محمد بن عبد الوهاب وزيارة القبور

الشيخ لم ينه عن الزيارة الشرعية المتضمنة تذكر الآخرة ، والدعاء للأموات ، من غير شد الرحال إلى القبور ، وإنما

نهى عن دعاء المقبور ، وإيقاد السرج على القبور ، وبناء الأضرحة على القبور ، وانخاذها مساجد ، ورفع القبور ،

وتشييدها ،و تجصيصها ، وكل هذه الأمور صح النهي عنها ، فأما دعاء المقبور فهو عين الشرك الذي لا يغفره الله إلا
بالتوبة ،ومن مات عليه فهو مخلد في النار قال تعالى ” ومن أضل ممن يدعو من دون الله من لا يستجيب له إلى يوم
القيامة وهم عن دعائهم غافلون وإذا حشر الناس كانوا لهم أعداء وكانوا بعبادتهم كافرين “وقال ” إنه من يشرك بالله فقد
حرم الله عليه الجنة ومأواه النار وما للظالمين من أنصار “، وعن أبي مرثد الغنوي

قال : قال رسول الله ـ صلى الله
عليه وسلم ـ ” لا تصلوا إلى القبور ولا تجلسوا عليها ” رواه مسلم وأبو داود والترمذي والنسائي ، وعن جابر بن عبد
الله ـ رضي الله عنهما ـ قال ” نهى النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ أن يجصص القبر، وأن يقعد عليه، وأن يبنى عليه ”
رواه مسلم ، وعن ثمامة بن شفي قال : كنا مع فضالة بن عبيد بأرض الروم برودس فتوفي صاحب لنا ، فأمر فضالة بن
عبيد بقبره فسوي ثم قال : سمعت رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ يأمر بتسويتها رواه مسلم

فالشيخ ـ رحمه الله ـ لم ينه إلا عما نهى عنه الكتاب والسنة، فإن النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ نهى عن اتخاذ القبور
مساجد والقبوريون يعكفون عليها ، ويصلون عليها وإليها وبل يصلون لها من دون الله ، ونهى أن تجصص القبور أو
يبنى عليها ، وهؤلاء قد ضربوا عليها القباب وزخرفوها ، وحبسوا عليها العقارات وغيرها وأوقفوها ، وجعلوا لها
النذور والقربات ، ونهى عن بناء المساجد عليها ولعن من فعل ذلك ودعا عليه بغضب الله ، وهؤلاء قد بنوا عليها ورأوا
ذلك من أعظم حسناتهم ، ونهى عن إبقاد السرج عليها ، وهؤلاء يوقفون الأوقاف على على تسريجها ، ويجعلون عليها
من الشموع والقناديل مالم يجعلوه في المساجد ، ونهى عن شد الرحال إليها ، وهؤلاء يسافرون إلى قبور الصالحين
مسافة الأيام والأسابيع والشهور ، ويرون ذلك أعظم القربات ، ونهى عن اتخاذها أعياداً ، وهؤلاء اتخذوها أعياداً
ووقتوا لها المواقيت الزمانية والمكانية ، وصنفوا فيها مناسك حج المشاهد ، ويخشعون عندها أكثر مما يخشعون عند
شعائر الله كالكعبة والمشعر الحرام ،
والسؤال الذي يفرض نفسه :هل نهي الشيخ محمد بن عبد الوهاب ـ رحمه الله ـ
عن هذه الأمور ومحاربته لها يعد من مناقبه وفضائله أم هو شبهة صحيحة وخطأ يبحث له عن عذر ومبرر ؟
أتركالجواب لك أيها القارئ لتحكم في ذلك بنفسك ، ولكن عليك أن تحكم الكتاب والسنة ، والعقل الصحيح الذي لا يشوبه هوى أو تعصب .

اقرؤوا كتب ابن عبد الوهاب اولا

عبدالله بن إدريس

كلما كانت حركة أي مصلح بشري عظيمة الشأن، قوية التأثير، تاريخية التحولات الحياتية.. كانت المواقف حيالها لا تقل أهمية، وحساسية، وتنازعا بين المؤيدين لها والمعترضين عليها.
ودعوة الشيخ محمد بن عبدالوهاب رحمه الله أو حركته الإصلاحية كما سماها الدكتور طه حسين والدكتور محمد كرد علي رئيس ومؤسس المجمع اللغوي في دمشق.. وعشرات غيرهم هي من هذا النوع الذي اكتنفته مواقف سياسية، ودينية وأطراف أخرى أصحاب مصالح ومراكز نفوذية..
ولعل أشد من وقف ضد هذه الدعوة الإصلاحية هي الدولة العثمانية التي حاربتها منذ ظهورها خشية على نفوذها في شبه الجزيرة العربية، بعد أن تحالفت حركة الشيخ محمد مع إمارة محمد بن سعود جد الأسرة المالكة. وذلك لتصحيح المسار الإسلامي الذي اعتورته جهالات جهلاء.. وطغت البدع والخرافات.. ليس في (نجد) التي خرجت منها هذه الحركة الدعوية الإصلاحية وحدها.. بل في كل أقطار الإسلام وأمصارهم».
والناس، بطبيعتهم أعداء ماجهلوا.. فتعرضت هذه الدعوة النقية التي لم تؤسس (مذهباً).. أو تأتي بجديد في الدين.. وإنما هي تدعو المسلمين للعودة إلى ما كان عليه الرسول صلى الله عليه وسلم وأصحابه.. وما كان عليه سلف الأمة في قرونها الثلاثة المفضلة.. تعرضت لكثير من التشويه والافتراءات المضللة من قبل أهل البدع والقبوريين والصوفيين. وتبعتهم الغوغائية الجاهلة.. الصم البكْمُ الذين لا يعقلون.. فأصبحوا يهرفون بما يهرف به مشايخهم الراكسون في البدع والضلالات.
كما ساعد على تشويه هذه الحركة وجود اسمين متشابهين لعالمين كل منهما اسمه (محمد بن عبدالوهاب) الأول عالم (مغربي) كان سيئ السمعة والفكر وسبقه في الوجود سَمِيّه (النجدي) بزمن طويل.. فأصبح أصحاب الأهواء المناهضة لتصحيح العقيدة والرجوع بها إلى المنابع العذبة: الكتاب والسنة.. التي هي مرتكز دعوة الشيخ محمد بن عبدالوهاب النجدي.. أولا.. ثم العالمي بعد ذلك.. يخلطون بين الاسمين خلطا بين الجهل.. والتعمد لمجرد التشويه والتجريح لدعوة الحق وتصحيح مسار العقيدة الإسلامية التي دخلتها بدع وشركيات وانحرافات فكرية كثيرة.. حاول الداعية الإسلامي المجدد الامام محمد بن عبدالوهاب النجدي أن يعيد الإسلام الصحيح إلى منابعه الأولى وأصوله الثلاثة: الكتاب والسنة، واجماع الأمة.. وقد نجح في دعوته أيما نجاح.. واهتدت بها مئات ملايين المسلمين حتى اليوم وستظل هذه الدعوة الحركية الإصلاحية وما يماثلها أو يقاربها من حركات التجديد.. على النحو الذي أشار إليه المصطفى صلى الله عليه وسلم بقوله: «يبعث الله لهذه الأمة على رأس كل قرن من يجدد لها دينها».

***

الغريب أن كل أو جل الذين يتحدثون عما يسمونها (الوهابية) لا يعرفون ولا يفهمون شيئاً عما يتحدثون عنه. وإنما هم نَقَلَةٌ عن مضللين.. دون أي علم لهم بأسس هذه الدعوة الإسلامية ومنطلقاتها ومفاهيمها.

***

لم يقرءوا أي كتاب من كتب الشيخ محمد بن عبدالوهاب.. وخاصة ما يتصل منها بسلامة العقيدة ككتبه الرئيسية الثلاثة «كتاب الوحيد» «ثلاثة الأصول» «كشف الشبهات». ولن يقرأ هذه الكتب عالم منصف.. أو طالب علم. إلا ويحكم على الفور بأن ما فيها هو الإسلام النقي الصحيح.. البعيد عن غلو الغلاة. وجفاء الجفاة.
ولعل ما يشهد لهذا أسوق الحكاية التالية:
لقي رجل من أبناء الجزيرة العربية الذين زاروا الهند في زمن مضى لمهمة ما.. أحد علماء الهند الذي كان من كبار المناوئين لدعوة الشيخ محمد بن عبدالوهاب بناء على ما قرأ وسمع عن هذه الحركة.. من قبل أضدادها.. وبعد جلسات عديدة من هذا الرجل العربي الزائر للهند مع هذا العالم الهندي الذي كان يحمل على الدعوة حملات شديدة.. قدم الرجل الزائر نسخة من كتاب «التوحيد» لمحمد بن عبدالوهاب للعالم الهندي.. بعد ان نزع غلاف الكتاب وما يدل على اسم مؤلفه.. قائلا: لقد وجدت هذا الكتاب في أحد المساجد هنا بالهند. فحبذا لو قرأته لأقتنيه ان كان جيداً.. أو أرميه إن لم يكن كذلك.
وبعد أيام زار الرجلُ العالم الهندي َّ في بيته.. وسأله إن كان قد قرأ الكتاب (المغفل من الاسم واسم المؤلف).
فكان جواب العالم الهندي نعم قرأته ووجدته الكتاب الذي يتفق تماما مع القرآن والسنة النبوية.
فعند ذلك اخبره الزائر العربي بأن هذا الكتاب هو كتاب التوحيد لمحمد بن عبدالوهاب وأخرج له نسخة من الكتاب بغلافه الذي يحمل اسمه واسم مؤلفه.
فاستغفر الشيخ الهندي عما كان يقول في صاحب هذه الدعوة.. وأصبح بعد ذلك أحد العلماء السلفيين والدعاة الهادين المهديين.

المصدر : جريدة الجزيرة

محمد بن عبد الوهاب والتكفير

1 – شيخ الإسلام محمد بن عبدالوهاب لا يكفر بالظن :
” من أظهر الإسلام وظننا أنه أتى بناقض لا نكفره بالظن لأن اليقين لا يرفعه الظن، وكذلك لا نكفر من لا نعرف منه الكفر بسبب ناقض ذكر عنه ونحن لم نتحققه ” 3/24 الرسائل الشخصية

2 – شيخ الإسلام محمد بن عبدالوهاب لا يكفر بالعموم :
” وأما القول إنا نكفر بالعموم فذلك من بهتان الأعداء الذين يصدون به عن هذا الدين ونقول سبحانك هذا بهتان عظيم ” الرسائل الشخصية 15/101

3 – من الذي يكفره الشيخ وما نسبتهم في الأمة ؟
” وأما التكفير فأنا أكفر من عرف دين الرسول ثم بعد ما عرفه سبه ونهى الناس عنه وعادى من فعله فهذا هو الذي أكفره وأكثر الأمة ولله الحمد ليسوا كذلك.

وأما القتال فلم نقاتل أحداً إلى اليوم إلا دون النفس والحرمة وهم الذين أتونا في ديارنا ولا أبقوا ممكنا ولكن قد نقاتل بعضهم على سبيل المقابلة ( وجزاء سيئة سيئة مثلها ) وكذلك من جاهر بسب دين الرسول بعد ما عرفه والسلام. ” الرسائل الشخصية 5/37

4 – الشيخ لا يكفر كل من لم يواليه ولا يكفر كل جاهل :
” تكفير من بان له أن التوحيد هو دين الله ورسوله ثم أبغضه ونفر الناس عنه. وجاهد من صدق الرسول فيه ومن عرف الشرك وأن رسول الله صلى الله عليه وسلم بعث بإنكاره وأقر بذلك ليلا ونهاراً ثم مدحه وحسنه للناس وزعم أن أهله لا يخطئون لأنهم السواد الأعظم، وأما ما ذكر الأعداء عني أني أكفر بالظن وبالموالاة أو أكفر الجاهل الذي لم تقم عليه الحجة فهذا بهتان عظيم يريدون به تنفير الناس عن الله ورسوله. ” الرسائل الشخصية 3/25

5 – الشيخ لا يكفر إلا من كفره جميع العلماء الموثوقين :
” ما ذكر لكم عني أني أكفر بالعموم فهذا من بهتان الأعداء، وكذلك قولهم إني أقول من تبع دين الله ورسوله وهو ساكن في بلده أنه ما يكفيه حتى يجييء عندي فهذا أيضا من البهتان ؛ إنما المراد اتباع دين الله ورسوله في أي أرض كانت ؛ ولكن نكفر من أقر بدين الله ورسوله ثم عاداه وصد الناس عنه ؛ وكذلك من عبد الأوثان بعد ما عرف أنها دين للمشركين وزينه للناس ؛ فهذا الذي أكفره وكل عالم على وجه الأرض يكفر هؤلاء إلا رجلاً معانداً أو جاهلاً ” الرسائل الشخصية 9/58

6 – الشيخ يكفر من يرى جواز دعاء غير الله وتكفير أهل التوحيد :
” فإن قال قائلهم إنهم يكفرون بالعموم فنقول : سبحانك هذا بهتان عظيم الذي نكفر الذي يشهد أن التوحيد دين الله ودين رسوله، وأن دعوة غير الله باطلة ثم بعد هذا يكفر أهل التوحيد، ويسميهم الخوارج ويتبين مع أهل القبب على أهل التوحيد ” . الرسائل الشخصية 7/48

7 – الشيخ لا يكفر من لم تبلغه الحجة :
” من عمل بالتوحيد، وتبرأ من الشرك وأهله فهو المسلم في أي زمان وأي مكان وإنما نكفر من أشرك بالله في إلهيته بعد ما نبين له الحجة على بطلان الشرك وكذلك نكفر من حسنه للناس، أو أقام الشبه الباطلة على إباحته، وكذلك من قام بسيفه دون هذه المشاهد التي يشرك بالله عندها، وقاتل من أنكرها وسعى في إزالتها قوله إني أكفر من توسل بالصالحين، وقوله : إني أكفر البوصيري لقوله يا أكرم الخلق، وقوله إني أقول لو أقدر على هدم حجرة الرسول لهدمتها ولو أقدر على الكعبة لأخذت ميزابها وجعلت لها ميزاباً من خشب، وقوله إني أنكر زيارة قبر النبي صلى الله عليه وسلم، وقوله إني أنكر زيارة قبر الوالدين وغيرهم وإني أكفر من يحلف بغير الله فهذه اثنتا عشرة مسألة جوابي فيها أن أقول : ((سبحانك هذا بهتان عظيم )) ” . الرسائل الشخصية 11/64

هل ينكرون كرامات الاولياء؟


يقرر الشيخ محمد بن عبد الوهاب – رحمه الله – إثباته لكرامات الأولياء، فيقول بكل صراحة ووضوح :

(وأقر بكرامات الأولياء، وما لهم من المكاشفات، إلا أنهم لا يستحقون من حق الله تعالى شيئاً، ولا يطلب منهم ما لا يقدر عليه إلا الله) (1).
ويقول أيضاً:
(وقوله: { وأوحينا إلى أم موسى أن أرضعيه } (2) إلى آخره. هذا وحي إلهام، ففيه إثبات كرامات الأولياء) (3).
ويذكر الشيخ محمد بن عبد الوهاب الواجب في حق أولياء الله الصالحين فيقول: (.. الواجب عليهم حبهم واتباعهم والإقرار بكرامتهم، ولا يجحد كرامات الأولياء إلا أهل البدع والضلال، ودين الله وسط بين طرفين، وهدى بين ضلالتين، وحق بين باطلين) (4).
ويؤكد أتباع الدعوة – من بعد الشيخ محمد بن عبد الوهاب – هذا الاعتقاد ويقررونه.
فنجد أن ا
لإمام عبد العزيز الأول يشير إلى حقوق أولياء الله، مع بيان الفرق بين الولي الحق، وبين مدعي الولاية – كذباً وزوراً – فقال رحمه الله:
(وكذلك حق أوليائه محبتهم والترضي عنهم والإيمان بكراماتهم، لا دعاؤهم، ليجلبوا لمن دعاهم خيراً لا يقدر على جلبه إلا الله تعالى، أو ليدفعوا عنهم سوءاً لا يقدر على دفعه إلا هو عز وجل، فإن ذلك عبادة مختصة بجلاله تعالى وتقدس.
هذا إذا تحققت الولاية أو رجيت لشخص معين كظهور اتباع سنة وعمل بتقوى في جميع أحواله، وإلا فقد صار الولي في هذا الزمان من أطال سبحته، ووسع كمه، وأسبل إزاره، ومد يده للتقبيل، وليس شكلاً مخصوصاً وجمع الطبول والبيارق، وأكل أموال عباد الله ظلماً وادعاءاً، ورغب عن سنة المصطفى صلى الله عليه وسلم، وأحكام شرعه)(1).
وبين الشيخ عبد الله بن محمد بن عبد الوهاب بعضاً من حقوق الأولياء.. لكن دون الغلو فيهم فيقول رحمه الله:
(ولا ننكر كرامات الأولياء، ونعترف لهم بالحق، وأنهم على هدى من ربهم، مهما ساروا على الطريقة الشرعية والقوانين المرعية، إلا أنهم لا يستحقون شيئاً من أنواع العبادات، لا حال الحياة، ولا بعد الممات بل يطلب من أحدهم الدعاء في حالة حياته، بل ومن كل مسلم) (2).
وينص الشيخ عبد العزيز الحصين على ما قرره أسلافه فيقول – بياناً لحق الأولياء -:
وحق أوليائه محبتهم، والترضي عنهم، والإيمان بكرامتهم، لا عبادتهم ليجلبوا لمن دعاهم خيراً لا يقدر على جلبه إلا الله تبارك وتعالى ويدفعوا عنهم سوءاً لا يقدر على دفعه أو رفعه إلا الله، لأنه عبادة مختصة بجلاله سبحانه..) (3).
وقد سئل العلامة الشيخ عبد الرحمن بن حسن عن كرامات الأولياء، فأجاب على ذلك فكان مما قاله:
(مسئلة: كرامات الأولياء حق، فهل تنتهي إلى إحياء الموتى وغيرها من المعجزات ؟.
(الجواب: كرامات الأولياء حق عند أهل السنة والجماعة، والولي أعطي الكرامة ببركة اتباعه للنبي صلى الله عليه وسلم، فلا تظهر حقيقة الكرامة عليه، إلا إذا كان داعياً لاتباع النبي صلى الله عليه وسلم بريئاً من كل بدعة وانحراف عن شريعته صلى الله عليه وسلم، فببركة اتباعه يؤيده الله تعالى بملائكته وبروح منه..) (4).

ويشير محمود شكري الألوسي – رحمه الله – إلى وجوب الإيمان بكرامات الأولياء، فيقول:
(وأما الجواب عن مسألة الكرامات فيقال: إن كرامات الأولياء حق لا شبهة فيه، وهي ثابتة بالكتاب والسنة، ولشيخ الإسلام قدّس الله روحه كتاب جليل في ذلك سماه الفرقان بين أولياء الشيطان وأولياء الرحمن)(5).
ويوضح الشيخ سليمان بن سحمان معتقدهم في كرامات الأولياء، فيقول في كتابه (الأسنة الحداد في الرد على علوي الحداد):
(واعلم أننا لا ننكر الكرامات التي تحصل لأولياء الله، إذا صدرت على القانون المرضي والميزان الشرعي، فإن أولياء الله هم المتقون المقتدون بمحمد صلى الله عليه وسلم، فيفعلون ما أمر به، وينتهون عمّا نهى وزجر.. فيؤيدهم الله بملائكته وروح منه ،ويقذف الله في قلوبهم من أنواره، ولهم الكرامات التي يكرم الله بها أولياءه المتقين..)(6).
ويقول ابن سحمان في قصيدته (عقود الجواهر واللئالي في معارضة بدء الأمالي)، حيث تحدث عن كرامات الأولياء، وبيّن أن خوارق العادات إما أن تكون أحوالا شيطانية، أو كرامات فقال رحمه الله:
وكل كرامة ثبتت بحق *** فحق للوليّ بلا اختلال
نوال من كريم حيث كانوا *** بطاعة ربهم أهل انفعال
وليس لهم نوال أو حباء *** لمن يدعوهمو من كل عال
وإن الخرق للعادات فاعلم *** على نوعين واضحة المثال
فنوع من شياطين غواه *** لمن والاهمو من ذي الخيال
ونوع وهو ما قد كان يجري *** لأهل الخير من أهل الكمال
من الرحمن تكرمة وفضلا *** لشخص ذي تقى سامي المعالي
ولكن ليس يوجب أن سيدعى *** ويرجى أو يخاف بكل حال
فما في العقل ما يقضي بهذا *** ولا في الشرع يا أهل الوبال (1)

ونختم هذه النقول النفيسة بما أورده الشيخ عبد الله بن بلهيد – رحمه الله – في خطابه الذي ألقاه أثناء الاجتماع بين علماء نجد وعلماء مكة المكرمة، فقال – ذاكرا حقوق أولياء الله -:
(وكذلك أولياء الله تجب محبتهم، والإقرار بفضائلهم على اختلاف مراتبهم، وما يجريه الله على أيديهم من الكرامات، وخوارق العادات، ولا ينكر كرامات الأولياء إلى أهل الله، لكن يجب أن يفرق بين أولياء الله وغيرهم فإن أولياء الله هم المتقون العاملون لله بطاعته، كما قال تعالى في وصفهم { ألا إن أولياء الله لا خوف عليهم ولا هم يحزنون. الذين آمنوا وكانوا يتقون..) (2)
فمن كان مؤمناً تقيا كان لله ولياً ليس إلا..) (3)
من خلال هذه النقول نلاحظ أنها متفقة على إثبات كرامات الأولياء، والإقرار بها، ومتفقة على وجوب محبتهم والاعتراف بفضائلهم ومناقبهم. كما أنها توضح أن الولي لله – حقاً – هو من كان مؤمناً متبعاً لسنة المصطفى صلى الله عليه وسلم، فليست الولاية مجرد لبس زيّ مخصوص، وإسبال الإزار، وإطالة السبحة، ومد اليد للتقبيل، مع ترك اتباع السنة النبوية..
وهذه النقول تؤكد النهي عن الغلو في الأولياء، فلا يجوز صرف شيء مما يستحقه الله تعالى لهم، فحق الأولياء هو المحبة والتقدير وإثبات الكرامات لهم فلا جفاء في حقهم وليس من حقهم أن تصرف بعض أنواع العبادة – التي يجب أن تكون لله وحده – لهم، فلا غلو في قدرهم
فاختار أئمة الدعوة –بهذا المسلك – دين الله الذي هو وسط بين طرفي في الغلو والجفاء.

عبدالعزيز بن محمد العبداللطيف

ما صحة التسمية بالوهابية؟

ماصحة التسمية بالوهابية ؟

من الكذب والافتراء تسمية دعوة الشيخ محمد بن عبد الوهاب بـ( الوهابية ) نسبة إلى الوهابية الرستمية التي لم يبق منها إلا اسمها في سجلات التاريخ ، فنبشوا في فتاوى العلماء حولها فوجدوا دعوة إباضية، في شمال أفريقيا نشأت في القرن الثاني الهجري ، باسم ( الوهابية ) نسبة إلى عبد الوهاب بن عبد الرحمن بن رستم الخارجي الإباضي ، ووجدوا من فتاوى علماء المغرب والأندلس المعاصرين لها ما يحقق غرضهم ، ومن المفارقات العجبية أنهم ينزلون تلك الفتاوى على دعوة الشيخ محمد بن عبد الوهاب ـ رحمه الله ـ ومنها فتوى مفتي الأندلس علي بن محمد اللخمي المتوفى سنة 478هـ وأما عبد الوهاب بن عبد الرحمن بن رستم فإنه توفي سنة 190هـ على ما ذكره الزركلي وقيل : 197هـ وقيل : 205هـ بمدينة ( تاهرت ) بالشمال الأفريقي .

ولعل القارئ الكريم يلاحظ ما يلي:

1. أن دعوة ابن رستم لم تتجاوز الشمال الأفريقي ، وأما دعوة الشيخ محمد بن عبد الوهاب ففي الجزيرة العربية ، ومن المعلوم بعد ما بين البلدين ، مع أن دعوة ابن رستم لم يرد لها ذكر في تاريخ جزيرة العرب ، بل لم يذكرها المصنفون في الفرق كالشهرستاني وابن حزم ؛ لانقراضها وضياعها

2. أن الشيخ محمد بن عبد الوهاب ـ رحمه الله ـ لا يوافق الخوارج الإباضية في مذهبهم ، بل كانت دعوته تجديدية على منهج السلف الصالح

3. أن تشويه صورة هذه الدعوة مرتبط بالاستعمار ، ومما يبين ذلك أن الضابط البريطاني ( سادلير ) مبعوث الحكومة البريطانية في الهند قام برحلة من الهند إلى الرياض ، ووقف على أطلال الدرعية في 13 أغسطس 1819م الموافق سنة 1233هـ ، ولحق بإبراهيم باشا ، وأدركه في (أبيار علي ) ، وهنأه على النصر وقال له : ( مع سقوط الدرعية، وخروج عبد الله عنها يبدو أن جذور الوهابيين قد انطفأت ، فقد عرفت من كل البدو الذين قابلتهم في نجد أنهم سنيون وأنهم يداومون على الصلاة المفروضة حتى في السفر الطويل وتحت أقسى الظروف )

4. يظن بعض الناس خطأً أن تسمية دعوة الشيخ محمد بن عبد الوهاب ـ رحمه الله ـ بالوهابية إنما هو نسبة إلى والده ـ عبد الوهاب ـ ولا يصح ذلك لأمرين :

أ ـ أن الذين سموها بذلك ذكروا فتاوى علماء المغرب في الوهابية الرستمية مما يدل على أنهم نسبوها إليها .


ب ـ أن والده لم يقم بهذه الدعوة ، ولا شارك فيها ، بل إن الشيخ لم يظهر دعوته إلا بعد وفاة والده

الدرر السنية (1/127-133)

ماهي الوهابية ؟

ماهي الوهابية
الوهابية .. لقب أطلقه المعادون لدعوة الشيخ محمد بن عبد الوهاب – رحمه الله – .. وذلك بقصد التنفير منها وتشويهها

وبزعم أنها مذهب مبتدع في الإسلام أو مذهب خامس.ولم يكن استعمال (الوهابية) مرضياً ولا شائعاً عند أصحاب هذه الحركة وأتباعهم، ولا عند سائر أهل السنة والجماعة، وكان كثير من المنصفين من غيرهم والمحايدين يتفادى إطلاق هذه التسمية عليهم، لأنهم يعلمون أن وصفهم بالوهابية كان في ابتدائه وصفا عدوانيا إنما يقصد به التشويه والتنفير وحجب الحقيقة عن الآخرين، والحيلولة بين هذه الدعوة المباركة وبين بقية المسلمين من العوام والجهلة وأتباع الفرق والطرق، بل وتضليل العلماء والمفكرين الذين لم يعرفوا حقيقة هذه الدعوة وواقعها. ولقد صار لقب (الوهابية) وتسمية الحركة الإصلاحية السلفية الحديثة به هو السائد لدى الآخرين من الخصوم وبعض الأتباع والمؤيدين المحايدين (تنزلاً). وهو الوصف الرائج عند الكثيرين من الكتَّاب والمفكرين والمؤرخين والساسة، والمؤسسات العلمية، ووسائل الإعلام إلى يومنا هذا، بل تعدى الأمر إلى التوسع في إطلاق الوهابية على أشخاص وحركات منحرفة عن المنهج السليم، وتخالف ما عليه السلف الصالح وما قامت عليه هذه الدعوة المباركة، وهذا بسبب تراكمات الأكاذيب والأساطير التي نسجت حول الدعوة وأهلها بالباطل والبهتان.
أما أتباع هذه الحركة فهم لا يرون صواب هذه التسمية (الوهابية) ولا ما انطوت عليه من مغالطات وأوهام، لاعتبارات مقنعة كثيرة؛ شرعية وعلمية ومنهجية وموضوعية وواقعية، تتلخص فيما أشرت إليه في التعريف من أنها تمثل تماماً الإسلام الحق الذي جاء به النبي صلى الله عليه وسلمومنهج السلف الصالح من الصحابة والتابعين ومن سلك سبيل الهدى، وإذن فحصره تحت مسمى غير الإسلام والسنة خطأ فادح وبدعة محدثة ومردودة.
فالدارس لهذه الدعوة المباركة بإنصاف وموضوعية سيتوصل -حتماً- إلى أنها إنما تنادي بالرجوع إلى الإسلام الصافي، وأنها امتداد للدين الحق (عقيدة وشريعة ومنهاج حياة) والمتمثل -بعد حدوث الافتراق في الأمة الإسلامية- بالتزام نهج النبي محمد وصحابته الكرام والتابعين ومن سلك سبيلهم وهم السلف الصالح أهل السنة والجماعة.
وإذا كان الأمر كذلك؛ أعني أن الدعوة هي الإسلام والسنة التي جاء بها النبي وما عليه سلف الأمة… فلا معنى لإفرادها باسم أو وصف (كالوهابية) أو غيره، لكن قد ترد على ألسنة علماء الدعوة ومؤيديها أو غيرهم بعض الأوصاف الشرعية الصحيحة لها أو لأتباعها والتي لا تتنافى مع رسالتها مثل: دعوة الشيخ: الدعوة، الدعوة الإصلاحية، دعوة التوحيد، السلفية، وقد يوصف أهلها بالسلفيين والموحدين، وأهل التوحيد، وأهل السنة، والحنابلة، والنجديين. ونحو ذلك من الأوصاف الشرعية الحسنة، أو المقبولة.
ومن فضل الله على أتباع هذه الدعوة المباركة أن لقب (الوهابية) من الخصوم في كثير من الأحيان يحمل معانٍ إيجابية ويعتز بها أتباعها وعموم أهل السنة، وإن قصد به خصومهم اللمز والسبَّ.
وذاك -على سبيل المثال: حين يطلقونها على من يقيم شعيرة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر وهو أصل من أصول الإسلام وشعائره العظيمة ، وحين يطلقون (الوهابية) كذلك على الأخذ بالكتاب والسنة والتمسك بالدين وتوحيد الله تعالى، ونبذ الشركيات والبدع، وهذه صفة مدح وتزكية يفرح بها المؤمنون.
وحين يطلقون (الوهابية) على اقتفاء منهج السلف الصالح الذي هو سبيل المؤمنين، وسنة سيد المرسلين وهذه تزكية لا تقدر بثمن.
والناظر في مفاهيم الناس حول ما يسمونه (الوهابية) يجد الكثير من الغبش والخلط والتناقض والاضطراب.
فالوصف السائد للوهابية عند أغلب الخصوم ومن سار في ركابهم يقصد به: كل من لا يعمل بالبدع ولا يرضاها، وينكرها ولا يقرها.
وقد يقصد بـ (الوهابية) كل مذهب غريب وشاذ.
وآخرون يطلقون (الوهابية) على كل من كان على مذهب أهل السنة والجماعة، مقابل الشيعة أو مقابل الفرق الأخرى. وقد يخصصه بعضهم بالاتجاهات السلفية، وأهل الحديث، وأنصار السنة ونحوهم.
وقد توسعت بعض وسائل الإعلام والاتجاهات الغربية ومن دار في فلكها بإطلاق (الوهابية) على كل مسلم ينزع إلى التمسك بشعائر الدين وأحكامه وربما ترادف عندهم عبارة (أصولي) أو متزمت أو متشدد، والمتمسك بالدين عندهم: متشدد.
وبعض المؤسسات والدوائر الغربية ومن تأثر بها صارت عندهم (الوهابية) ترادف: التطرف، والإرهاب والعنف، والعدوانية. ونحو ذلك، وهذا تصور خاطيء وحكم جائر ([1]).

([1]) كما يطلق (الوهابية) و (الوهبية) على بعض فرق الخوارج القديمة لا سيما في شمال أفريقية والمغرب.
فالوهابية: نسبة إلى عبدالوهاب الرستمي أحد زعماء الخوارج قديماً (الدولة الرستمية) والوهبية: نسبة إلى عبدالله بن وهب الواسبي أحد زعماء الخوارج الحرورية الأوائل. وكلاهما كانت قبل ظهور دعوة الإمام محمد بن عبدالوهاب، وقد وقع اللبس لدى كثيرين بهذا.
وانظر: رسالة: تصحيح خطأ تاريخي حول الوهابية للدكتور: محمد بن سعد الشويعر. ص(4) 1413هـ.

الزواج بنية الطلاق

و يستمر مسلسلهم في الدوران حول زواج المتعة و إنكارهم له وهو للدين أقرب من كل أنواع الزواج التي ما أنزل الله بها من سلطان والتي لم تكن على عهد الرسول (ص) و لا صحابتهم الذين يحبونهم و يتبعون سنتهم.

البقيع

ان مسألة القبور وزيارتها، ووجودها، وأثرها، وشرعيتها بالذات، تزامناً مع هدم الوهابية لقبور الأئمة (عليهم السلام) في البقيع، والمزارات والأماكن المقدسة لمطلق المسلمين سنة وشيعة، فقد وصفها عون بن هاشم، حين هجم الوهابيون على الطائف بقوله: (رأيت الدم فيها يجري كالنهر بين النخيل، وبقيت سنتين عندما أرى الماء الجارية أظنها والله حمراء). وكان ممن قتل في هذه الهجمة التاريخية المشهورة

التي تدل على همجيتها على البعد البعيد للوهابية عن الإسلام ووجههم المزري والمشوه للإسلام ـ الشيخ الزواوي مفتي الشافعية وجماعة من بني شيبة (سدنة الكعبة)… وكانوا قد بدأوا في تهديم المشاهد والقبور والآثار الإسلامية في مكة والمدينة وغيرهما.. ففي مكة دُمرت مقبرة المعلى، والبيت الذي ولد فيه الرسول (صلى الله عليه وآله)

” نكبة البقيع ”

أما ما يسمى بنكبة البقيع حيث لم يُبق الوهابيون حجراً على حجر، وهدموا المسجد المقام على قبر حمزة بن عبد المطلب سيد الشهداء ومسجد الزهراء (عليه السلام) واستولوا على أملاك وخزائن حرم النبي (صلى الله عليه وآله).. وهُدمت قبور أهل البيت النبوي (عليه السلام)، وقبر عثمان، وقبر الإمام مالك.” ردةُ فِعل العالم الإسلامي”

وعندئذ وردت عليهم من كل أطراف العالم الإسلامي رسائل احتجاج ـ وهذا ما يدل على رفض العالم الإسلامي وتبرئة وتكفير هذا المنطق الوهابي وكل كيانهم ـ على ما قاموا به من تخريب للمشاهد والآثار الإسلامية… ومن أهم تلك الاحتجاجات وأقواها، ماجاء من مصر والعراق وتركيا والهند وإيران وإندونيسيا، فالبقيع مقبرة مقدسة في المدينة المنورة، وقد دُفن فيها أربعة من أئمة أهل البيت وهم: الإمام الحسن بن علي والإمام زين العابدين والإمام محمد الباقر والإمام جعفر الصادق (عليهم السلام) كما دُفن فيها: إبراهيم بن رسول الله (صلى الله عليه وآله) وإسماعيل بن الإمام الصادق ،وبعض بنات النبي وبعض زوجاته، وعماته، والسيدة أم البنين حَرَم الإمام علي أمير المؤمنين (عليه السلام) ومرضعة النبي: حليمة السعدية، وجمع من الصحابة والشهداء والتابعين..

” البقيع الغرقد”

البقيع: بباء موحدة مفتوحة، بعدها قاف مثناة، بعد القاف ياء مثناة ساكنة، وآخره عين مهملة: هي بقعة طاهرة بجوار قبر رسول الله (صلى الله عليه وآله) في الجنوب الشرقي مقابل المسجد النبوي الشريف في المدينة المنورة وتضم أربعة من أئمة المسلمين من أهل بيت رسول الله (صلى الله عليه وآله) وهم:

1 ـ الإمام الحسن بن علي بن أبي طالب (عليه السلام)

2 ـ الإمام علي بن الحسين زين العابدين (عليه السلام)

3 ـ الإمام محمد بن علي الباقر (عليه السلام)

4 ـ الإمام جعفر بن محمد الصادق (عليه السلام)

كما يضم البقيع أيضا: قبر العباس بن عبد المطلب عم النبي (صلى الله عليه وآله) وقبر إبراهيم بن رسول الله (صلى الله عليه وآله) وقبر عدد من عمات النبي (صلى الله عليه وآله) وزوجاته وبعض أصحابه وعدد من شهداء صدر الإسلام والعديد من الأولياء وكبار شخصيات المسلمين وفي بعض التواريخ أن عشرة آلاف صحابي دفنوا فيه.

وقد كان البقيع منذ عهد رسول الله (صلى الله عليه وآله) مزاراً للمؤمنين إلى يومنا هذا ولكن الوهابيين هدموا تلك القباب الطاهرة ومنعوا المسلمين من تأدية شعائرهم الدينية وممارسة معتقداتهم الشرعية.

“مساحة البقيع”

تبلغ مساحة البقيع الحالية مائة وثمانين ألف متر مربع.

ويعتبر البقيع من أقرب الأماكن التاريخية إلى مبنى المسجد النبوي حالياً.”البقيع في اللغة”:

البقيع لغة: موضع من الأرض فيه أروم شجر من ضروب شتى وبه سمي بقيع الغرقد بالمدينة المنورة لأن هذا النوع من الشجر كان كثيراً فيه ثم قطع.

وفي كتاب (العين) الغرقد: ضرب من الشجر.

وأيضا: الغرقد: شجر له شوك كان ينبت هناك فذهب وبقي الاسم لازماً للموضع.

وفي (مجمع البحرين): البقيع من الأرض: المكان المتسع، قيل: ولا يسمى بقيعاً إلا وفيه شجر أو أصولها ومنه بقيع الغرقد.

والغرقد بالفتح فالسكون: شجر من شجر الغضاء، ومنه بقيع الغرقد لمقبرة أهل المدينة المشرفة وهو مشهور.

وفي (لسان العرب): شجر عظام وهو من العضاه، واحدته غرقدة وبها سمي الرجل.

وقال بعض الرواة: الغرقد من نبات القُف.

والغرقد: كبار العوسج، وبه سمي بقيع الغرقد لأنه كان فيه غرقد.

والغرقد: ضرب من شجر العضاه وشجر الشوك و(الغرقدة) واحدته، ومنه قيل لمقبرة أهل المدينة بقيع الغرقد لأنه كان فيه غرقد وقطع.

وقيل: إذا عظمت العوسجة فهي الغرقدة.

” أهمية البقيع”

والبقيع أرض مقدسة، وأرض مشرفة، وتربة معظمة بل هي قطعة من الجنة لأنها تضم ـ في طياتها.. أبدان ذرية رسول الله وأجساد جمع من أولياء الله.

وقد كانت على هذه القبور قباب وبناء، وكان لها صحن وحرم، فكانت عظيمة في أعين الناس، شامخة في قلوب المسلمين… محفوظة حُرمتها وكرامتها، وكان الناس يتوافدون على هذه البقعة المقدسة لزيارة المدفونين فيها ـ عملاً بالسنة الإسلامية من استحباب زيارة القبور وخاصة قبور ذرية رسول الله وأولياء الله تعالى.

” حملات الوهابية”

وعندما شن الوهابيون حملتهم عليها، عَمدوا إلى هذه القباب المكرمة فهدموها بمعاول الاستعمار وسَوّوا تلك القبور مع الأرض، وحّولوا البقيع إلى تراب وغبار وأحجار ـ بعد أن كان مفروشاً بالرخام ـ ونَهبوا كل ما كان فيه من فُرش غالية وهدايا عالية، وسرقوا المجوهرات واللآلئ، التي كانت داخل أضرحة أهل البيت (عليهم السلام). وذلك في عام 1342.

كما قاموا بفعلة شنيعة في سنة 1216هـ (1801م) بالاعتداء على مباني مدينة كربلاء، فهدّموا المساجد والأسواق، والكثير من البيوت التراثية المحيطة بالمرقدين وعبثوا بالمراقد المقدسة وهدموا سور المدينة .

ومما يدل على همجية النهج الوهابي المنافي لقيم الحضارة والتمدن، ما لاحظه قوم لا شأن لهم وقضية التوحيد، الرحالة السويسري (لويس بورخات) الذي وصف البقيع بقوله: (هي عبارة عن مربع كبير تبلغ سعته مئات من الخطوات، محاط بجدار يتصل من الجهة الجنوبية بضاحية البلدة، وبساتين النخيل الأخرى. وتبدوا المقبرة حقيرة جداً لا تليق بقدسية الشخصيات المدفونة فيها. وقد تكون أقذر وأتعس من أية مقبرة موجودة في المدن الشرقية الأخرى التي تضاهي المدينة المنورة في حجمها، فهي تخلوا من أي قبر مشيد تشييداً مناسباً، وتنشر القبور فيها وهي أكوام غير منتظمة من التراب يحد كل منها عدد من الأحجار الموضوعة فوقها (..) وقد خّرب الوهابيون قبورهم وعبثوا بها )

مراحل الهدم

الهدم الأول عام 1220هـكانت الجريمة التي لا تنسى، عند قيام الدولة السعودية الأولى حيث قام آل سعود بأول هدم للبقيع وذلك عام 1220 هـ وعندما سقطت الدولة على يد العثمانيين أعاد المسلمون بناءها على أحسن هيئة من تبرعات المسلمين، فبنيت القبب والمساجد بشكل فني رائع حيث عادت هذه القبور المقدسة محط رحال المؤمنين بعد أن ولى خط الوهابيين لحين من الوقت.

يقول أحد الرحالة الإنجليز حين وصف المدينة المنورة بعد تعميرها بأنها تشبه اسطانبول أو أية مدينة أخرى من المدن الجميلة في العالم، وكان هذا في عام 1877 – 1878م أي قبل تعرض المدينة المباركة لمحنتها الثانية على أيدي الوهابيين العتاة.

الهدم الثاني عام 1344هـ

ثم عاود الوهابيون هجومهم على المدينة المنورة مرة أخرى في عام 1344 هـ وذلك بعد قيام دولتهم الثالثة وقاموا بتهديم المشاهد المقدسة للائمة الأطهار (عليهم السلام) وأهل بيت رسول الله (صلى الله عليه وآله) بعد تعريضها للإهانة والتحقير بفتوى من وعاظهم.

فاصبح البقيع وذلك المزار المهيب قاعا صفصفا لا تكاد تعرف بوجود قبر فضلا عن أن تعرف صاحبه.

يصف الرحالة الغربي واسمه (ايلدون رتر)، المدينة المنورة بعد الجريمة الثانية التي نفذها الوهابيون عند استيلائهم على المدينة وقتلهم الآلاف من الأبرياء، يقول: (لقد هدمت واختفت عن الأنظار القباب البيضاء التي كانت تدل على قبور آل البيت النبوي.. وأصاب القبور الأخرى نفس المصير فسحقت وهشمت).

العزم على هدم قبر الرسول

وتشير الوثائق والقرائن إلى أن الوهابيين لم يكتفوا بتلك الجرائم بل حاولوا مرارا هدم قبة الرسول (صلى الله عليه وآله) الا انهم غيروا رأيهم بسبب حدوث ردود فعل إسلامية قوية من مختلف البلدان الإسلامية.

الجريمة كما وصفها الغربيون

يقول الرحالة السويسري لويس بورخارت والذي اعتنق الاسلام وسمى نفسه ابراهيم: (تبدو مقبرة البقيع حقيرة جدا لا تليق بقدسية الشخصيات المدفونة فيها. وقد تكون أقذر واتعس من أية مقبرة موجودة في المدن الشرقية الأخرى التي تضاهي المدينة المنورة في حجمها، فهي تخلوا من اي قبر مشيد تشييدا مناسبا، وتنتشر القبور فيها وهي أكوام غير منتظمة من التراب. يحد كل منها عدد من الأحجار الموضوعة فوقها.. ويعزي تخريب المقبرة الى الوهابيين.

ثم يصف هذا الرحالة قبورة أئمة أهل البيت (عليهم السلام) وقبر العباس ((عليه السلام)) وعمات النبي (صلى الله عليه وآله) بالقول (فالموقع بأجمعه عبارة عن أكوام من التراب المبعثر، وحفر عريضة ومزابل!

أما جبل أحد فيقول عنه هذا الرحالة بأنه وجد المسجد الذي شيد حول قبر حمزة وغيره من شهداء أحد مثل مصعب بن عمير وجعفر بن شماس وعبد الله بن جحش قد هدمه الوهابيون.. وعلى مسافة وجد قبور اثني عشر صحابيا من شهداء أحد (وقد خرب الوهابيون قبورهم وعبثوا بها).

القبور قبل الهدم(5)

كان البقيع قبل هدمه هكذا:

الأئمة الأربعة (عليهم السلام) في قبة، وتزار فاطمة الزهراء (عليها السلام) في بقعتهم حيث من المحتمل أنها دفنت هناك، وإن كنت أنا رأيت في المنام رسول الله (صلى الله عليه وآله) واقفاً في قبره الشريف.. وقال لي وهو يشير إلى ما بين قبره ومنبره: أن قبر فاطمة ابنتي (عليها السلام) هناك، والله العالم بحقيقة الحال.

كما يحتمل أنها (عليها السلام) دفنت في بيتها، ولعل أمير المؤمنين (عليه السلام) حمل صورة جنازة إلى عدة أماكن، كما حمل الإمام الحسن (عليه السلام) صورة جنازة الإمام أمير المؤمنين (عليه السلام) إلى البصرة.

ومن هنا لا بأس بزيارة الصديقة الطاهرة (عليها السلام) في البقيع، وفي المسجد، وفي بيتها وذلك لخفاء القبر الشريف، وسيظهر إن شاء الله تعالى عند ظهور ولدها الإمام المهدي (عجّل الله تعالى فرجه الشريف) وإن كان من المحتمل إخفاء قبرها (عليها السلام) إلى يوم القيامة ليبقى سنداً على مظلوميتها طول التاريخ.

وكان في نفس تلك القبة مدفن العباس عمّ النبي(صلى الله عليه وآله).

وكانت خارج القبة بفاصلة قليلة قبةٌ مبنية على بيت الأحزان، حيث كانت الزهراء (عليها السلام) تخرج إلى ذلك المكان وتبكي على أبيها.

وكانت تشتمل مقبرة البقيع على قباب كثيرة، مثل أزواج النبي وأولاده وبناته ومرضعته (صلى الله عليه وآله) حليمة السعدية، وكانت هناك قبة فاطمة بنت أسد (عليها السلام) والدة الإمام أمير المؤمنين (عليه السلام)، وقبة أم البنين(عليها السلام) زوجة الإمام أمير المؤمنين (عليه السلام) وقبتها قرب قبة عمات النبي (صلى الله عليه وآله)، وكانت أيضاً قبة جابر بن عبد الله الأنصاري، وغيرهم مما هو مذكور في التاريخ.

المصدر: الموقع العالمي للدراسات الشيعية

محمد بن عبد الوهاب – امام الوهابية

كان ابتداء ظهور أمره في الشرق سنة ۱۱٤٣ هـ واشتهر أمره بعد ١١٥٠ هـ بنجد وقراها، توفي سنة ١٢٠٦ هـ، وقد ظهر بدعوة ممزوجة بأفكار منه زعم أنها من الكتاب والسُّنة، وأخذ ببعض بدع تقي الدين أحمد بن تيمية فأحياها، وهي: تحريم التوسّل بالنبي، وتحريم السفر لزيارة قبر الرسول وغيره من الأنبياء والصالحين بقصد الدعاء هناك رجاء الإجابة من الله، وتكفير من ينادي بهذا اللفظ: يا رسول الله أو يا محمد أو يا علي أو يا عبد القادر أغثني أو بمثل ذلك إلا للحيّ الحاضر، وإلغاء الطلاق المحلوف به مع الحنث وجعله كالحلف بالله في إيجاب الكفارة، وعقيدة التجسيم لله والتحيز في جهة.

وابتدع من عند نفسه: تحريم تعليق الحروز التي ليس فيها إلا القرآن وذكر الله وتحريم الجهر بالصلاة على النبي عقب الأذان، وأتباعه يحرّمون الاحتفال بالمولد الشريف خلافا لشيخهم ابن تيمية.

مفتي الشافعية في مكة يذم محمد بن عبد الوهاب

قال الشيخ أحمد زيني دحلان مفتي مكة في أواخر السلطنة العثمانية في تاريخه تحت فصل فتنة الوهابية، (١): (كان -اي محمد بن عبد الوهاب – في ابتداء أمره من طلبة العلم في المدينة المنورة على ساكنها أفضل الصلاة والسلام، وكان أبوه رجلا صالحا من أهل العلم وكذا أخوه الشيخ سليمان، وكان أبوه وأخوه ومشايخه يتفرسون فيه أنه سيكون منه زيغ وضلال لما يشاهدونه من أقواله وأفعاله ونزغاته في كثير من المسائل، وكانوا يوبخونه ويحذّرون الناس منه، فحقق الله فراستهم فيه لما ابتدع ما ابتدعه من الزيغ والضلال الذي أغوى به الجاهلين وخالف فيه أئمة الدين، وتوصل بذلك إلى تكفير المؤمنين فزعم أن زيارة قبر النبي (صلّى الله عليه وسلّم) والتوسل به وبالأنبياء والأولياء والصالحين وزيارة قبورهم للتبّرك شرك، وأن نداء النبي (صلّى الله عليه وسلّم) عند التوسل به شرك، وكذا نداء غيره من الأنبياء والأولياء والصالحين عند التوسل بهم شرك، وأن من أسند شيئا لغير الله ولو على سبيل المجاز العقلي يكون مشركا نحو: نفعني هذا الدواء، وهذا الولي الفلاني عند التوسل به في شىء، وتمسك بأدلة لا تنتج له شيئًا من مرامه، وأتى بعبارات مزورة زخرفها ولبّس بها على العوام حتى تبعوه، وألف لهم في ذلك رسائل حتى اعتقدوا كفر كثر أهل التوحيد” ا.هـ.

إلى أن قال (٢): “وكان كثير من مشايخ ابن عبد الوهاب بالمدينة يقولون: سيضل هذا أو يضل الله به من أبعده وأشقاه، فكان الأمر كذلك. وزعم محمّد بن عبد الوهاب أن مراده بهذا المذهب الذي ابتدعه إخلاص التوحيد والتبري من الشرك، وأن الناس كانوا على الشرك منذ ستمائة سنة، وأنه جدّد للناس دينهم، وحمل الآيات القرءانية التي نزلت في المشركين على أهل التوحيد كقوله تعالى: ﴿وَمَنْ أَضَلُّ مِمَّن يَدْعُو مِن دُونِ اللَّهِ مَن لَّا يَسْتَجِيبُ لَهُ إِلَى يَومِ الْقِيَامَةِ وَهُمْ عَن دُعَائِهِمْ غَافِلُونَ﴾، (سورة الأحقاف/٥). وكقوله تعالى ﴿ وَلاَ تَدْعُ مِن دُونِ اللّهِ مَا لاَ يَنفَعُكَ وَلاَ يَضُرُّكَ فَإِن فَعَلْتَ فَإِنَّكَ إِذًا مِّنَ الظَّالِمِينَ﴾ (سورة يونس/١٠٦)، وكقوله تعالى ﴿وَالَّذِينَ يَدْعُونَ مِن دُونِهِ لاَ يَسْتَجِيبُونَ لَهُم بِشَيْءٍ﴾ (سورة الرعد/١٤). وأمثال هذه الآيات في القرءان كثيرة، فقال محمد بن عبد الوهاب: من استغاث بالنبي (صلّى الله عليه وسلّم) أو بغيره من الأنبياء والأولياء والصالحين أو ناداه أو سأله الشفاعة فإنه مثل هؤلاء المشركين ويدخل في عموم هذه الايات، وجعل زيارة قبر النبي (صلّى الله عليه وسلّم) وغيره من الأنبياء والأولياء والصالحين مثل ذلك- يعني للتبرّك- وقال في قوله تعالى حكاية عن المشركين في عبادة الأصنام: ﴿مَا نَعْبُدُهُمْ إِلَّا لِيُقَرِّبُونَا إِلَى اللَّهِ زُلْفَى﴾ (سورة الزمر/٣) إن المتوسلين مثل هؤلاء المشركين الذين يقولون: ﴿ مَا نَعْبُدُهُمْ إِلَّا لِيُقَرِّبُونَا إِلَى اللَّهِ زُلْفَى ﴾ (سورة الزمر/٣)” اهـ.

ثم قال (٣): “روى البخاري عن عبد الله بن عمر رضي الله عنهما عن النبي (صلّى الله عليه وسلّم) في وصف الخوارج أنهم انطلقوا إلى ءايات نزلت في الكفار فحملوها على المؤمنين، وفي رواية عن ابن عمر أيضا أنه (صلّى الله عليه وسلّم) قال: “أخوف ما أخاف على أمتي رجل يتأول القرءان يضعه في غير موضعه” فهو وما قبله صادق على هذه الطائفة” ا.هـ.

ثم قال (٤): “وممن ألف في الرد على ابن عبد الوهاب أكبر مشايخه وهو الشيخ محمد بن سليمان الكردي مؤلف حواشي شرح ابن حجر على متن بافضل (٥)، فقال من جملة كلامه: “يا ابن عبد الوهاب إني أنصحك أن تكف لسانك عن المسلمين” اهـ.

ثم قال الشيخ أحمد زيني دحلان (٦): “ويمنعون من الصلاة على النبي (صلّى الله عليه وسلّم) على المنائر بعد الأذان حتى إن رجلاً صالحا كان أعمى وكان مؤذنا وصلى على النبي (صلّى الله عليه وسلّم) بعد الأذان بعد أن كان المنع منهم، فأتوا به إلى محمد بن عبد الوهاب فأمر به أن يقتل فقتل. ولو تتبعت لك ما كانوا يفعلونه من أمثال ذلك لملأت الدفاتر والأوراق وفي هذا القدر كفاية” ا. هـ.

أقول: ويشهد لما ذكره من تكفيرهم من يصلي على النبي أي جهرا على المئاذن عقب الأذان ما حصل في دمشق الشام من أن مؤذن جامع الدقاق قال عقب الأذان كعادة البلد: الصلاة والسلام عليك يا رسول الله جهرا، فكان وهابي في صحن المسجد فقال بصوت عال: هذا حرام هذا مثل الذي ينكح أمه، فحصل شجار بين الوهابية وبين أهل السنة وضرب، فرفع الأمر إلى مفتي دمشق ذلك الوقت وهو أبو اليسر عابدين فاستدعى المفتي زعيمهم ناصر الدين الألباني فألزمه أن لا يدرّس وتوعده إن خالف ما ألزمه بالنفي من البلاد.

وقال الشيخ أحمد زيني دحلان ما نصه (٧): “كان محمد بن عبد الوهاب الذي ابتدع هذه البدعة يخطب للجمعة في مسجد الدرعية ويقول في كل خطبه: ” ومن توسل بالنبي فقد كفر”، وكان أخوه الشيخ سليمان بن عبد الوهاب من أهل العلم، فكان ينكر عليه إنكارا شديدا في كل ما يفعله أو يأمر به ولم يتبعه في شىء مما ابتدعه، وقال له أخوه سليمان يوما: كم أركان الإسلام يا محمد بن عبد الوهاب؟ فقال خمسة، فقال: أنت جعلتها ستة، السادس: من لم يتبعك فليس بمسلم هذا عندك ركن سادس للإسلام. وقال رجل ءاخر يوما لمحمد بن عبد الوهاب: كم يعتق الله كل ليلة في رمضان؟ فقال له: يعتق في كل ليلة مائة ألف، وفي ءاخر ليلة يعتق مثل ما أعتق في الشهر كله، فقال له: لم يبلغ من اتبعك عشر عشر ما ذكرت فمن هؤلاء المسلمون الذين يعتقهم الله تعالى وقد حصرت المسلمين فيك وفيمن اتبعك، فبهت الذي كفر. ولما طال النزاع بينه وبين أخيه خاف أخوه أن يأمر بقتله فارتحل إلى المدينة المنورة وألف رسالة في الرد عليه وأرسلها له فلم ينته. وألف كثير من علماء الحنابلة وغيرهم رسائل في الرد عليه وأرسلوها له فلم ينته. وقال له رجل ءاخر مرة وكان رئيسا على قبيلة بحيث إنه لا يقدر أن يسطو عليه: ما تقول إذا أخبرك رجل صادق ذو دين وأمانة وأنت تعرف صدقه بأن قومًا كثيرين قصدوك وهم وراء الجبل الفلاني فأرسلت ألف خيال ينظرون القوم الذين وراء الجبل فلم يجدوا أثرًا ولا أحدا منهم، بل ما جاء تلك الأرض أحد منهم أتصدق الألف أم الواحد الصادق عندك؟ فقال: أصدق الألف، فقال له: إن جميع المسلمين من العلماء الأحياء والأموات في كتبهم يكذّبون ما أتيت به ويزيفونه فنصدقهم ونكذبك، فلم يعرف جوابا لذلك. وقال له رجل ءاخر مرة: هذا الدين الذي جئت به متصل أم منفصل؟ فقال له حتى مشايخي ومشايخهم إلى ستمائة سنة كلهم مشركون، فقال له الرجل: إذن دينك منفصل لا متصل، فعمّن أخذته؟ فقال: وحي إلهام كالخضر، فقال له: إذن ليس ذلك محصورًا فيك، كل أحد يمكنه أن يدعي وحي الإلهام الذي تدعيه، ثم قال له: إن التوسل مجمع عليه عند أهل السنة حتى ابن تيمية فإنه ذكر فيه وجهين ولم يذكر أن فاعله يكفر”. اهـ.

ويعني محمد بن عبد الوهاب بالستمائة سنة القرن الذي كان فيه ابن تيمية وهو السابع إلى الثامن الذي توفي فيه ابن تيمية إلى القرن الثاني عشر. وهي التي كان يقول فيها محمد بن عبد الوهاب إن الناس فيها كانوا مشركين وإنه هو الذي جاء بالتوحيد ويعتبر ابن تيمية جاء بقريب من دعوته في عصره، كأنه يعتبره قام في عصر انقرض فيه الإسلام والتوحيد فدعا إلى التوحيد وكان هو التالي له في عصره الذي كان فيه وهو القرن الثاني عشر الهجري. فهذه جرأة غريبة من هذا الرجل الذي كقر مئات الملايين من أهل السنّة وحصر الإسلام في أتباعه، وكانوا في عصره لا يتجاوز عددهم نحو المائة ألف. وأهل نجد الحجاز الذي هو وطنه لم يأخذ أكثرهم بعقيدته في حياته وإنما كان الناس يخافون منه لما علموا من سيرته لأنه كان يسفك دماء من لم يتبعه. وقد وصفه بذلك الأمير الصنعاني صاحب كتاب سبل السلام فقال فيه أولا قبل أن يعرف حاله قصيدة أؤّلها:

سلام على نجد ومن حل في نجد وإن كان تسليمي على البعد لا يجدي

وهذه القصيدة مذكورة في ديوانه وهو مطبوع، وتمامها أيضا في البدر الطالع للشوكاني والتاج المكلل لصديق خان فطارت كل مطار، ثم لما بلغه ما عليه ممدوحه من سفك الدماء ونهب الأموال والتجرىء على قتل النفوس ولو بالاغتيال وإكفار الأمة المحمدية في جميع الأقطار رجع عن تأييده وقال:

رجعت عن القول الذي قلت في النجدي فقد صح لي عنه خلاف الذي عندي

ظننت به خيرا فقلت عسى عسى نجد ناصحًا يهدي العباد ويستهدي

لقد خاب فيه الظن لا خاب نصحنا وما كل ظن للحقائق لي يهدي

وقد جاءنا من أرضه الشيخ مِربَدُ فحقّق من أحواله كل ما يبدي

وقد جـاء من تأليفه برسائل يكفر أهل الأرض فيها على عمد

ولفق في تكفيرهم كل حجة تراها كبيت العنكبوت لدى النقد

إلىءاخر القصيدة، ثم شرحها شرحًا يكشف عن أحوال محمد بن عبد الوهاب من الغلوّ والإسراف في القتل والنهب ويرد عليه، وسمى كتابه: “إرشاد ذوي الألباب إلى حقيقة أقوال ابن عبد الوهاب “.

وقد ألف أخوه الشيخ سليمان بن عبد الوهاب رسالة في الرد على أخيه محمد بن عبد الوهاب كما ذكرنا سمّاها “الصواعق الإلهية في الرد على الوهابية”، وهي مطبوعة، وأخرى سماها “فصل الخطاب في الرد على محمّد بن عبد الوهاب “.

مفتي الحنابلة في مكة يذم محمد بن عبد الوهاب

قال مفتي الحنابلة بمكة المتوفى سنة ١٢٩٥ هـ الشيخ محمد بن عبد الله النجدي الحنبلي في كتابه “السحب الوابلة على ضرائح الحنابلة” في ترجمة والد محمد بن عبد الوهاب بن سليمان ما نصّه (٨): “وهو والد محمّد صاحب الدعوة التي انتشر شررها في الافاق، لكن بينهما تباين مع أن محمدًا لم يتظاهر بالدعوة إلا بعد موت والده، وأخبرني بعض من لقيته عن بعض أهل العلم عمّن عاصر الشيخ عبد الوهاب هذا أنه كان غضبان على ولده محمد لكونه لم يرض أن يشتغل بالفقه كأسلافه وأهل جهته ويتفرس فيه أن يحدث منه أمر، فكان يقول للناس: يا ما ترون من محمد من الشر، فقدّر الله أن صار ما صار، وكذلك ابنه سليمان أخو الشيخ محمد كان منافيًا له في دعوته ورد عليه ردًا جيدا بالآيات والآثار لكون المردود عليه لا يقبل سواهما ولا يلتفت إلى كلام عالم متقدمًا أو متأخرا كائنا من كان غير الشيخ تقي الدين بن تيمية وتلميذه ابن القيم فإنه يرى كلامهما نصّا لا يقبل التأويل ويصول به على الناس وإن كان كلامهما على غير ما يفهم، وسمى الشيخ سليمان رده على أخيه “فصل الخطاب في الرد على محمّد بن عبد الوهاب” وسلّمه الله من شرّه ومكره مع تلك الصولة الهائلة التي أرعبت الأباعد، فإنه كان إذا باينه أحد ورد عليه ولم يقدر على قتله مجاهرة يرسل إليه من يغتاله في فراشه أو في السوق ليلا لقوله بتكفير من خالفه واستحلاله قتله، وقيل إن مجنونًا كان في بلدة ومن عادته أن يضرب من واجهه ولو بالسلاح، فأمر محمدٌ أن يعطى سيفًا ويدخل على أخيه الشيخ سليمان وهو في المسجد وحده، فأدخل عليه فلما رءاه الشيخ سليمان خاف منه فرمى المجنون السيف من يده وصار يقول: يا سليمان لا تخف إنك من الآمنين ويكررها مرارا، ولا شك أن هذه من الكرامات “. ا.هـ.

وقول مفتي الحنابلة الشيخ محمد بن عبد الله النجدي إن أبا محمد بن عبد الوهاب كان غاضبا عليه لأنه لم يهتم بالفقه معناه أنه ليس من المبرزين بالفقه ولا بالحديث، إنما دعوته الشاذة شهرته، ثم أصحابه غلوا في محبته فسموه شيخ الإسلام والمجدّد، فتبًا لهم وله، فليعلم ذلك المفتونون والمغرورون به لمجرد الدعوة، فلم يترجمه أحد من المؤرخين المشهورين في القرن الثاني عشر بالتبريز في الفقه ولا في الحديث.

ابن عابدين يذم محمد بن عبد الوهاب

قال ابن عابدين الحنفي في ردّ المحتار ما نصّه (٨): “مطلب في أتباع ابن عبد الوهاب الخوارج في زماننا: قوله: “ويكفرون أصحاب نبينا (صلّى الله عليه وسلّم)” علمت أن هذا غير شرط في مسمى الخوارج، بل هو بيان لمن خرجوا على سيدنا علي رضي الله تعالى عنه، والا فيكفي فيهم اعتقادهم كفر من خرجوا عليه، كما وقع في زماننا في أتباع محمد بن عبد الوهاب الذين خرجوا من نجد وتغلّبوا على الحرمين، وكانوا ينتحلون مذهب الحنابلة، لكنهم اعتقدوا أنهم هم المسلمون وأن من خالف اعتقادهم مشركون، واستباحوا بذلك قتل أهل السنّة قتل علمائهم حتى كسر الله شوكتهم وخرب بلادهم وظفر بهم عساكرالمسلمين عام ثلاث وثلاثين ومائتين وألف”. ا.هـ.

الامام الصاوي المالكي يذم محمد بن عبد الوهاب

وقال الشيخ أحمد الصاوي المالكي في تعليقه على الجلالين ما نصه (١٠): “وقيل هذه الآية نزلت في الخوارج الذين يحرفون تأويل الكتاب والسنة ويستحلون بذلك دماء المسلمين وأموالهم كما هو مشاهد الآن في نظائرهم، وهم فرقة بأرض الحجاز يقال لهم الوهابية يحسبون أنهم على شىء ألا انهم هم الكاذبون، استحوذ عليهم الشيطان فأنساهم ذكر الله أولئك حزب الشيطان ألا إن حزب الشيطان هم الخاسرون، نسأل الله الكريم أن يقطع دابرهم ”