رضاع الكبير

كانت أم المؤمنين عائشة على أثر إرجاع إليها في السنن منذ عهد الخليفتين حتى عصر معاوية عدا علي بن أبي طالب أكثر أمهات المؤمنين حاجة لملاقاة المستفتين .

كما أنها اشتركت في حوادث سياسية عنيفة مما لم نعهد

لغيرها من أمهات المؤمنين أن يشتركن في نظائرها . فلعل هذا وذاك كان الباعث لها أن تتأول في حديث رضاع سالم مولى أبي حذيفة خلافا لسائر أمهات المؤمنين .

وحديث رضاع سالم في مسند أحمد ( 226 ) كما يلي : عن عائشة قالت : أتت سهلة بنت سهيل بن عمرو ، وكانت تحت أبي حذيفة بن عتبة رسول الله صلى الله عليه وآله ، فقالت : إن سالما مولى أبي حذيفة يدخل علينا ، وأنا فضل ( * ) ، وإنا كنا نراه ولدا ، وكان أبو حذيفة تبناه كما تبنى رسول الله صلى الله عليه وآله زيدا ، فأنزل الله : ” أدعوهم لآبائهم هو أقسط عند الله ” ، فأمرها رسول الله صلى الله عليه وآله عند ذلك أن ترضع سالما ، فأرضعته خمس رضعات ، وكان بمنزلة ولدها من الرضاعة ، فبذلك كانت تأمر أخواتها وبنات أخواتها أن يرضعن خمس رضعات من أحبت عائشة أن يراها ، ويدخل عليها ، وإن كان كبيرا ، خمس رضعات ، ثم يدخل عليها ، وأبت أم سلمة وسائر أزواج النبي صلى الله عليه وآله أن يدخلن عليهن بتلك الرضاعة أحدا من الناس حتى يرضع في المهد ، وقلن لعائشة : والله ما ندري لعلها كانت رخصة من رسول الله لسالم دون الناس .

وقد ورد في صحيح مسلم تفصيل هذه القصة في ستة أحاديث ( 227 ) وآخرها في لفظ مسلم : وقلن لعائشة : والله ما نرى هذا إلا رخصة أرخصها رسول الله صلى الله عليه وآله لسالم خاصة فما هو بداخل علينا أحد بهذه الرضاعة ولا رائينا .

ويظهر مما ذكره الشافعي في باب الرضاع من كتاب الأم أن أم المؤمنين حفصة تابعت أم المؤمنين عائشة في اجتهادها وفتواها .

وكان سالم بن عبد الله بن عمر بن أولئك ، فقد ذكر ابن سعد ( 228 ) أن أم المؤمنين عائشة أرسلته إلى أم كلثوم زوج عبد الله بن ربيعة لترضعه ليدخل عليها ، ويسمع منها . . الحديث .

ونرى أن الحديث الآتي يؤيد رأي أم سلمة ، وسائر أزواج النبي في حديث الرضاع : في صحيح مسلم ( 229 ) عن مسروق قال : قالت عائشة : دخل علي رسول الله صلى الله عليه وآله وعندي رجل قاعد ، فاشتد ذلك عليه ، ورأيت الغضب في وجهه قالت : فقلت يا رسول الله ! إنه أخي من الرضاعة ، قالت : فقال أنظرن إخوتكن من الرضاعة فإنما الرضاعة من المجاعة .

وقال النووي في شرحه : قوله عليه السلام : ” أنظرن إخوتكن ” أي تأملن وتفكرن ما وقع من ذلك ! هل هو رضاع صحيح بشرطه من وقوعه في زمن الرضاعة ؟ فإنما الرضاعة من المجاعة . وهو علة لوجوب النظر والتأمل ، و ” المجاعة ” مفعلة من الجوع يعني أن الرضاعة التي تثبت بها الحرمة ، وتحل بها الخلوة ، هي حيث يكون الرضيع طفلا يسد اللبن جوعته ، ولا يحتاج إلى طعام آخر ، والكبير لا يسد جوعه إلا الخبز ، فليس كل مرتضع لبن أم أخا لولدها

وفي سنن الترمذي : ” لا يحرم من الرضاع إلا ما فتق الامعاء ” أي ما وقع من الصبي موقع الغذاء ، بأن يكون في مدة الرضاع وهي معروفة في الفقه على خلاف فيها . . ( 230 )

والرواية هذه في سنن الترمذي ( 231 ) عن أم سلمة ، وتتمة الرواية هكذا : ” إلا ما فتق في الامعاء في الثدي وكان قبل الفطام ” . قال أبو عيسى : هذا حديث حسن صحيح ، والعمل على هذا عند أكثر أهل العلم من أصحاب النبي صلى الله عليه وآله ، وغيرهم أن الرضاع لا تحرم إلا ما كان دون الحولين ، وما كان بعد الحولين الكاملين ، فإنه لا يحرم شيئا . انتهى .

كانت الأحاديث الماضية تخالف فتوى أم المؤمنين عائشة ( رض ) في رضاع الكبير ، ولا يقوم لتلكم الأحاديث ما روت هي عن رسول الله صلى الله عليه وآله بأنه أمر سهلة ان ترضع سالما ويدخل عليها سالم بذلك الرضاع ، وخاصة بعد مخالفة سائر زوجات الرسول إياها في هذا الحكم ، فكان خير علاج لهذه المشكلة وجود آية من القرآن تؤيد فتواها كما ورد حديث بذلك في مسند أحمد ( 6 / 269 ) وسنن ابن ماجة الحديث المرقم 1944 من كتاب النكاح ( 1 / 625 )

وهذا نص الحديث : عن عائشة ، قالت : لقد نزلت آية الرجم ورضاعة الكبير عشرا ولقد كان في صحيفة تحت سريري فلما مات رسول الله صلى الله عليه وآله وتشاغلنا بموته ، دخل داجن فأكله . وكانت أم المؤمنين عائشة ( رض ) تفتي بكفاية خمس رضعات ( 232 ) .

وروى عنها في ذلك مسلم في صحيحه والدارمي في سننه ومالك في موطئه واللفظ للأول وهذا نص الحديث : عن عائشة قالت : ” كان فيما أنزل من القرآن عشر رضعات معلومات يحرمن ثم نسخن بخمس معلومات ” .

خلاصة البحث : كانت أم المؤمنين عائشة : تفتي بأن الرجل الكبير إذا أرضعته امرأة خمس رضعات تنتشر الحرمة بينه وبين المرضع ونسائها وتعمل بفتواها وترسل الرجل الذي ” أحبت أن يراها ويدخل عليها ” إلى أخواتها وبنات أخيها فيرضعن كذلك ويدخل عليها بتلك الرضاعة ، وكان سالم بن عبد الله بن أولئك ، فقد بعثته إلى أختها أم كلثوم فأرضعته .

وقالت في جواب إنكار أزواج الرسول عليها : إن الرسول أمر سهلة زوجة أبي حذيفة أن ترضع مولاهم سالما الذي كان متبناهم قبل ذلك أن ترضعه خمس رضعات ويدخل عليها بذلك ، وأبت أزواج الرسول أن يدخل عليهم أحد حتى يرضع في المهد ، وقلن لعائشة : لعلها كانت رخصة لسالم دون الناس ، وكانت الأحاديث تؤيد رأيهن وعلاجا لهذه القالة روي عنها في الصحاح والمسانيد أن هذا الحكم كان قد أنزل في القرآن الكريم هكذا : ” عشر رضعات يحرمن ” ثم نسخن ب‍ ” خمس معلومات ” .

وجوابا للسؤال عن سبب فقدان الآية المذكور روي عنها أيضا : لقد أنزلت آية الرجم و ( رضاعة الكبير عشرا ) ولقد كان في صحيفة تحت سريري فلما مات رسول الله صلى الله عليه وآله وتشاغلنا بموته ، دخل داجن فأكله ( 233 ) .

أثر حديث أم المؤمنين عائشة واجتهادها اجتهدت أم المؤمنين عائشة وقالت كان في ما أنزل من القرآن ” عشر رضعات معلومات يحرمن ” ثم نسخن ب‍ ” خمس معلومات ” وانتج اجتهادها المذكور نتيجتين :

أولا في علوم القرآن : أوجد روايتها السابقة القول بوجود نسخ التلاوة ونسخ الحكم معا ، أي ان الله أنزل على رسول آية في حكم وبلغها الرسول صلى الله عليه وآله إلى المسلمين وتلاها المسلمون ثم نسخ الله ذلك الحكم الذي شرعه في تلك الآية بحكم آخر في آية أخرى ثم نسخ الله لفظ تلك الآية مع نسخ حكمها ، واستشهدوا على ذلك برواية أم المؤمنين عائشة الآنفة كما قال الزركشي : الثالث : نسخهما لفظ الآية وحكمهما جميعا ، فلا تجوز قراءته ولا العمل به ، كآية التحريم بعشر رضعات فنسخن بخمس ، قالت عائشة : كان مما أنزل عشر رضعات معلومات ، فنسخن بخمس معلومات ، فتوفي رسول الله صلى الله عليه وآله وهي مما يقرأ من القرآن . رواه مسلم .

وقد تكلموا في قولها : ” وهي مما يقرأ ” فإن ظاهره بقاء التلاوة ، وليس كذلك ، فمنهم من أجاب بأن المراد قارب الوفاة ، والاظهر أن التلاوة نسخت أيضا ولم يبلغ ذلك كل الناس إلا بعد وفاة رسول الله صلى الله عليه وآله فتوفي وبعض الناس يقرأوها ( 234 ) .

ثانيا في علوم أحكام الإسلام : واستنادا إلى حديثها الآنف الذكر وأمرها اخواتها وبنات أخواتها أن يرضعن من أحبت عائشة أن يراها ويدخل عليها خمس رضعات ثم يدخل عليها ، أفتى بعض العلماء بانتشار الحرمة بين المرضع والمرضعة بخمس

رضعات كما قال ابن قدامة في بيان عدد الرضعات : عن عائشة انها قالت : أنزل في القرآن عشر رضعات معلومات يحرمن . فنسخ من ذلك خمس وصار إلى خمس رضعات معلومات يحرمن فتوفي رسول الله صلى الله عليه وآله والامر على ذلك . رواه مسلم ( 235 ) .

وقال ابن راشد في بداية المجتهد : واتفقوا على أن الرضاع بالجملة يحرم منه ما يحرم من النسب : أعني أن المرضعة تنزل منزلة الام ، فتحرم على المرضع هي وكل من يحرم على الابن من قبل أم النسب . واختلفوا من ذلك في مسائل كثيرة القواعد منها تسع :

إحداها : في مقدار المحرم من اللبن .

والثانية : في سن الرضاع .

الثالثة : في حال المرضع في ذلك الوقت عند من يشترط للرضاع المحرم وقتا خاصا .

والرابعة : هل يعتبر فيه وصوله برضاع والتقام الثدي أو لا يعتبر . .

( المسألة الاولى ) : أما ما مقدار المحرم من اللبن ، فان قوما قالوا فيه بعدم التحديد . .

وقالت طائفة : بتحديد القدر المحرم ، وهؤلاء انقسموا ثلاث فرق ، فقالت طائفة : لا تحرم المصة ولا المصتان .

وقالت طائفة : المحرم خمس رضعات ، وبه قال الشافعي ، وقالت طائفة : عشر رضعات . والسبب في اختلافهم في هذه المسألة معارضة عموم الكتاب للاحاديث الواردة في التحديد ومعارضة الاحاديث في ذلك بعضها بعضا .

أحدهما حديث عائشة وما في معناه أنه قال عليه الصلاة والسلام : ” لا تحرم المصة ولا المصتان أو الرضعة والرضعتان ” خرجه مسلم من طريق عائشة ومن طريق أم الفضل ومن طريق ثالث ، وفيه قال : قال رسول الله صلى الله عليه وآله : ” لا تحرم الاملاجة ولا الاملاجتان ” ، وحديث سهلة في سالم أنه قال لها النبي صلى الله عليه وآله : ” أرضعيه خمس رضعات ” ، وحديث عائشة في هذا المعنى أيضا ، قالت : ” كان فيما نزل من القرآن عشر رضعات معلومات ثم نسخن بخمس

معلومات ، فتوفي رسول الله صلى الله عليه وآله وهن مما يقرأ من القرآن ” ( 236 ) .

هكذا أشغل هذا الحديث أذهان علماء مدرسة الخلفاء أكثر من ألف سنة بدءا بمؤلفي كتب الصحاح والسنن وفقهاء المذاهب وعلماء علوم القرآن ، ولم يفكر أحدهم كيف انحصرت رواية نزول آية من القرآن بأم المؤمنين عائشة وحدها وكيف لم يحفظ الله هذا القرآن من ” داجن فأكله ” وزال من العالم ! ؟ وهو القائل : ” إنا نحن نزلنا الذكر وإنا له لحافظون ) .