قصيدة الجواهري امين لاتغضب

-أمينُ لا تغضبْ- قصيدة محمد مهدي الجواهري بعد انقلاب شباط 1963


عبدالله الداخل
الحوار المتمدن-العدد: 2550 – 2009 / 2 / 7 – 08:26
المحور: الادب والفن

مقدمة:
ان ما جعلني أكتب عن هذه القصيدة، وأورد نصَّها، هو اعتقادي بعدم توفرها في دواوين الشاعر أو على الانترنت، عدا عن بضعة أبياتٍ هنا وهناك (لا أدري إن كانت موجودة في مكان آخر) ولغرض توفيرها بأفضل شكل ممكن للقراء والباحثين، بسبب أهميتها التاريخية الكبيرة.

محتويات المقال:
أ- عن ظروف القصيدة، ملاحظات عامة عن خلفية الانقلاب.
ب- المكانة التأريخية للقصيدة.
ت- شئ عن بُعد نظر الشاعر.
ث- مراحل القصيدة.
ج- مفردات.
ح- ملاحظة.
خ- النص الأصلي القصيدة.

أ- عن ظروف القصيدة

قيل أن أمين الأعور، الذي كان صحافيا لبنانيا يساريا، قد كتب مقالا غاضبا إثـْرَ الانقلاب العسكري في 8 شباط 1963، في العراق، يتساءل فيه كيف سُمح للوضع في العراق أن يصل الى ما وصل اليه.

لم يكن معظم العراقيين مهتماً بما قاله ذلك الصحافي اللبناني قدر اهتمامهم بالمعارك اليومية: المعارك الحقيقية، معارك الحياة والموت؛ ومن المعروف أن الانقلاب، الذي عُدَّ، على العموم، مفاجئاً، رغم أنه لم يكن كذلك للبعض، أوصل حزب البعث القومي اليميني المتطرف الى السلطة بإسنادِ ما دُعي بالجبهة القومية، وهي خليط يضم أيضا كل المتضررين بسبب الانجازات والتحولات السياسية والاقتصادية والاجتماعية التي أجرتها ثورة 14 تموز 1958 التي قادتها شريحة من “منظمة الضباط الأحرار” بقيادة ضابط برتبة زعيم ركن اسمه عبدالكريم قاسم والتي أنهت حكم النظام الملكي التابع لبريطانيا، وحققت استقلالا فعلياً بإخراج بغداد من حلف بغداد (سُمي “حلف السنتو” أو المعاهدة المركزية فيما بعد)، وترك العراق منطقة الاسترليني، وصدر قانون الاصلاح الزراعي الذي تم بموجبه الغاء النظام الاقطاعي حيث قرر توزيع الاراضي الزراعية على فقراء الفلاحين، وقانون الأحوال المدنية الهادف الى الاصلاح الاجتماعي وتحسين ظروف النساء، كما تم وضع اليد على معظم أرض العراق فيما يتعلق بالتنقيب عن الثروات (سمي الاجراء بقانون رقم 80) كما قامت باجراء تغييرات جذرية أخرى ذات طابع ديمقراطي؛ وكان لابد أن تنال هذه الاجراءات تأييد القوى اليسارية، ومن ورائها ملايين المواطنين التواقين لتغيير وطنهم نحو عراق متقدم يسوده العدل الاجتماعي.

لكن الأخطاء القاتلة التي وقع فيها كلٌّ من عبد الكريم قاسم في التلكؤ في السير الى نهاية الشوط، وقادة الحركة اليسارية في عدم المبادرة الى ازاحة قاسم واستلام السلطة ومواصلة المسير، منح زمام المبادرة لقوى اليمين التي كانت توجه سياسات قادتهِ الجاسوسية الغربية.

جاء الانقلاب إذن انتقاما صريحا لما حصل بعد الرابع عشر من تموز من انهاء النظام الملكي التابع لبريطانيا، ومن اصلاحات جذرية، اقتصادية وسياسية، وانتقاما من قادة الثورة لأنها قامت، تحت ضغط اليسار، بتصفية أولئك المغامرين الذين كانوا هم المبادرين الى استعمال العنف ابان الأشهر الأولى للثورة وذلك في محاولتين اساسيتين (فشلت كلاهما) لتغيير مسار الثورة بحجة الوحدة الفورية مع الجمهورية العربية المتحدة التي كانت مؤلفة من مصر وسوريا، بقيادة الرئيس المصري جمال عبد الناصر: المحاولة الأولى من قبل الضابط الثاني في قيادة الثورة العقيد عبد السلام عارف ظهير الحركة القومية متحالفا مع الضابط النازي القديم (المتقاعد) رشيد عالي الكيلاني والقوى القومية اليمينية، وذلك في شتاء 1958؛ وجاءت المحاولة الثانية في الموصل في آذار/مارس 59 وسميت بحركة الشواف، رغم ان قائدَيْها الفعليَّيْن كانا رفعت الحاج سري، الرئيس السابق لمنظمة الضباط الاحرار وناظم الطبقجلي قائد الفرقة الثانية في كركوك، أوشك فيها القوميون على احتلال المدينة، وقاموا بالفعل بعد احتلال بعض المواقع بتنفيذ أحكام الاعدام الفاشية بحق بعض اليساريين مثل المحامي المعروف كامل قزانجي والضابط عبدالله الشاوي وآخرين، ولم يتسنَّ لهم المجال لإعدام ستين آخرين من قادة الحركة اليسارية في الموصل والذين وقعوا في الأسر عدا إثنين منهم أفلتا من قبضتهم لانهما كانا في غاية الحذر، وقد تم إفشال المحاولة بفضل تظافر قوات حكومة الثورة مع القوى الوطنية في المدينة ومن خارجها، ولم يكن من السهل القضاء على تلك الحركة المسندة من قبل القوى القومية وعبد الناصر الذي كان قد أرسل للإنقلابيين معونات تحتوي على جهاز بث اذاعي.

بعد هاتين المبادرتين الفاشلتين تعلمت الرجعية العراقية دروساً في التنظيم الأفضل والتخطيط الأدق، فضمت الجبهة القومية إذن عناصر العهد الملكي السابق الخاضع مباشرة لتوجيهات بريطانيا (كان يُطلق عليه “عهد نوري السعيد”، وهو رجل المخابرات البريطانية، حامي النظام الملكي، من أصل تركي كان يترأس الوزارات العراقية كلما تطلب الأمر، وحين تعرض النظام الى الهزات)؛ كما ضمت أركان النظام الاقطاعي السابق من العرب مثل آل العريبي والخليفة في الجنوب وآل الياور في الشمال (الموصل، عائلة غازي الياورالذي عُين رئيسا للجمهورية بعد الاحتلال الأخير، وهو من أقارب أحمد عجيل الياور، الاقطاعي الذي لعب دوراً معروفاً في اسناد الردة الرجعية في العراق بعد ثورة 14 تموز 58) الى جانب حزب البعث وأحزاب وقوى يمينية أخرى.

تشير بوضوح دراساتٌ تأريخية كثيرة وتصريحاتُ مسؤولين بعد انقلاب شباط (مثل على صالح السعدي، رئيس وزراء الانقلابيين، وحسين، ملك الأردن، ابن عم فيصل الثاني ملك العراق الذي قـُتل في 14 تموز)، تشير الى أن الانقلاب كان قد خـُطط له وتم الاشراف المباشر عليه من قبل المخابرات الأميركية والبريطانية.
ما تقدم مجرد ملاحظات عن خلفية الانقلاب، ولا أدّعي أنه بحثٌ متكامل.

ب- المكانة التأريخية للقصيدة

وصلتُ مدينة العمارة (في الجنوب الشرقي من العراق) في أواسط نيسان/أبريل من ذلك العام الحالك، وحللتُ ضيفا لدى عائلة من الأقارب لبضعة أيام، وكان صوت المذياع عالياً في المدينة، خاصة في المحلة الفقيرة التي كنتُ فيها، إذ صادف أنني سرتُ في أزقتها ساعة بث القصيدة، والتي تم بثها عدة مرات، ليسمع الجميع صوت الشاعر الأكبر، مخاطباً بغداد، مندّداً بالانقلابيين وبعبد السلام عارف وجمال عبد الناصر وشيخ الأزهر محمود شلتوت (الذي “بارَكَ” الانقلاب) وإدارة كندي الأميركية، التي يسميها الشاعر “الكنديين”، وكنتُ معجبا بجرأة أهل العمارة في رفع صوت الراديوات، رأيتُ في ذلك خطرا عليهم، لكنهم لم يكونوا ليأبهوا، إذ لم أكن أدرك، أنا القادم من بغداد، حقيقة قلة عدد البعثيين في المدينة، إذ لم تكن الحال كما هي في العاصمة، ربما بسبب حقيقة أخرى، تأريخية مهمة، لم يُشَرْ إليها بوضوح من قبل المؤرخين، وهي أنه قد تم قـُبَيْل الانقلاب توجيه البعثيين “الحزبيين” من كل أنحاء العراق بالذهاب الى العاصمة مع الاهتمام بالشقاة، وخاصة منهم أولئك الذين يُطلق العراقيون عليهم اسم (السَّرسَرية). ولم أكن أعرف شيئاً عن مدينة العمارة، فلم يسبق لي أن عشت فيها، ولم تكن تخلو طبعاً من البعثيين والقائمين بأعمال التعذيب، ولا من أخبار يتم تناقلها بالتفصيل عن أحوال الموقوفين في المدينة وعن التعذيب وعن جثث مجهولة الهوية كانت تطفو على النهر بين الحين والحين.

كان صوتُ الجواهري هادراً وكان يتهدّجُ، من الحزن حيناً، ومن الغضب أحياناً؛ فهو يوصي في القصيدة بالصبر، ولكن غضبه هو كان بحراً هائجاً، طافحاً؛ كان غضباً حقيقياً، قاسياً،لا يعرف الصبر، وسْطَ عواصف من غضب جمهورٍ بدا أشدَّ غضباً وأمواج من التصفيق الطويل.

لقد تمكنت هذه القصيدة، وبصوت الجواهري من اذاعة صوت الشعب العراقي في أوربا الشرقية، أن ترفع معنويات جماهير العراقيين الى مستوى لم يتوقعه أحد وسط اشتداد وطأة الارهاب الفاشي الذي راح ضحيته الآلاف من خيرة العراقيين، حيث تعرض للإعتقال، وما انطوى عليه من تعذيب وقتول وتشويه جسدي ونفسي وارهاب ومحاكمات وحرمانات، ما يقرب من مليون مواطن حين كانت نفوس البلاد لا تتجاوز الستة ملايين ونصف.

إذن فبغض النظر عن تغيُّر هذا الظرف أوذاك، ورغم انحراف هذا الكاتب أو ذاك، تظل قصيدة “أمينُ لا تغضبْ” للأستاذ محمد مهدي الجواهري، عَلـَماً بارزاً في الكفاح الفكري، يَصْدقُ تشبيهُه برواية “الأم” لمكسيم كَوركي التي صدرت بعد فشل ثورة 1905 في روسيا، وربما كانت أعمق وأعم تأثيراً، وأبقى أيضا، في العراق، لدى المقارنة، مع الفوارق!

ت- بُعد نظر الشاعر:
1
في قاسم
يكفي أن نقول ان الشاعر الكبير اختلف مع عبد الكريم قاسم بسبب سياسته الرعناء في العفو عن المجرمين التي تمثلت بشعار قاسم الساذج “عفا الله عما سلف”، تلك السياسة التي أوصلت العراق الى نجاح انقلاب شباط.
ورغم أن علاقتهما كانت قديمة، منذ لقائهما في لندن في الاربعينات، فانها انقطعت بعد ذلك بسبب ظروفهما، ثم التقيا ثانية بعد الثورة، حيث أصبحت صداقتهما أوطد خلال السنة الأولى بعد الثورة. كان قاسم زعيما سياسيا وكان الجواهري زعيما فكرياً، حيث كان قاسم يُظهر احتراما كبيراً للجواهري. لكن سياسة قاسم الثنائية أوصلته فيما بعد الى تأليب الكتاب اليمينيين ضد الجواهري. ولم يسكت الشاعر عن السياسة الغبية تلك وأعاد على أسماعه ما كان قد قاله أيام بكر صدقي عام 1936:

تصور الأمرَ معكوساً وخذ مثلا
عما يفعلون لو أنهمْ نـُصِروا

فضيق الحبلَ واشدُدْ من خناقِهمُ
فربما كان في إرخائهِ ضررُ

وأيّ ضرر!
بيد ان هذا التنبيه لم ينفع بشئ، مما أدى الى احتدام الخلاف بين الصديقين.

2
في الانقلابيين ومن آزَرَهم:
إن البيت:

واتصلت زوراً وقد أقسمت
بالعروة الوثقى على الانفصامْ

يشرح نفسه للمتتبع للأحداث التاريخية في العراق.

ث-
تقسم القصيدة الى أجزاء أو مراحل:

1
الأبيات التسعة الأولى
عبارة عن مقدمة في مخاطبة الصحافي.

2
الأبيات رقم 10-22، مخاطبة بغداد، وتشكل مقدمة فذة لما يريد الشاعر قوله لاحقاً.

يا دارة َالمجد ودار السلامْ
بغدادُ يا عِقـْدا ً فريدَ النظامْ

3
الأبيات 23-29 الشاعر يرجو المخاطب التريث والامهال، لأسباب.
أمينُ خلِّ الدمَ ينزف دماً
ودعْ ضراماً ينبثقْ عن ضرامْ

تجدر الاشارة هنا الى أن الشاعر خاطب جمهوره قائلا:”هذا ما لن يُقرأ”؛ معنى ذلك أن الشاعر كان قد حذف بيتاً أو مجموعة أبيات من القصيدة الأصلية قبل البيت رقم 30، وأعتقد أنها مجموعة أبيات لم يقرأها، ومن الضروري أن يهتم بها المختصون وأن يحاولوا معرفة ما كانت تلك الأبيات.

4
كشف حقيقة الانقلابيين
من البيت رقم 30 الى 46
أمينُ ألقى الغيُّ أستارَهُ
وانزاحَ عن وجه النفاق اللثامْ

5
بيتان للتمهيد للإنقضاض على محمود شلتوت

والاشتراكية ُمدعومة ًبالدين
خصمان شديدا خصـامْ

تـُستـَنزَلُ الآية ُمعكوسة ً
في مطمع ٍأو شهوةٍ أو عُرامْ

6
الأبيات 48-56 في محمود شلتوت.

7
الأبيات 57-61 في عبد السلام عارف.

8
62-67، الختام.

ج- مفردات:

العيد: (هنا) عيد الفطر الذي حل بعد اسبوعين من الانقلاب.
الرَّغام: التراب
جيشٌ لآم: غفير ومتراص.
الجِمام: الراحة
يُشام: يُرنى إليه، يُتطلـَّع له.
الأ ُوام: حرارة العطش.
شذا: (هنا) أذى (وليس قوة الرائحة)
مُدى: جمع مُدية، وهي الشفرة أو نصل السكين
الحِمام: الموت
أكام: تلال
الصفا وزمزم والمُقام: أسماء أماكن
الخنى: الفحشاء
دِمام: (هنا) دِمم، جمع دِمّة، وهي القملة أو النملة أو ما شابه.

ح-
ملاحظة:

للأمانة التأريخية أنقل هذه القصيدة كما قـُرِأت من قبل الشاعر دون تغيير، أي كما وردت في المسودة الأولى، وسيلاحظ القارئ أنها تحتوي على بعض الأمور الأصيلة authentic، كتكرار الرويّ في البيتين 15 و 16، وهو، كما أشرتُ سابقاً، أمر نادرٌ جدا في شعر الجواهري العظيم.
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

خ- النص الأصلي للقصيدة

أمينُ لا تغضبْ
لشاعر العرب الأكبر محمد مهدي الجواهري

1
أمينُ لا تغضبْ فيومُ الطـَّغامْ
آتٍ وأنفُ شامتٍ للرَّغامْ

2
أمينُ لا تغضبْ وإنْ هُتـِّكَ الـ
سِّتـْرُ وديستْ حُرُماتُ الذ ِّمام

3
وإنْ غدا العيد وأفراحُهُ
مآتِما ً في كل بيتٍ تـُقامْ

4
عند البطون ِالطاهراتِ التي
ما إنْ بها عن كل خير ٍعُقام

5
مدَّخـَرٌ للخائضينَ الوَغى
العام تلو العام، جيشٌ لـَآمْ

6
أمينُ لا تغضبْ فإنَّ الحِمى
يمنعُهُ فتيانـُهُ أنْ يُضــامْ

7
خمسونَ عاماً وقتيلُ الكفاح
يشيبُ منه الطفلُ قبل الغلام

8
خضناهُ جبّارينَ في سوحِهِ
أهونُ ما نلقاه موتٌ زُؤامْ

9
أمينُ كم من مَثـَل ٍ سائر ٍ
يضرِبُهُ الشعب عليه السلامْ

10
يا دارة َ المجد ودارَ السلامْ
بغداد يا عِقـْداً ً فريدَ النظامْ

11
يا أمَّ نهرَيْن ِاستفاضا دما ً
ونعمة ً من عهدِ سام ٍ وحامْ

12
من عهدِ سنحاريب إذْ نينوى
يتوّج الحكمة َ منها النظامْ

13
وعهدِ حــامُورابْْ إذ ْ بابلٌ
للكون في الأحكام منها احتكامْ

14
شعارُها الشمس وعنوانـُها
سنابلُ القمح، وعدلٌ يُقامْ

15
وبابلٌ تضمُّ كل اللـُّـغى
وسِحرُها يجذِبُ كلَّ الأنامْ

16
وعهدِ هرون وفي حكمه
غمامة ٌ تصوبُ كل الأنام

17
إذ شهرزادٌ عن حقيقِ المُنى
تقصُّ عن أحلامها في المنامْ

18
بغدادُ والتأريخُ ذو أشطر ٍ
وشرُّ شطريهِ عهودُ الجـِمام

19
يغدو بها المُدْرِكُ ما لا يُرامْ
مُيَسّرَ المأخذِ، سهلَ المَـرامْ

20
يغفو على المجدِ وأحلامه
حتى إذا الغرورُ منـّاهُ، نامْ

21
حتى إذا صحا رأى كوكبا ً
في كفـّه أصبحَ برقا ً يُشامْ

22
أمينُ خلِّ الدَّمَ ينزِفْ دمـاً
ودعْ ضراما ً ينبثقْ عن ضرامْ

23
وخلِّ سوحَ المجد ينهضْ بها
ركامُ موتٍ عن بقايا رُكامْ

24
ودعْ مُدى السفـّاح مشحوذة ً
ظمآنة ً، يُبَلُّ منها الأ ُوامْ

25
فما استطابتْ أمة ٌ نشوة ً
للنصر، إلاّ من كؤوس الحِمامْ

26
وأنفـُسا ًواثقة ً خلـَّها
تزحمْ جدارَ الموت بالارتطامْ

27
فالسيف يُعلى من شذا حدِّهِ
يومَ التنادي كثرة ُ الإنثلامْ

28
أمينُ، خلِّ الرعبَ ينشرْ بها
جوّا ً مُضِدّا ً وسماءا ً تـَغامْ

29
فالصبحُ أبهى ما يُرى حسنُهُ
إذا استطالت غَمَراتُ الظلامْ

30
أمينُ ألقى الغيُّ أستارَهُ
وانزاحَ عن وجهِ النفاقِ اللثامْ

31
ما أقذرَ الفِسْق وإنْ ألـَّفـَتْ
بين الزواني روعة ُ الإنسجامْ

32
إنَّ الشعوبَ اقتـُسِمتْ عَنوة ً
للكنديـينَ اقتسامَ السهام

33
فسلـَّمَتْ كُرها ً مقاليدَها
واستسلمتْ طوعاً الى العمِّ سامْ

34
واغتصبتْ أعناقـَها غارقا ً
في دمِ آلاف الضحايا الذمام

35
ليس لها من أمرها ثالثٌ
إما الموالاة وإما الحُسام

36
تنزو الى الحُكم بها شهوة ٌ
كشهوةِ الحبلى اعتراها الوِحامْ

37
وتنبري الطغمة ٌعن طغمةٍ
مثلَ العنوز انحدرتْ من أكامْ

38
قاستْ مقاييسا ً بأضدادها
وزوّرت كلَّ معاني الكلامْ

39
بالنور ِسَمَّتْ ظـُلمة ً والهدى
ظلالة ً، ورجعة ً بالأ َمام

40
وحقدَها الأعمى منارَ الهدى
وحُكمَها الأعرجَ لـَبْـنَ القـَوام

41
وخطـّت اللهَ على صدرها
وخوّضتْ بالدم ِحتى الحِزام

42
واغتلمَتْ بالدم لا ينتهي
منه ومنها طربٌ واغتلامْ

43
وخافت الفكرَ وأنوارَهُ
خيفة َعدوى جَرَبٍ أو جُذامْ

44
تبنـّت الوحدة َ إذ بعضُها
يذبح بعضا بسيوف الغرام

45
واتصلتْ زوراً وقد أقسمت
بالعروة الوثقى على الإنفصامْ

46
والإشتراكية ُمدعومة ً بالدين
خصمان، لديدا خصام

47
تـُستنزَلُ الآية ُ معكوسة ً
في مطمع ٍ أو شهوةٍ أو عُرامْ

48
أمينُ هل جاءكَ ما حَلـَّه ُ
بالأزهر المظلوم ذاكَ الإمام

49
خليفة ُ اللهِ على عرشِهِ
أضحى أجيرا ًلعروش الطـُّغام

50
عَمامة ٌ لـُفـَّتْ على سَوْأةٍ
لها بخزي ٍ باض فيها دِمام

51
وهامة ٌ يأنفُ من حَمْلِها
ذو نخوةٍ أو أصيدٌ أو هـُمام

52
باركَ بغدادَ وسفـّاحَها
بمأثم ٍ يخجلُ منه الأثام

53
وهنـّأ َالفِرعون في مصرِهِ
بينَ الغواني وكؤوس المَدام

54
أن العراقَ انتـُهـِكتْ دورُهُ
عَشِـيّة ً، ثم استتبَّ النظام

55
أفتى بأنَّ حُرُماتٍ حرامْ
ديسَتْ حلالٌ وسواها حرام

56
أفتى بأن الطفلَ بعد الرضاع
يُفطـَمُ، والذبحُ له كالفِطام

57
من مُبْـلِـغُ الفاجرَ في ضَحْوَةٍ
على رؤوس المَلأِ المُسْـتـَضام

58
يا عبدَ حربٍ وعدوَّ السلام
يا خزيَ من زكـّى وصلى وصام

59
يا سُبـَّة ََالحجيج في عَمْـرةٍ
بين الصفا وزمزم ٍ والمُقام

60
يا ابنَ الخـَنا إنَّ دماءَ الكرامْ
نارٌ تـَلـَظـّى في عروق اللئام

61
وللضحايا من جِراحاتها
أيُّ عيون ٍ خـُزّر ٍ لن تنام

62
أمينُ صبرا ً فالخطوبُ الجِسام
تعْلـَقُ حُبا ً بالهموم الضِّخام

63
صبرا ً فأمُّ الشرِّ في بطنها
فردٌ، وأمُّ الخير فيها تـُؤام

64
للحق في الأرض انتفاضاتـُهُ
وللوعود في السماء التزام

65
صبرا ًفقد نصبر كي نلتقي
بالجزء من ثانيةٍ طولَ عام

66
نـَفـْحَ التحيات وصوبَ الغـَمام
على الهـُداةِ الشهداء الكرام

67
على نسورٍ، هم وأجداثـُهُم
عِطـْرُ التحيات ومِسْكُ الخِتام.

امين


أصل الكلمة :
——-

* جاء هامش الإنجيل طبعة دار الكتاب المقدس صفحة 548 :

( آمين ( حقا ) كلمة من الكلما ت الآرامية الأربع التي حفظت في النص اليوناني في صيغ العهد الجديد الطقسية .
إنها تؤكد على أمانة الرب وإيمان الإنسان خلافا لما كان يفعل الربانيون ،
كان يسوع يستهل أقواله بقوله ( آمين أقول لكم ) في الأناجيل الأزائية أكثر من خمسين مثلا على ذلك .
أما الإنجيل الرابع ، فانه يكرر كلمة آمين مرتين للتأكيد على القول والتفخيم : آمين ، آمين ، أقول لكم ، يو 1 / 51 ،

* لكن لفظ آمين يكون في أغلب الأحيان خاتمة لليترجية ، وفي ليترجية الافخارستيا مثل بليغ ( راجع روم 16 / 27 و 1 قور 14 / 16 ورؤ 5 / 14 ويستعمل سفر الرؤيا مفردات بولس فيسمي يسوع ( آمين ) ( رؤ 3 / 14 ) انتهى .

رأي أهل بيت النبوة الطاهرين عليهم السلام :
——————————
قال الصدوق في كتاب من لا يحضره الفقيه:1/390 ( وإذا فرغ الإمام من قراءة الفاتحة فليقل الذي خلفه ( الحمد لله رب العالمين ) ولا يجوز أن يقال بعد قراءة فاتحة الكتاب ( آمين ) لأن ذلك كانت تقوله النصارى ) انتهى .
وروى في تهذيب الأحكام:2 /75 ( عن معاوية بن وهب قال قلت لابي عبد الله عليه السلام ( الإمام الصادق ) : أقول آمين إذا قال الإمام غير المغضوب عليهم ولا الضالين ؟ قال : هم اليهود والنصارى ! ولم يجب في هذا ) انتهى .

وروى في الإستبصار:1/318 عن الإمام الصادق عليه السلام أيضا أنه قال ( إذا كنت خلف إمام فقرأ الحمد وفرغ من قرائتها فقل أنت الحمد لله رب العالمين ولا تقل آمين ) انتهى .

* في عيون أخبار الرضا للصدوق: 2 / 147من مناظرة الإمام الرضا عليه السلام مع جاثليق النصارى:
( ثم انك تقول من شهاده عيسى على نفسه حقا اقول لكم : يا معشر الحواريين انه لا يصعد الى السماء إلا من نزل منها إلا راكب البعير خاتم الانبياء فانه يصعد الى السماء وينزل فما تقول في هذا القول ؟
قال الجاثليق : هذا قول عيسى لا ننكره ). انتهى.

* نعم ورد في روايات أهل البيت عليهم السلام استحسان كلمة آمين في غير الصلاة ،
ومن المحتمل أن تكون دخلت الى اللغة العربية من يهود المدينة أو من نصارى الشام ونجران ثم صار معناها ( اللهم استجب ) لكن مع ذلك نهى أهل البيت عنها في الصلاة ،
واستنكروا أن يكون النبي صلى الله عليه وآله قالها في صلاته .

رأي اللغويين :
————–

* قال الراغب الإصفهاني في المفردات ص 26 ( آمين : يقال بالمد والقصر ، وهو اسم للفعل نحو صه ومه . قال الحسن : معناه استجب . وأمن فلان إذا قال آمين .

* وفي القاموس الفقهي للدكتور سعدي أبوحبيب ص 26 :
آمين : اللهم استجب .
وهو قول الجمهور من أهل اللغة والفقه .
وهي موضوعة موضع اسم الاستجابة في قول أهل العربية .
وقال عطية العوفي : آمين : كلمة سريانية ، أو عبرانية ، وليست عربية .
وقد تشدد الميم عند بعض العلماء فتكون بمعنى قاصدين إليك .
وهذا خطأ في قول مشاهير أهل العلم ، لانه يحيل معناها عقب الفاتحة ، فيجعله بمعنى قاصدين كما في الآية الكريمة : ( ولا آمين البيت الحرام ) ( المائدة : 2 ) .

* وفي لسان العرب لابن منظور: 13/27 :
وكيف ذلك وقد حكي عن الحسن ، رحمه الله ، أنه قال : آمين اسم من أسماء الله عز وجل ، وأين لك في اعتقاد معنى الجمع مع هذا التفسير ؟
وقال مجاهد : آمين اسم من أسماء الله ، قال الأزهري : وليس يصح كما قاله عند أهل اللغة أنه بمنزلة يا الله وأضمر استجب لي ، قال : ولو كان كما قال لرفع إذا أجري ولم يكن منصوبا ….

والتأمين : قول آمين . وفي حديث أبي هريرة : أن النبي ، صلى الله عليه وسلم ، قال : آمين خاتم رب العالمين على عباده المؤمنين ، قال أبو بكر : معناه أنه طابع الله على عباده لأنه يدفع به عنهم الآفات والبلايا ، فكان كخاتم الكتاب الذي يصونه ويمنع من فساده وإظهار ما فيه لمن يكره علمه به ووقوفه على ما فيه .
وعن أبي هريرة أنه قال : آمين درجة في الجنة ،
قال أبو بكر : معناه أنها كلمة يكتسب بها قائلها درجة في الجنة .
وفي حديث بلال : لا تسبقني بآمين ، قال ابن الأثير : يشبه أن يكون بلال كان يقرأ الفاتحة في السكتة الأولى من سكتتي الإمام ، فربما يبقى عليه منها شئ ورسول الله ، صلى الله عليه وسلم ، قد فرغ من قراءتها ، فاستمهله بلال في التأمين بقدر ما يتم فيه قراءة بقية السورة حتى ينال بركة موافقته في التأمين .
——————–

والنتيجة :
——–
– أن أهل البيت عليهم السلام نهوا عن قولها في الصلاة لأنها بدعة ،
وكذبوا أن يكون النبي صلى الله عليه وآله قالها في صلاته .

– يستحب في مذهب أهل البيت عليهم السلام أن يقال بعد قراءة الحمد :
( الحمد لله رب العالمين ) وهي أبلغ من قول آمين ..

لأن المصلي يطلب الهداية الى الصراط المستقيم ،
ثم يحمد الله تعالى على هدايته .

أما الذي يقول آمين ،
فكأنه لايعرف هل هداه الله الى الصراط المستقيم أم لا ؟!!


عقب كذلك بعدها قائلاً :

حسب تتبعي فإن أول من اخترع ذلك أبوة موسى الأشعري ،

وقد أعجب ابن الزبير فاستعمله في مكة !

قال ابن حزم في المحلى:3 / 263 :
( حدثنا حمام ثنا ابن مفرج ثنا ابن الاعرابي ثنا الدبرى ثنا عبد الرزاق عن ابن جريج قال : قلت لعطاء : أكان ابن الزبير يؤمن على إثر أم القرآن ؟ قال : نعم ، ويؤمن من وراءه ، حتى ان للمسجد للجة ) انتهى.

وسؤال ابن جريح لعطاء ، فيه دلالة على أن هذه البدعة لم تكن رائجة ،
ولذا سأله عن ابن الزبير هل كان يأمر بها المصلين خلفه ..

فأجابه نعم وكان للمسجد لجة أي دوي أعجبه ..

ولوكان هذا الدوي في صلاة النبي صلى الله عليه وآله لنقله الرواة !!