كاتشب عُضوي ، و مصّاصَة عُضويّة

كاتشب عُضوي ، و مصّاصَة عُضويّة !!!

(رسميّة) فتاة من الغرب الأوسط ، تنحدر من عائلة فقيرة ، وتتكلّم “الصحراوية” ، بلكنة مدينيّة بائدة.
زوجها (جاسم) أكثر فقراً منها ، وينحدر من الساحل الشرقي ، ويعتاش من عائد يومي زهيد لـ “بسطيّة” يبيعُ فيها “الحاجة برُبُع” على باب الله .
يسكن الزوجان “المُتوافِقان” في شُبهِ دارِ ، في حيٍّ عشوائيٍّ “لاتينيّ” ، بغرفة واحدة ، وحمّام مُتعدّد الأبعاد والأهداف والوظائف يقع قرب باب الدار ، ولا تفصلهُ عن الشارع سوى ستارة “بازة” صدِئة.
طَبَق (جاسم) الرئيس على “منيو” رسميّة هو حساء الفاصوليا “اليابسة” ، مخلوطاً بـ “تِمّنْ” البطاقة التموينية العتيد. ومن بين سبعةِ أيّامٍ في الاسبوع تتسيّد “الفاصوليا والتِمَّنْ” أربعةَ أيّامِ من تاريخ المائدة العائليّ.
تأكلُ (رسميّة) طيلةَ ثلاثةِ أيّامٍ أيَّ شيءٍ تأتي بهِ “علاّكَةُ” جاسم في نهايةِ يومِ العمل.
ويُعَدْ هذا الترتيب الغذائيّ جُزءاً من “المقرّرات” الاختياريّة لنظام الأكل ، أمّا “المُقرّر” الاجباري ، فهو أيّام الفاصوليا الأربعة.
بعد سنتين من زواجٍ ناجح(بجميع المقاييس ، الأصيلة منها والمُعاصِرة) ، أنجبَ الزوجانِ الرائعان ولداً وسيماً جدّاً ،لا يشبهُ “جِهْرَةَ” أُمّهِ “الكادحة” ، ولا سُحنَةَ زوجها “المُجاهِد” ، لا من قريبٍ ولا من بعيد.
كانت(رسميّة) ترغب بتسمية وليدها “جود” ، ولكنّ (جاسم) أصَرّ على تسميتهِ “رامي”.
كُلُّ من كان ينظُر الى “رامي” هذا ، يساورهُ شكٌّ عميق ، بأنّ الوالدين البايولوجيين لم يُنجباه ، بل قاما باستيراده من أحدى مقاطعات بريطانيا العظمى .. وأنّ أُمّهُ لا يُمكن أن تكونَ رسميّة(التي سَخّمَ “التنّورُ”السابقُ وجهها بسوادٍ دائم) ، بل هي دوقة مقاطعة “ويندسور” ، أو أميرة مقاطعة “كِنت”.
منذُ بضعة أشهر ، وجاسم يتعجّب من العافية المفرطة التي منّ اللهُ بها على جسد زوجته (رسميّة) ، ومنَ البَياض المُفاجيِ لوجهها الأزرق الداكن، ومن النموّ العموديّ لأبنهِ”رامي”.
لعبَ فأرُ الشَكِّ بـ “عِبِّ” الطيبة الفطريّة لـ جاسم ، فقرّرَ أن يعودَ الى البيت بعد صلاةِ الظُهر تماماً(على غير عادته) ، لعلّهُ يعرفُ ما اذا كانت “الفاصوليا والتِمَّنْ” هي التفسير المُمكن الوحيد ، أمْ أنَ هناك أسباباً أخرى لطفَح العافية على الزوجةِ والإبن.
بعد لحظاتٍ من افتراشهِ الأرضَ أمام صحن “الفاصوليا والتِمّن” ، سمعَ (جاسم) أحدهم ، وهو يطرق الباب.
أزاحَ”البَرْدَة” ، وفتحَ الباب ، وصار في مواجهة الشارع ، فرأى شابّاً على دراجّة ناريّة يُلَوّحُ لهُ بكيسٍ ورقيّ ، ويسألهُ إنْ كان هذا هو بيت “أبو رامي” ، الشهير بـبيت “أبو الدوق”.
– إيْ نعم .. قال أبو رامي .. وأردفَ : اتفَضَّلْ شتريد؟
أجاب الشاب بأنّهُ جاءَ بطلبيّة “ديلفري” للكونتيسة أُمْ رامي ، ويُريدُ تسليمها مقابل خمسة عشر ألف دينار.
ورغم أنَ أبو رامي قد جفل بشدّة من هَولِ المبلغ ، وكادَ أنْ يفقد توازنهُ ، ويقع مغشِيّاً عليه ، إلاّ أنّهُ تماسكَ في آخر لحظة ،وحَدّثَ نفسهُ قائلاً : ياربّي .. الولد مريض .. ورسمية لاتريد أنْ تغادرَ البيتِ دون موافقتي ، وهاهي تطلبُ من “أبو الصيدلية” ايصال الدواء الى البيت في غيابي .. فيا لوفاءكِ يارسميّة ، ويا لأخلاصك وحرصكِ الشاسعان ، على الوِلْدِ والأرضِ والعَرْض .. يا أُم رامي الوَردة.
عادَ(جاسم) الى البيتِ فخوراً برسميّة .. وفتحَ الكيس .. فوجدَ مَصّاصتين شفّافتين تفوحُ منهما رائحة التفّاح الأحمر .. وعلبة بلاستيكيّة صغيرة.
– ماهذا يا أُم رامي ؟ .. صرَخَ جاسم “أبو الدوق” مذعوراً.
أجابَتْ أم رامي : أنّ هذا “كاتشب” عضوي (وهو يشبه معجون الفاصوليا) ، لأنَ رامي لا يتمكن من ابتلاع “الأندومي” دون كاتشب .. والكاتشب العادي يسبّب الضرر لأدمغة الأطفال وقد يؤدي لاحِقاً الى الاصابة بـ “مُتلازمة داون” .. أمّا هذه فهي مصّاصة عضويّة ، لكي لاتُصاب أسنان رامي اللبنيّة بالتلف الحادّ .
– ومِن أينَ عرفتِ كلّ ذلك .. يا “مشعولة الصَفْحَتَين” ؟ .. صرَخَ جاسم بغضب.
ردّتْ “أُمّ الدوق” بهدوءٍ تامّ :
– أختكَ (جاسميّة) أرسلتْ لي الصورَ على “الأنستغرام” ، وأخبرتني أنّهُ لولا هذه المُنتجات لكان ابنها “الكونت” الذي اسمهُ “تَيْم” ، قد ماتَ من “التَوَحُّد” ، منذُ زمانٍ بعيد.

نظرية الأمبيريّة الجديدة .. لـ جاسم أبو المولدّة

نظرية الأمبيريّة الجديدة .. لـ جاسم أبو المولدّة

عماد عبد اللطيف سالم

عندما استبدلتُ قنينة الغاز صباح هذا اليوم ، طلب منّي أبو سعد ( أبو الغاز ) مبلغ 8500 دينار .- لماذا يا أبا سعد . هل ارتفع

سعر الغاز ؟ – لا استاد . بل انخفض سعر النفط هذا اليوم الى 29.7 دولار للبرميل ، للمرّة الأولى منذ العام 2003.

ذهبتُ مرعوباً الى جاسم ( ابو المولدّة) ، لأسدّد قيمة الأمبيرات “العميلة” التي سنقوم بـ “سحبها” لهذا الشهر.

كنتُ متوتّراً جداً بسبب صدمة البيانات الفورية لـ (أبو سعد – أبو الغاز) حول آخر مستجدّات سعرٍ النفط في السوق العالمية. أمّا

جاسم فقد كان هادئاً جداً. بل كان يبدو شارد الذهن ، وكأنّهُ قد شرب شيئاً ، ليس حلالاً ، وأفرطَ في شُربهِ ليلة الجمعة (استغفر

سألني ببرود : – كم هو سعر اغلاق الدولار في بورصة الشارع العام يوم الخميس .. استاد ؟ .

– 1245 دينار للدولار .

– و معدّل التضخم ؟ – 2% . – كم ؟ – 2% .

– و معدل البطالة ؟ . – 28% . – كم ؟ . – 28% .

– ليش يابه ؟ ( لماذا) ؟ . هل نحنُ نعيشُ في جمهورية افلاطون ؟ . حتّى البنك الاحتياطي الفيدرالي لم يتمكن من تحقيق هذه

“المقايضة” المدهشة بين معدل البطالة ومعدّل التضخم . ولو كان السيّد ( فيليبس) حيّاً ، لوضعَ منحنى مُقايضته الشهير تحت أُبطه

، وأشترى مولدّة ، و اشتغل مثلي على ابواب بيوتكم ، و طبعاً ..على باب الله الواسعة .

– جاسم .. حبيبي . استحلفكَ بهذه الجمعة المباركة أن تخبرني فقط بكلفة “أمبيراتك” العشرة لهذا الشهر ، الذي لا يبدو مُباركاً أبداً

، والذي يبدو أنّ جميع مؤشرات الاقتصاد الكلّي ستنقلِبُ فيه شؤمًا على رؤوسنا ، ورؤوس الذين خلّفونا .. وأيضاً على رؤوس

الذين لم يخلّفونا ، و رمونا عليك .

– 250000 الف دينار .

– ولكن معدل التضخم 2% ، ومعدل البطالة 28% ، و سعر خام برنت اقل من 30 دولار للبرميل (واليوم السعر”خارِط” أكثر ،

واذا متصدّك .. اسأل أبو سعد أبو الغاز) .. و حكومتنا الباسلة لن تتركنا كالأيتام تحت رحمتك ، و قد تلجأ الى التمويل بالتضخم ، و

تجعل ” امبيرك الذهبي” برخص التراب .

– شوف استاد . اذا فعلت الحكومة ذلك ، فسأقومُ بتجهيزكم بالكهرباء بـ ” التضخّم” أيضاً . كَول اشلون ؟ .

– إي بالله .. كيف ؟ إشلون ؟

– شوف استاد . مو بس إنتو خابصينا بالرواتب . والرواتب لازم متنزِل . و الرواتب “خطّ أحمر” . و قطع الأعناق ، ولا قطع

الأرزاق . أنا أيضاً أعتبرُ سعر الأمبير خطّاً أحمرَ بالنسبة لي . واعتباراً من هذا الشهر سيكونُ سعر الأمبير 25000 دينار . أنا

أيضاً أعمل ، و أعيش ، تحت رحمة ” اقتصاديات المخاطرة ، وغياب اليقين” (ورحمة الله طبعاً). واذا ارادتْ الحكومة أن تلعب

لعبتها هذه برأسي .. فتقوم بتمويل انفاقها بالتضخم ، أو تستخدم اسلوب “القيد الزاحف” لإدارة و ضبط سعر الصرف .. فإنّني

سأستخدم ذات الأسلوب التضخمّي في التجهيز . أي عشرة أمبيرات بـ 250000 دينار شهرياً ، مع تقليل “الفولتية” الى أدناها

(لكي لا تزداد تخصيصات اندثار المولدة ، ولا ترتفع كلفة تشغيلها و صيانتها) . و بهذا ستكونون راضين عنّي ، وأنا راضٍ عنكم ،

والله راضٍ عنّا جميعاً . قُل يا الله .

ردّدتُ وراءهُ دونَ وعيٍّ .. يا الله .

و استأنف (جاسم) شرحَ نظريتهِ “الأمبيريّة الجديدة “،وهو يمدُّ اصبعهُ الأوسط الطويل المغموس بالزيت الحار ، في وجهي الباردِ

واليابسِ صائحاً : و كلما قامتْ الحكومة بـ “رمشة” تضخميّة ، أو تقشفيّة ، واحدة ، فإنّني سأقوم في مقابلها بعشرة “رمشات”

أمبيريّة ذات فولتية منخفضة . وسأعملُ حسابات دقيقة بحيث تُساير معدلات الفولتية ، في انخفاضها ، ارتفاع معدل التضخم في

الأقتصاد . و ستعرفون عندها كم انا جادٌ ، و حازمٌ ، و صارمٌ في ذلك .. عندما تبدأ أجهزتكم الكهربائيّة بإرسال مؤشّراتها

لم أقل شيئاً . دفعتُ ما بذمتي لـ ( جاسم مارشال ) ، و عدتُ الى البيت . أخرجتُ كتب الاقتصاد كلّها ، وبدأتُ أطاردُ مفردات جاسم

لا أدري من أين يأتي هؤلاء الناس بهذه المصطلحات السخيفة ، و الأخبار المُضلّلة ، والمعلومات المُفبْركَة . لا أدري لماذا يحاولُ

هؤلاء “الجهَلَة” اثارة الرعب بين المواطنين الآمنين المؤمنين ، والتأثير على معنويّاتهم ، ويدفعونهم لعدم الثقة بالحكومة ..

“الرمّاشيّة” الكليّة اليكم ، من أصغر مصباحٍ في البيت ، إلى أكبر مُجمّدة . ها .. شتكَول ؟ .

فتنتشرُ الفاحشةُ بيننا .. و نذهبُ جميعاً الى النار .