأساسية التي تخرج عن الاعتقاد الإسلامي؛ لأن القول بفيض الوجود عن الله تعالى تلقائيًا دون إرادة منه، سبحانه، فيه تعطيل لصفة من صفاته، جل شأنه، هي صفة الخلق، فالله هو الخالق الرازق المحيي المميت، وفيه تعطيل لصفة الإرادة، فالله مريد لما يخلق، فعال لما يريد. والفارابي بقوله هذا قد دخل في زمرة المعطلة. أما كيف تصدر الموجودات عن الله، فالواحد عند الفارابي لا يصدر عنه إلا واحد لأنه عقل مفارق للمادة لا يقبل التكثر، فالفيض يصدر عن فعل التعقل الإلهي، ويتم صدور العقول عنه تنازليًا. ومراتب الوجود حسب هذا الترتيب تكون ستة: يصدر في المرتبة الأولى العقل الأول وهو ممكن الوجود بذاته وواجب الوجود بالأول. والعقل الأول يعقل ذاته فتصدر عنه الموجودات التي هي دونه لكونه عالمًا بذاته وبأنه مبدأ النظام والخير في الوجود على ما يجب أن يكون عليه. وإنما علمه هو العلة لوجود الأشياء. ومن العقل الأول يفيض العقل الثاني الذي هو أيضًا جوهر غير مادي فيعقل الأول فيلزم عنه وجود العقل الثالث، ويعقل ذاته فتصدر عنه السماء الأولى. وكذلك العقل الثالث يعقل الأول فيصدر عنه عقل رابع ويعقل ذاته فتصدر عنه كرة الكواكب الثابتة. والعقل الرابع يعقل الأول فيصدر عنه عقل خامس ويعقل ذاته فيصدر عنه كرة زحل. والعقل الخامس يعقل الأول فيصدر عنه عقل سادس ويعقل ذاته فتصدر عنه كرة المشتري. وكذلك العقل السادس يعقل الأول فيصدر عنه عقل سابع ويعقل ذاته فيصدر عنه كرة المريخ. والعقل السابع يعقل الأول فيصدر عنه عقل ثامن ويعقل ذاته فيصدر عنه وجود كرة الشمس. والثامن يعقل الأول فيصدر عنه عقل تاسع ويعقل ذاته فيصدر عنه وجود كرة الزُهرة. والتاسع يعقل الأول فيصدر عنه عقل عاشر ويعقل ذاته فيصدر عنه وجود كرة القمر. أما العقل الحادي عشر، فهو يعقل ذاته ويعقل الأول وعنده ينتهي وجود العقول والمعقولات، كما تنتهي عند كرة القمر الأجسام السماوية التي تتحرك دورًا. ويوجد دون فلك القمر عالم الكون والفساد أي عالم الصيرورة والتغير، وتتسلسل الكائنات في عالم الكون والفساد من الأخس إلى الخسيس حسب العنصر والمادة إلى أن تصل إلى مراتب المعادن فالنباتات والحيوانات غير الناطقة فالحيوان الناطق الذي لا يوجد أفضل منه. وكل موجود يحتاج في وجوده إلى مادة يخلق منها وصورة يُخلق عليها. وهكذا كان تصور الفارابي للخلق. وكما ترى فهو قد أخذه من أصول يونانية أتت إليه عن طريق أفلوطين، لكن أفلوطين نفسه لم يقل بالعقول العشرة بل كان الصدور عنده يبدأ من الأول الواحد فالعقل فالنفس الكلية. ويقول أبو البركات البغدادي (ت نحو 560هـ، 1165م) عن العقول العشر: ¸إن فلاسفة الإسلام أوردوها بدون برهان ووضعوها وضعًا بدون تحقيق أو بحث· ثم يقول : ¸كان الأحرى بهم أن يقولوا إنها وحي حتى يكف الناس عن التشنيع عليهم. ويقول عنها ابن رشد : ¸إن هذه الأشياء هي التي أضاعت هيبة فلاسفة الإسلام وجعلت الغزالي يُنعي عليهم تهافتهم. القضية الثالثة ¸النفس·. يجمع الكندي في مسألة النفس بين رأي الحكيمين أفلاطون وأرسطو ولا يزيد على ذلك شيئًا، ويقول إنها، أي النفس، ¸تمامية جرم طبيعي ذي آلة قابلة للحياة·، وهي أيضًا ¸استكمال أول لجسم طبيعي ذي حياة بالقوة·. هذا ما كان فيه الكندي على رأي أرسطو، أما النفس في رأي أفلاطون، فهي: ¸جوهر عقلي متحرك من ذاته·، وهي جوهر إلهي بسيط لا طول له ولا عرض ولا عمق، وهي نور الباري والعالم الشريف الذي تنتقل إليه نفوسنا بعد الموت، هو مقامها الأبدي ومستقرها الدائم. فالنفس عنده خالدة لكنه لا يقطع بشيء فيما إذا كانت قد وُجدت قبل البدن على زعم أفلاطون أم وجدت معه كما تقول الشريعة. وعلاقة النفس بالبدن عارضة وهي لا تفعل إلا بالبدن، وهي متحدة به لكنها تبقى بعد فنائه. وتسير النفس بعد موت البدن إلى المستقر الأعلى مباشرة. ومن النفوس ما فيها دنس فيقيم في كل فلك من الأفلاك مدة من الزمان حتى يتهذب وينقى ويرتفع إلى كوكب أعلى، فإذا صارت إلى الفلك الأعلى ونقيت غاية النقاء، وزالت أدناس الحس وخيالاته وخبثه منها، ارتفعت إلى عالم العقل، وطالعت نور البارئ، وفوض إليها البارئ أشياء من سياسة العالم تلتذ بفعلها والتدبير لها. وهذا التصوير لرحلة النفس بعد فناء الجسد إلى العالم العلوي فيه شبه كبير بما يسميه أفلاطون الجدل الصاعد. ويقسم الكندي قوى النفس إلى ثلاث هي: القوى الغضبية، والقوى الشهوانية، والقوى العقلية، وآلة النفس التي تشترك بها مع الحس والعقل هي الدماغ، وآلتها التي تدرك بها جميع المحسوسات هي أعضاء الحس الخمسة. ويقسم الكندي قوى النفس إلى الحاسة والمتوسطة والعاقلة. أما القوى الحاسة فهي التي تدرك صور المحسوسات في مادتها، وأما القوى المتوسطة فهي القوى المصورة والمتخيلة، وهي التي توجد صور الأشياء مع غيبة حواملها عنها، أي مع غيبة أعيانها ، وتستطيع أن تركب إنسانًا برأس حصان وتعمل في حالتي النوم واليقظة. ومنها القوى الحافظة وهي الذاكرة، ومنها القوى الغضبية وهي التي تدفع الإنسان إلى ارتكاب الأمر العظيم، ومنها الشهوانية الغازية، وهما القوتان اللتان بهما يحقق شهواته من المطعوم والمنكوح. أما القوى العاقلة، فهي التي تدرك صور المجردات دون مادة، أي القدرة على الفكر المجرد والانتقال من العقليات إلى العقليات. أما العقل عنده، فيكون بالقوة أي ممكنا ويخرج من الإمكان إلى الفعل أي إلى الوجود الحقيقي بفعل التعقل نفسه. كان الفارابي في مسألة النفس تابعًا لفلاسفة اليونان خاصة الحكيمين أفلاطون وأرسطو. ويقسم الفارابي النفوس إلى نفس العالم ونفوس السماوات ونفس الإنسان ونفس الحيوان. وتتفاعل هذه النفوس فيما بينها لتقوم الحياة. وأعلاها نفوس السماوات والعالم، ويقل حظ النفس في الشرف والرفعة إلى أن تصل إلى النفس النباتية. وهذا الترتيب هو ترتيب أرسطو للنفوس. وذهب الفارابي مذهب أرسطو في تعريف النفس إذ قال إنها ¸استكمال أول لجسم طبيعي آلي ذي حياة بالقوة· ويقول الفارابي إن النفس هي صورة الجسد وإنها جوهر روحي مباين له. ويذهب الفارابي مذهبًا أفلاطونيًا حيث يتبع برهان أفلاطون في طبيعة النفس، فيقول: إن النفس تدرك المعقولات وهي معان مجردة فلابد أن تكون طبيعتها من طبيعة موضوعات إدراكها، فهي لذلك جوهر معقول وهي مستقلة عن آلتها الجسم. والنفس تدرك الأضداد، والمادة لا تستطيع أن تفعل ذلك فهي إذن مختلفة عن المادة، والعقل قد يقوى بعد الشيخوخة، لكن الجسد يضمحل، فالنفس إذن ليست من جنس الجسد. أما خلود النفس بعد فناء الجسد المادي، فالفارابي يقول بخلود النفس الفاضلة التي كانت تسعى لتحقيق السعادة، وذلك بتحصيل الفضائل العقلية، وأما النفوس التي كانت منغمسة في الشهوات، فهذه لا يضمن لها الفارابي بقاءً بعد الموت لأنها حينئذ تكون كالسباع والأفاعي مجرد هيولى، أي مادة تفنى بفناء الجسد، وتنتهي بانتهائه. والفارابي هنا أقرب إلى أفلاطون منه إلى أرسطو، ورأيه في فناء النفوس الخبيثة يتعارض مع رأي الشريعة التي تقول ببعث النفوس الخبيثة والطيبة يوم القيامة فتحاسب على ما قدمت إن خيرًا فخير وإن شرًا فشر. لكن تقسيم النفوس عنده هو نفس التقسيم الذي نجده عند أرسطو في كتاب النفس. فالقوة الناطقة هي التي يميز بها الإنسان بين الأشياء العقلية ويعرف بها عمل الإرادة ويعمل بناء على توجيهاتها، والنزوعية هي التي يكون بها الحب والبغض والصداقة والعداوة، والمخيلة هي الذاكرة التي تحفظ رسوم الأشياء بعد غيابها، والحاسة هي التي تدرك المحسوسات عن طريق الحواس الخمس وتدرك اللذة والألم لكنها لا تميز بين الضار والنافع، وأما الحيوان غير الناطق، فتوجد عنده القوة الباقية دون الناطقة وبعضها عندها القوة النزوعية والحاسّية فقط. أما القوة الناطقة عند الإنسان، فهي التي تعقل المعقولات وبها تحصل الصناعات والعلوم، ويقسمها الفارابي إلى العقل النظري والعقل العملي، فالنظري مهمته فعل التجريد والعملي يركِّب الأشياء ويوائم بينها. والنظري له مراتب، منها العقل الهيولاني، وهو بالقوة، والعقل بالملكة والعقل المستفاد. فالعقل الهيولاني أو المنفعل يكون فارغًا من المعلومات، ولكن له الاستعداد على تقبل المعلومات كلها كعقل الطفل. أما العقل بالملكة أو العقل بالفعل، فيأتي في الرتبة بعد العقل الهيولاني، إذ إنه بعد أن يتقبل العقل المنفعل صور الأشياء يكتسب العقل بالقوة ما لم يكن فيه من قبل فيصبح عقلاً بالفعل بعد أن كان بالقوة ، وهكذا يستمر في العمل من القوة إلى الفعل على الدوام. والخروج من القوة إلى الفعل أو المعرفة المكتسبة يستفيدها العقل بالفعل من العقل الفعال الذي يسميه الفارابي الروح الأمين وروح القدس. أما العقل المستفاد فهو العقل، وقد صار بالفعل وأصبح يعلم المعقولات كلها دون مادتها بل بصورها المجردة التي اكتسبها الإنسان الذي استكمل عقله المنفعل بالمعقولات كلها وصار عقلاً بالفعل ومعقولاً بالفعل، وهو أرقى من العقل المنفعل وأكثر كمالاً منه وأكثر ابتعادًا عن المادة وأقرب إلى العقل الفعال الذي يشع عليه المعرفة إشعاعًا، وهذا هو ما يسميه الفارابي المعرفة الإشراقية. والذي نراه هنا أن الفارابي جمع بين فلسفتي أفلاطون وأرسطو؛ فبينما تراه أسند جزءًا من المعرفة إلى الحس ـ كما فعل أرسطو ـ يعود تارة أخرى إلى العقل الفعال لينهل منه معرفة يفيضها عليه العقل الفعال ـ كما فعل أفلاطون ـ وظل مخلصًا لفلسفة حكماء اليونان. يقسم ابن سينا النفس إلى ثلاثة أقسام؛ النفس النباتية، وهي كمال أول لجسم طبيعي آلي في إدراك الجزئيات وتحريك الإرادة، والنفس الحيوانية هي كمال لجسم طبيعي آلي في إدراك الجزئيات وتحريك الإرادة، والنفس الإنسانية، وهي كمال أول لجسم طبيعي آلي في فعل الاختيار الفكري والاستنباط والاستقراء، أي إدراك الكلي بالنظر إلى أجزائه وإدراك الكليات المجردة. براهين وجود النفس. هي البرهان الطبيعي والبرهان النفسي والبرهان الاستمراري وبرهان الإنسان المعلق في الهواء. البرهان الطبيعي. وهو دليل استفاده ابن سينا من فلسفتي أفلاطون وأرسطو، مؤداه أن أفعال الكائن الحي من تَغَذّ ونمو وتوليد وإحساس وحركة بالإرادة، لا يمكن أن تصدر عن الجسم وحده، ومن ثم لابد من التسليم بأنها تصدر عن مبدأ آخر في ذاتها غير الجسم وهو النفس. البرهان النفسي. النفس المدركة عند الإنسان تختلف عن الكائنات غير المدركة، فأفعال الإنسان، كالنطق وتصور المعاني الكلية العقلية المجردة ومعرفة المجهول من المعلوم، كل هذه ليست أفعالاً للجسم فلابد أنها أفعال النفس. البرهان الاستمراري. الجسم يخضع للتغيُّر والتبدُّل، لكن جوهر النفس يظل هو هو، ونستطيع أن نعرف ذلك من الذكريات المترابطة، فإذا تأمل الإنسان نفسه وجد أنه خلال عشرين سنة ظل هو هو، وإن تبدل جسمه وطرأ عليه كثير من التغير والتبدل، فالذات مستمرة الوجود. برهان الإنسان المعلق في الهواء. فحوى هذا الدليل أن الإنسان، وإن كان طائرًا أو معلقًا في الهواء، يستطيع أن يغفل عن أعضاء بدنه، لكنه لا يستطيع أن يغفل عن نفسه وشعوره بأنيته وهذا برهان على وجود النفس. أما رأي ابن سينا في خلود النفس وبقائها بعد فَنَاء الجسد، فتصوره قصيدته العينية التي يقول في مطلعها: هبطت إليك من المحل الأرفع  ورقاء ذات تعزُّزٍ وتمــــــــــــنُّع محجوبة عن كل مقلة عارف  وهي التي سفرت ولم تتبرقــــع وصلت على كُرْه إليك وربما  كرهت فراقك وهي ذات تفجُّع إلى أن يقول: سجعت وقد كُشف الغطاء فأبصرت  ماليس يُدرك بالعيون الهجّــــع وغدت مفارقة لكل مُخلّفٍ  عنها حليف الترب غير مُشيَّع والقصيدة طويلة وهي تكشف أن أصل النفس عند الشيخ الرئيس عُلْويٌّ، إذ إنها تفيض من العقل الفعال وهي روح لا تمسكه الحواس، وعلاقة الجسد بالنفس عَرَضيَّة، كأن يحط طائر على غصن. وآراء ابن سينا في النفس لا تخرج عن مقالة أفلاطون عن العالم غير المحسوس الذي هبطت منه النفس وهو عالم المُثُل ـ كل شيء في الأرض له مثاله في السماء ـ أما خلود النفس، فيقول ابن سينا إن الذي لا يفنى منها هو العقل الفعّال، أما النفس الناطقة فتفنى بفناء الجسد. ويورد ابن سينا مسألة العقول العشرة كما هي عند الفارابي، ويضيف إليها العقل القدسي، وهو العقل الذي عنده استعداد للاتصال بالعقل الفعال ولا يحتاج في هذا إلى مجهود أو تخريج وتعليم. والمعرفة عنده حدس مباشر من العقل الفعال دون وسائط مادية، والقوة القدسية عند ابن سينا توجد فقط عند الأنبياء، وهي أعلى مراتب القوى الإنسانية. أما الموجودات عند ابن رشد فمنها ما هو مادي ومنها ما هو عقلي، والموجودات العقلية تتجلّى فيها الوحدة وكمال الوجود وهي مراتب بعضها فوق بعض، وكل العقول تعقل ذاتها وتعرف صلتها بالعلة الأولى، والمادة تنفعل أما العقل فيقبل. والنفس الإنسانية عند ابن رشد تتعلق بالجسد كتعلق الصورة بالهيولى أي أنها علاقة عرضية تنتهي بفناء الجسد. ويرفض ابن رشد مذهب ابن سينا في بقاء النفوس المتكثرة ويقول إنها لا تبقى إلا باعتبارها كمالاً لجسدها. ورأي ابن رشد في النفس مزيج أفلاطوني أرسطي، فالعقل الهيولاني عقل أزلي، أما العقل المنفعل فهو استعداد الإنسان وقدرته على المعرفة العقلية، وهذا العقل يوجد بوجود الإنسان ويفنى بفنائه. علماء الإسلام وردود أفعالهم تجاه الفلسفة أبو حامد الغزالي (450 – 505هـ، 1058 – 1111م).كان عصر أبي حامد الغزالي يعج بالفرق الإسلامية، فآلى على نفسه أن يعرف كل هذه الفرق ليتبين له الحق عندها من الباطل. ومن هنا بدأ رحلته في المعرفة التي كانت سائدة في زمانه فتعرف على كل الفرق معرفة الدارس الممحِّص، وعرف من بين هذه الفرق، الفلاسفة، فهضم ما عندهم وكتب في ذلك كتابين أحدهما مقاصد الفلاسفة عرض فيه آراءهم دون نقض وكتابًا أسماه تهافت الفلاسفة رد فيه على مزاعم الفلاسفة في قضايا الفلسفة الرئيسية في زمانه كالله والعالم والنفس. أما وجود الله، عز وجل، فالدليل عليه عنده هو دليل الصنعة التي تدل على الصانع، يقول في كتابه إحياء علوم الدين: ” إن هذا الأثر العجيب والترتيب المحكم لا يستغني عن صانع يدبره وفاعل يحكمه ويقدره بل تكاد فطرة النفوس تشهد بكونها مقهورة تحت تسخيره ومصرّفة بمقتضى تدبيره”. ويثبت الغزالي لله الصفات التي وصف بها الله تعالى نفسه. والعالم عنده مخلوق لله تعالى وهو حادث، والله هو الذي أحدثه، أما قول الفلاسفة بقدم العالم، فلا يرى له تخريجًا مقبولاً، وينتقد الغزالي نظرية الفيض عند الفارابي وابن سينا ويرى أنها تعطيل لصفة الخلق عند الحق عز وجل. أما خلود النفس وبقاؤها بعد الموت، فيرى الغزالي أن النفوس الطيبة تخلد في الجنة والخبيثة تخلد في النار. ويعترف الغزالي بالحواس وسائل للمعرفة، ويرى أنها مفاتيح المعرفة، لكنه يرى أن المعرفة الحقة هي التي تكون عن طريق الحدس؛ أي المعرفة المباشرة. ويرى الغزالي أن الإيمان قد يقتضي من الإنسان البحث والنظر ومعرفة الاستدلال والاستنباط لإثبات وجود الله، لكنه يعتقد أن الإيمان في المحصلة النهائية نور يقذفه الله في قلب العبد فينكشف له اليقين انكشافًا. وهنا ترى أن الغزالي، وإن اختلف مع الفلاسفة كالفارابي وابن سينا في كثير مما ذهبوا إليه، من مذهب أهل اليونان في القول بقدم العالم وبالفيض بدلاً من الخلق من العدم ففارقوا الشرع، فالغزالي لم يفارق الشرع لكنه يتفق مع هؤلاء في فرع من فروع المعرفة، وهو المعرفة الحدسية أو المعرفة المباشرة أو الإدراك المباشر الذي لا يحتاج إلى وسائط حسية معرفية. ويعول الغزالي في النهاية على هذه المعرفة في تحصيل اليقين. ابن تيمية (661 – 728هـ، 1263 – 1328م). يختلف ابن تيمية عن الغزالي في أنه لم يقبل من الفلاسفة لا المقدمات ولا النتائج ونعى عليهم اعتمادهم على العقل وحده وسيلة للمعرفة فأنكر أدلة القائلين بالواجب الوجود، والممكن الوجود في إثبات وجود الله تعالى، وقال: ¸إن القائلين بواجب الوجود لم يقيموا دليلاً على واجب الوجود فإنهم جعلوا وجوده موقوفًا على إثبات (الممكن) الذي يدخل فيه القديم، فلا يمكن إثبات واجب الوجود على طريقتهم إلا بعد إثبات ممكن قديم، وهذا ممتنع في بديهة العقل·. انظر: ابن تيمية، تقي الدين. ويقول ابن تيمية: ¸وأمكنهم أن يستدلوا على أن المحدَث لابد له من قديم وهو واجب الوجود ، ولكن أثبتوا قديمًا ليس بواجب الوجود، فصار ما أثبتوه من القديم يناقض أن يكون هو رب العالمين، إذ أثبتوا قديمًا ينقسم إلى واجب وإلى غير واجب. والواجب الذي أثبتوه قالوا: إنه يمتنع اتصافه بصفة ثبوته، وقالوا لا يكون صفة ولا موصوفًا البتة، وهذا ممتنع الوجود، لا ممكن الوجود، فضلاً عن أن يكون واجب الوجود·. وفند ابن تيمية آراء الفلاسفة في قدم العالم لأنهم يقولون إن الله فاعل بالإيجاب لا بالاختيار. فالله عنده فاعل قادر على الفعل منذ الأزل لكنه فاعل بالاختيار لأن الاختيار صفة تناسب الإله، فله أن يفعل وأن لا يفعل مع قدرته على الفعل والترك، فلا يجب عليه شيء. وقد علمنا من الفارابي وابن سينا وابن رشد كذلك أن الله خلق العالم ضرورة، وهذا هو الذي جعل ابن تيمية يقف مدافعًا عن الشرع والمعرفة النقلية التي يرى أنها لا تضاد العقل بل إن صريح المعقول عنده لا يتعارض مع صحيح المنقول. وقد كتب في ذلك كتابًا ضخمًا أسماه درء تعارض العقل والنقل انتصر فيه للفطرة السليمة والمنطق الفطري الذي لا يتعارض ولا يعارض النقل بالمقارنة مع المنطق الأرسطي الذي يخضع لمكونات ثقافية ولغوية تجعلنا نقبل منه ما تقبله فطرتنا السليمة ونرفض ما ترفضه. أسئلة متى نشأت الفلسفة الإسلامية؟ وكيف؟ ما تأثير الفلسفة على المتكلمين ؟ وهل كان إيجابيًا أم سلبيًا؟ اذكر بعض أدلة الكندي على وجود الله. تحدث عن دليل الوجوب والإمكان عند الفارابي. ماذا يعنى إبداع العالم في فلسفة ابن سينا؟ وما الفرق بين إبداع العالم وخلق العالم من عدم؟ هل كان ابن رشد مصيبًا في القول بقدم العالم؟ وما النقد الذي وجه إليه؟ ما ملاحظتك على فلسفة النفس عند الكندي؟ ما مؤاخذات ابن تيمية على الفلاسفة في قولهم بواجب الوجود؟