ازرا باوند

«أناشيد عزرا باوند».. حداثة الصورة الشعرية فى الأدب الأمريكى

أحمد نبيل خضر22 يناير 2016
صدر حديثًا عن المركز القومى للترجمة، ضمن سلسلة الشعر، الجزء الثانى من مختارات أناشيد “عزرا باوند”، من ترجمة وتقديم وتعليق حسن حلمى.

ولد عزرا باوند، فى آيداهو العام 1885، وغير شكل الشعر الأمريكى كجزء من الحركة الحداثية والتصويرية، وما سمى بالحركة الدوامية “جماعة لندن”، التى ضمّت العديد من الفنانين التشكيليين والأدباء.
تلقى باوند تعليمه فى جامعة بنسلفانيا وكلية هاملتون، وعندما انتقل إلى إنجلترا لعب دورًا أساسيًا فى تعزيز الحركتين التصويرية والدوامية، وأسهم فى بدايات الحداثة الإنجليزية.
يعد من أهم رواد الحداثة فى الشعر والأدب ولعله أهمهم على الإطلاق، وتنوعت أعماله بين الشعر والنقد والاقتصاد والسياسة والموسيقى، نشر آخر مجموعة من الأناشيد عام 1970، توفى بمدينة البندقية عام 1972.
يرى باوند أن على المبدع أن يبقى فى حركة دائمة ومستمرة وأن يتغير مع الحياة ويغير حتى أسلوبه فى الكتابة وطريقه الذى يتبعه ككاتب، ويقول “أنت تحاول أن تترجم الحياة بطريقة لا يملها الناس، وتحاول أيضًا أن تدوّن ما ترى”.
واحتفظ “باوند” بنصيحة أربعة من أسلافه الشعراء هم “فورد مادوكس فورد، ووليم ييتس، وتوماس هاردى، وورورت بريدجس”، ويقول “كانت نصيحة بريدجس أبسطها، فقد كان يحذر من الألفاظ المتجانسة، ونصيحة هاردى كانت التركيز على القضية لا على الأسلوب، “فورد” كانت نصيحته بشكل عام هى طازجة اللغة. أما “ييتس” كتب قبل العام 1908 قصائد غنائية بسيطة بحيث لم يكن هناك انحراف عن ترتيب الكلمات الطبيعى”.
مترجم الكتاب حسن حلمى، أستاذ الأدب الإنجليزى بجامعة الحسن الثانى بالمغرب، له عدد كبير من الأعمال، منها “فيرجينا ولف: قصص مختارة عن جامعة الحسن الثانى: الدار البيضاء”، “خورخى لويس بورخيسك: مختارات من شعره”، “مختارات من الشعر الأمريكى المعاصر” عن دار شرقيات، “راينر ماريا رلكه: مختارات شعرية، عن المجلس الأعلى للثقافة”.
ومن أشعار “باوند”، قصيدة “العلية”، بترجمة قديمة لـ آزاد اسكندر:
تعال، لنشفق على هؤلاء الذينهم فى بحبوحةٍ أكثر مناتعال يا صديقى وتذكرأن الموسرين لديهم خدموليس لديهم أصدقاءونحن لدينا أصدقاءوليس لدينا خدمتعال، لنشفق على المتزوجين وغير المتزوجين.الفجر يدخل بقدميه الصغيرتينمثل بافلوفا مذهّبةوأنا قريب من رغبتىلا شىء يضج بالحياة أكثر منساعة البرودة الصافية هذهساعة الصحو سوية
ـــــــــــــــــــالمصدر: http://www.mobtada.com/details_news.php?ID=431329

ازرا باوند

عزرا باوند.. العبقرية الشعرية والسقوط السياسي

التقدمية والرجعية لا تنطبق على الشعر

باريس: هاشم صالح 

يشكل كتاب «عزرا باوند.. البركان الوحيد» مدخلا ممتازا إلى عالم هذا الشاعر، حياته وأعماله الشعرية. ومؤلفه هو البروفسور جون تايتل أستاذ اللغة والآداب الإنجليزية في إحدى جامعات نيويورك.من المعلوم أن عزرا باوند يعتبر أحد أهم الشعراء الذين أنجبتهم أميركا في تاريخها كله. ورغم السمعة السيئة التي لحقت به بسبب انحيازه إلى موسوليني إبان الحرب العالمية الثانية فإن شاعريته لم تتأثر بذلك كثيرا. والواقع أن مسألة التقدمية والرجعية لا تنطبق على الشعر؛ فكثيرا ما نرى شخصا رجعيا في أفكاره ولكن شعره من أروع ما يكون. وكثيرا ما نجد شخصا تقدميا ولكن شعره تافه لا معنى له. هل كان بدوي الجبل تقدميا يا ترى؟ أو نزار قباني؟ أو شارل بودلير؟ وبالتالي فلنكف عن هذه التصنيفات السطحية.
ورغم كل تقلباته وما حل به فإن عزرا باوند مارس تأثيرا كبيرا على شعراء وكتاب آخرين ليس أقلهم جيمس جويس وت. س. إليوت وإرنست همنغواي وغيرهم.
لكن من هو عزرا باوند؟ على هذا السؤال يجيبنا المؤلف قائلا: «لقد ولد في الولايات المتحدة عام 1885 ومات في البندقية بإيطاليا عام 1972. أي أنه عاش عمرا مديدا يتجاوز السابعة والثمانين عاما. وكان شاعرا وموسيقارا وناقدا أدبيا من الطراز الأول. وقد انضم إلى الحركة الحداثية للشعر الأميركي في العشرينات من القرن الماضي، عندما كان لا يزال في بدايات حياته الأدبية. وغالبا ما صنفه النقاد آنذاك في خانة (الجيل الضائع)، وهي تسمية من أجمل ما يكون. ما معنى شعر من دون تيه أو ضياع؟ وقد التقى به آنذاك الناقد هوف كبينير وخرج بالانطباع التالي: لقد شعرت فجأة بأني في حضرة الحداثة الشعرية والفنية! إنها متجسدة كليا في شخصه تماما كبقية المغامرين الذين يلقون بأنفسهم في متاهات التجريب الخلاق».
بين عامي 1900 – 1905 درس عزرا باوند الأدب المقارن في جامعة بنسلفانيا في نيويورك، ولكنه غادر أميركا إلى أوروبا عام 1908 وعمره لا يتجاوز الثالثة والعشرين؛ لأنه كان عاجزا عن التأقلم مع المجتمع الأميركي.
كان غريب الأطوار؛ أي شخصا لا امتثاليا ولا اجتماعيا. وهنا تكمن إحدى سمات المبدعين الكبار. هل كان بودلير متصالحا مع المجتمع؟ أو رامبو؟ أو هولدرلين؟ لقد جننوه.. وعاش في البندقية أولا، ولكنه لم يبق فيها إلا فترة قصيرة؛ إذ سرعان ما انتقل إلى لندن عاصمة الآداب الإنجليزية ومحجة كل شعراء أميركا وأدبائها في ذلك الزمان. وهناك التقى كبار الكتاب الإنجليز من أمثال: جيمس جويس، فورد مادوكس فورد، ويندهام لويس. وكان لا يزال ينتمي آنذاك إلى الحركة التصويرية، وهي حركة أدبية انخرطت في التجريب الشعري عن طريق استخدام لغة غنائية.
وكانت متأثرة بآداب الشرق الأقصى والشعر الياباني على وجه الخصوص. وكانت الجماعة التي تنتمي إلى هذه الحركة تنشر أعمالها في مجلة تدعى «الأناني». لاحظ هذا الاسم الاستفزازي ما أجمله! هل يمكن للمبدع أن يكون إلا أنانيا متقوقعا على ذاته؟ هل يمكن أن يكون إلا نرجسيا؟ وبعد أن التقى عزرا باوند النحات هنري غودييه برزيسكا، تشكلت الحركة «الدوامية» في الشعر الإنجليزي، وهي حركة تجريبية أيضا وقريبة من التيار المستقبلي في الشعر وتشكل آخر صرعة. وعموما فهي تركز على الكثافات الشعرية إلى أقصى حد ممكن.
ثم التقى عزرا باوند أثناء الحرب العالمية الأولى بالشاعر الكبير ويليام بتلر ييتس في آيرلندا، وأصبح سكرتيرا له، مثلما أن صموئيل بيكيت سيصبح سكرتيرا لجيمس جويس لاحقا. وفي عام 1914 تزوج باوند بالفنانة دورثي شكسبير. لاحظوا الاسم! وبعدئذ تعلم اللغة اليابانية وراح يهتم بالشعر الغنائي السائد في الشرق الأقصى. وفي عام 1915 ابتدأ بكتابة رائعته الأدبية «كانتوس»، أي أناشيد. وقد اشتغل عليها طيلة حياته كلها.
وبعدئذ جاءت المرحلة الباريسية من حياة عزرا باوند. وهل يمكن لأي مبدع في العالم ألا يمر بباريس يوما ما؟ ما معنى الشعر بلا بوهيمية أو تسكع في شوارع باريس إلى ما لا نهاية؟ ما معناه من دون مغازلات حرة ومناوشات؟ نعم في عام 1920 وصل عزرا باوند إلى باريس وانضم بسرعة إلى جماعة الأدباء والفنانين الباريسيين التي ولدت الحركة الدادائية أولا، فالسريالية ثانيا. وراح يستقبل في شقته الباريسية المتواضعة أهم الكتاب الفرنسيين من أمثال جان كوكتو، وأندريه بريتون، وبقية المجانين والمبدعين. وكان كريما جدا. ما معنى شاعر بخيل؟ كل الناس يمكن أن يكونوا بخلاء ما عدا الشاعر أو المجنون.
وقد شاءت الصدفة أن يكون همنغواي في باريس أيضا. وقد زاره في شقته التي كانت مفتوحة للجميع. وقد أثر عزرا باوند على إرنست همنغواي من الناحية الأدبية، فتحسن أسلوبه بفضل النصائح التي أسداها له، وهي نصائح لم يكن يلتزم بها هو دائما! ويرى المؤلف أنه بفضل عزرا باوند اكتشف همنغواي أعمال الكتاب الجدد من أمثال ت. س. إليوت وجيمس جويس، هذا بالإضافة إلى الكلاسيكيين الكبار من أمثال فلوبير، وستندال، وهنري جيمس، إلخ. ومقابل هذه الخدمات الأدبية راح همنغواي يعطي عزرا باوند دروسا في المصارعة لتقوية عضلاته! وكان عزرا باوند يقول: الكتاب الجيدون هم أولئك الذين يستخدمون لغة فعالة، أي واضحة ودقيقة.
وكان يعتقد أن الأموال الضخمة التي جمعتها الكنائس المسيحية ينبغي أن توزع على الفنانين والشعراء والفلاسفة والعلماء الذين يكتشفون قوانين العالم ويقدمون خدمات جلى للبشرية. فهم أحق بها من المطارنة والكرادلة والباباوات والباشاوات العاطلين عن العمل.. ويمكن القول بأن عزرا باوند كان من أتباع الفيلسوف الصيني كونفوشيوس الذي علمنا مبادئ الدين المدني الذي حدد جيدا الواجبات الاجتماعية لكل شخص، بدءا من الإمبراطور وانتهاء بأصغر فلاح أو كناس في البلاد.
ولكن عزرا باوند ارتكب أكبر خطيئة في حياته عندما اعتقد أن الدولة الفاشية التي أسسها موسوليني في إيطاليا هي تجسيد لهذه الدولة المدنية التي حلم بها كونفوشيوس. ودفع ثمن هذه الخطيئة باهظا بعد انتهاء الحرب العالمية الثانية. فقد حاكموه عام 1945 واعتبروه مريضا من الناحية العقلية. فسجنوه في مستشفى المجانين لمدة عشر سنوات أو أكثر. ورغم هذه السقطة الأخلاقية الكبرى فإن بعض النقاد يجدون فيه واحدا من أهم شعراء الغرب في القرن العشرين إن لم يكن أهمهم. فالكثيرون يضعونه من حيث المرتبة الشعرية فوق ت. س. إليوت. وقليلون هم شعراء الحداثة الذين كانوا يمتلكون طاقته الشعرية الخلاقة. فمن شعره تفوح رائحة الحرية كأقوى ما يكون.
هل نعلم أن عزرا باوند ترجم كل أنواع الشعر من الشرق الأقصى إلى أوروبا؟ وكان يبحث من خلال ذلك عن لغة شعرية كونية. ولذلك تعلم عدة لغات، وكان يعتقد أن شعر اليابان والصين والهند أقرب إلى البراءة والطبيعة ويعبر عنهما بشكل أفضل، ولذلك اهتم به كل الاهتمام. كان يبحث عما هو بدائي، عفوي، صادق في شعر هذه الأمم التي لم تفسدها الحداثة الصناعية بعد كما حصل لمجتمعات أوروبا وأميركا. كان يبحث عن البراءات المطلقة في الشعر. وما نفع الشعر إن لم يكن بحثا مضنيا عن البراءات الأولى؟ ما معناه إن لم يكن حفرا أركيولوجيا عن أعماق الذات، أي عن البراءات الضائعة، البراءات المطمورة في أعماق لا قرار لها؟ انظروا كتاب «الشعر والعمق» للناقد الفرنسي جان بيير ريشار حيث يستكشف «دهاليز» بودلير والطبقات السفلية التي نزل إليها، وهي مناطق مرعبة لم تطأها قدم قط.
والفكرة الأساسية لدى عزرا باوند هي أن العلاقات الكائنة بين الأشياء أهم من هذه الأشياء بالذات. ولكن ليس كل الناس يرونها. وحده الشاعر الكبير يراها.
وأخيرا يقول المؤلف بأن عزرا باوند هو شخص ولد في أعماق أميركا عام 1885، ولكنه طرد من الجامعات الأميركية بسبب رفضه للنزعة الامتثالية وميله إلى التفرد والتمرد كما ذكرنا. فذهب إلى إنجلترا حيث احتل مكانة مرموقة في عالم لندن الأدبي. وهناك راح يلبس القناع لكي يكتب أولى قصائده الشعرية ويخترع ما يدعى بالمدرسة التصويرية. وهي مذهب شعري حديث يدعو إلى التخلص من الأوزان والقوافي والتعبير عن الأفكار والانفعالات بواسطة الصور الواضحة الخالية من الغموض والرمزية. ومعلوم أنه كتب في شبابه الأول يقول: «سوف أكتب أعظم القصائد التي أتيح لمخلوق على وجه الأرض أن يكتبها». وهذا يذكرنا بكلام المعري:
«وإني وإن كنت الأخير زمانه لآتٍ بما لم تستطعه الأوائل» وهذا ما حصل في الواقع. فقد كان من أوائل من استخدموا الشعر الحر وخرجوا على الأوزان والقوافي. وقد لعب دورا عظيما في اندلاع الثورة الشعرية الحديثة التي أثرت على الأدب الإنجليزي كله في القرن العشرين. وتمرده الشعري كان متوازيا مع تمرده النفسي والشخصي. فقد اشتهر باحتقاره للعادات والتقاليد السائدة في المجتمع وميله إلى الاستفزاز والخروج على المألوف. وهذا ما حبب السرياليين فيه. كان عاشقا للوثنية وكارها لأميركا التي تعبد الكتاب المقدس والدولار في آن معا! وأخيرا، كان باوند، كما يقول، «مخطئا، مخطئا بنسبة تسعين في المائة، فقدت صوابي في الإعصار» (اعتذار متأخر عن تجربته الفاشية مع موسوليني).
لكنه لخص تجربة حياته بعبارة اعتزازية ولا أروع: «فشل يساوي كل نجاحات العصر»! جون تايتل: «عزرا باوند.. البركان الوحيد» ترجمه إلى الفرنسية فيليب ميكرياموس.
ـــــــــــــــــــــــــــــالمصدر: جريدة الشرق الأوسط ، 16 اكتوبر 2013، العدد 12741.

مقامة الحرب والغناء

مقامة

الحرب والغناء

علاء العبادي

والقصيدة التي اشرت اليها في بداية المقامة الهندية هي قصيدة الرجال الجوف او الرجال الفارغون او الخاوون كما ترجمها احسان عباس وقد نشرت في العام 1925 ومطلعها

نحن الرجال الجوف
نحن سقط المتاع
كتفا لكتف وعلى بعضنا نتكئ
وا حسرتاه
فخوذة الآمال يملآها الضياع
وحين الهمس يسرى بيننا
فصوتنا يباب
بلا معان نحن خامدون
كالريح تعوى فى يابس الحقول والفجاج
أو أقدام جرذان فوق مهشم الزجاج
ونحن فى قبونا السراب
شكل بلا جسد
ظل بلا ألوان
عزيمة مشلولة بلا عضد
إيماءة بلا شعور أو حنان
أؤلئك الذين هوموا وغادروا
بأعين مشرعة
نحو مملكة الموت الأخرى
فلتذكرونا
بأى طريقة ترون
ليس كأرواح عنيفة وضائعة
لكن كطووايس الرجال

We are the hollow men
We are the stuffed men
Leaning together
Headpiece filled with straw. Alas!
Our dried voice, when
We whisper together
Are quiet and meaningless
As wind in dry grass
Or rat’s feet over broken glass
In Our dry cellar
Shape without form, shade without colour,
Paralyzed force, gesture without motion;
Those who have crossed
With direct eyes, to death’s other Kingdom
Remember us–if at all–not as lost
Violent souls, but only
The stuffed men.

وهي من كبريات قصائدة التي اشتهر بها الى جانب عدد من القصائد المتميزة تأتي في مقدمتها قصيدته المدهشة الارض اليباب التي عدت وباجماع النقاد اروع اعماله الشعرية على الاطلاق والتي كانت السبب في شهرته الدولية ومطلعها

 April is the cruelest month, breeding

Lilacs out of the dead land, mixing

Memory and desire, stirring

Dull roots with spring rain.

Winter kept us warm, covering

Earth in forgetful snow, feeding

A little life with dried tubers.

 

ويقال ان اليوت حرص على ارسالها الى الشاعر الامريكي المغترب عزرا باوند(1885-1972) الذي اعتبر احد اهم شخصيات شعرالحداثة في الادب العالمي ومن المؤسف ان المثقفين العرب لم ينتبهوا الى هذا الشاعر الناقد الفذ وقد سمعت باسمه اول مرة عن طريق مؤلفات كولن ولسون الذي تطرق الى موضوع قصيدة اليوت اعلاه الارض اليباب The Waste Land التي ترجمها الدكتور عبد الواحد لؤلؤة  ومطلعها المترجم

نيسان أقسى الشهور، يخُرج
الليلك من الأرض الموات، يمزج
الذكرى بالرغبة، يحرك
خامل الجذور بغيث الربيع

ويقول كولن ولسون ان باوند اجرى عدة تعديلات على قصيدة اليوت الارض اليباب وحذف الكثير من ابياتها واذكر ان ولسون اكد ان باوند كان مفتونا جدا بها وانه اخبر اليوت ان ما حذفه من مقاطع جعلها متماسكة وانها الان تصلح للنشر والقصيدة طويلة جدا وهي تزخر بالكثير من الرموز والاشارات الميثولوجية والقصص وحيث انها كتبت في العام 1922 فانها تتحدث عن اهوال وماسي الحرب العالمية الاولى

 وتصور عالما مليئا بالمخاوف والذعر ومشحونا بالشهوات العقيمة  عالم ينتظر اشارة ما تؤذن بخلاصه او تعد به ,لقد اشتغل اليوت على هذه القصيدة الملحمة لسنوات طويلة حيث لم يترك اليوت شيئا الا وذكره فيها مابين توظيف اللغات اللاتينية والاغريقية والالمانية والسنسكريتة الهندية والاساطير والقصص اليونانية والرومانية  والاوربية الجرمانية والشرقية مما يذكر بملحمة الروائي الايرلندي جيمس جويس (1882-1941) يوليسيس (التي اعتبرت اضخم واقوى عمل ادبي على مر العصور)  اضافة الى عدد غير قليل من الاشارات المسيحية وهي بهذا العمق والاتساع تعكس ثقافة اليوت العالية التي عبر عنها في النقد والقصيدة ملات الدنيا وشغلت الناس حتى امتد تاثيرها الى العالم العربي فهي تتكون من خمسة فصول طويلة هي

دفن الموتى

ولعبة الشطرنج

وموعظة النار

الموت بالماء

ماقاله الرعد

كتبها اليوت عام 1922 بعد نهاية الحرب العالمية الاولى وبعد طلاقه من زوجته الاولى فكانت تمثل انهيار حلم ظن جيل كامل انه باق والقصيدة تعكس اجواء غياب اليقين والوهم والدمار والانحطاط الاخلاقي والانهيار النفسي الذي اصاب جيلا كاملا فالحرب كانت نهاية مرحلة هامة من الفكر الاوربي الذي تحطمت قيمه في شوارع مدن اوربا المدمرة ومن هنا نشات الكثير من المدارس الفكرية والفلسفية والادبية والفنية والشعرية التي كانت خروجا وتمردا على تلك المرحلة وفي القصيدة توظيف السخرية والرؤيا والسحر وهي اخيرا تمثل تاكيدا لمذهب اليوت النقدي في التراث والموهبة الفردية ومن اعمال اليوت الشعرية قصيدته الجميلة اغنية حب الى الفريد بروفروك 1915 وكتاب الجرذ العجوز 1939 والرباعيات الاربع 1941 والرجال الجوف 1925 واربعاء الرماد 1930 اضافة الى اعماله النقدية والمسرحية المهمة وقد كانت فترة مهمة في حياتي حين بدات الاهتمام بشعر اليوت مما دفعني الى حفظ الكثير من شعره وقد جعلت احد ابياته مخطوطا بخط انيق من قبل الخطاط العراقي حميد السعدي واطرتها باطار جميل ليتزين بها احد جدران غرفة الاستقبال في بيتي في بغداد منذ نهاية الثمانينيات والى ان تجرات وبعت البيت العام 2008  وقد كان بيت اليوت الرائع

WHERE IS THE LIFE WE HAVE LOST IN LIVING

وترجمته

اين هي الحياة التي ضيعناها بالعيش

وقد كان هذا البيت مرعبا عندما قراته اول مرة نهاية الستينيات ابان قراءاتي لكولن ولسون الذي كانت كل صفحة من صفحات كتبه بشيرا بمعلومة مهمة بل كانت كل كتبه من دراسات وروايات عبارة عن موسوعة للمعلومات الشعرية والادبية والتاريخية وقد قادني كولن ولسون وارشدني الى نوع الادب والشعر الذين ينسجمان وذائقتي ورغباتي فمن خلاله تعرفت على جان بول سارتر (1905 – 1980) الفيلسوف والروائي والناقد الادبي والكاتب السرحي وكاتب السيناريو والناشط السياسي الفرنسي الحاصل على جائزة نوبل ( رفضها ) الذي قرات كل كتبه تقريبا باستثاء عمله الفلسفي الضخم الوجود والعدم المترجم من قبل عبد الرحمن بدوي (1917 -2002) حيث لم اقرا منه في كل مرة اكثر من خمسين صفحة لاغير ليس بسبب صعوبته ولكن لان سارتر كان اكثر وضوحا في اعماله الادبية سواء في الروايات او الدراسات اضافة الى ان ولسون قام بشرح وتبسيط فلسفة سارتر في كتابه اللامنتمي وغيرها لذا فاني لم اشغل نفسي طويلا في قراءة كتاب الوجود والعدم الذي كان يمثل فلسفة سارتر باعتباره احد رواد الفلسفة الوجودية (تيار فلسفي يميل إلى الحرية التامة في التفكير بدون قيود ويؤكد على تفرد الإنسان، وأنه صاحب تفكير وحرية وإرادة واختيار ولا يحتاج إلى موجه. وهي جملة من الاتجاهات والأفكار المتباينة، وليست نظرية فلسفية واضحة المعالم، ونظراً لهذا الاضطراب والتذبذب لم تستطع إلى الآن أن تأخذ مكانها بين العقائد والأفكار. ) ومن اقوال سارتر الشهيرة : اذا لم تعجبك حياتك .. غيرها التي افادتني كثيرا خلال حياتي العملية والتي كانت ربما سببا في تركي للعمل في اكثر من موقع , ومن اعماله : الغثيان والوجود والعدم والوجودية مذهب انساني والجدار وكلمات وماالادب ودروب الحرية بثلاثة اجزاء وجلسة سرية …ومن رواد الوجودية الدانماركي سورين كيركيغارد (1813-1855)الذي يعتبر مؤسس الفلسفة الوجودية والاب الروحي لها وجبريل مارسيل(1889-1973) الذي اوجد ما اسماه الوجودية المسيحية اضافة الى عدد كبير من الفلاسفة الاوربيين الذين بحثوا وكتبوا في هذه الفلسفة التي كانوا يطلقون عليها اسماء شتى عدا الوجودية عدا سارتر الذي ارتضى اطلاق هذه التسمية على المذهب الذي يعتنقه وقد شغلت الوجودية الكثير من المثقفين والشباب واعتنقها الكثيرون كما اعتقد على الاقل في اوربا الغربية حيث تزامن ظهورها مع الحرب العالمية الثانية وشعور المواطن الاوربي الغربي بالياس والعدمية واللامبالاة حيث تجلى ذلك في ظهور عدة مدارس ادبية ومذاهب في الفن والرسم تميل الى التمرد على الواقع  والنظام بشكل عام حيث كان لتداعيات مابعد الحرب العالمية الثانية (1939-1945) التي كان من نتائجها تراجع القوى العظمى القديمة وصعود قوتين عظميين جديدين هما الاتحاد السوفيتي (1917-1989) والولايات المتحدة الامريكية (التي استقلت عن الاستعمار البريطاني بعد ثورة قامت بسبب فرض الضرائب والتي سميت على اسم المستكشف ورسام الخرائط اميريككو فسبوتشي )وانشغالها والاوربيين باعادة اعمار اوربا الغربية واليابان فيما عرف بخطة مارشال (خطة اقتصادية أُطلقت بمبادرة من وزير الخارجية الأميركي الأسبق جورج مارشال(1888-1959)، من أجل مساعدة البلدان الأوروبية على إعادة إعمار ما دمرته الحرب العالمية الثانية (1939-1945)وبناء اقتصاداتها من جديد، وذلك عبر تقديم هبات عينية ونقدية بالإضافة إلى حزمة من القروض الطويلة الأمد) , حولت الحرب العالمية الثانية العالم الى مكان مختلف تماما عما كان يعرفه العالم فقد مات مابين 40 الى 70 او مابين 50 الى 80 مليون نسمة وتسببت في دمار دول اوربا وادت الى تقسيم المانيا الى غربية وشرقية وظهرت فيها قوتان عظمييان هما الاتحاد السوفيتي والولايات المتحدة الامريكية حيث اتفقت هاتان الدولتان على محاربة المانيا النازية(حركة سياسية تأسست في ألمانيا بعد الحرب العالمية الأولى، حيث تمكن المنتمون للحزب القومي الاشتراكي العمالي الألماني تحت زعامة أدولف هتلر من الهيمنة عام 1933 على السلطة في ألمانيا وإنشاء ما سمي بدولة الزعيم والمملكة الثالثة) ولكن هذا التحالف لم يستمر طويلا ونشب بينهما صراع عرف بالحرب الباردة ولغرض منع قيام حروب جديدة اجتمعت 50 دولة في مدينة سان فرانسيسكو بالولايات المتحدة واتفقوا على  انشاء الامم المتحدة التي تاسست في الرابع والعشرين من شهر تشرين الاول 1945 وقد شملت الحرب كل العالم ولكن الاطراف الرئيسية فيها كانت دول المحور المكون من المانيا النازية وايطاليا الفاشية بزعامة موسوليني(1883-1945) حاكم ايطاليا مابين 1922 الى 1943 وقد بدات الحرب العالمية الثانية بعد هجوم المانيا على بولندا في الاول من شهر ايلول 1939 لغرض استعادة ميناء كدانسك الذي خسرته المانيا لصالح بولندا بعد الحرب العالمية الاولى ولم تنته الحرب الا بعد دخول القوات السوفياتية الى برلين والاستيلاء على بناية الرايخ (الرايخ الألماني هو الاسم الرسمي لألمانيا في الفترة من 1871 إلى 1945 باللغة الألمانية. ترجمته الحرفية هي “الامبراطورية الألمانية”، تخلت الإمبراطورية الألمانية بعد الحرب العالمية الأولى عن كلمة رايخ والتي تعني “الامبراطورية” وتحول الاسم الرسمي بصورة غير رسمية، ببساطة إلى ألمانيا.)مقر هتلرالذي كان قد انتحر هو وعشيقته ايفا براون(1912-1945) في وقت سابق مما ادى الى استسلام قادة الجيش الالماني الى الحلفاء الواحد تلو الاخر اما اليابان فبسبب كبريائها الاحمق فانها لم تقبل بانهاء الحرب واصرت على مواصلة القتال في جميع الجبهات ولكن قرار الولايات المتحدة بتفجير قنبلتين نوويتين فوق مدينتي هيروشيما وناكازاكي دفع الحكومة اليابانية الى الاستسلام بدون شروط ولم تنته حروب العالم ابدا فقد كان العالم عبارة عن ساحة حرب لاتعرف السلام والهدوء الا لسنوات قليلة حيث سرعان ماتنشب حرب هنا وحرب هناك دون ان يعرف الكثيرون السبب الحقيقي لنشوب هذه الحرب اوتلك ففي القرن العشرين نشبت المعارك والحروب بين دول العالم كافة ولم تجد دولة او كيان ما الا وكان له نصيب في نزاع ما او معركة ما او حرب ما ويمكن القول ان البشر كلهم اكتووا بنار الحروب منذ ان هبط ادم(واذ قال ربك للملائكة اني جاعل في الارض خليفة ) ابو البشر وحواء الى الارض فبعد ان انجبت حواء توأمها الثاني المكون من ذكر وانثى كما كان توامها الاول سمح الله عز وجل  ان يتزوج ذكر البطن الاول من انثى البطن الثاني وتتزوج انثى البطن الاول من ذكر البطن الثاني وذكر البطن الاول كان قابيل وذكر البطن الثاني كان هابيل وكانت انثى البطن الاول واسمها اقليميا جميلة جدا وكان عليها ان تتزوج من هابيل  فاعترض قابيل المفروض زواجه من انثى البطن الثاني التي لم تكن جميلة ويقال في احدى الروايات ان هذا كان سبب الخلاف بين الشقيقين الذي ادى الى قيام قابيل بقتل هابيل بخلاف ماورد في القران الكريم من ان السبب كان ان الله طلب منهما تقديم قرابين التقرب الى الله فقدم قابيل عشبا لانه كان مزارعا فنزلت صاعقة فاحرقته فيما قدم هابيل كبشا لانه كان راعيا فتقبل منه وهذه الرواية رواية زواج الذكر من شقيقته مرفوضة لدى مذهب الشيعة الذين يعتقدون ان حواء حبلت بقابيل وهابيل فلما بلغا مرحلة الشباب انزل الله لهما حوريتين من حوريات الجنة  وهم اي الشيعة لهم راي اخر ايضا فيما يتعلق بمسالة خلق حواء من ضلع ادم حيث يقولون ان حواء خلقت من فضلة الطين التي خلق منها ادم وحيث ان هذا الكلام لايعجب الكثير من العلمانيين الذين وجدت انهم لايعتقدون باي شيء وانهم يسفهون ويسخرون من كل مايتعلق  بالاديان والعبادات والفقه ومن الصعب ان تطرح بحضورهم او تناقش معهم مسالة اية تتعلق بالدين او المذهب او العبادات وفي رايي ان مثل هذا التصرف وهذا السلوك الذي يصل الى حد التعصب لايدل على الانفتاح والعلمانية والحداثة والتحرر بل لايعني شيئا من الثقافة والعلم ابدا , ليش؟ لان جانبا من الثقافة يعني ان يقبل المثقف بما يطرح امامه او عليه من معلومات واراء وافكار وان يبادر الى مناقشتها بدلا من الاستهزاء بها او السخرية ممن يطرحها  والمثقف كما يعتقد الاديب والمفكر والصحفي والشاعر المصري عباس محمود العقاد (1889-1962) هو: ان يعرف كل شيء عن شيء , وان يعرف شيئا عن كل شيء وللعقاد العديد من المؤلفات اشهرها عبقريات العقاد الاسلامية 1942 وعبقرية المسيح 1958 وعبقرية محمد 1942 ورواية سارة 1938 وفاطمة الزهراء والفاطميون وكتاب ابو نؤاس الحسن بن هاني وكتاب حياة قلم وكتاب افيون الشعوب الخ رغم انه لم يحصل الا على الشهادة الابتدائية التي اكتفى بها في مسيرته الاكاديمية حيث عكف على القراءة وثقف نفسه بنفسه وقد كانت للعقاد بعض الطرائف حيث عرف عنه انه كان كثيرالهجوم على امير الشعراء احمد شوقي ففي احدى المرات جاء شاعر ظريف يدعى محمد مصطفى حمام وقال للاستاذ العقاد سوف اسمعك شعرا لواحد من شعراء العراق لاعرف رايك فيه فاشار اليه العقاد ان يقول فقال انها قصيدة في رثاء الموسيقار فيردي(1813-1901) ( وفيردي هو مؤلف الاوبرا الشهيرة عايدة التي وضعها بمناسبة افتتاح قناة السويس والذي توفي سنة 1901 ومن بعض الابيات التي قالها في ذلك

فتى العقل والنغمة العالمية مضى ومحاسنه باقية

يكاد على الماس بعض النحاس اذا ضم الحانه الغالية

لقد شاب فردي وجاز المشيب وعند عايدة شبيهتها زاهية

فيا ال فيردي نعزيكم ونبكي مع الاسرة الباكيه

فاعجب بها العقاد واعجب ببنائها ومعانيها وترابطها وانسياقها واذا بالشاعر محمد مصطفى حمام ينفجر ضاحكا وهو يقول ولكنها من نظم امير الشعراء شوقي فغضب العقاد ونهض واقفا وصرخ به اخرج من هنا يا…واحمد شوقي (1868 – 1932) هو امير الشعراء المعروف الذي كتب اجمل واروع القصائد والمسرحيات مثل مجنون ليلى وكليوباترا واميرة الاندلس وقمبيز والست هدى وعلي بك الكبير وشريعة الغاب وعنترة اضافة الى ديوانه الضخم المعروف بالشوقيات ولا اخفي ان اول ديوان اطلع عليه كان ديوان الشوقيات الذي استعرته من مكتبة متوسطة ابن رشد عندما كنت في الاول متوسط وقد ساعد على انتشار قصائدة قيام عدد من الملحنين الكبار بتلحين عدد منها مثل سلوا كؤوس الطلا هل لامست فاها التي لحنها السنباطي (1906 – 1981 )الذي بلغت اعماله 539 في الاوبرا والاوبريت والاسكتش والديالوك والمونولوك والقصيدة السينمائية والدينية والطقطوقة والمواليا والتي غنتها السيدة ام كلثوم (1898 -1975) ويقول النقاد ان اعمال شوقي المغناة بلغت 47 عملا وان لعبد الوهاب (1902 -1991) وام كلثوم منها 46 عملا وقد كان شوقي معجبا بكبار مطربي عصره وقد عبر عن هذا الاعجاب بعدة قصائد نظمها في رثائهم او تكريمهم  ومنها قصيدته في عبده الحامولي(1841-1901) وقصيدة في عبد الحي حلمي (1858-1912) كما كتب شوقي في رثاء سلامة حجازي (1852-1917) وسيد درويش (1892-1923) ومما يذكر عن علاقة شوقي بعبد الوهاب القوية التي استمرت خلال السنوات الثمانية الاخيرة في حياة الشاعر الذي تخلى عن الفصحى وكتب لعبد الوهاب وحده بالعامية اغنيات ومواويل عدة وياتي شوقي في طليعة شعراء الفصحى الذين غنى لهم عبد الوهاب ويحتل شوقي المرتبة الرابعة بين المؤلفين الذين غنى لهم عبد الوهاب وهم بالترتيب حسين السيد(1916-1983) واحمد رامي(1892-1981) ومامون الشناوي(1914-1994).