وقبر حرب بمكان قفر … وليس قرب قبر حرب

ذكر السهيلي في كتابه التعريف والإعلام أن أمية بن أبي الصلت أول من قال باسمك اللهم وذكر ثم ذلك قصة غريبة وهو أنهم خرجوا في جماعة من قريش في سفر فيهم حرب بن أمية والد أبي سفيان قال فمروا في مسيرهم بحية فقتلوها فلما أمسوا جاءتهم امرأة من الجان كظهرين في قتل تلك الحية ومعها قضيب فضربت به الأرض حصول نفرت الإبل عن آخرها فذهبت وشردت كل مذهب وقاموا فلم يزالوا في طلبها حتى ردوها فلما اجتمعوا جاءتهم أيضا فضربت الأرض بقضيبها فنفرت الإبل فذهبوا في طلبها فلما أعياهم ذلك قالوا والله هل عندك لما نحن فيه من مخرج فقال لا والله ولكن سأنظر في ذلك قال فساروا في تلك المحلة لعلهم يجدو أحدا يسألونه عما قد حل بهم من العناء إذا نار تلوح على بعد فجاؤها فإذا شيخ على باب خيمة يوقد نارا وإذا هو من الجان في غاية الضآلة والدمامة فسلموا عليه فسألهم عما هم فيه فقال إذا جاءتكم فقل بسمك اللهم فإنها تهرب فلما اجتمعوا وجاءتهم الثالثة والرابعة قال في وجهها أمية بسمك اللهم فشردت ولم يقر لها قرار لكن عدت الجن على حرب بن أمية فقتلوه بتلك الحية فقبره أصحابه هنالك حيث لا جار ولا دار ففي ذلك يقول الجان وقبر حرب بمكان قفر وليس قرب قبر حرب قبر

معاوية بن ابي سفيان

دلائل كفر معاوية وعدم إيمانه وجواز لعنه ، فهي كثيرة ، ولو أردنا نقلها جميعا لاقتضى تأليف كتاب مستقل ، ولكن أنقل لكم بعضها من الكتاب والسنة ، ومن سيرته وسلوكه ضد الإسلام والمسلمين ، منها قوله تعالى : ( وَ ما جَعَلْنَا الرُّؤْيَا الَّتِي أَرَيْناكَ إِلاَّ فِتْنَةً لِلنَّاسِ وَ الشَّجَرَةَ الْمَلْعُونَةَ فِي الْقُرْآنِ وَ نُخَوِّفُهُمْ فَما يَزِيدُهُمْ إِلاَّ طُغْياناً كَبِيراً )(1).
فقد ذكر أعلام مفسريكم مثل العلامة الثعلبي ، والحافظ العلامة جلال الدين السيوطي في الدر المنثور ، والفخر الرازي في تفسيره الكبير ، نقلوا في ذيل الآية الشريفة روايات بطرق شتى ، والمعنى واحد وهو أن رسول الله (ص) رأى في عالم الرؤيا بني أمية ينزون على منبره نزو القرود ، فساءه ذلك ، فنزلت الآية ، فبنوا أمية هم الشجرة الملعونة في القرآن والمزيدة بالطغيان .
ولا شك أن رأسهم أبو سفيان ، ومن بعده معاوية ويزيد و مروان .
والآية الثانية ، الدالة على لعن بني أمية ، قوله سبحانه وتعالى : ( فَهَلْ عَسَيْتُمْ إِنْ تَوَلَّيْتُمْ أَنْ تُفْسِدُوا فِي الأَْرْضِ وَ تُقَطِّعُوا أَرْحامَكُمْ أُولئِكَ الَّذِينَ لَعَنَهُمُ اللَّهُ فَأَصَمَّهُمْ وَ أَعْمى أَبْصارَهُمْ )(2).
ومن أكثر فسادا من معاوية حينما تولى ؟ ومن أقطع منه رحما لرسول الله (ص) ؟! والتاريخ يشهد عليه بذلك ، وليس أحد من المؤرخين ينكر فساد معاوية في الدين وقطعه لأرحام النبي (ص).
والآية الثالثة : ( إِنَّ الَّذِينَ يُؤْذُونَ اللَّهَ وَ رَسُولَهُ لَعَنَهُمُ اللَّهُ فِي الدُّنْيا وَ الآْخِرَةِ وَ أَعَدَّ لَهُمْ عَذاباً مُهِيناً )(3).
وهل تنكرون إيذاء معاوية للإمام علي (ع) ، ولسبطي رسول الله (ص) الحسن والحسين ، ولخواص صحابة النبي (ص) كعمار بن ياسر وحجر بن عدي وعمرو بن الحمق الخزاعي ؟ ثم أما يكون إيذاء أمير المؤمنين وشبليه ريحانتي رسول الله (ص) والصحابة الأخيار ، إيذاء لله ورسوله ؟! فالآيات القرآنية التي تلعن الظالمين كلها تشمل معاوية .
فقد قال عز وجل : ( يَوْمَ لا يَنْفَعُ الظَّالِمِينَ مَعْذِرَتُهُمْ وَ لَهُمُ اللَّعْنَةُ وَ لَهُمْ سُوءُ الدَّارِ )(4).
وقال سبحانه : ( أَلا لَعْنَةُ اللَّهِ عَلَى الظَّالِمِينَ )(5) .
وقال تعالى : ( فَأَذَّنَ مُؤَذِّنٌ بَيْنَهُمْ أَنْ لَعْنَةُ اللَّهِ عَلَى الظَّالِمِينَ )(6).
وهل أحد من أهل العلم والإنصاف ينكر ظلم معاوية ؟!
معاوية .. قاتل المؤمنين
وقال سبحانه وتعالى : ( وَ مَنْ يَقْتُلْ مُؤْمِناً مُتَعَمِّداً فَجَزاؤُهُ جَهَنَّمُ خالِداً فِيها وَ غَضِبَ اللَّهُ عَلَيْهِ وَ لَعَنَهُ وَ أَعَدَّ لَهُ عَذاباً عَظِيماً )(7) وكم قتل معاوية من المؤمنين الأبرار والصحابة الأخيار ؟!
أما ثبت لكم بالروايات التي نقلتها من مصادركم أنه سبب قتل الإمام الحسن سبط رسول الله (ص) بأن دس السم بواسطة زوجته جعدة بني الأشعث ، إذ بعث إليها نالا وأغراها بأن يزوجها ليزيد بن معاوية ، ففعلت ما أراد معاوية ؟!
أما قتل حجر بن عدي صحابي رسول الله (ص) مع سبعة نفر من أصحابه المؤمنين ؟ وقد ذكر ابن عبد البر في الاستيعاب وابن الأثير في الكامل : أن حجر كان من كبار صحابة النبي وفضلائهم ، وقتله معاوية مع سبعة نفر من أصحابه صبرا ، لأنهم امتنعوا من لعن علي بن أبي طالب والبراءة منه .
وذكر ابن عساكر ، ويعقوب بن سفيان في تاريخه ، والبيهقي في الدلائل ، أن معاوية دفن عبد الرحمن بن حسان العنزي حيا ، وكان أحد السبعة الذين قتلوا مع حجر بن عدي .
أما كان قتل عمار بن ياسر صاحب رسول الله (ص) بيد جنود معاوية وعماله في صفين ؟ وقد أجمع المحدثون والعلماء أن رسول الله (ص) قال لعمار : يا عمار ! تقتلك الفئة الباغية .
هل تنكرون حديث النبي (ص) أن تنكرون قتله في صفين بأيدي عمال معاوية وجنوده ؟!
أما سبب معاوية قتل الصحابي الجليل مالك الأشتر غيلة ؟
أما قتل أصحابه محمد بن أبي بكر عطشانا وأحرقوا جسده ؟ ولما سمع معاوية بذلك فرح وأيد عملهم.
أما كان يأمر عماله بقتل شيعة علي بن أبي طالب وأنصار أهل بيت النبوة ؟
أما كان يرسل الجيوش لإبادة المؤمنين واستئصالهم ونهب أموالهم ؟
غارة بسر بن أرطاة
ومن أقبح أعمال معاوية ، وأشنع جرائمه بعثه بسر بن أرطاة الظالم السفاك إلى المدينة ومكة والطائف ونجران وصنعاء واليمن ، وأمره بقتل الرجال وحتى الأطفال ، ونهب الأموال وهتك الأعراض والنواميس ، وقد نقل غارة بسر بن أرطاة على هذه البلاد كثير من المؤرخين منهم : أبو الفرج الأصفهاني ، والعلامة السمهودي في تاريخ المدينة ـ وفاء الوفى ، وابن خلكان ، وابن عساكر ، والطبري في تواريخهم ، ، وابن أبي الحديد في شرح نهج البلاغة ج2/3ـ18 ط دار احياء التراث العربي ، قال في صفحة 6 : دعا معاوية ـ بسر بن أرطاة ـ و كان قاسي القلب ، فظّا ، سفّاكا للدماء، لا رأفة عنده و لا رحمة، و أمره أن يأخذ طريق الحجاز و المدينة و مكّة حتى ينتهي إلى اليمن، و قال له: لا تنزل على بلد أهله على طاعة عليّ، إلا بسطت عليهم لسانك، حتّى يروا أنّهم لا نجاء لهم و أنّك محيط بهم، ثم اكفف عنهم، و ادعهم إلى البيعة لي، فمن أبى فاقتله، و اقتل شيعة عليّ حيث كانوا .
فامتثل بسر أوامر معاوية وخرج وأغار في طريقه على بلاد كثيرة ، وقتل خلقا كثيرا حتى دخل بيت عبيد الله بن العباس ، وكان غائبا فأخذ ولديه وهما طفلان صغيران فذبحهما ، فكانت أمهما تبكي وتنشد :
ها من أحس بابني اللذين هــمــــا كالدرتين تشظى عنهمـــــا الصدف‏
ها من أحس بابني اللذين هـــمـــا سمعي و قلبي فقلبي اليوم مختطف
‏ها من أحس بابني اللذين هــمــــا مخ العظام فمخي اليوم مزدهــــــف
‏نبئت بسرا و ما صدقت ما زعموا من قولهم و من الإفك الذي اقترفوا
أنحى على ودجي ابني مرهــفـــة مشحوذة و كذاك الإثم يـقــتــــــرف
وقال ابن أبي الحديد في شرح‏ نهج ‏البلاغة ج2/17 : وكان الذي قتل بسر في وجهه ذلك ثلاثين ألفا ، وحرق قوما بالنار(8).
وهل أنتم بعد في شك وترديد في كفر معاوية ويزيد ؟! وهل تتورعون بعد عن لعنهما ولعن من رضي بأفعالهما ؟
معاوية يأمر بلعن الإمام أمير المؤمنين عليه السلام !!
من الدلائل الواضحة على كفر معاوية وأصحابه ، أمره بسب الإمام علي عليه السلام ولعنه على منابر المسلمين ، وإجباره الناس بهذا الذنب العظيم ، فسن هذا المنكر في قنوت الصلوات وخطب الجمعات .
وهذا أمر ثابت على معاوية ، سجله التاريخ وذكره المؤرخون من الشيعة والسنة وحتى غير المسلمين ، حتى أنه قتل بعض المؤمنين الذين امتنعوا وأبوا ذلك ، مثل حجر بن عدي وأصحابه رضوان الله تعالى عليهم أجمعين .
وقد ثبت أيضا عند جميع علماء الإسلام بالتواتر أن رسول الله (ص) قال : من سب عليا فقد سبني ، ومن سبني فقد سب الله .
رواه جمع غفير من أعلامكم منهم : أحمد بن حنبل في المسند والنسائي في الخصائص والثعلبي في تفسيره والفخر الرازي في تفسيره ، وابن أبي الحديد في شرح نهج البلاغة والعلامة الكنجي الشافعي في كفاية الطالب ، وسبط ابن الجوزي في التذكرة ، والشيخ القندوزي الحنفي في الينابيع ، والعلامة الهمداني في مودة القربى ، والحافظ الديلمي في الفردوس ، والشيخ مسلم بن حجاج في صحيحه ، والعلامة محمد بن طلحة في مطالب السؤول والعلامة ابن الصباغ المالكي في الفصول ، والحاكم في المستدرك ، والخطيب الخوارزمي في المناقب ، والمحب الطبري في الذخائر ، وابن حجر في الصواعق ، وغيرهم من كبار علمائكم .
والخبر الذي رواه أيضا كثير من أعلامكم ومحدثيكم عن النبي (ص) قال : من آذى عليا فقد آذاني ومن آذاني فعليه لعنة الله .
وابن حجر روى خبرا أعم وأشمل / في الصواعق / 143 طبع الميمنية بمصر / باب التحذير من بغضهم وسبهم / قال : وصح أنه (ص) قال : يا بني عبد المطلب ! إني سألت الله لكم ثلاثا : أن يثبت قائمكم ، وأن يهدي ضالكم ، وأن يعلم جاهلكم ، وسألت الله يجعلكم كرماء نجباء رحماء ، فلو أن رجلا صفن ـ وهو صف القدمين ـ بين الركن والمقام فصلى وصام ثم لقى الله وهو يبغض آل بيت محمد (ص) دخل النار .
وورد : من سب أهل بيتي فإنما يرتد عن الله والإسلام ، ومن آذاني في عترتي فعليه لعنة اله ومن آذاني في عترتي فقد آذى لله ، إن الله حرم الجنة على من ظلم أهل بيتي أو قاتلهم أو أعان عليهم أو سبهم .
وروى أحمد بن حنبل في المسند وروى غيره من أعلامكم أيضا عن النبي أنه قال : من آذى عليا بعث يوم القيامة يهوديا أو نصرانيا .
وقد ذكر ابن الأثير في الكامل وغيره من المؤرخين أن معاوية كان في قنوت الصلاة يلعن سيدنا عليا والحسن والحسين وابن عباس ومالك الأشتر .
فما تقولون بعد هذه الأخبار والأحاديث المروية في كتب محدثيكم وأعلامكم ، ولا ينكرها أحد من أهل العلم ؟!
وأنتم تعلمون أن من ضروريات الإسلام المتفق عليه ، أن من لعن أو سب الله ورسوله (ص) فهو كافر نجس يجب قتله .
فمعاوية ومن حذى حذوه كافر نجس ملعون .
الشيخ عبد السلام : المتفق عليه ، كفر من سب الله ورسوله ، ومعاوية ما سب الله ورسوله ، وإنما سب ولعن عليا كرم الله وجهه .
قلت : أيها الشيخ ما هذا اللف والدوران ! ولماذا تغالط في الكلام والبيان ؟ فلا تنس قول الله العزيز في القرآن : ( ولا تلبسوا الحق بالباطل وتكتموا الحق وأنتم تعلمون )(9).
أترفض الحديث الذي نقلته الآن من كتب أعلامكم وأئمتكم ، أن النبي (ص) قال : من سب عليا فقد سبني ، ومن سبني فقد سب الله ؟!
أرجو أن لا تنس الحديث في الليالي الماضية ، والمصادر الجمة التي ذكرتها لكم من الأحاديث النبوية الشريفة التي صدرت عنه (ص) في الموضوع والظاهر أنك صرت مصداق المثل المعروف : ” كلام الليل يمحوه النار ” .
النواب : نرجوكم تزويدنا بالأحاديث النبوية في هذا الباب ، فإن أحسن الحديث حديث رسول الله (ص) .
قلت : لا أدري هل نقلت لكم رواية ابن عباس في هذا الباب ، أم لا ؟ فقد روى العلامة الكنجي فقيه الحرمين ، ومفتي العراقين ، محدث الشام وصدر الحفاظ أبو عبد الله محمد بن يوسف القرشي ، الشهير بالعلامة الكنجي الشافعي ، صاحب كتاب كفاية الطالب نقل في الباب العاشر / بسنده المتصل بيعقوب بن جعفر بن سليمان قال : حدثنا أبي عن أبيه قال : كنت مع أبي ، عبد الله بن عباس و سعيد بن جبير يقوده ، فمر على صفة زمزم فإذا قوم من أهل الشام يشتمون علي بن أبي طالب عليه السلام ! فقال لسعيد: ردني إليهم ، فوقف عليهم ، فقال : أيكم الساب لله عز و جل ؟ فقالوا : سبحان الله ما فينا أحد سب الله ، فقال : أيكم الساب رسول الله (ص)؟ قالوا : ما فينا أحد سب رسول الله (ص) . قال : فأيكم الساب علي بن أبي طالب (ع) ؟ فقالوا : أما هذا فقد كان !! قال : فأشهد على رسول الله (ص) سمعته أذناي و وعاه قلبي يقول لعلي بن أبي طالب : من سبك فقد سبني و من سبني فقد سب الله و من سب الله أكبه الله على منخريه في النار(10).
لا يبغض عليا إلا كافر أو منافق
روى غفير من أعلامكم وعلمائكم عن النبي (ص) أنه قال : لا يحب عليا إلا مؤمن ، ولا يبغضه إلا منافق . خرجه كثير من محدثيكم وعلمائكم الكبار منهم :
جلال الدين السيوطي في الدر المنثور ، والثعلبي في تفسيره ، والعلامة الهمداني في مودة القربى ، وأحمد بن حنبل في المسند ، وابن حجر في الصواعق ، والخوارزمي في المناقب ، والعلامة ابن المغازلي في المناقب ، والحافظ القندوزي في الينابيع ، وابن أبي الحديد في شرح النهج ، والطبراني في الأوسط ، والمحب الطبري في ذخائر العقبي ، والنسائي في الخصائص ، والعلامة الكنجي الشافعي في كفاية الطالب ، ومحمد بن طلحة في مطالب السئول ، وسبط ابن الجوزي في تذكرة الخواص ، وابن الصباغ المالكي في الفصول المهمة ، وغير هؤلاء جمع خرجوا هذا الحديث بإسنادهم وبطرق شتى حتى كاد أن يصل حد التواتر ، ومن الواضح أن مصير الكافر والمنافق إلى النار والسعير . وأنقل لكم بالناسبة ما رواه العلامة الكنجي الشافعي في آخر الباب الثالث كفاية الطالب : بسنده المتصل بموسى بن طريف عن عباية عن علي بن أبي طالب قال : أنا قسيم النار يوم القيامة ، أقول : خذي ذا وذري ذا . هكذا رواه الحافظ أبو القاسم الدمشقي في تاريخه ، ورواه غير مرفوعا إلى النبي (ص) .
ثم قال العلامة الكنجي : فإن قيل هذا سند ضعيف ، قلت : قال محمد بن منصور الطوسي كنا عند أحمد بن حنبل فقال له رجل : يا أبا عبد الله ما تقول في هذا الحديث الذي يروى أن عليا قال : أنا قسيم النار . فقال أحمد : وما تنكرون من هذا الحديث ! أليس روينا أن النبي (ص) قال لعلي : لا يحبك إلا مؤمن ولا يبغضك إلا منافق ؟ قلنا : بلى ، قال : فأين المؤمن ؟ قلنا في الجنة ، قال فأين المنافق ؟ قلنا في النار . قال فعلي قسيم النار ، هكذا ذكره في طبقات أحمد رحمه الله .
وقال الله سبحانه : ( إِنَّ الْمُنافِقِينَ فِي الدَّرْكِ الأَْسْفَلِ مِنَ النَّارِ وَ لَنْ تَجِدَ لَهُمْ نَصِيراً )(11).
فمعاوية وأصحابه وأنصاره من أهل جهنم لا محالة ، بل هم في الدرك الأسفل من النار .
الشيخ عبد السلام : نحن لا ننكر هذه الأخبار والأحاديث الواردة في حق سيدنا علي كرم الله وجهه ، ولكن الصحابة مستثنون لأن الله سبحانه غفر لهن وأعد لهم جنات النعيم كما عاودهم في آيات من الذكر الحكيم . ولا ينكر أن معاوية (رض) كان من الصحابة المقربين لرسول الله (ص) . فيجب احترامه لصحبته للنبي (ص) ولقربه منه .
(1) سورة الأسراء ، الآية 60 .
(2) سورة محمد ، الآية 22 و23 .
(3) سورة الاحزاب ، الآية 57 .
(4) سورة غافر ، الآية 52 .
(5) سورة هود ، الآية 18 .
(6) سورة الأعراف ، الآية 44 .
(7) سورة النساء ، الآية 93 .
(8) ما كانت غارة بسر بن أرطاة الظالم السفاك هي الوحيدة من نوعها ، بل يحدث التاريخ عن أمثالها ، وقعت بأمر معاوية ، قال ابن الحديد في شرح النهج ج2/85 ط دار احياء التراث العربي : (غارة سفيان بن عوف الغامدي على الأنبار)
روى إبراهيم بن محمد بن سعيد بن هلال الثقفي في كتاب “الغارات” عن أبي الكنود قال حدثني سفيان بن عوف الغامدي قال :دعاني معاوية فقال إني باعثك في جيش كثيف ذي أداة و جلادة فالزم لي جانب الفرات حتى تمر بهيت فتقطعها فإن وجدت بها جندا فأغر عليهم و إلا فامض حتى تغير على الأنبار فإن لم تجد بها جندا فامض حتى توغل في المدائن ثم أقبل إلي و اتق أن تقرب الكوفة و اعلم أنك إن أغرت على أهل الأنبار و أهل المدائن فكأنك أغرت على الكوفة إن هذه الغارات يا سفيان على أهل العراق ترعب قلوبهم و تفرح كل من له فينا هوى منهم و تدعو إلينا كل من خاف الدوائر فاقتل من لقيته ممن ليس هو على مثل رأيك و أخرب كل ما مررت به من القرى و احرب الأموال فإن حرب الأموال شبيه بالقتل و هو أوجع للقلب !
أقول : وامتثل سفيان عليه اللعنة أوامر معاوية وقتل ونهب ما نهب ، ورجع الى الشام فاستقبله معاوية بالفرح والسرور ورحب به وحباه أعظم حباء ، فقد نقل ابن أبي الحديد في شرح ‏نهج ‏البلاغة ج2/87 قال :
فو الله ما غزوت غزاة كانت أسلم و لا أقر للعيون و لا أسر للنفوس منها و بلغني و الله أنها أرعبت الناس فلما عدت إلى معاوية حدثته الحديث على وجهه فقال كنت عند ظني بك لا تنزل في بلد من بلداني إلا قضيت فيه مثل ما يقضي فيه أميره و إن أحببت توليته وليتك و ليس لأحد من خلق الله عليك أمر دوني.
فانظر أيها القارئ الكريم الى الجملة الاخيرة كيف يسلط معاوية الطاغي هذا الظالم الباغي على خلق الله ويبسط يده ليفعل ما يشاء بلا مانع ولا رادع ، فإنا لله وإنا إليه راجعون .
غارة الضحاك بن قيس الفهري
وفي شرح ‏نهج ‏البلاغة ج2/116، ط دار احياء التراث العربي ، قال إبراهيم بن هلال الثقفي : فعند ذلك دعا معاوية الضحاك بن قيس الفهري و قال له : سر حتى تمر بناحية الكوفة و ترتفع عنها ما استطعت فمن وجدته من الأعراب في طاعة علي فأغر عليه و إن وجدت له مسلحة أو خيلا فأغر عليها و إذا أصبحت في بلدة فأمس في أخرى …
فأقبل الضحاك فنهب الأموال و قتل من لقي من الأعراب حتى مر بالثعلبية فأغار على الحاج فأخذ أمتعتهم ثم أقبل فلقي عمرو بن عميس بن مسعود الهذلي و هو ابن أخي عبد الله بن مسعود صاحب رسول الله ص فقتله في طريق الحاج عند القطقطانة و قتل معه ناسا من أصحابه.
أقول : هكذا سلب معاوية وأعوانه وعامله ، الأمن والأمان من المؤمنين ، فشهروا السلاح وقطعوا الطريق وحاربوا المسلمين فأراقوا دماءهم ونهبوا أموالهم ، وسعوا في الأرض فسادا ، فلعنة الله عليهم وعلى جميع الظالمين والمفسدين ولعن الله كل من رضي بأفعالهم ، الى قيام يوم الدين . ” المترجم ” .
(9) سورة البقرة ، الآية 42 .
(10) رواه جماعة من الأعلام وعلماء العامة باسنادهم عن ابن عباس منهم العلامة الحافظ الفقيه ابن المغازلي في كتابه مناقب الامام علي حديث رقم /447 وأخرجه المحب الطبري في الرياض النضرة:ج2/166، من طريق الملا في سيرته ، وهكذا اخرجه الموفق الخوارزمي في المناقب : ص81 والعلامة الزرندي في نظم درر السمطين : 105 .
(11) سورة النساء ، الآية 145

احراق المصاحف

– الخدعة – صالح الورداني ص 189 :

القرآن لو لا إحراق المصاحف من قبل عثمان ما قامت لبني أمية قائمة

– ص 191 –

أوقفتني الكثير من النصوص القرآنية وحار فيها عقلي ولم أجد بين صفحات كتب التفسير ما يقضي على هذه الحيرة ويحقق لي الطمأنينة وعلى رأس هذه النصوص التي استوقفتني قوله تعالى ( إنما يريد الله ليذهب عنكم الرجس أهل البيت ويطهركم

تطهيرا ) إذ وجدت هذا النص قد حشر وسط آيات خاصة بنساء النبي في سورة الأحزاب وهذا يعني التمويه على حقيقة أهل البيت ويدعم موقف أهل السنة الذي ينص على أن نساء النبي من أهل البيت . . وهو من جهة أخرى يثير الشك إذ أن القرآن

قد ذكر بعض نساء النبي بالذم في سورة التحريم وهذا يشير إلى أنهن لسن المقصودات بآية التطهير . وأن الآية تقصد فئة أخرى .

من هنا بدأت رحلة الشك في ترتيب القرآن وتدوينه والتي قام بها بعض الصحابة بهدف التمويه على مكانة آل البيت ( ع ) ودورهم .

وتبنى أهل السنة من بعد هذا القرآن على هذا النحو مما أتاح الفرصة للرجال ليفسروا آيات القرآن على هواهم خاصة تلك التي تتعلق بآل البيت ( ع ) . . من هنا كانت قراءاتي في تاريخ القرآن أحد العوامل التي أدت بي إلى الشك في الأطروحة السنية . فمن ثم أنا أقدم هنا خلاصة بحثي حول هذا الأمر . .

 – جمع القرآن :

كانت هناك عدة مصاحف منتشرة بين الصحابة منذ عهد الرسول ( صلى الله عليه وآله وسلم ) وحتى عهد عثمان . ولم يكن أحد من الصحابة أو الخليفة الأول

– ص 192 –

والثاني قد أبدى أية اعتراضات على هذه المصاحف حتى جاء عثمان فأصدر أمره بحرق هذه المصاحف وإلزام الأمة بمصحفه . .

والسؤال الذي يطرح نفسه هنا :

 لماذا أقدم عثمان على هذا العمل ؟ . .

 هل فعل هذا حسما للخلاف وحفاظا على وحدة الأمة ؟ . .

لو سلمنا بهذا فإن هذا يعني أن الخلاف كان واقعا من قبل عثمان . وأن أبا بكر أو عمر لم يتحرك أي منهما لحسمه . إلا أن الأمر على ما يبدو يشير إلى دلالات أخرى .

والمشهور عند القوم أن عثمان جمع المسلمين على قراءة واحدة للقرآن ومنع القراءات الأخرى . . لكن هذا التفسير لا يحسم القضية إذ أن القراءات السبع للقرآن وردت فيها أحاديث صحيحة عند القوم والجميع يلتزم بهذه القراءات إلى يومنا هذا .

فإذا كان عثمان قد منع القراءات الأخرى وألزم الأمة بقراءة واحدة . فلماذا بقيت هذه القراءات حتى اليوم ؟ وألا يعتبر عمله هذا مخالفا لقول الرسول ( صلى الله عليه وآله وسلم ) : أنزل القرآن على سبعة أحرف فاقرأوا ما تيسر منه ( 1 ) . .

وإذا كان الهدف من القراءات هو التيسير على الأمة . فما الذي يدعو إلى الخلاف في ذلك حتى يضطر عثمان إلى إلغاء القراءات ؟ . .

إلا أن هناك شبهة تثار حول مسألة القراءات وهي إذا كان الرسول قد أباح قراءة القرآن على أحرف مختلفة فإن هذا يبرر عدم وقوع الخلاف وما دام قد وقع الخلاف فإن هذا يؤكد على أن مسألة القراءات مسألة اجتهادية لا نص فيها . . والحق أن هناك طعنا واضحا في الأحاديث الواردة بشأن القراءات من حيث السند ومن حيث المتن .

وهناك خلاف واضح بين أهل التفسير حول القراءات : هل هي توقيفية ؟ أم اختيارية ؟ وهذا الخلاف يدل على عدم وجود نص فيها ( 2 ) . . ومن هنا يمكن القول أن مسألة القراءات لم تكن هي الدافع الذي أدى بعثمان إلى حرق المصاحف وإنما هناك سبب آخر .

لقد دفعت بي هذه الشبهة إلى العودة للوراء لدراسة عملية جمع القرآن في عهد أبي بكر فقد دلت الروايات أن عمر هو الذي دفع بأبي بكر إلى جمع القرآن . .

* هامش *

( 1 ) أنظر البخاري كتاب فضائل القرآن . باب أنزل القرآن على سبعة أحرف .
( 2 )
أنظر فتح الباري شرح البخاري ( ج 9 / 23 ) وما بعدها .

– ص 193 –

يروي البخاري أن عمر قال لأبي بكر : إن القتل قد استحر يوم اليمامة بقراء القرآن . وإني أخشى أن يستحر القتل بالقراء بالمواطن فيذهب كثير من القرآن . وإني أرى أن تأمر بجمع القرآن . قلت لعمر : كيف نفعل شيئا لم يفعله رسول الله ؟ قال عمر : هذا والله خير . فلم يزل عمر يراجعني حتى شرح الله صدري لذلك ورأيت في ذلك الذي رأى عمر ( 3 ) . .

وهذه الرواية نخرج منها بالملاحظات التالية :

 – أن الرسول ترك الأمة والقرآن في صدور الرجال . .

 – أن القرآن مهدد بالضياع بسبب معركة اليمامة . .

 – أن أبا بكر لم يكن يعنيه هذا الأمر . .

 – أن عمر ذكره بأهميته وضرورته . .

 – أن أبا بكر احتج بأن الرسول لم يفعل ذلك . .

 – أن عمر أكثر من الالحاح عليه في هذا الأمر . .

ومثل هذه الملاحظات إنما تؤكد شيئا واحدا هو أن الرسول قصر في مهمته وترك القرآن مشتتا بين صدور الرجال مما يهدد بضياعه . وهذا يعني اتهام الرسول بالإهمال . .

لكن تقصي الروايات الواردة على لسان الرسول عن القرآن تكشف لنا أن القرآن كان موجودا ومجموعا في عهده وأن هناك عددا من مشاهير الصحابة كانوا من كتاب الوحي منهم الإمام علي وأن هناك الكثير من النصوص التي جاءت عن الرسول تحض الأمة على ضرورة التمسك بالقرآن والإكثار من قراءته والعناية به ( 4 ) . .

وإذا ما صح هذا التفسير فإن هذا يعني نفي شبهة التقصير والاهمال عن الرسول ( صلى الله عليه وآله وسلم ) وظهور شبهة أخرى تتعلق بموقف أبي بكر وعمر من القرآن .

فإذا كان القرآن مجموعا وموجودا فلماذا أصر عمر على جمعه متحججا بوقعة اليمامة وملحا على ذلك ؟ . . إن عدم حماسة أبو بكر لهذا الأمر تدل على أن المراد بالجمع شئ آخر . فلو

* هامش *

( 3 ) البخاري كتاب فضائل القرآن . باب جمع القرآن .
( 4 )
من هذه النصوص قول الرسول ( صلى الله عليه وآله وسلم ) : ( تعاهدوا القرآن ) . . وقوله : ( خيركم من تعلم القرآن وعلمه )
وقوله لابن عمر : ( في كم تقرأ القرآن ) . . وقوله : ( اقرؤا القرآن ) . . أنظر البخاري . وتأمل حديث الثقلين : كتاب الله وعترتي .

– ص 194 –

كانت المسألة تتعلق بمستقبل الكتاب الذي ورثه الرسول ما تردد أبو بكر لحظة واحدة فهذه مسألة لا تحتاج إلى تردد كما لا تحتاج إلى تذكير من أحد فضلا عن الالحاح . إلا أن ما يبدو أن هذا الجمع كان وراءه هدف آخر . .

ولا يعقل أن يقوم أبو بكر بتكليف زيد بن ثابت بقوله : إنك رجل شاب عاقل لا نتهمك وقد كنت تكتب الوحي لرسول الله      ( صلى الله عليه وآله وسلم ) فتتبع القرآن فاجمعه . . فتتبعت القرآن أجمعه من العسب واللخاف وصدور الرجال حتى

وجدت آخر سورة التوبة مع أبي خزيمة الأنصاري لم أجدها مع أحد غيره . . فكانت الصحف عند أبي بكر حتى توفاه الله . ثم عند عمر حياته ثم عند حفصة بنت عمر ( 5 ) .

لا شك أن مثل هذه الطريقة في جمع القرآن تثير الشك من حوله وتدفع إلى القول بتحريفه وهي لا بد وأن ينتج عنها نسيان شئ من آياته أو تبديل آية مكان آية . فإنما المتصدي للجمع هو بشر . وقد دفعهم هذا إلى ضرورة وجود شاهدين لإثبات صحة الآية ( 6 ) . .

وبالتأمل في كيفية الجمع يمكن الخروج بالنتائج التالية :

 – أن متتبع القرآن هو زيد وحده . .

 – أن آيات القرآن كانت متفرقة بين العسب واللخاف وصدور الرجال . .

 – أن آخر سورة التوبة كانت في حوزة خزيمة وحده . .

 – أن القرآن بعد جمعه استقر عند أبي بكر ثم عمر ثم حفصة . .

وأمام هذه النتائج تطرح التساؤلات الآتية :

 هل يكفي زيد وحده للقيام بمهمة جمع القرآن ؟ .

 ولماذا لم يقم أبو بكر أو عمر بهذه المهمة ؟ .

 وما هو سر تواجد آخر آيات التوبة بحوزة خزيمة وحده ؟ .

 هل هذا يعني أن القرآن كانت توزع آياته على الصحابة بحيث تكون هناك آية عند صحابي لا توجد عند آخر ؟ .

 وأين ما حفظ أبو بكر وعمر من هذا القرآن ؟ .

* هامش *

( 5 ) أنظر البخاري كتاب فضائل القرآن . باب جمع القرآن .
( 6 )
كان أبو بكر وعثمان يستشهدان شاهدين على الآيات المختلف عليها في القرآن أنظر فتح الباري ( ج 9 ) كتاب فضائل القرآن .

– ص 195 –

 ولماذا احتفظ أبو بكر بالقرآن عنده بعد جمعه ولم ينشره في الأمة ؟ . .

 ولماذا سار عمر على نفس السياسة ؟ .

 وما قيمة أن يستقر المصحف في النهاية عند حفصة ؟ .

 ثم أين دور الإمام علي في كل هذا وقد كان من كتاب الوحي ؟ .

إن تبني هذه الرواية يعني أن الجمع لم يكن الهدف منه الحفاظ على القرآن ونشره بين المسلمين فذلك لم يحدث .

فالأمة لم تستفد من هذا الجهد الذي بذل في الجمع ولم تر هذا المصحف ومثل هذا الموقف كان من الممكن أن يدفع بالمسلمين من الصحابة وغيرهم إلى الثورة والصدام مع أبي بكر لاحتكاره القرآن بعد جمعه .

إلا أن شيئا من هذا لم يحدث . والسبب في ذلك واضح وضوح الشمس وهو أن القرآن كان موجودا أو مجموعا عند كثير من الصحابة . . إذن الفهم الوحيد الذي يمكن استنباطه من هذه الرواية هو أن الجمع الذي قام به أبو بكر كان جمعا خاصا به وبنهجه ولم يكن جمعا عاما للأمة . . وكان لا بد من هذا المدخل لفهم حقيقة الدور الذي لعبه عثمان تجاه القرآن . .

يروي فقهاء القوم أن عثمان لما أراد جمع القرآن أرسل إلى حفصة أن أرسلي إلينا بالصحف ثم نردها إليك فأرسلت بها حفصة إلى عثمان ( 7 ) . .

وفي رواية : فأرسل إليها عثمان فأبت أن تدفعها حتى عاهدها ليردنها إليها ( 8 ) . .

والسؤال الذي يطرح نفسه هنا :

 لماذا أرسل عثمان يأخذ مصحف حفصة .

 هل هذا يعني أنه لا توجد مصاحف سواه بالمدينة ؟

 وإذا كان هو المصحف الوحيد فمن أين جاءت المصاحف الأخرى التي انتشرت في الأمصار ؟

 ولماذا رفضت حفصة أن تدفعه إليه إلا بميثاق ؟

إن وجود مصاحف الأمصار يدل على وجود مصاحف أخرى بالمدينة فهي التي خرجت منها المصاحف للأمصار .

وهذا يشير إلى أن الصحابة كانت لديهم مصاحفهم الخاصة بهم والتي أخذوها عن الرسول ( صلى الله عليه وآله وسلم ) ) . . ومن هنا يتبين لنا أن هناك مصاحف أخرى غير المصحف الذي بحوزة حفصة .

* هامش *

( 7 ) المرجع السابق .
( 8 )
أنظر كتاب تاريخ القرآن للزنجاني وعبد الصبور شاهين وكتب تاريخ القرآن .

– ص 196 –

لم يتجه إليها عثمان واتجه إلى مصحف حفصة خاصة . . ثم لما أتم عثمان نسخ صورة من مصحف حفصة رد الصحف إليها وأرسل إلى كل أفق بمصحف مما نسخ رجاله وأمر بما سواه من القرآن في صحيفة أو مصحف أن يحرق ( 9 ) . .

وبهذا يكون ما أقدم عليه عثمان هو جمع الأمة على مصحف حفصة الذي قام بجمعه أبو بكر والتخلص من المصاحف الأخرى التي بحوزة الصحابة . .

وهنا يطرح سؤال :

ماذا كان من المصاحف الصحابة استفز عثمان ودفعه إلى إحراقها ؟

إن الإجابة على هذا السؤال تدعونا إلى استعراض مصاحف الصحابة .

* هامش *

( 9 ) أنظر فتح الباري ( ج 9 ) والمراجع السابقة .

جامع بني اميه الكبير بدمشق



جامع بني أمية في دمشق هو أكمل وأقدم آبدة إسلامية مازالت محافظة على أصولها، منذ عصر مُنْشِئها الوليد بن عبد الملك الخليفة المصلح الذي حكم من 86-96هـ/705-715م وخلال حكمه كان منصرفاً إلى الإعمار والإنشاء، وكان بناء الجامع من أكثر الأمور أهمية عنده، ولقد استعان في عمارته بالمعماريين والمزخرفين من أهل الشام، ممن كان لهم الفضل في بناء كثير من المباني في دمشق، ولعل منهم من مضى إلى المدينة المنورة في أيام الوالي عمر بن عبد العزيز، وبأمر من الوليد لإعادة بناء مسجد الرسول على طراز الجامع الكبير في دمشق.


تاريخ الجامع
أُقيم الجامع الأموي في دمشق بشكل مؤقت، بعد فتح بلاد الشام، في الجهة الشرقية الجنوبية من أطلال المعبد الروماني الذي أُنشئ في القرن الأول الميلادي، وأُنشئ في جدار هذا المعبد أول محراب في الإسلام، مازال قائماً صلى فيه الصحابة مع خالد بن الوليد وأبي عبيدة الجراح، القائدين اللذين فتحا دمشق، الأول عنوة، والثاني صلحاً، وأعطى خالد سكان البلاد عهده بالحفاظ على ممتلكاتهم ومعابدهم ومساكنهم.
وفي عصر معاوية بن أبي سفيان؛ والياً ثم أول خليفة أموي، كان يصلي في هذا المسجد المؤقت، يدخل إليه من الباب القبلي الروماني، ولايزال قائماً في جدار القبلة.
وكان معاوية قد أنشأ لنفسه قصر الخضراء المتاخم لهذا الجدار، وقد أنشأ معاوية في المسجد مقصورة خاصة به، هي أول مقصورة في الإسلام.
إثر زلزال عنيف أتى على المعبد لم يبق قائماً إلا الهيكل الذي يقع في منتصف فناء واسع محاط بجدار مرتفع تخترقه أربعة أبواب من الجهات الأربع، وكانت كلها أطلالاً. وكان يحيطها سور آخر معمّد، حيث استعمل المسيحيون من سكان دمشق هذا الهيكل كنيسة، وكانوا يدخلون من الباب ذاته الذي أصبح يدخل منه المسلمون إلى مسجدهم في الشرق.
ولم يكن من السهل أن يبقى المسلمون في عاصمتهم التي أصبحت تحكم أوسع دولة، وأن يكون مسجدهم مؤقتاً في دمشق وفي القدس. فقام عبد الملك بن مروان بإنشاء مسجد قبة الصخرة، وباشر بإنشاء المسجد الأقصى في المكان الذي صلى فيه عمر بن الخطاب رضي الله عنه، عندما جاء إلى القدس .

مخازي بني امية

يزيد ين معاوية كان يشرب الخمر ويلعب بالقرود

الخليفة الثانى من بنى أمية : يزيد ين معاوية كان يشرب الخمر ويلعب بالقرود

وقد بويع  يزيد بن معاوية الخلافة بعد موت أبيه معاوية في شهر رجب سنة ستين فكانت خلافته ثلاث سنين وسبعة أشهر وأيامًا وكان فاسقًا قليل الدين مدمن الخمر وقد قال عن الخمر‏ :‏ الطويل أقول لصحبٍ ضمت الكأس شملهم وداعي صبابات الهوى يترنم خنوا بنصيبٍ من نعيم ولذةٍ فكل وإن طال المدى يتصرم

وقال ابن كثير:اشتهر يزيد بالمعازف وشرب الخمور, والغناء والصيد واتخاذ القيان والكلاب, والنطاح بين الأكباش والدباب والقرود, وما من يوم إلا ويصبح فيه مخمورا. وكان يشد القرد على فرس مسرجة بحبال ويسوق به, ويلبس القرد قلانس الذهب وكذلك الغلمان, وكان يسابق بين الخيل وكان إذا مات القرد حزن عليه وقيل إن سبب موته أنه حمل قردة وجعل ينقزها فعضته).

يقول ابن كثير ان الخليفة يزيدا هذا(كان فاسقا)؛ فهو القائل: لعـــبت هـــاشـــم بالملــــك ** ** فلا ملك جاء ولا وحي نزل
وقال ابن كثير عن يزيد أيضا:(وكان فيه أيضا إقبال على الشهوات وترك بعض الصلوات, في بعض الأوقات, وإماتتها في غالب الأوقات).
ويذكر اليعقوبي أنه لما أراد معاوية أن يأخذ البيعة ليزيد من الناس, طلب من زياد[بن أبيه] أن يأخذ بيعة المسلمين في البصرة, فكان جواب زياد: ما يقول الناس إذا دعوناهم إلى بيعة يزيد وهو يلعب بالكلاب والقرود, ويلبس المصبغات, ويدمن الشراب, ويمشى على الدفوف.
ويذكر ابن الأثير أن معاوية أرسل يزيد إلى الحجل[أو أخذه معه] فجلس يزيد بالمدينة على شراب فاستأذن عليه عبد الله بن العباس والحسين بن علي فأمر بشرابه فرفع وقيل له: إن ابن عباس إن وجد ريح شرابك عرفه, فحجبه وأذن للحسين, فلما دخل وجد رائحة الشراب مع الطيب, فقال: ما هذا يا ابن معاوية؟ فقال: يا أبا عبد الله هذا طيب يصنع لنا بالشام, ثم دعا بقدح آخر, فقال: اسق أبا عبد الله يا غلام. فقال الحسين: عليك شرابك أيها المرء.
فقال يزيد:
ألا يا صـــــاح للعجــب ** ** دعـــــوتك ثــم لم تجب
إلـــــى القيــنات واللذا ت ** **  والصهباء والطرب
وباطيـــــة مكلـــــلـــــة ** ** عليهـــــا سادة العرب
وفيهـــــن التـــي تبـلت ** **  فـــــؤادك ثــــم لم تتب


فوثب عليه الحسين, فقال: بل فؤادك يا ابن معاوية تبلت.
(وحج معاوية وحاول أن يأخذ البيعة[ليزيد] من أهل مكة والمدينة فأبى عبد الله بن عمر, وقال: نبايع من يلعب بالقرود والكلاب ويشرب الخمر ويظهر الفسوق, ما حجتنا عند الله؟
وقال ابن الزبير: لا طاعة لمخلوق في معصية الخالق, وقد أفسد علينا ديننا).
ويروى ابن قتيبة أن الحسين قال لمعاوية:(قد دل يزيد من نفسه على موقع رأيه, فخذ ليزيد في ما أخذ من استقرائه الكلاب المهارش عند التحارش, والحمام السبق لاترابهن, والقينات ذوات المعازف, وضروب الملاهي, تجده ناصرا, ودع عنك ما تحاول).


ويقول البلاذري: (كان يزيد بن معاوية أول من أظهر شرب الشراب والاستهتار بالغناء والصيد واتخاذ القيان والغلمان والتفكه بما يضحك منه المترفون من القرود والمعافرة بالكلاب والديكة).
ويحكي البلاذري عن قرد ليزيد يدعى أبا قيس فيقول:(كان ليزيد بن معاوية قرد يجعله بين يديه ويكنيه أبا قيس, ويقول: هذا شيخ من بني اسرائيل أصاب خطيئة فمسخ وكان يسقيه النبيذ ويضحك مما يصنع, وكان يحمله على أتان وحشية ويرسلها مع الخيل فيسبقها, فحمله يوما وجعل يقول:
تمسك أبا قيس بفضل عنانها** **  فليس عليها إن سقطت ضمان
ألا من رأى القرد الذي سبقت به جياد أمير المؤمنين أتان)
وقد قال أحد الشعراء عن يزيد:
يزيد صديق القرد مل جوارنا ** ** فحن إلى أرض القرود يزيد
فتباً لمن أمسى علينا خليفـة ** ** صحـــابته الأدنون منه قرود


وقال البلاذري إن سبب وفاة يزيد أنه حمل قردة على الأتان وهو سكران ثم ركض خلفها فسقط فاندقت عنقه أو انقطع في جوفه شيء.
قرد آخر ليزيد, اسمه أبو خلف, قال عنه البلاذري:(خرج يزيد يتصيد بحوارين وهو سكران, فركب وبين يديه أتان وحشية قد حمل عليها قردا, وجعل يركض الأتان, ويقول:
أبا خلف احتل لنفسك حيلة فليس عليها إن هلكت ضمان).
لكن أبا سمير هو القرد الذي احتل أرفع مكانة في قلب (أمير المؤمنين) يزيد إلى درجة أنه حين مات (القرد طبعا) أمر الخليفة (أمير المؤمنين) بغسله وتكفينه والصلاة عليه ودفنه في مقابر المسلمين.
وقد قيل‏:‏ إن رجلًا قال في مجلس عمر بن عبد العزيز عن يزيد هذا أمير المؤمنين فقال له عمر بن عبد العزيز‏:‏ تقول‏:‏ أمير المؤمنين‏!‏ وأمر به فضرب‏ عشرين سوطًا تعزيرًا له‏.‏

قال ابو بكر الخوارزمى : ولقد كان فى بنى أمية مخازى تذكر ومعائب تؤثر .. كان معاوية قاتل الصحابة والتابعين , وأمه آكلة أكباد الشهداء .

وأبنه (الخليفة الأموى يزيد بن معاوية) يزيد القرود مربى الفهود وهادم الكعبة ومنهب المدينة وقاتل العترة وصاحب يوم الحرة , وبيان ذلك (ووصف ذلك) أنه أرسل جيشاً إلى المدينة فإنتشبت الحرب فى موضع يقال له الحرة فوقع من ذلك الجيش ما هو مشهور من القتل والفساد وإباحة المدينة , حتى فض ثلثمائة بكر وقتل من الصحابة نحو ذلك وممن قرأ القرآن نحو 700 نفس و 4000 غيرهم , وأبيحت المدينة أياماً وبطلت الجماعة من المسجد المحمدى أياماً وأختفت أهل المدينة فلم يمكن احد دخول مسجدها حتى دخلته الكلاب والذئاب وبالت على منبر محمد , ثم قصدوا الكعبة ورموها بالمنجنيق وأحرقوها بالنار ”

وقال المسعودى : ” كان يزيد (الخليفة الأموى يزيد بن معاوية) صاحب طرب وجوارح وكلاب وقرود وفهود ومنادمة على الشراب والفسق , وأنه قتل أبن بنت محمد وأنصاره , وذمه أبنه معاوية بعد وفاته وغلب (أكثروا) على أصحاب يزيد وعماله ما كان يفعله من الفسوق , وفى أيامه ظهر الغناء فى مكة والمدينة وأستعملت الملاهى وأظهر الناس شرب الشراب , وكان له قرد يكنى (أسمه) بأبى القيس يحضره مجلس منادمته وكان قرداً خبيثاً .. ألخ

ومروان بن عبد الحكم : قال فيه النبى : هو الوزغ أبن الوزغ الملعون أبن الملعون , وقال عنهم : يترفهون فى الدنيا ويضيعون فى الاخرة , ذو مكر وخديعة , يعطون فى الدنيا ومالهم فى ألآخرة من خلاق , وقتلته زوجته ,  وبيان ذلك (وصف ذلك) أن الخليفة مروان أخذ البيعة لنفسه ولخالد بن يزيد بعده ثم بدا له غير ذلك فجعلها لأبنه عبد العزيز فدخل عليه خالد ابن يزيد فكلمه وأغلظ له فغضب من ذلك وقال له : ” أتكلمنى يا ابن الرطبة ” وكان مروان قد تزوج بأمه فأخته ليذله بذلك ويضع منه فإشتكى لأمه فقتلته بالسم .

والخليفة عبد الملك بن مروان جاءته الخلافة وهو يقرأ فى المصحف فطبقة وقال : ” سلام عليك هذا فراق بينى وبينك ” وهو قتل أخاه .

الخليفة يزيد كما وصفه أبن كثير

ولما مات يزيد هذا ولي الخلافة من بعده ابنه معاوية بن يزيد بن معاوية بن أبي سفيان ثالث خلفاء بني أمة وكان رجلًا صالحًا فلم يرد الخلافة وخلع نفسه منها ومات بعد قليل‏.‏

خلافة معاوية بن يزيد بن معاوية بن أبي سفيان الأموي ثالث خلفاء بني أمية ووفاته كنيته أبو عبد الرحمن ويقال‏:‏ أبو يزيد‏.‏
بويع الخلافة بعد موت أبيه يزيد بعهد منه إليه وذلك في شهر ربيع الأول من سنة أربع وستين وكان مولده سنة ثلاث وأربعين فلم تطل مدته في الخلافة‏.‏
قال أبو حفص الفلاس‏:‏ ملك أربعين ليلة ثم خلع نفسه فإنه كان رجلًا صالحًا ولهذا يقال في حق أبيه‏:‏ يزيد شر بين خيرين يعنون بذلك بين أبيه معاوية بن أبي سفيان وابنه معاوية هذا‏.‏
وقيل‏:‏ إن معاوية هذا لما أراد خلع نفسه جمع الناس وقال‏:‏ أيها الناس ضعفت عن أمركم فاختاروا من أحببتم فقالوا‏:‏ ول أخاك خالدًا‏.‏
فقال‏:‏ والله ما ذقت حلاوة خلافتكم فلا أتقلد وزرها‏.‏
ثم صعد المنبر فقال‏:‏ أيها الناس إن جدي معاوية نازع الأمر أهله ومن هو أحق به منه لقرابته من رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو علي بن أبي طالب وركب بكم ما تعلمون حتى أتته منيته فصار في قبره رهينًا بذنوبه وأسيرًا بخطاياه ثم قلد أبي الأمر فكان غير أهل لذلك وركب هواه وأخلفه الأمل وقصر عنه الأجل وصار في قبره رهينًا بذنوبه وأسيرًا بجرمه ثم بكى حتى جرت دموعه على خديه ثم قال‏:‏ إن من أعظم الأمور علينا علمنا بسوء مصرعه وبؤس منقلبه وقد قتل عترة رسول الله صلى الله عليه وسلم وأباح الحرم وخرب الكعبة وما أنا بالمتقفد ولا بالمتحمل تبعاتكم فشأنكم أمركم والله لئن كانت الدنيا خيرًا فلقد نلنا منها حظًا ولئن كانت شرًا فكفى ذرية أبي سفيان ما أصابوا منها ألا فليصل بالناس حسان ابن مالك وشاوروا في خلافتكم رحمكم الله‏.‏
ثم دخل منزله وتغيب حتى مات في سنته بعد أيام‏.‏

موت يزيد بن معاوية‏.‏
وكان سبب موته أنه أصابه حجر منجنيق في جانب وجهه فمرض أيامًا ومات‏.‏

هو يزيد بن معاوية بن أبي سفيان بن صخر بن حرب بن أمية بن عبد شمس، أمير المؤمنين أبو خالد الأموي‏.‏
ولد سنة خمس أو ست أو سبع وعشرين، وبويع له بالخلافة في حياة أبيه أن يكون ولي العهد من بعده، ثم أكد ذلك بعد موت أبيه في النصف من رجب سنة ستين، فاستمر متولياً إلى أن توفي في الرابع عشر من ربيع الأول سنة أربع وستين‏.‏
وأمه ميسون بنت مخول بن أنيف بن دلجة بن نفاثة بن عدي بن زهير بن حارثة الكلبي‏.‏
روى عن أبيه معاوية أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال‏:‏ ‏(‏‏(‏من يرد الله به خيراً يفقهه في الدين‏)‏‏)‏‏.‏
وحديثاً آخر في الوضوء‏.‏
وعنه ابنه خالد، وعبد الملك بن مروان، وقد ذكره أبو زرعة الدمشقي في الطبقة التي تلي الصحابة، وهي العليا، وقال‏:‏ له أحاديث، وكان كثير اللحم، عظيم الجسم، كثير الشعر، جميلاً طويلاً، ضخم الهامة، محدد الأصابع غليظها مجدراً‏.‏
وكان أبوه قد طلق أمه وهي حامل به، فرأت أمه في المنام أنه خرج منها قمر من قُبلها، فقصّت رؤياها على أمها فقالت‏:‏ إن صدقت رؤياك لتلدن من يبايع له بالخلافة‏.‏ ‏(‏ج/ص‏:‏ 8/249‏)‏
وجلست أمه ميسون يوماً تمشطه وهو صبي صغير، وأبوه معاوية مع زوجته الحظية عنده في المنظرة، وهي فاختة بنت قرظة، فلما فرغت من مشطه نظرت أمه إليه فأعجبها فقبلته بين عينيه، فقال معاوية عند ذلك‏:‏
إذا مات لم تفلح مزينة بعده * فنوطي عليه يا مزين التمائما
وانطلق يزيد يمشي وفاختة تتبعه بصرها ثم قالت‏:‏ لعن الله سواد ساقي أمك‏.‏
فقال معاوية‏:‏ أما والله إنه لخير من ابنك عبد الله – وهو ولده منها وكان أحمق -‏.‏
فقالت فاختة‏:‏ لا والله لكنك تؤثر هذا عليه‏.‏
فقال‏:‏ سوف أبين لك ذلك حتى تعرفينه قبل أن تقومي من مجلسك هذا، ثم استدعى بابنها عبد الله فقال له‏:‏ إنه قد بدا لي أن أعطيك كل ما تسألني في مجلسي هذا‏.‏
فقال‏:‏ حاجتي أن تشتري لي كلباً فارهاً وحماراً فارهاً‏.‏
فقال‏:‏ يا بني أنت حمار وتشتري لك حماراً‏؟‏ قم فاخرج‏.‏
ثم قال لأمه‏:‏ كيف رأيت‏؟‏
ثم استدعى بيزيد فقال‏:‏ إني قد بدا لي أن أعطيك كل ما تسألني في مجلسي هذا، فسلني ما بدا لك‏.‏
فخر يزيد ساجداً ثم قال حين رفع رأسه‏:‏ الحمد لله الذي بلغ أمير المؤمنين هذه المدة، وأراه فيّ هذا الرأي‏.‏
حاجتي أن تعقد لي العهد من بعدك، وتوليني العام صائفة المسلمين، وتأذن لي في الحج إذا رجعت، وتوليني الموسم، وتزيد أهل الشام عشرة دنانير لكل رجل في عطائه، وتجعل ذلك بشفاعتي، وتعرض لأيتام بني جمح، وأيتام بني سهم، وأيتام بني عدي‏.‏
فقال‏:‏ مالك ولأيتام بني عدي‏؟‏
فقال‏:‏ لأنهم حالفوني وانتقلوا إلى داري‏.‏
فقال معاوية‏:‏ قد فعلت ذلك كله، وقبّل وجهه‏.‏
ثم قال لفاختة بنت قرظة‏:‏ كيف رأيت‏؟‏
فقالت‏:‏ يا أمير المؤمنين أوصه بي فأنت أعلم به مني، ففعل‏.‏
وفي رواية‏:‏ أن يزيد لما قال له أبوه‏:‏ سلني حاجتك‏.‏
قال له يزيد‏:‏ اعتقني من النار أعتق الله رقبتك منها‏.‏
قال‏:‏ وكيف‏؟‏
قال‏:‏ لأني وجدت في الآثار أنه من تقلد أمر الأمة ثلاثة أيام حرّمه الله على النار، فاعهد إليّ بالأمر من بعدك ففعل‏.‏
وقال العتبي‏:‏ رأى معاوية ابنه يزيد يضرب غلاماً له فقال له‏:‏ اعلم أن الله أقدر عليك منك عليه، سوأة لك ‏!‏‏!‏ أتضرب من لا يستطيع أن يمتنع عليك‏؟‏
والله لقد منعتني القدرة من الانتقام من ذوي الأحن، وإن أحسن من عفا لمن قدر‏.‏
قلت‏:‏ وقد ثبت في ‏(‏الصحيح‏)‏ أن رسول الله صلى الله عليه وسلم رأى أبا مسعود يضرب غلاماً له فقال‏:‏ ‏(‏‏(‏اعلم أبا مسعود لله أقدر عليك منك عليه‏)‏‏)‏‏.‏
قال العتبي‏:‏ وقدم زياد بأموال كثيرة وبسفط مملوء جواهر على معاوية فسرّ بذلك معاوية، فقام زياد فصعد المنبر ثم أفتخر بما يفعله بأرض العراق من تمهيد الممالك لمعاوية‏.‏ ‏(‏ج/ص‏:‏ 8/250‏)‏
فقام يزيد فقال‏:‏ إن تفعل ذلك يا زياد فنحن نقلناك من ولاء ثقيف إلى قريش، ومن القلم إلى المنابر، ومن زياد بن عبيد إلى حرب بني أمية‏.‏
فقال له معاوية‏:‏ اجلس فداك أبي وأمي‏.‏
وعن عطاء بن السائب قال‏:‏ غضب معاوية على ابنه يزيد فهجره‏.‏
فقال له الأحنف بن قيس‏:‏ يا أمير المؤمنين إنما هم أولادنا، ثمار قلوبنا وعماد ظهورنا، ونحن لهم سماء ظليلة، وأرض ذليلة، إن غضبوا فارضهم، وإن طلبوا فأعطهم، ولا تكن عليهم ثقلاً فيملوا حياتك ويتمنوا موتك‏.‏
فقال معاوية‏:‏ لله درك يا أبا بحر، يا غلام ائت يزيد فأقره مني السلام وقل له‏:‏ إن أمير المؤمنين قد أمر لك بمائة ألف درهم، ومائة ثوب‏.‏
فقال يزيد‏:‏ من عند أمير المؤمنين‏؟‏
فقال الأحنف، فقال يزيد‏:‏ لا جرم لأقاسمنه، فبعث إلى الأحنف بخمسين ألفاً وخمسين ثوباً‏.‏
وقال الطبراني‏:‏ حدثنا محمد بن زكريا الغلابي، ثنا ابن عائشة، عن أبيه‏.‏
قال‏:‏ كان يزيد في حداثته صاحب شراب يأخذ مأخذ الأحداث، فأحس معاوية بذلك فأحب أن يعظه في رفق، فقال‏:‏ يا بني ما أقدرك على أن تصل إلى حاجتك من غير تهتك يذهب بمروءتك وقدرك، ويشمت بك عدوك، ويسيء بك صديقك، ثم قال‏:‏ يا بني إني منشدك أبياتاً فتأدب بها واحفظها، فأنشده‏:‏
أنصب نهاراً في طلاب العلا * واصبر على هجر الحبيب القريب
حتى إذا الليل أتى بالدجا * واكتحلت بالغمض عين الرقيب
فباشر الليل بما تشتهي * فإنما الليل نهار الأريب
كم فاسقٍ تحسبه ناسكاً * قد باشر الليل بأمرٍ عجيب
غطى عليه الليل أستاره * فبات في أمنٍ وعيشٍ خصيب
ولذة الأحمق مكشوفةٌ * يسعى بها كل عدوٍ مريب
قلت‏:‏ وهذا كما جاء في الحديث ‏(‏‏(‏من ابتلي بشيء من هذه القاذورات فليستتر بستر الله عز وجل‏)‏‏)‏‏.‏
وروى المدائني‏:‏ أن عبد الله بن عباس وفد إلى معاوية فأمر معاوية ابنه يزيد أن يأتيه فيعزيه في الحسن بن علي، فلما دخل على ابن عباس رحَّب به وأكرمه، وجلس عنده بين يديه، فأراد ابن عباس أن يرفع مجلسه فأبى وقال‏:‏ إنما أجلس مجلس المعزي لا المهني‏.‏
‏(‏ج/ص‏:‏ 8/251‏)‏
ثم ذكر الحسن فقال‏:‏ رحم الله أبا محمد أوسع الرحمة وأفسحها، وأعظم الله أجرك وأحسن عزاك، وعوضك من مصابك ما هو خيرٌ لك ثواباً وخير عقبى‏.‏
فلما نهض يزيد من عنده قال ابن عباس‏:‏ إذا ذهب بنو حرب ذهب علماء الناس، ثم أنشد متمثلاً‏:‏
مغاض عن العوراء لا ينطقوا بها * وأصل وراثات الحلوم الأوائل
وقد كان يزيد أول من غزى مدينة قسطنطينية في سنة و تسع وأربعين في قول يعقوب بن سفيان‏.‏
وقال خليفة بن خياط‏:‏ سنة خمسين‏.‏
ثم حج بالناس في تلك السنة بعد مرجعه من هذه الغزوة من أرض الروم‏.‏
وقد ثبت في الحديث أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال‏:‏ ‏(‏‏(‏أول جيش يغزو مدينة قيصر مغفور لهم‏)‏‏)‏‏.‏
وهو الجيش الثاني الذي رآه رسول الله صلى الله عليه وسلم في منامه عند أم حرام فقالت‏:‏ ادع الله أن يجعلني منهم‏.‏
فقال‏:‏ ‏(‏‏(‏أنت من الأولين‏)‏‏)‏‏.‏
يعني‏:‏ جيش معاوية حين غزا قبرص، ففتحها في سنة سبع وعشرين أيام عثمان بن عفان، وكانت معهم أم حرام فماتت هنالك بقبرص، ثم كان أمير الجيش الثاني ابنه يزيد بن معاوية، ولم تدرك أم حرام جيش يزيد هذا‏.‏
وهذا من أعظم دلائل النبوة‏.‏
وقد أورد الحافظ ابن عساكر ههنا الحديث الذي رواه محاضر، عن الأعمش، عن إبراهيم بن عبيدة، عن عبد الله‏:‏ أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال‏:‏ ‏(‏‏(‏خير الناس قرني ثم الذين يلونهم ثم الذين يلونهم‏)‏‏)‏‏.‏
وكذلك رواه عبد الله بن شفيق عن أبي هريرة، عن النبي صلى الله عليه وسلم مثله‏.‏
ثم أورد من طريق حماد بن سلمة عن أبي محمد، عن زرارة بن أوفى قال‏:‏ القرن عشرون ومائة سنة، فبعث رسول الله صلى الله عليه وسلم في قرن وكان آخره موت يزيد بن معاوية‏.‏
قال‏:‏ قال أبو بكر بن عياش‏:‏ حج بالناس يزيد بن معاوية في سنة إحدى وخمسين وثنتين وخمسين وثلاث خمسين‏.‏
وقال ابن أبي الدنيا‏:‏ حدثنا أبو كريب، ثنا رشد بن عمرو بن الحارث، عن أبي بكير بن الأشج أن معاوية قال ليزيد‏:‏ كيف تراك فاعلاً إن وليت‏؟‏
قال‏:‏ يمتع الله بك يا أمير المؤمنين‏.‏
قال‏:‏ لتخبرني‏.‏
قال‏:‏ كنت والله يا أبة عاملاً فيهم عمل عمر بن الخطاب‏.‏
فقال معاوية‏:‏ سبحان الله يا بنيَّ والله لقد جهدت على سيرة عثمان بن عفان فما أطقتها فكيف بك وسيرة عمر‏؟‏
وقال الواقدي‏:‏ حدثني أبو بكر بن عبد الله بن أبي سبرة، عن مروان بن أبي سعيد بن المعلى‏.‏
‏(‏ج/ص‏:‏ 8/252‏)‏
قال‏:‏ قال معاوية ليزيد وهو يوصيه عند الموت‏:‏ يا يزيد ‏!‏‏!‏ اتق الله فقد وطأت لك هذا الأمر، ووليتُ من ذلك ما وليت، فإن يك خيراً فأنا أسعد به، وإن كان غير ذلك شقيت به‏.‏
فارفق بالناس وأغمض عما بلغك من قول تؤذي به وتنتقص به، وطأ عليه يهنك عيشك، وتصلح لك رعيتك، وإياك والمناقشة وحمل الغضب، فإنك تهلك نفسك ورعيتك، وإياك وخيرة أهل الشرف واستهانتهم والتكبر عليهم، ولنْ لهم ليناً بحيث لا يروا منك ضعفاً ولا خوراً، وأوطئهم فراشك وقربهم إليك وأدنهم منك فإنهم يعلموا لك حقك، ولا تهنهم ولا تستخف بحقهم فيهينوك ويستخفوا بحقك ويقعوا فيك‏.‏
فإذا أردت أمراً فادع أهل السن والتجربة من أهل الخير من المشايخ وأهل التقوى فشاورهم ولا تخالفهم، وإياك والاستبداد برأيك فإن الرأي ليس في صدر واحد، وصدق من أشار عليك إذا حملك على ما تعرف، واخزن ذلك عن نسائك وخدمك؛ وشمر إزارك، وتعاهد جندك، وأصلح نفسك تصلح لك الناس، لا تدع لهم فيك مقالاً فإن الناس سراع إلى الشر‏.‏
واحضر الصلاة، فإنك إذا فعلت ما أوصيك به عرف الناس لك حقك، وعظمت مملكتك، وعظمت في أعين الناس‏.‏
واعرف شرف أهل المدينة ومكة فإنهم أصلك وعشيرتك، واحفظ لأهل الشام شرفهم فإنهم أهل طاعتك، واكتب إلى أهل الأمصار بكتاب تعدهم فيه منك بالمعروف، فإن ذلك يبسط آمالهم، وإن وفد عليك وافد من الكور كلها فأحسن إليهم وأكرمهم فإنهم لمن ورائهم، ولا تسمعن قول قاذف ولا ما حل فإني رأيتهم وزراء سوء‏.‏
ومن وجه آخر أن معاوية قال ليزيد‏:‏ إن لي خليلاً من أهل المدينة فأكرمه‏.‏
قال‏:‏ ومن هو‏؟‏
قال‏:‏ عبد الله بن جعفر‏.‏
فلما وفد بعد موت معاوية على يزيد أضعف جائزته التي كان معاوية يعطيه إياها، وكانت جائزته على معاوية ستمائة ألف، فأعطاه يزيد ألف ألف‏.‏
فقال له‏:‏ بأبي أنت وأمي، فأعطاه ألف ألف أخرى‏.‏
فقال له ابن جعفر‏:‏ والله لا أجمع أبوي لأحد بعدك‏.‏
ولما خرج ابن جعفر من عند يزيد وقد أعطاه ألفي ألف، رأى على باب يزيد بخاتي مبركات قد قدم عليها هدية من خراسان، فرجع عبد الله بن جعفر إلى يزيد فسأله منها ثلاث بخاتي ليركب عليها إلى الحج والعمرة، وإذا وفد إلى الشام على يزيد‏.‏
فقال يزيد للحاجب‏:‏ ما هذه البخاتي التي على الباب‏؟‏ – ولم يكن شعر بها -‏.‏
فقال‏:‏ يا أمير المؤمنين هذه أربعمائة بختية جاءتنا من خراسان تحمل أنواع الألطاف – وكان عليها أنواع من الأموال كلها -‏.‏
فقال‏:‏ اصرفها إلى أبي جعفر بما عليها‏.‏
فكان عبد الله بن جعفر يقول‏:‏ أتلومونني على حسن الرأي في هذا‏؟‏ – يعني‏:‏ يزيد -‏.‏
وقد كان يزيد فيه خصال محمودة من الكرم، والحلم، والفصاحة، والشعر، والشجاعة، وحسن الرأي في الملك‏.‏
وكان ذا جمال حسن المعاشرة، وكان فيه أيضاً إقبال على الشهوات وترك بعض الصلوات في بعض الأوقات، وإماتتها في غالب الأوقات‏.‏
وقد قال الإمام أحمد‏:‏ حدثنا أبو عبد الرحمن، ثنا حيوة، حدثني بشير بن أبي عمرو الخولاني‏:‏ أن الوليد بن قيس حدثه أنه سمع أبا سعيد الخدري يقول‏:‏ سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول‏:‏ ‏(‏‏(‏يكون خلفٌ من بعد ستين سنة أضاعوا الصلاة واتبعوا الشهوات فسوف يلقون غياً، ثم يكون خلف يقرأون القرآن لا يجاوز تراقيهم، ويقرأ القرآن ثلاثة مؤمن ومنافق وفاجر‏)‏‏)‏‏.‏
‏(‏ج/ص‏:‏ 8/253‏)‏
فقلت للوليد‏:‏ ما هؤلاء الثلاثة‏؟‏
قال‏:‏ المنافق كافر به، والفاجر يتأكل به، والمؤمن يؤمن به‏.‏ تفرد به أحمد‏.‏
وقال الحافظ أبو يعلى‏:‏ حدثنا زهير بن حرب، ثنا الفضل بن دكين، ثنا كامل أبو العلاء‏:‏ سمعت أبا صالح سمعت أبا هريرة يقول‏:‏ قال رسول الله صلى الله عليه وسلم‏:‏ ‏(‏‏(‏تعوذوا بالله من سنة سبعين، ومن إمارة الصبيان‏)‏‏)‏‏.‏
وروى الزبير بن بكار، عن عبد الرحمن بن سعيد بن زيد بن عمرو بن نفيل أنه قال في يزيد بن معاوية‏:‏
لست منا وليس خالك منا * يا مضيع الصلوات للشهوات
قال‏:‏ وزعم بعض الناس أن هذا الشعر لموسى بن يسار، ويعرف بموسى شهوات‏.‏
وروي عن عبد الله بن الزبير أنه سمع جارية له تغني بهذا البيت فضربها وقال قولي‏:‏
أنت منا وليس خالك منا * يا مضيع الصلوات للشهوات
وقال الحافظ أبو يعلى‏:‏ حدثنا الحكم بن موسى، ثنا يحيى بن حمزة، عن هشام بن الغاز، عن مكحول، عن أبي عبيدة‏:‏ أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال‏:‏ ‏(‏‏(‏لا يزال أمر أمتي قائماً بالقسط حتى يثلمه رجل من بني أمية يقال له يزيد‏)‏‏)‏‏.‏
وهذا منقطع بين مكحول وأبي عبيدة بل معضل‏.‏
وقد رواه ابن عساكر من طريق صدقة بن عبد الله الدمشقي عن هشام بن الغاز، عن مكحول، عن أبي ثعلبة الخشني، عن أبي عبيدة‏.‏
عن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال‏:‏ ‏(‏‏(‏لا يزال أمر هذه الأمة قائماً بالقسط حتى يكون أول من يثلمه رجل من بني أمية يقال له يزيد‏)‏‏)‏‏.‏
ثم قال‏:‏ وهو منقطع أيضاً بين مكحول وأبي ثعلبة‏.‏
وقال أبو يعلى‏:‏ حدثنا عثمان بن أبي شيبة، ثنا معاوية بن هشام، عن سفيان، عن عوف، عن خالد بن أبي المهاجر، عن أبي العالية‏.‏
قال‏:‏ كنا مع أبي ذر بالشام فقال أبو ذر‏:‏ سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول‏:‏ ‏(‏‏(‏أول من يغير سنتي رجل من بني أمية‏)‏‏)‏‏.‏
‏(‏ج/ص‏:‏ 8/254‏)‏
ورواه ابن خزيمة‏:‏ عن بندار، عن عبد الوهاب بن عبد المجيد، عن عوف‏:‏ حدثنا مهاجر بن أبي مخلد، حدثني أبو العالية، حدثني أبو مسلم، عن أبي ذر فذكر نحوه‏.‏
وفيه قصة وهي‏:‏ أن أبا ذر كان في غزاة عليهم يزيد بن أبي سفيان فاغتصب يزيد من رجل جارية، فاستعان الرجل بأبي ذر على يزيد أن يردّها عليه، فأمره أبو ذر أن يردها عليه، فتلكأ فذكر أبو ذر له الحديث فردها‏.‏
وقال يزيد لأبي ذر‏:‏ نشدتك بالله أهو أنا‏؟‏
قال‏:‏ لا‏.‏
وكذا رواه البخاري في ‏(‏التاريخ‏)‏ وأبو يعلى عن محمد بن المثنى، عن عبد الوهاب‏.‏
ثم قال البخاري‏:‏ والحديث معلول ولا نعرف أن أبا ذر قدم الشام زمن عمر بن الخطاب‏.‏
قال‏:‏ وقد مات يزيد بن أبي سفيان زمن عمر فولى مكانه أخاه معاوية‏.‏
وقال عباس الدوري‏:‏ سألت ابن معين‏:‏ أسمع أبو العالية من أبي ذر‏؟‏
قال‏:‏ لا إنما يروي عن أبي مسلم عنه‏.‏
قلت‏:‏ فمن أبو مسلم هذا‏؟‏
قال‏:‏ لا أدري‏.‏
وقد أورد ابن عساكر أحاديث في ذم يزيد بن معاوية كلها موضوعة لا يصح شيء منها، وأجود ما ورد ما ذكرناه على ضعف أسانيده وانقطاع بعضه والله أعلم‏.‏
قال الحارث بن مسكين‏:‏ عن سفيان، عن شبيب، عن عرقدة بن المستظل‏.‏
قال‏:‏ سمعت عمر بن الخطاب يقول‏:‏ قد علمت ورب الكعبة متى تهلك العرب، إذا ساسهم من لم يدرك الجاهلية ولم يكن له قدم في الإسلام‏.‏
قلت‏:‏ يزيد بن معاوية أكثر ما نقم عليه في عمله شرب الخمر، وإتيان بعض الفواحش، فأما قتل الحسين فإنه كما قال جده سفيان يوم أُحد لم يأمر بذلك ولم يسؤه‏.‏
وقد قدمنا أنه قال‏:‏ لو كنت أنا لم أفعل معه ما فعله ابن مرجانة – يعني‏:‏ عبيد الله بن زياد -‏.‏
وقال للرسل الذين جاؤوا برأسه‏:‏ قد كان يكفيكم من الطاعة دون هذا، ولم يعطهم شيئاً، وأكرم آل بيت الحسين، وردّ عليهم جميع ما فقد لهم وأضعافه، وردهم إلى المدينة في محامل وأهبة عظيمة، وقد ناح أهله في منزله على الحسين حين كان أهل الحسين عندهم ثلاثة أيام‏.‏
وقيل‏:‏ إن يزيد فرح بقتل الحسين أول ما بلغه ثم ندم على ذلك‏.‏
فقال أبو عبيدة معمر بن المثنى‏:‏ إن يونس بن حبيب الجرمي حدثه قال‏:‏ لما قتل ابن زياد الحسين ومن معه بعث برؤوسهم إلى يزيد، فسرّ بقتله أولاً وحسنت بذلك منزلة ابن زياد عنده، ثم لم يلبث إلا قليلاً حتى ندم ‏!‏
فكان يقول‏:‏ وما كان عليّ لو احتملت الأذى وأنزلته في داري وحكمته فيما يريده، وإن كان عليّ في ذلك وكف ووهن في سلطاني، حفظاً لرسول الله صلى الله عليه وسلم، ورعاية لحقه وقرابته‏.‏
ثم يقول‏:‏ لعن الله ابن مرجانة فإنه أحرجه واضطره، وقد كان سأله أن يخلي سبيله أو يأتيني أو يكون بثغر من ثغور المسلمين حتى يتوفاه الله، فلم يفعل، بل أبى عليه وقتله، فبغّضني بقتله إلى المسلمين، وزرع لي في قلوبهم العداوة، فأبغضني البر والفاجر بما استعظم الناس من قتلي حسيناً، مالي ولابن مرجانة قبحه الله وغضب عليه‏.‏ ‏(‏ج/ص‏:‏ 8/255‏)‏
ولما خرج أهل المدينة عن طاعته وخلعوه وولوا عليهم ابن مطيع وابن حنظلة، لم يذكروا عنه – وهم أشد الناس عداوة له – إلا ما ذكروه عنه من شرب الخمر، وإتيانه بعض القاذورات، لم يتهموه بزندقة كما يقذفه بذلك بعض الروافض‏.‏
بل قد كان فاسقاً والفاسق لا يجوز خلعه لأجل ما يثور بسبب ذلك من الفتنة ووقوع الهرج، كما وقع زمن الحرة، فإنه بعث إليهم من يردّهم إلى الطاعة وأنظرهم ثلاثة أيام، فلما رجعوا قاتلهم وغير ذلك، وقد كان في قتال أهل الحرة كفاية، ولكن تجاوز الحد بإباحة المدينة ثلاثة أيام، فوقع بسبب ذلك شر عظيم كما قدمنا‏.‏
وقد كان عبد الله بن عمر بن الخطاب وجماعات أهل بيت النبوة ممن لم ينقض العهد، ولا بايع أحداً بعد بيعته ليزيد‏.‏
كما قال الإمام أحمد‏:‏ حدثنا إسماعيل بن علية، حدثني صخر بن جويرية، عن نافع‏.‏
قال‏:‏ لما خلع الناس يزيد بن معاوية جمع ابن عمر بنيه وأهله ثم تشهد ثم قال‏:‏ أما بعد، فإنا بايعنا هذا الرجل على بيع الله ورسوله، وإني سمعت رسول الله يقول‏:‏ ‏(‏‏(‏إن الغادر ينصب له لواء يوم القيامة يقال هذه غدرة فلان، وإن من أعظم الغدر إلا أن يكون الإشراك بالله، أن يبايع رجل رجلاً على بيع الله ورسوله ثم ينكث بيعته‏)‏‏)‏‏.‏
فلا يخلعن أحد منكم يزيد ولا يسرفن أحد منكم في هذا الأمر، فيكون الفيصل بيني وبينه‏.‏
وقد رواه مسلم والترمذي من حديث صخر بن جويرية، وقال الترمذي‏:‏ حسن صحيح‏.‏
وقد رواه أبو الحسن علي بن محمد بن عبد الله بن أبي سيف المدائني‏:‏ عن صخر بن جويرية، عن نافع، عن ابن عمر فذكر مثله‏.‏
ولما رجع أهل المدينة من عند يزيد مشى عبد الله بن مطيع وأصحابه إلى محمد بن الحنفية فأرادوه على خلع يزيد فأبى عليهم، فقال ابن مطيع‏:‏ إن يزيد يشرب الخمر، ويترك الصلاة، ويتعدى حكم الكتاب‏.‏
فقال لهم‏:‏ ما رأيت منه ما تذكرون، وقد حضرته وأقمت عنده فرأيته مواظباً على الصلاة، متحرياً للخير، يسأل عن الفقه، ملازماً للسنة‏.‏
قالوا‏:‏ فإن ذلك كان منه تصنعاً لك‏.‏
فقال‏:‏ وما الذي خاف مني أو رجا حتى يظهر إليّ الخشوع‏؟‏
أفأطلعكم على ما تذكرون من شرب الخمر‏؟‏
فلئن كان أطلعكم على ذلك إنكم لشركاؤه، وإن لم يطلعكم فما يحل لكم أن تشهدوا بما لم تعلموا‏.‏
قالوا‏:‏ إنه عندنا لحق وإن لم يكن رأيناه‏.‏
فقال لهم‏:‏ أبى الله ذلك على أهل الشهادة‏.‏
فقال‏:‏ ‏{‏إِلَّا مَنْ شَهِدَ بِالْحَقِّ وَهُمْ يَعْلَمُونَ‏}‏ ‏[‏الزخرف‏:‏ 86‏]‏، ولست من أمركم في شيء‏.‏
قالوا‏:‏ فلعلك تكره أن يتولى الأمر غيرك فنحن نوليك أمرنا‏.‏
قال‏:‏ ما أستحل القتال على ما تريدونني عليه تابعاً ولا متبوعاً‏.‏ ‏(‏ج/ص‏:‏ 8/256‏)‏
قالوا‏:‏ فقد قاتلت مع أبيك‏.‏
قال‏:‏ جيئوني بمثل أبي أقاتل على مثل ما قاتل عليه‏.‏
فقالوا‏:‏ فمر ابنيك أبا القاسم والقاسم بالقتال معنا‏.‏
قال‏:‏ لو أمرتهما قاتلت‏.‏
قالوا‏:‏ فقم معنا مقاماً تحض الناس فيه على القتال‏.‏
قال‏:‏ سبحان الله ‏!‏‏!‏ آمر الناس بما لا أفعله ولا أرضاه إذاً ما نصحت لله في عباده‏.‏
قالوا‏:‏ إذاً نكرهك‏.‏
قال‏:‏ إذاً آمر الناس بتقوى الله ولا يرضون المخلوق بسخط الخالق، وخرج إلى مكة‏.‏
وقال أبو القاسم البغوي‏:‏ حدثنا مصعب الزبيري، ثنا ابن أبي حازم، عن هشام، عن زيد بن أسلم، عن أبيه‏:‏ أن ابن عمر دخل وهو معه على ابن مطيع، فلما دخل عليه‏.‏
قال‏:‏ مرحباً بأبي عبد الرحمن ضعوا له وسادة‏.‏
فقال‏:‏ إنما جئتك لأحدثك حديثاً سمعته من رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول‏:‏ ‏(‏‏(‏من نزع يداً من طاعة فإنه يأتي يوم القيامة لا حجة له، ومن مات مفارق الجماعة فإنه يموت موتة جاهلية‏)‏‏)‏‏.‏
وهكذا رواه مسلم من حديث هشام بن سعد، عن زيد، عن أبيه، عن ابن عمر به‏.‏
وتابعه إسحاق بن عبد الله ابن أبي طلحة، عن زيد بن أسلم، عن أبيه‏.‏
وقد رواه الليث عن محمد بن عجلان، عن زيد بن أسلم، عن ابن عمر فذكره‏.‏
وقال أبو جعفر الباقر‏:‏لم يخرج أحد من آل أبي طالب ولا من بني عبد المطلب أيام الحرة، ولما قدم مسلم بن عقبة المدينة أكرمه وأدنى مجلسه وأعطاه كتاب أمان‏.‏
وروى المدائني أن مسلم بن عقبة بعث روح بن زنباع إلى يزيد ببشارة الحرة، فلما أخبره بما وقع قال‏:‏ وا قوماه، ثم دعا الضحاك بن قيس الفهري فقال له‏:‏ ترى ما لقي أهل المدينة‏؟‏ فما الذي يجبرهم‏؟‏
قال‏:‏ الطعام والأعطية‏.‏
فأمر بحمل الطعام إليهم وأفاض عليهم أعطيته‏.‏
وهذا خلاف ما ذكره كذبة الروافض عنه من أنه شمت بهم واشتفى بقتلهم، وأنه أنشد ذكراً وأثراً شعر ابن الزبعري المتقدم ذكره‏.‏
وقال أبو بكر محمد بن خلف بن المرزبان بن بسام‏:‏ حدثني محمد بن القاسم، سمعت الأصمعي يقول‏:‏ سمعت هارون الرشيد ينشد ليزيد بن معاوية‏:‏
إنها بين عامر بن لؤيٍ * حين تمنى وبين عبد مناف
ولها في الطيبين جدودٌ * ثم نالت مكارم الأخلاف
بنت عم النبي أكرم من * يمشي بنعلٍ على التراب وحافي
لن تراها على التبدل والغلـ*ـظة إلا كدرة الأصداف
قال الزبير بن بكار‏:‏ أنشدني عمي مصعب ليزيد بن معاوية بن أبي سفيان‏:‏
آب هذا الهم فاكتنفا * ثمَّ مر النوم فامتنعا
راعياً للنجم أرقبه * فإذا ما كوكبٌ طلعا
حام حتى أنني لأرى * أنه بالغور قد وقعا
‏(‏ج/ص‏:‏ 8/257‏)‏
ولها بالمطارون إذا * أكل النمل الذي جمعا
نزهه حتى إذا بلغت * نزلت من خلّق تبعا
في قبابٍ وسط دسكرةٍ *حولها الزيتون قد ينعا
ومن شعره‏:‏
وقائلةٌ لي حين شبهت وجهها * ببدر الدجى يوماً وقد ضاق منهجي
تشبهني بالبدر هذا تناقصٌ * بقدري ولكن لست أول من هجي
ألم تر أنَّ البدر عند كماله * إذا بلغ التشبيه عاد كدملجي
فلا فخر إن شبهت بالبدر مبسمي * وبالسحر أجفاني وبالليل مدعجي
قد ذكره الزبير بن بكار، عن أبي محمد الجزري قال‏:‏ كانت بالمدينة جارية مغنية يقال لها‏:‏ سلامة، من أحسن النساء وجهاً، وأحسنهن عقلاً، وأحسنهن قداً، قد قرأت القرآن‏.‏
وروت الشعر وقالته، وكان عبد الرحمن بن حسان، والأحوص بن محمد يجلسان إليها‏.‏
فعلقت الأحوص فصدت عن عبد الرحمن، فرحل ابن حسان إلى يزيد بن معاوية إلى الشام فامتدحه ودله على سلامة وجمالها وحسنها وفصاحتها‏.‏
وقال‏:‏ لا تصلح إلا لك يا أمير المؤمنين، وأن تكون من سمارك، فأرسل يزيد فاشتريت له وحملت إليه، فوقعت منه موقعاً عظيماً، وفضلها على جميع من عنده، ورجع عبد الرحمن إلى المدينة فمر بالأحوص فوجده مهموماً، فأراد أن يزيده إلى ما به من الهم هماً فقال‏:‏
يا مبتلى بالحب مقروحا * لاقى من الحب تباريحا
أفحمه الحب فما ينثني * إلا بكاس الحب مصبوحا
وصار ما يعجبه مغلقاً * عنه وما يكره مفتوحا
قد حازها من أصبحت عنده * ينال منها الشمَّ والريحا
خليفة الله فسل الهوى * وعزَّ قلباً منك مجروحا
قال‏:‏ فأمسك الأحوص عن جوابه ثم غلبه وجدة عليها فسار إلى يزيد فامتدحه فأكرمه يزيد وحظي عنده، فدست إليه سلامة خادماً وأعطته مالاً على أن يدخله إليها، فأخبر الخادم يزيد بذلك‏.‏
فقال‏:‏ امض لرسالتها، ففعل وأدخل الأحوص عليها وجلس يزيد في مكان يراهما ولا يريانه، فلما بصرت الجارية بالأحوص بكت إليه وبكى إليها، وأمرت فأُلقي له كرسي فقعد عليه، وجعل كل واحد منهما يشكو إلى صاحبه شدة شوقه إليه فلم يزالا يتحدثان إلى السحر، ويزيد يسمع كلامهما من غير أن يكون بينهما ريبة، حتى إذا همَّ الأحوص بالخروج قال‏:‏
‏(‏ج/ص‏:‏ 8/258‏)‏
أمسى فؤادي في همٍ وبلبال * من حب من لم أزل منه على بال
فقالت‏:‏
صحا المحبُّون بعد النأي إذ يئسوا * وقد يئست وما أضحوا على حال
فقال‏:‏
من كان يسلو بيأس عن أخي ثقةٍ * فعنك سلامٌ ما أمسيت بالسالي
فقالت‏:‏
والله والله لا أنساك يا شجني * حتى تفارق مني الروح أوصالي
فقال‏:‏
والله ما خاب من أمسى وأنت له * يا قرة العين في أهلٍ وفي مال
قال‏:‏ ثم ودعها وخرج، فأخذه يزيد ودعا بها فقال‏:‏ أخبراني عما كان في ليلتكما وأصدقاني، فأخبراه وأنشداه ما قالا، فلم يحرفا منه حرفاً ولا غّيرا شيئاً مما سمعه‏.‏
فقال لها يزيد‏:‏ أتحبينه‏؟‏
قالت‏:‏ إي والله يا أمير المؤمنين‏:‏
حباً شديداً جرى كالروح في جسدي * فهل يفرق بين الروح والجسد‏؟‏
فقال له‏:‏ أتحبها‏؟‏
فقال‏:‏ إي والله يا أمير المؤمنين‏:‏
حباً شديداً تليداً غير مطرفٍ * بين الجوانح مثل النار يضطرم
فقال يزيد‏:‏ إنكما لتصفان حباً شديداً خذها يا أحوص فهي لك، ووصله صلة سنية‏.‏
فرجع بها الأحوص إلى الحجاز وهو قرير العين‏.‏
وقد روي أن يزيد كان قد اشتهر بالمعازف وشرب الخمر والغنا والصيد، واتخاذ الغلمان والقيان والكلاب والنطاح بين الكباش والدباب والقرود، وما من يوم إلا يصبح فيه مخموراً‏.‏
وكان يشد القرد على فرس مسرجة بحبال ويسوق به، ويلبس القرد قلانس الذهب، وكذلك الغلمان، وكان يسابق بين الخيل، وكان إذا مات القرد حزن عليه‏.‏
وقيل‏:‏ إن سبب موته أنه حمل قردة وجعل ينقزها فعضته‏.‏
وذكروا عنه غير ذلك والله أعلم بصحة ذلك‏.‏
وقال عبد الرحمن بن أبي مدعور‏:‏ حدثني بعض أهل العلم قال‏:‏ آخر ما تكلم به يزيد بن معاوية‏:‏ اللهم لا تؤاخذني بما لم أحبه، ولم أرده، واحكم بيني وبين عبيد الله بن زياد‏.‏ ‏(‏ج/ص‏:‏ 8/259‏)‏
وكان نقش خاتمه آمنت بالله العظيم‏.‏
مات يزيد بحوارين من قرى دمشق في رابع عشر ربيع الأول‏.‏
وقيل‏:‏ يوم الخميس للنصف منه، سنة أربع وستين‏.‏
وكانت ولايته بعد موت أبيه في منتصف رجب سنة ستين، وكان مولده في سنة خمس‏.‏
وقيل‏:‏ سنة ست‏.‏
وقيل‏:‏ سبع وعشرين‏.‏
ومع هذا فقد اختلف في سنّه ومبلغ أيامه في الإمارة على أقوال كثيرة، وإذا تأملت ما ذكرته لك من هذه التحديدات انزاح عنك الإشكال من هذا الخلاف، فإن منهم من قال‏:‏ جاوز الأربعين حين مات فالله أعلم‏.‏
ثم حمل بعد موته إلى دمشق وصلى عليه ابنه معاوية بن يزيد أمير المؤمنين يومئذٍ، ودفن بمقابر باب الصغير‏.‏
وفي أيامه وسع النهر المسمى بيزيد في ذيل جبل قاسيون، وكان جدولاً صغيراً فوسعه أضعاف ما كان يجري فيه من الماء‏.‏
وقال ابن عساكر‏:‏ حدثنا أبو الفضل محمد بن محمد بن الفضل بن المظفر العبدي قاضي البحرين من لفظه وكتبه لي بخطه – قال‏:‏ رأيت يزيد بن معاوية في النوم فقلت له‏:‏ أنت قتلت الحسين‏؟‏
فقال‏:‏ لا ‏!‏
فقلت له‏:‏ هل غفر الله لك‏؟‏
قال‏:‏ نعم، وأدخلني الجنة‏.‏
قلت‏:‏ فالحديث الذي يروى أن رسول الله صلى الله عليه وسلم رأى معاوية يحمل يزيد‏.‏
فقال‏:‏ ‏(‏‏(‏رجل من أهل الجنة يحمل رجلاً من أهل النار‏؟‏‏)‏‏)‏
فقال‏:‏ ليس بصحيح‏.‏
قال ابن عساكر‏:‏ وهو كما قال، فإن يزيد بن معاوية لم يولد في حياة النبي صلى الله عليه وسلم‏.‏
وإنما ولد بعد العشرين من الهجرة‏.‏
وقال أبو جعفر بن جرير‏
*****************************************

من هو يزيد بن معاوية؟

ذكر و فاة يزيد بن معاوية
و في هذه السنة توفي يزيد بن معاوية بحوارين من أرض الشام لأربع عشرة خلت من شهر ربيع الأول ، و هو ابن ثمان و ثلاثين سنة في قول بعضهم ، و قيل : تسع و ثلاثين ، و كانت ولايته ثلاث سنين و ستة أشهر ، و قيل : ثمانية أشهر ، و قيل : توفي في ربيع الأول سنة ثلاث و ستين ، و كان عمره خمساً و ثلاثين سنة ، و كانت خلافته سنتين و ثمانية أشهر ، و الأول أصح .
و أمه ميسون بنت بحدل بن أنيف الكلبية .
و كان له من الولد معاوية ، و كنيته أبو عبد الرحمن و أبو ليلى ، و هو الذي ولي بعده ، و خالد و يكنى أبا هاشم ، و يقال إنه أصاب عمل الكيميا، و لا يصح ذلك لأحد ، و أبو سفيان ، و أمهم أم هاشم بنت أبي هاشم بن عتبة بن ربيعة ، تزوجها بعده مروان بن الحكم ، و له أيضاً عبد الله بن يزيد ، كان أرمى العرب ، و أمه أم كلثوم بنت عبد الله بن عامر ، و هو الأسوار ، و عبد الله الأصغر و عمرو و أبو بكر و عتبة و حرب و عبد الرحمن و محمد لأمهات شتى .

=======================================================================

عدد قتلى ابن زياد في الكوفة فهم أكثر من قتلى سمرة! ففي الإحتجاج:2/17: (وكتب زياد بن أبيه إليه في حق الحضرميين: إنهم على دين عليٍّ وعلى رأيه ! فكتب إليه معاوية: أقتل كل من كان على دين علي ورأيه ! فقتلهم ومثَّل بهم ! وكتب كتاباً آخر: أنظروا من قبلكم من شيعة علي واتهموه بحبه فاقتلوه. وإن لم تقم عليه البينة فاقتلوه على التهمة والظنة والشبهة ! فقتلوهم تحت كل حجر ، حتى لو كان الرجل تسقط منه كلمة ضربت عنقه ، حتى لو كان الرجل يُرمى بالزندقة والكفر كان يكرم ويعظم ولا يتعرض له بمكروه ، والرجل من الشيعة لا يأمن على نفسه في بلد من البلدان ، لا سيما الكوفة والبصرة ، حتى لو أن أحداً منهم أراد أن يلقي سراً إلى من يثق به لأتاه في بيته فيخاف خادمه ومملوكه ، فلا يحدثه إلا بعد أن يأخذ عليهم الأيمان المغلظة ليكتمنَّ عليه ، ثم لا يزداد الأمر إلا شدة ، حتى كثر وظهرت أحاديثهم الكاذبة ، ونشأ عليه الصبيان يتعلمون ذلك).

وقال محمد بن حبيب البغدادي في المحبر ص479: (وصلب زياد بن أبيه مسلم بن زيمر ، وعبد الله بن نجى الحضرميين على أبوابهما أياماً بالكوفة ، وكانا شيعيين وذلك بأمر معاوية ! وقد عدَّهما (أي اعترض بسببهما) الحسين بن علي رضي الله عنهما على معاوية ، في كتابه إليه: ألست صاحب حجر والحضرميين اللذين كتب إليك ابن سمية إنهما على دين عليٍّ ورأيه ، فكتبت إليه: من كان على دين على ورأيه فاقتله ومَثِّل به فقتلهما ومّثََل بأمرك بهما؟ ودينُ عليٍّ وابنُ عم عليٍّ ، الذي كان يضرب عليه أباك ويضربه عليه أبوك ، أجلسك مجلسك الذي أنت فيه، ولولا ذلك كان أفضل شرفك وشرف أبيك تجشم الرحلتين اللتين بنا من الله عليك بوضعهما عنكم…. في كتاب طويل يوبخه فيه بادعائه زياداً ، وتوليته إياه العراقين).انتهى.
****************************************************************************************من تاريخ كتاب البداية والنهاية لــ أبن كثير الجزء الثامن ( 123 من 239 )

أولاد معاوية بن يزيد بن معاوية

فمنهم معاوية بن يزيد بن معاوية يكنى أبا ليلى، وهو الذي يقول فيه الشاعر‏:‏

إني أرى فتنة قد حان أولها * والملك بعد أبي ليلى لمن غلبا

وخالد بن يزيد يكنى أبا هاشم كان يقال‏:‏ إنه أصاب علم الكيمياء، وأبو سفيان، وأمهما أم هاشم بنت أبي هاشم بن عتبة بن ربيعة بن عبد شمس‏.‏

وقد تزوجها بعد يزيد بن مروان بن الحكم وهي التي يقول فيها الشاعر‏:‏

أنعمي أم خالدٍ * ربَّ ساعٍ كقاعد

وعبد العزيز بن يزيد ويقال له‏:‏ الأسوار، وكان من أرمى العرب، وأمه أم كلثوم بنت عبد الله بن عامر وهو الذي يقول فيه الشاعر‏:‏

زعم الَّناس أنَّ خير قريشٍ * كلهم حين يذكرون الأساور

‏(‏ج/ص‏:‏ 8/60‏)‏

وعبد الله الأصغر، وأبو بكر، وعتبة، وعبد الرحمن، والربيع، ومحمد، لأمهات أولاد شتىَّ‏.‏

ويزيد، وحرب، وعمر، وعثمان‏.‏

فهؤلاء خمسة عشر ذكراً، وكان له من البنات‏:‏ عاتكة، ورملة، وأم عبد الرحمن، وأم يزيد، وأم محمد، فهؤلاء خمس بنات‏.‏

وقد انقرضوا كافة فلم يبق ليزيد عقب، والله سبحانه أعلم‏.‏

*****************************************************************************

الخليفة الثالث من بنى أمية : إمارة معاوية بن يزيد بن معاوية 683 م

أبي عبد الرحمن ويقال‏:‏ أبو يزيد‏.‏

ويقال‏:‏ أبو يعلى القرشي الأموي، وأمه أم هاشم بنت أبي هاشم بن عتبة بن ربيعة، بويع له بعد موت أبيه – وكان ولي عهده من بعده – في رابع عشر ربيع الأول سنة أربع وستين‏.‏

وكان رجلاً صالحاً ناسكاً، ولم تطل مدته‏.‏

قيل‏:‏ إنه مكث في الملك أربعين يوماً‏.‏

وقيل‏:‏ عشرين يوماً‏ , وقيل‏:‏ شهرين‏ , وقيل‏:‏ شهراً ونصف‏ , وقيل‏:‏ ثلاثة أشهر وعشرون يوماً‏ , وقيل‏:‏ أربعة أشهر فالله أعلم‏.‏

وكان في مدة ولايته مريضاً لم يخرج إلى الناس، وكان الضحاك بن قيس هو الذي يصلي بالناس ويسد الأمور، ثم مات معاوية بن يزيد هذا عن إحدى وعشرين‏.‏

وقيل‏:‏ ثلاث وعشرين سنة وثمانية عشر يوماً‏.‏ وقيل‏:‏ تسع عشرة سنة‏.‏ وقيل‏:‏ ثلاث وعشرون سنة‏.‏ وقيل‏:‏ إنما عاش ثماني عشرة سنة‏.‏ وقيل‏:‏ تسع عشرة سنة‏.‏ وقيل‏:‏ عشرون‏.‏ وقيل‏:‏ خمس وعشرون فالله أعلم‏.‏

وصلى عليه أخوه خالد‏.‏

وقيل‏:‏ عثمان بن عنبسة‏.‏

وقيل‏:‏ الوليد بن عتبة وهو الصحيح، فإنه أوصى إليه بذلك، وشهد دفنه مروان بن الحكم، وكان الضحاك بن قيس هو الذي يصلي بالناس بعده حتى استقر الأمر لمروان بالشام‏.‏

ودفن بمقابر باب الصغير بدمشق، ولما حضرته الوفاة، قيل له‏:‏ ألا توصي‏.‏

فقال‏:‏ لا أتزوّد مرارتها إلى آخرتي وأترك حلاوتها لبني أمية‏.‏ ‏(‏ج/ص‏:‏ 8/261‏)‏

وكان رحمه الله أبيض شديد البياض، كثير الشعر، كبير العينين، جعد الرأس، أقنى الأنف، مدور الرأس، جميل الوجه، كثير شعر الوجه دقيقه، حسن الجسم‏.‏

قال أبو زرعة الدمشقي‏:‏ معاوية، وعبد الرحمن، وخالد أخوه، وكانوا من صالحي القوم، وقال فيه بعض الشعراء – وهو عبد الله بن همام البلوي -‏:‏

تلقاها يزيدٌ عن أبيه * فدونكها معاوي عن يزيدا

أديروها بني حربٍ عليكم * ولا ترموا بها الغرض البعيدا

ويروى أن معاوية بن يزيد هذا نادى في الناس‏:‏ الصلاة جامعة ذات يوم، فاجتمع الناس فقال لهم فيما قال‏:‏ يا أيها الناس ‏!‏ إني قد وليت أمركم وأنا ضعيف عنه، فإن أحببتم تركتها لرجل قوي كما تركها الصديق لعمر، وإن شئتم تركتها شورى في ستة منكم كما تركها عمر بن الخطاب، وليس فيكم من هو صالح لذلك، وقد تركت لكم أمركم فولوا عليكم من يصلح لكم‏.‏

ثم نزل ودخل منزله، فلم يخرج منه حتى مات رحمه الله تعالى‏.‏

ويقال‏:‏ إنه سقي‏.‏

ويقال‏:‏ إنه طعن‏.‏

ولما دفن حضر مروان دفنه، فلما فرغ منه قال مروان‏:‏ أتدرون من دفنتم‏؟‏

قالوا‏:‏ نعم معاوية بن يزيد‏.‏

فقال مروان‏:‏ هو أبو ليلى الذي قال فيه أرثم الفزاري‏:‏

إني أرى فتنة تغلي مراجلها * والملك بعد أبي ليلى لمن غلبا

قالوا‏:‏ فكان الأمر كما قال، وذلك أن أبا ليلى توفي من غير عهد منه إلى أحد، فتغلب إلى الحجاز عبد الله بن الزبير، وعلى دمشق وأعمالها مروان بن الحكم، وبايع أهل خراسان سلم بن زياد حتى يتولى على الناس خليفة، وأحبوه محبة عظيمة، وسار فيهم سلم سيرة حسنة أحبوه عليها، ثم أخرجوه من بين أظهرهم‏.‏

وخرج القراء والخوارج بالبصرة وعليهم نافع بن الأزرق، وطردوا عنهم عبيد الله بن زياد بعدما كانوا بايعوه عليهم حتى يصير للناس إمام، فأخرجوه عنهم، فذهب إلى الشام بعد فصول يطول ذكرها‏.‏

وقد بايعوا بعده عبد الله بن الحارث بن نوفل المعروف ببَّة، وأمه هند بنت أبي سفيان، وقد جعل على شرطة البصرة هميان بن عدي السدوسي، فبايعه الناس في مستهل جمادى الآخرة سنة أربع وستين‏.‏

وقد قال الفرزدق‏:‏

وبايعت أقواماً وفيت بعهدهم * وببة قد بايعته غير نادم

فأقام فيها أربعة أشهر ثم لزم بيته، فكتب أهل البصرة إلى ابن الزبير إلى أنس بن مالك يأمره أن يصلي بالناس، فصلى بهم شهرين، ثم كان ما سنذكره‏.‏

‏(‏ج/ص‏:‏ 8/262‏)‏

وخرج نجدة بن عامر الحنفي باليمامة، وخرج بنو ماحورا في الأهواز وفارس وغير ذلك على ما سيأتي تفصيله قريباً إن شاء الله تعالى‏.

****************************************************************************

إمارة عبد الله بن الزبير فى مكـــــــه

وعند ابن حزم وطائفة أنه أمير المؤمنين آنذاك‏.‏

قد قدمنا أنه لما مات يزيد أقلع الجيش عن مكة ، وهم الذين كانوا يحاصرون ابن الزبير هو عائذ بالبيت، فلما رجع حصين بن نمير السكوني بالجيش إلى الشام، استفحل ابن الزبير بالحجاز وما والاها، وبايعه الناس بعد يزيد بيعة هناك‏.‏

واستناب على أهل المدينة أخاه عبيد الله بن الزبير، وأمره بإجلاء بني أمية عن المدينة فأجلاهم فرحلوا إلى الشام، وفيهم مروان بن الحكم وابنه عبد الملك‏.‏

ثم بعث أهل البصرة إلى ابن الزبير بعد حروب جرت بينهم وفتن كثيرة يطول استقصاؤها، غير أنهم في أقل من ستة أشهر أقاموا عليهم نحواً من أربعة أمراء من بينهم ثم تضطرب أمورهم‏.‏

ثم بعثوا إلى ابن الزبير وهو بمكة يخطبونه لأنفسهم، فكتب إلى أنس بن مالك ليصلي بهم‏.‏

ويقال‏:‏ إن أول من بايع الزبير مصعب بن عبد الرحمن‏.‏

فقال الناس‏:‏ هذا أمر فيه صعوبة، وبايعه عبد الله بن جعفر، وعبد الله بن علي بن أبي طالب، وبعث إلى ابن عمر، وابن الحنفية، وابن عباس ليبايعوا فأبوا عليه‏.‏

وبويع في رجب بعد أن أقام الناس نحو ثلاثة أشهر بلا إمام‏.‏

وبعث ابن الزبير إلى أهل الكوفة عبد الرحمن بن يزيد الأنصاري على الصلاة، وإبراهيم بن محمد بن طلحة بن عبيد الله على الخراج، واستوثق له المصران جميعاً، وأرسل إلى مصر فبايعوه‏.‏

واستناب عليها عبد الرحمن بن جحدر، وأطاعت له الجزيرة، وبعث على البصرة الحارث بن عبد الله بن ربيعة، وبعث إلى اليمن فبايعوه، وإلى خراسان فبايعوه، وإلى الضحاك بن قيس بالشام فبايع‏.‏

وقيل‏:‏ إن أهل دمشق وأعمالها من بلاد الأردن لم يبايعوه، لأنهم بايعوا مروان بن الحكم لما رجع الحصين بن نمير من مكة إلى الشام‏.‏ ‏(‏ج/ص‏:‏ 8/263‏)‏

وقد كان التف على عبد الله بن الزبير جماعة من الخوارج يدافعون عنه، منهم‏:‏ نافع بن الأزرق، وعبد الله بن أباض، وجماعة من رؤوسهم‏.‏

فلما استقر أمره في الخلافة قالوا فيما بينهم‏:‏ إنكم قد أخطأتم لأنكم قاتلتم مع هذا الرجل ولم تعلموا رأيه في عثمان بن عفان – وكانوا ينتقصون عثمان – فاجتمعوا إليه فسألوه عن عثمان فأجابهم فيه بما يسوؤهم، وذكر لهم ما كان متصفاً به من الإيمان والتصديق، والعدل والإحسان والسيرة الحسنة، والرجوع إلى الحق إذا تبين له‏.‏

فعند ذلك نفروا عنه وفارقوه وقصدوا بلاد العراق وخراسان، فتفرقوا فيها بأبدانهم وأديانهم ومذاهبهم، ومسالكهم المختلفة المنتشرة، التي لا تنضبط ولا تنحصر، لأنها مفرعة على الجهل وقوة النفوس، والاعتقاد الفاسد، ومع هذا استحوذوا على كثير من البلدان والكور، حتى انتزعت منهم على ما سنذكره فيما بعد إن شاء الله‏.‏

ذكر هدم الكعبة وبنائها في أيام ابن الزبير

قال ابن جرير‏:‏ وفي هذه السنة هدم ابن الزبير الكعبة ، وذلك لأنه مال جدارها من رمي المنجنيق فهدم الجدار حتى وصل إلى أساس إبراهيم‏.‏

وكان الناس يطوفون ويصلون من وراء ذلك ، وجعل الحجر الأسود في تابوت في سرق من حرير، وادخر ما كان في الكعبة من حلي وثياب وطيب، عند الخزان، حتى أعاد ابن الزبير بناءها على ما كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يريد أن يبنيها عليه من الشكل‏.‏

وذلك كما ثبت في ‏(‏الصحيحين‏)‏ وغيرهما من المسانيد والسنن، من طرق عن عائشة أم المؤمنين أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال‏:‏ ‏(‏‏(‏لولا حدثان قومك بكفر لنقضت الكعبة ولأدخلت فيها الحجر، فإن قومك قصرت بهم النفقة، ولجعلت لها باباً شرقياً وباباً غربياً، يدخل الناس من أحدهما ويخرجون من الآخر، ولألصقت بابها بالأرض فإن قومك رفعوا بابها ليدخلوا من شاؤوا ويمنعوا من شاؤوا‏)‏‏)‏‏.‏

فبناها ابن الزبير على ذلك كما أخبرته به خالته عائشة أم المؤمنين عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، فجزاه الله خيراً‏.‏

ثم لما غلبه الحجاج بن يوسف في سنة ثلاث وسبعين كما سيأتي، هدم الحائط الشمالي وأخرج الحجر كما كان أولاً، وأدخل الحجارة التي هدمها في جوف الكعبة فرصها فيه، فارتفع الباب وسد الغربي‏.‏

وتلك آثاره إلى الآن، وذلك بأمر عبد الملك بن مروان في ذلك، ولم يكن بلغه الحديث، فلما بلغه الحديث قال‏:‏ وددنا أنا تركناه وما تولى من ذلك‏.‏

وقد هم ابن المنصور المهدي أن يعيدها على ما بناها ابن الزبير، واستشار الإمام مالك بن أنس في ذلك، فقال‏:‏ إني أكره أن يتخذها الملوك لعبة، – يعني‏:‏ يتلاعبون في بنائها بحسب آرائهم – فهذا يرى رأي ابن الزبير، وهذا يرى رأي عبد الملك بن مروان، وهذا يرى رأياً آخر، والله سبحانه وتعالى أعلم‏.‏

قال ابن جرير‏:‏ وحج بالناس في هذه السنة عبد الله بن الزبير وكان عامله على المدينة أخوه عبيد الله، وعلى الكوفة عبد الله بن يزيد الخطمي، وعلى قضائها سعيد بن المرزبان، وامتنع شريح أن يحكم في زمان الفتنة‏.‏

وعلى البصرة عمر بن معمر التيمي، وعلى قضائها هشام بن هبيرة، وعلى خراسان عبد الله بن خازم، وكان في آواخر هذه السنة وقعة مرج راهط كما قدمنا‏.‏

وقد استقر ملك الشام لمروان بن الحكم، وذلك بعد ظفره بالضحاك بن قيس وقتله له في الوقعة‏.‏

وقيل‏:‏ إن فيها دخل مروان مصر وأخذها من نائبها الذي من جهة ابن الزبير، وهو عبد الرحمن بن جحدر‏.‏

واستقرت يد مروان على الشام ومصر وأعمالها والله أعلم‏.‏ ‏(‏ج/ص‏:‏ 8/276‏)‏

وقال الواقدي‏:‏ لما أراد ابن الزبير هدم البيت شاور الناس في هدمها، فأشار عليه جابر بن عبد الله، وعبيد بن عمير بذلك‏.‏

وقال ابن عباس‏:‏ أخشى أن يأتي بعدك من يهدمها، فلا تزال تهدم حتى يتهاون الناس بحرمتها، ولكن أرى أن تصلح ما يتهدم من بنيانها‏.‏

ثم إن ابن الزبير استخار الله ثلاثة أيام، ثم غدا في اليوم الرابع فبدأ ينقض الركن إلى الأساس، فلما وصلوا إلى الأساس وجدوا أصلاً بالحجر مشبكاً كأصابع اليدين، فدعا ابن الزبير خمسين رجلاً فأمرهم أن يحفروا‏.‏

فلما ضربوا بالمعاول في تلك الأحجار المشبكة ارتجت مكة فتركه على حاله، ثم أسس عليه البناء، وجعل للكعبة بابين موضوعين بالأرض، باب يدخل منه وباب يخرج منه، ووضع الحجر الأسود بيده، وشده بفضة لأنه كان قد تصدع، وزاد في وسع الكعبة عشرة أذرع، ولطخ جدرانها بالمسك وسترها بالديباج‏.‏

ثم اعتمر من مساجد عائشة، وطاف بالبيت وصلى وسعى، وأزال ما كان حول الكعبة من الزبالة، وما كان حولها من الدماء، وكانت الكعبة قد وهت من أعلاها إلى أسفلها من حجارة المنجنيق، واسود الركن وانصدع الحجر الأسود من النار التي كانت حول الكعبة، وكان سبب تجديد ابن الزبير لها ما ثبت في ‏(‏الصحيحين‏)‏ من حديث عائشة المتقدم ذكره والله أعلم‏.‏

مميزات الدولة الاسلامية

مقال نشر في مجلة روز اليوسف
Wed, 9 Jun 2010

هذا المقال هو رد على مقال آخر للدكتور محمد عمارة بعنوان ( مميزات الدولة الإسلامية )

دعا فيه لاستعادة أمجاد ” الدولة الاسلامية ” – الأموية و العباسية

وترحم فيه على أيام ” الخلافة الرشيدة مستفيداً من قصة ” وامعتصماه ” المشهورة…

لكي لا يخدعنا بعضهم :

هل كان تاريخنا ماضيا سعيدا؟

سيد القمني

لكي لا يخدعنا بعضهم: هل كان تاريخنا ماضيا سعيدا؟

معاوية بن أبي سفيان وولده يزيد لم يمنعهما إسلامهما من قتال آل بيت الرسول وجز رأس الحسين، الحجاج بن يوسف الثقفي اعدم من العراقيين مئة وعشرين ألفا واستباح نساء المسلمين ,العباسيون قتلوا خمسين ألفا من أهل دمشق وجعلوا من المسجد الأموي إسطبلاً لخيولهم.

هل كان ممكناً أن ترتج أجهزة الدولة كلها مستجيبة لاستغاثة مواطن يعاني القهر والظلم في بلاد المسلمين على يد المسلمين، في الإمبراطورية الإسلامية العظمى الغابرة، كما ارتجت وتحركت بعدّتها وجيوشها في القصة الأسطورية استجابةً لصرخة امرأة مجهولة منكورة لا نعرف من هي، وهي تنادي الخليفة من على الحدود عندما اعتدى عليها بعض الروم: “وامعتصماه”؟!.

إن هذا النموذج من القصص يريد أن يعلن مدى اهتمام الدولة جميعها بمواطنٍ فردٍ يعاني أزمة، وهو ما يستثير الخيال العربي المقموع ويدفعه إلى محاولة استعادة هذه الدولة الأبية التي كانت تردع الأعادي بكل فخرٍ ومجدٍ كما كانت تنشغل بالمواطن الفرد كل الانشغال، حتى بات عزيزاً كريماً مرهوب الجانب أينما كان.  لكن بين القص الأسطوري وبين ما كان يحدث في الواقع مفارقات لا تلتئم أبداً، ولا تلتقي أبدا.  والنماذج على ذلك أكثر من أن تحصيها مقالة كهذي، بل تحتاج إلى مجلدات من الكتب. لكن يكفينا هنا اليسير منها لنكتشف هل كانت ثقافة “وامعتصماه” أمراً حقيقياً فاعلاً في الواقع أم أنها مجرد قصة لرفع الشعارات دون الفعل وليس أكثر، كالعادة العربية المعلومة! خاصة أن هذه الدولة العزيزة بمواطنها الكريم هي الدولة النموذج التي يطلبها اليوم المتأسلمون على كافة فصائلهم وأطيافهم، ويزينونها للناظرين بقصٍّ كهذا عادة ما يبدأ بمسئولية الخليفة الراشد وهو في يثرب عن دابة لو عثرت بالعراق.

وينتهي بالحفل البانورامي حول احتلال “عمّورية” انتقاماً للفرد العربي الأبي حتى لو كان امرأة! مع علمنا بحال المرأة قياساً على الرجل في تراثنا.

لقد صرخت القبائل العربية في الجزيرة منذ فجر الخلافة “وإسلاماه” تستغيث بالمسلمين لردع جيوش الدولة عن ذبحها وسبي حريمها وأطفالها لبيعهم في أسواق النخاسة، تلك القبائل التي تمسكت بحقها الذي أعطاه لها ربها بالقرآن في الشورى والمشاركة الفاعلة في العمل السياسي. فرفضت خلافة أبي بكر”الفلتة” بتعبير عمر بن الخطاب لأنها تمت بدون مشورتهم ولا ترشيح احد منهم ولا أخذ رأيهم، فامتنعوا عن أداء ضريبة المال للعاصمة تعبيراً عن موقفهم، لكنهم عملوا برأي الإسلام فجمعوا الزكاة ووزعوها على فقرائهم في مضاربهم التزاماً بهذا الركن الإسلامي بجوار صلاتهم وصيامهم وقيامهم بقية الأركان المطلوبة. فلم يعفها ذلك من جزِّ الرقاب والحصد بالسيف. والصراع هنا لم يكن حول الإيمان والكفر، بل كان الشأن شان سياسة دنيوية لا علاقة لها بالدين.

ورغم الجميع فقد تواطأ السَّدنة مع السلطان ضد تلك القبائل ليؤسسوا في التاريخ المذهب السنِّي الذي وجد فرصته في مكان سيادي بجوار الحاكم، فقام بتحويل الخلاف السياسي إلى خلاف ديني، واعتبر أن محاربة هؤلاء واجب ديني لأنهم قد كفروا وارتدوا عن الإسلام لا لشيءٍ، إلا لأن هكذا كان قرار الخليفة؛ ولأن هذا الخليفة كان “الصدِّيق” صاحب رسول الله- صلى الله عليه وسلم- وصهره ووزيره الأول.  فالبسوا الخليفة أولاً ثوب القدسية ولو ضد منطق الإسلام الذي لا يقدس بشراً، ثم البسوا القرار قدسية الخليفة، ثم أصدروا قرارهم بتكفير هذه القبائل بتهمة الردة عن الإسلام لأنها حسب القرار البكري قد “فرَّقت بين الصلاة وبين الزكاة”، وهو أمرٌ فيه نظر من وجهة نظر الشرع لا تبيح قتالهم ولا قتلهم. لذلك تم تدعيم القرار بأن تلك القبائل قد خرجت على رأي الجماعة وخالفته وهو اختراع آخر كان كفيلاً بوصمها بالارتداد منذ ذلك التاريخ وحتى اليوم.

وهكذا، ومنذ فجر الخلافة جلس الفقيه في معية السلطان يصوغان لنا إسلامنا، إسلام يؤسلم ويكفّر حسب مدى التزام المواطن بالمذهب السيد الذي هو مذهب السدنة والسلطان وأولي الأمر، وطاعتهم أمر رباني وفرض سماوي.
ومنذ خرجت جيوش أبي بكر تحارب تاركي الزكاة تحت اسم الدين والصواب الديني، أصبح معنى أن تخرج جيوش المسلمين لتحارب الكفار “غير حروب الفتوحات”. إنها خارجة للقضاء على المعترضين أو المخالفين في الرأي السياسي الذي تتم إحالته إلى الدين، حتى يتم الذبح والحرق والسبي باسم الدين وليس لخلاف سياسي.

ونظرة عجلى على تاريخ العرب المسلمين ستكتشف أن مقابل “وامعتصماه” الأسطورية، ألف “وإسلاماه” كان جوابها مختلفا.
وبلغ الأمر غاية وضوحه في زمن عثمان بن عفان الذي فتق بطن عمّار بن ياسر ضرباً وركلاً، وكسر أضلاع إبن مسعود حِبِّ رسول الله، ونفى أبا ذر إلى الربذة، فقتل المسلمون خليفتهم، وتم قتله بيد صحابة وأبناء صحابة. ومن بعدها خرجت الفرق الإسلامية تحارب بعضها بعضا وتكفّر بعضها بعضا، حتى مات حول جمل عائشة خمسة عشر ألف مسلم، ومن بعدهم مائة ألف وعشرة من المسلمين في صفّين، لا تعلم من فيهم من يمكن أن نصفه بالشهيد ومن فيهم من يمكن أن نصفه بالظالم المفتري!

أما عن زمن معاوية وولده يزيد فحدث ولا حرج عما جرى لآل بيت الرسول، وكيف تم جز رأس الحسين لترسل إلى العاصمة، وكيف تم غرس رأس زيد بن علي في رمح ثم غرسه بدوره فوق قبر جده رسول الله!. وإن ينسى المسلمون السُّنة، فإنَّ بقية الفرق لا تنسى هذه الأحداث الجسام التي فرَّقتْ المسلمين فرقاً وشيعاً، كلها تمسَّحتْ بالدين وكان الشأن شأن سياسة ودنيا وسلطان.

وإن ينسى المسلمون أو يتناسوا فان التاريخ يقرع أسماعنا بجملة
مسلم بن عقبة المري لتأديب مدينة رسول الله “يثرب” ومن فيها من الصحابة والتابعين بأمر الخليفة القرشي يزيد بن معاوية. فقتل من قتل في وقعة الحرة التي هي من كبرى مخازينا التاريخية، إذ استباح الجيش نساء المدينة أياما ثلاثة حبلت فيها ألف عذراءٍ من سفاح واغتصاب علني وهن المسلمات الصحابيات وبنات الصحابة والصحابيات.

أما زياد بن أبيه، والي الأمويين على إقليم العراق، فقد شرَّع القتل بالظنة والشبهة حتى لو مات الأبرياء إخافة للمذنب، وشرَّع قتل النساء. أما نائبه الصحابي “سمرة بن جندب” فان يديه قد تلوثتا فقط بدماء ثمانية آلاف من أهل العراق على الظن والشبهة، بل اتخذ تطبيق الحدود الإسلامية شكلاً ساخراً يعبر عن تحكم القوة لا حكم الدين، كما في حال “المسود بن مخرمة” الذي نددَّ بشرب الخليفة للخمر، فأمر الخليفة بإقامة الحد إحقاقاً للشرع لكن على المسود بن مخرمة.

ثم لا تندهش لأفاعيل السلطة وشهوتها في التقوى والأتقياء. فهذا الملقب بـ”
حمامة المسجد” عبد الملك بن مروان لكثرة مكوثه في المسجد وطول قراءاته للقران وتهجده ليل نهار، يأتيه خبر أنه قد أصبح الخليفة فيغلق القران ويقول له: “هذا آخر العهد بك”، ثم يقف في الناس خطيباً فيقول:”والله لا يأمرني أحد بتقوى الله بعد مقامي هذا وإلا ضربتُ عنقه”.

ولابد أن يجد
الحجاج بن يوسف الثقفي هنا ولو إشارة؛ لأنه كان المشير على الخليفة؛ ولأنه من قام على إصدار النسخة الأخيرة من القرآن بعد أن عكف مع علماء الأمة على تصويب الإصدار العثماني وتشكيله وتنقيطه بإشراف شخصي دائم منه، ولم يثبت عليه حب الخمر أو اللهو.  لكنه كان أيضا هو الرجل الذي ولغ في دماء المسلمين، وكانت مخالفته في أهون الشئون تعني قص الرقبة، فهو الذي قال:”والله لا آمر أحدا أن يخرج من باب من أبواب المسجد فيخرج من الذي يليه إلا ضربت عنقه”. وهو أحد خمسة ذكرهم عمر بن عبد العزيز قبل خلافته في قوله: “الحجاج بالعراق والوليد بالشام وقرة بمصر وعثمان بالمدينة وخالد بمكة، اللهم قد امتلأت الدنيا ظلما وجورا”.

وقد سار الحجاج على سنَّة سلفه زياد في إعدام النساء والقبض على أهل المطلوب حتى يسلم نفسه، ومنع التجمهر، وإنزال الجنود في بيوت الناس ووسط العائلات يلغون في الشرف كيفما شاءوا إذلالاً للناس وكسرا لإنسانيتهم، حتى انه أعدم من العراقيين في عشرين سنة هي مدة ولايته مائة وعشرين ألفا من الناس بقطع الرأس بالسيف أو الذبح من القفا أو الرقبة، دون أن نعرف من هم هؤلاء الناس ولماذا ذبحوا اللهم إلا على الاحتجاج على ضياع كرامة الإنسان، أو لمجرد الشبهة والظن.

وقد وجد هؤلاء السادة في الذبح والحرق لذة وسعادة، بل فكاهة دموية.
ففي فتوح جرجان سال أهل مدينة طمسية قائد المسلمين سعيد بن العاص بن عم الخليفة القائم عثمان بن عفان الأمان، مقابل استسلامهم على ألا يقتل منهم رجلاً واحداً، ووافق القائد سعيد ففتحوا له حصونهم فقرر الرجل أن يمزح ويلهو ويضحك، فقتلهم جميعا إلا رجل واحد!

وعندما وصل
العباسيون إلى السلطة بدأوا حملة تطهير واسعة شملت من مواطني دمشق خمسين ألفا تم ذبحهم، وجعلوا من المسجد الأموي إسطبلاً لخيولهم. ولما استقام لهم الأمر استمروا على النهج الأموي في ظلم العباد وقهر آدمية الإنسان، وهو ما كان يدفع إلى ثورات، تنتهي بشي الثوار على نيران هادئة، أو بمواجهتهم للضواري في احتفالات رومانية الطابع.

وهكذا كان الإنسان سواءً مواطناً عادياً كان، أم كان في جيوش السلطان، في مقتطفات سريعة موجزة مكثفة من تاريخنا السعيد وزماننا الذهبي الذي يريد الدكتور محمد عمارة استعادته، لماذا؟ يقول لنا تحت عنوان “مميزات الدولة الإسلامية”، إن الشريعة الإسلامية فيها “تفوقت على غيرها من كل الشرائع والحضارات والقوانين الدولية، في أنها جعلت القتال والحرب استثناء مكروها لا يلجا إليه المسلمون إلا للضرورة القصوى”. لذلك يرى الدكتور عمارة: “أن الدولة الإسلامية لم تخرج عن هذا المنهاج السلمي، حتى تضمن الدولة للمؤمنين حرية العيش الآمن في الأوطان التي يعيشون فيها”- مقالاته الحروب الدينية والأديان السماوية 7،8″.

لكن ماذا عند سيادة الدكتور ليقوله بشان تلك الجسام الجلل في تاريخ ما يسميه الدولة الإسلامية؟!.

هذه دولتهم الإسلامية التي يريدون استعادتها لإقامة الخلافة مرة أخرى لتحرير فلسطين والعراق وإعادة الإمبراطورية القوية مرة أخرى. لقد كان زمنا ذهبيا بكل المعاني الذهبية بالنسبة للسادة الفاتحين الغزاة الحاكمين وحواشيهم من سدنة الدين وتجار البشرية، لكنه كان زمانا تعسا بائسا دمويا بالنسبة للمحكومين المغزوين المفتوحين.

وإذا قيل هنا أن ذلك كان منطق ذلك العصر، فلا خلاف أبداً حول قول القائل. وإذا قيل إنه لا يصح محاكمة ذلك الزمان بذوق زماننا الأخلاقي، أيضا ليس ثمة خلاف. لكن الخلاف ينشأ فور القول باستعادة هذا الشكل من الحكم والأنظمة بحسبانها الأمل والمرتجى. هنا لابد أن نحاكمها بذوق أيامنا، لنرى إن كانت هي الحلم المنشود والأمل المفقود، أم ستكون هي الختام لخير أمة أخرجت للأنام!

نشر المقال في مجلة “روز اليوسف”

اعدل بني امية

كان عمر بن عبدالعزيز ( الخليفة الاموي الثامن ) أعدل خلفاء بني أمية وأحسنهم سجية فقد قام بإصلاح الكثير من الامور في عهد خلافته .
ومن أهم هذه الاصلاحات أنه منع سب الإمام علي عليه السلام على المنابر وأمر بإرجاع فدك إلى احفاد الزهراء عليها السلام .

وكان الناس قد اعتادوا آنذاك على سب الإمام علي عليه السلام من على المنابر لأنهم عاشوا اكثر من ستين سنة في ظلم الحكم الاموي الفاسد الذي رسّخ هذه العادة في أذهانهم وجعل منها سنة ثابتة ، ولذلك كان قرار المنع بحاجة إلى خطة قوية وأساسية لتطبيقه والعمل به .

وكان عمر بن عبدالعزيز يعتقد أن الطريق الوحيد للوصلول الى هذا الهدف هو الحصول على فتاوى علماء الإسلام الكبار في هذا الشأن . ففكر في طرح خطة تساعده على تحقيق هذا الهدف ،، فاتفق مع طبيب يهودي وقال : سأدعو جميع العلماء للحضور في مجلس خاص ، فعليك ان تحضر في ذلك المجلس وتطلب يد إبنتي مني في حضورهم .

فسأقول لك : إنّ ابنتي مسلمة ولايجوز لها الزواج من الكافر فعليك أن تجيبني : فلماذا زوج النبي صلى الله عليه وآله وسلم ابنته لعلي عليه السلام وهو كافر ؟ فسأقول لك : لم يكن عليُّ كافراً ، فعليك أن تقول : إن لم يكن كافرا فلماذا تسبونه وتلعنونه على المنابر مع أنكم تعتقدون بحرمة سب المسلم وشتمه ؟!

وتنفيذاً لهذه الخطة أمر عمر بن عبدالعزيز بترتيب ذلك المجلس فحضر فيه العلماء وكبار القوم من بني أمية .

وبينما هم جالسون طلب الرجل اليهودي من الخليفة أن يزوجه ابنته .
فقال عمر : إن الإسلام لايجوّز لنا مثل هذا الزواج لأنه لا يجوز للمرأة المسلمة أن تتزوج مع غير المسلم .

فقال اليهودي : إذن لماذا زوج النبي صلى الله عليه وآله وسلم ابنته فاطمة لعلي بن أبي طالب وهو كافر؟ لفقال عمر : لم يكن علي كافراً بل كان من كبار رجال الإسلام . فقال اليهودي : فلماذا يُسبُّ ويلعنُ على المنابر إن لم يكن كافراً ؟!

فطأطأ الحضار رؤوسهم خجلاً بعد استماعهم لهذا الاحتجاج .
فقال عمر بن عبدالعزيز : فليكن لنا قليل من الانصاف ، أيجوز سبّ صهر النبي صلى الله عليه وآله وسلم مع كل هذا الفضل والكمال ؟
فسكت الحضار وطأطأوا رؤوسهم من الخجل . وهكذا نجح عمر بن عبدالعزيز في تنفيذ قرار منع سبّ علي عليه السلام .