الفلسفة العربية المستحيلة

جورج طرابيشي

لنبدأ بتقرير حقيقة واقعة، وهي أنه لاوجود لفلسفة عربية حديثة أو معاصرة. وان وجدت فلسفة كهذه فهي فلسفة مترجمة، أو مولّدة يوساطة الترجمة. يصدق ذلك على توماوية يوسف كرم، ووجودية عبد الرحمن بدوي ، وجوانية عثمان أمين، وشخصانية عزيز الحبابي، وماركسية سمير أمين، وفيورباخية حسن حنفي وهوسرليته في آن معاً.

ولكن اذ نقرر هذه الحقيقة الواقعة، فلا بد أن نقرن هذا بتفسير،وبالتالي أن نتساءل: لماذا لاتوجد، ولماذا يكاد يستحيل أن توجد فلسفة عربية حديثة أو معاصرة؟

للإجابة عن هذا التساؤل نستطيع أن نرصد، على ما يتراءى لنا، ثلاث سلاسل متراكبة من السببيات.

أولاً، ان الفلسفة المعاصرة نفسها، على الصعيد العالمي، في أزمة. ومرد هذه الازمة الى تطور العلم بالذات. فالفلسفة رأت النور وازدهرت قبل ان يرى التصور العلمي للعالم النور، وكبديل عن هذا التصور. والفلسفة قابلة للتعريف، من هذا المنظور، بأنها ماقبل تاريخ العلم. ولكن منذ أن طرح العلم نفسه أداة وحيدة للمعرفة وللسيطرة على الكون راح مجال الفلسفة يتقلص، وراح العلم يجرًدها من حقول تخصصها الواحد تلو الآخر. فتطور الفيزياء الرياضية قد أغنى عنها في معرفة الطبيعة والكون. وتطور علم الأحياء والتشريح قد وضع حداً للتفلسف في مجال «خلقة الإنسان». وجاء مولد علم النفس ليستنقذ منها موضوعه الأثير في انفاذ إلى كنه النفس البشرية. بل إن التحليل النفسي قد سد عليها المنافذ الى اللاشعور والبنى النفسية التحتية، ورسم علامات استفهام حول مشروعية صبواتها ورؤاها الأخلاقية. وقل مثل ذلك في تطور علوم الاجتماع والسياسة الذي أقفل باب البحث في المدينة الفاضلة. ولكن إذا كانت فتوح العلم قد سدّت على هذا النحو الطريق الى الماقبل فقد أبقته مفتوحاً الى المابعد. ورغم التقلص الكبير الذي طرأ على هذا النحو على متن الفلسفة فقد استطاعت في العالم الحديث والمعاصر أن تجد لها ملاذاً في الهامش. فمن فعالية عقلية في ماقبل العلم تحولت إلى فعالية عقلية في مابعد العلم. فحصرت نفسها تارة بمجال القيم والغايات النهائية، وأرادت نفسها طوراً آخر فلسفة علمية خالصة تعمل حصراً على مستوى الابستمولوجيا، أي معرفة المعرفة. ولكن في الحالين معاً غدت الفلسفة مرهونة بالممارسة العلمية. فبدون أن تكون الفلسفة تابعة بالضرورة للعقل العلمي، لم يعد ثمة مناص من أن تكون تالية له، لاحقة عليه. وباستثناء الاستمراريات الفلسفية وشبه السكولائية في الثقافات ماقبل العلمية، فإن الثقافات الوحيدة المنتجة للفلسفة اليوم هي الثقافات المنتجة للعلم. وحسبنا أن نقرر أن الثقافة العربية المعاصرة غير منتجة للعلم حتى نفهم لماذا يتحتم أن يكون المتفلسفون العرب عالة سواء على الفلسفة الإسلامية القديمة أو الفلسفة الغربية الحديثة. فانتفاء شرط الإنتاجية العلمية لايترك لهم من نصاب آخر سوى أن يكونوا في الفلسفة من المستهلكين، اي المحاكين شرحاً أو ترجمة.

ثانياً، تماماً كما كان الأصوليون القدامى يقولون إنه لايجوز لمجتهد ان يجتهد إلا وفقاً لمثال سابق، كذلك فإن المتفلسف العربي- ولا نقول الفيلسوف- يجد نفسه اليوم في وضعية من لايستطيع أن يتفلسف إلا وفق مثا ل سابق. ولكن مع هذا الفارق: فما كان الأصوليون يضعونه في الماضي، يلقاه المتفلسف العربي مسقطاً أمامه في المستقبل. فسبق الغرب إلى اجتراح مأثرة الحداثة قد جعل كل مايمكن ان يفكر به الملتحقون بركب الحداثة مفكّراً به مسبقاً. فالحضارة الغربية قد باتت، بحكم أسبقيتها الى الحداثة، تتحكم بالزمان الثقافي للحضارات الأخرى . وخلا الخروج من التاريخ أو السقوط في الهمجية ، فإنه لم يعد للمتخلفين في هذا العالم من مستقبل آخر غير حاضر المتقدمين. وهذا الانحصار في زنقة التاريخ يسدّ حتى المخرج النقدي – وهو المخرج الذي تؤثر الفلسفة ان تعمل على مستواه. فكل ما يمكن أن ننقد عليه الحضارة الغربية قد سبقتنا هي نفسها إلى نقد نفسها عليه. وبالعودة الى لغة حسن حنفي فلنا أن نلاحظ أن الفلسفة النقدية، التي يدعو إليها تحت اسم « الاستغراب» كرد على « الاستشراق « لاتعدو هي نفسها أن تكون فلسفة « وكيلة» فمن دهن الفلسفة الغربية لايفتأ هو نفسه يسقي نقده لهذه الفلسفة الغربية. وهذا يصدق أيضاً على ماتشهده الساحة الثقافية العربية اليوم من محاولات مجهضة سلفاً لتبيئة فلسفة مابعد الحداثة. ذلك أن كل مايمكن أن يقوله المتفلسفون العرب في نقد الحداثة- الغربية حصراً – قد سبقهم إلى قوله نقاد هذه الحداثة من المفكرين الغربيين، سواء أتمثلوا بمدرسة فرانكفورت الألمانية واستطالاتها الأميركية: هوركمايمر وأدورنو وماركوزه وهابرماس وشومسكي، أم بمدرسة مابعد الحداثة الفرنسية: دريدا وليوتار وبوديار، فضلا عن أصحاب التراكيب النظرية الكبيرة في الحداثة من أمثال ميشيل فوكو وألان تورين وجان ماري دوميناك وإدغارموران. وبالفعل، عندما يتصدى متفلسفون من مجتمعات ماقبل حديثة premodernes لممارسة فلسفةمابعد الحداثة moderne – post  فإنه لاخيار أمامهم سوى لأن يكونوا مستهلكين ، لا منتجين، لخطاب نقد الحداثة في الغرب نفسه؟ أو بعبارة أخرى : مجرد مترجمين.

ثالثاً، إن الفلسفة نبتة، لاتنتش ولا تزهر إلا في تربة العقل واستقلالية العقل. وبدون ان ندخل في تفاصيل لايتسع لها المجال، فإننا سنلاحظ أن العقلانية كشرط شارط لتمخض الفلسفة ما زالت بعيدة عن أن تكون صاحبة الكلمة الأولى في الثقافة العربية المعاصرة. ونحن لانعني بالعفلانية شيئاً  آخر سوى هذا المبدأ البسيط والثوري معاً : إنه لايجوز أن تعلو فوق سلطة العقل أية سلطة أخرى. والحال ان سلطان الثقافة العربية مازال يعتمّ بعمامة الدين. وباستعادة صيغة ميشيل فوكو المشهور:

« الدين هو عقل مجتمع بلا عقل»، فلنا أن نلاحظ أن العقل السائد في الثقافة العربية،  وفي المجتمعات العربية، ليس العقل الفلسفي، بل العقل الديني. ليس العقل الشارع وذا السؤدد الذاتي ، بل العقل التابع والمشرّع له. وعلى حد تعريف الشاطبي الذي مازال يحتفظ بصدقيته تامة: « العقل الذي لايسرح في مجال النظر إلا بقدر مايسرَحه النقل»، و» لا يتقدم بين يدي الشرع» بل « يهتدي بالأدلة الشرعية، يجري بمقدار ماأجرتْه ، ويقف حيث وقفته». ودوماً بلغة الشاطبي الفقهية، فإن العقل ليس أصلاً بحد ذاته، بل « ينبني على أصل متقدم ومسلَم  بإطلاق.. عن طريق الوحي».

وكما في كل الثقافات ذات الإبستميه الدينية كان يمكن للعقل اللاهوتي أن يضطلع بدور الوسيط بين العقل الفلسفي والعقل الديني. ولكن اللاهوت نفسه، كشكل معقلن من الدين، مازال منفياً من الثقافة العربية منذ أن كٌفَر فلاسفة الإسلام  وطٌرد علم الكلام المعتزلي خارج المدينة الإسلامية وتقلصت الحضارة العربية الإسلامية الى محض حضارة فقه. ولقد دفع الشهيد محمود محمد طه ثمناً غالياً لمحاولته إعادة فتح باب الاجتهاد في اللاهوت القرآني. ذلك أن السقف الأعلى للعقل الديني في الثقافة العربية السائدة – وهي سيادة قد عززها في العقود الأخيرة المنّ النفطي – مايزال هو العقل الفقهي. وباستثناء محاولات مهمَشة مثّلها ، فيمن مثلّها ، داعية تجديد الفقه الإسلامي جمال البنا، فإن العقل الفقهي السائد في الساحة العربية، والإسلامية بشكل أعم، مازال عاجزاً عن الوفاء بوعده – الذي كان أطلقه منذ مطلع عصر النهضة –بتحديث نفسه. ولسنا نماري في أن باب الاجتهاد في هذا الفقه قد اعيد فتحه في العقود الأخيرة على ايدي منظَري حركات الإسلام المؤدلج والمسيَس معاً لكن هذا الباب ما أعيد فتحه للتقدم الي الأمام، نحو الحداثة ، بل للارتداد الى الخلف، نحو القديم . وهذا ليس حتى إلى عصر مالك وأبي حنيفة والشافعي، بل الى عصر ابن تيمية الذي كان هناك الى زمن قريب، شبه إجماع على توصيفه بانه عصر انحطاط. ولعلنا – ونحن نستقرئ مايطالعنا به المشهد العربي السائد من حولنا اليوم من صعود لمد القوى الناشطة تحت لواء العقل الديني بطبعته الاكثر أصولية – لانغالي إذا قلنا إن العالم العربي يقف في مطلع القرن الحادي والعشرين هذا على عتبة الانكفاء على نفسه فيما لانتردد أن نسميه قروناً وسطى جديدة.