حول الحروف المقطعة في القرآن الكريم

خاطرة حول الحروف المقطعة في القرآن الكريم
بقلم : أ.د رياض بن حسن الخوام


ما أكثر الأقوال فيها , وما أنفعها على كل حال, ولعل من وجوه عظمتها أنها لا تزال – وسوف تبقى – موضع قصور الأ فهام , عند خصوص وعامة أهل كل زمان , هي أربعة عشر حرفا ً مجموعة في قولك : نص حكيم له سر قاطع , ونحن نود أن نقدم ما خطر لنا من تفسير لها من غير ذكر ما قدموه سوى ما يلزم ذكره لهذه الخاطرة 

لقد بدا لي أن هذه الحروف المقطعة الواردة في هذه الكلمات , في أوائل السور القرآنية , هي إشارات بحروف عربية إلى أن القرآن الكريم حوى أو أشار إلى علوم الأولين والآخرين ولم يفرط بشيء، لذا من الطبيعي أن تقع فيه الإشارات لتتم إحاطته بكل شيء , كما قال سعيد بن جبير ووهب بن منبه (1)

ولعلك تسأل ما مضمون هذه الإشارات , وإلى أي شيء تشير ؟ فالجواب عنها بإيجاز: أن هذه الحروف تتضمن أن بعض الأمم لها خصائص لا يعرفها العرب , فأراد الله أن ينبههم إليها على حقيقة “سنريهم آياتنا في الآفاق وفي أنفسهم “, وليثبت لهم أن القرآن الكريم لم يفرط بشيءٍ تلميحاً أو تفصيلا ً , من هذه الخصائص ما ذكره ابن النديم وهو يتحدث عن القلم الرومي قال : إن لهم ” قلما ً ” يعرف با لساميا ولا نظير له عندنا فإن الحرف الواحد منه يحيط بالمعاني الكثيرة , ويجمع عدة كلمات , 

وقد ذكره جالينوس في “فينكس كتبه ” ومعنى هذه اللفظة ” ثبت الكتب ” قال جالينوس كنت في مجلس عام فتكلمت في التشريح كلاما ً عاما ً , فلما كان بعد أيام لقيني صديق لي فقال : إن فلانا ًيحفظ عليك في مجلسك العام أنك تكلمت بكذا وكذا , وأعاد عليَّ ألفاظي بعينها , فقلت : من أين لك هذا ؟ فقال لي : إني لقيت بكاتب ماهر بالساميا يسبقك في كلامك , وهذا القلم يتعلمه الملوك وجلة الكتاب ويمنع منه سائر الناس لجلالته.(2)

وأضاف ساردا ً قصة حصلت له ” جاءنا من بعلبك في سنة ثمان وأربعين رجل متطبب، زعم أنه يكتب بالساميا ,فجربنا عليه ما قال, فأصبناه إذا تكلمنا بعشر كلمات أصغى إليها ثم كتب كلمة , فاستعدناها فأعادها بألفاظها (3)
فهذا النص يفيد أن الحرف الواحد عندهم يحتمل عددا من المعاني الكثيرة وقد يجمع عددامن الكلمات .

وأضاف ابن النديم أن أهل الصين أيضا لديهم كتابة يقال لها كتابة المجموع , وفيها أن شكل الحرف يدل عندهم على المعاني الكثيرة أيضا ً .قال: وللصين كتابة يقال لها :كتابة المجموع ،وهو أن لكل كلمة تكتب بثلاثة أحرف و أكثر صورة واحدة ولكل كلام يطول شكل من الحروف يأتي على المعاني الكثيرة ،فإذا أرادوا أن يكتبوا ما يكتب في مائة ورقة كتبوه في صفح واحد بهذا القلم , قال محمد بن زكريا الرازي : قصدني رجل من الصين فأ قام بحضرتي نحو سنة تعلم فيها العربية كلاما وخطا في مدة خمسة أشهر حتى صار فصيحا حاذقا سريع اليد , فلما أراد الانصراف إلى بلده قال لي قبل ذلك بشهر: إني على الخروج فأ حب أن تُمْلِ على كُتُبَ جالينوس الستة عشر لأ كتبها ,فقلت: لقد ضاق عليك الوقت ولا يفي زمان مقامك لنسخ قليل منها، فقال الفتى: أسألك أن تهب لي نفسك مدة مقامي وْتُمْلِ عليّ بأسرع ما يمكنك ,فإني أسبقك با لكتابة ,فتقدمت إلى بعض تلاميذي بالاجتماع معنا على ذلك, فكنا نمل عليه بأسرع ما يمكننا ,فكان يسبقنا فلم نصدقه إلا في وقت المعارضة, فإنه عارض بجميع ما كتبه ,وسألته عن ذلك فقال: إن لنا كتابة تعرف با لمجموع وهو الذي رأيتم إذا أردنا أن نكتب الشيء الكثير في المدة اليسيرة كتبناه بهذا الخط, ثم إن شئنا نقلناه إلى القلم المتعارف والمبسوط, وزعم أن الإنسان الذكي السريع الأخذ والتلقين, لا يمكنه أن يتعلم ذلك في أقلَّ من عشرين سنه(4)

فإذا كان الحرف في القلم الرومي يدل على المعاني الكثيرة، وشكل الحرف عند أهل الصين يدل أيضا ً على المعاني الكثيرة , فلِمَ لا يقال : إن هذه الحروف المقطعة تفيد أن كل حرف منها قد يدل على المعاني الكثيرة , 

وثمة أقوال كثيرة وردت عند المفسرين تؤكد ذلك أي بهذا يقوى اتجاه مَنْ ذكر لكل حرف منها معنى أو معاني،من ذلك ما نقل عن ابن عباس من قوله: ألم، أنا الله أعلم , والمراد أنا الله أرى , والمص , أنا الله أفصل , وروي عن ابن عباس أيضا ً الألف من الله واللام من جبريل والميم من محمد صلى الله عليه وسلم بل ان بعضهم أطلق المعاني ولم يحدد فقال: هي حروف متفرقة دلت على معان ٍ مختلفة (5) 

ولعل مما يؤنس بذلك أيضاً أن بعضهم قال عن هذه الحروف هي: أمارة جعلها الله لأهل الكتاب أنه سينزل على محمد كتاباً في أول سور منه حروف مقطعة (6) فكأن هذا القائل استشعر ما ذكرناه فجعلها موجهة إلى أهل الكتاب خاصة , منبهة لهم على رسالة سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم , ولعل حقيقة هذه الحروف صادفت مايعرفونه من دلالة الحرف على المعاني الكثيرة كقلم الساميا عندهم , ولكن الهدى هدى الله في نهاية الأمر .

والظاهر أن دلالة الحرف على معنى أمر مشترك بين عدد من اللغات يؤكد ذلك قول الأخفش حين قال عنها : إنها مبادىء كتب الله المنزلة بالأ لسن المختلفة ومبان من أسماء الله الحسنى وصفاته العلى وأصول كلام الأمم “(7) فقوله : وأصول كلام الأمم يقويه ما ذكرناه عن القلمين الرومي والصيني فقد رأينا أن الحرف نفسه أو شكل رسمه ـ وهو في الأصل ملفوظ ـ قد يتحمل معاني كثيرة كما رأينا 

وثمة أمر يستفاد مما ذكرناه وهو أن في القرآن إشارات إلى كل لسان ولا غرابة من ذلك لأنه من لدن خالق هذه الأكوان العالم بكل شيء ,قال سعيد بن جبير ووهب بن منبه : إن في القرآن من كل لسان (8) وبهذا الفهم يقوى قول من قال إن في القرآن ألفاظاً أعجمية, صارت عربية لأن العرب عربتها ثم نزل القرآن بها على أنها عربية ففي ذلك إشارات إلى كل لسان من الأمم وسبحان من وضع فيه أسرار الأزل والأبد (9).

وخلاصة ما أردنا قوله هو أن ما ذكره ابن النديم حول القلمين الرومي والصيني يؤكد اتجاه بعض المفسرين إلى أن كل حرف يدل على معنى ً أو على معاني كثيرة , كما يؤكد على وقوع الأعجمي في القرآن الكريم , ويؤكد أخيراً اتجاه بعضهم إلى أن القرآن الكريم اشتمل على إشارات تدل على علوم الأولين والآخرين, تلميحا ً أو تفصيلا ً, على حقيقة قوله تعالى (ما فرطنا في الكتاب من شيء) وعلى قوله “سنريهم آياتنا في الآفاق وفي أنفسهم ” و ” والكل يسقى من ماء واحد “. هذا ما بدا لنا والله أعلم .

أخيراً هل ينبري باحث إلى دراسة ” دلالة الحرف على معنى أو معاني ” فالمعلوم عندنا أن الحرف في صنعة النحو لا يستقل بالمفهومية لأنه لا يقبل إسنادا وضعيا كما قال ابن مالك (10) لكن ابن فارس وابن جني عرضا لظاهرة دلالة الحرف في الكلمة على معنى والأمر معروف عند طلبة العلم , 

أما المفسرون فقد أشاروا إلى مثل هذه الدلالات في مقدمات تفاسيرهم حين عرضوا الأقوال المفسرة للحروف المقطعة ـ وما أكثرها ـ , فالظاهر أن الفكرة كانت تدور في خواطرهم لكن لم يأت أحدٌ بعدهم نمى هذه الفكرة وقواها , فهي بذرة لم تسق … وهي بحاجة إلى دراسة تمتد لتشمل اللغات السامية وغيرها لكي نصل إلى الغاية التي نرومها وننشدها .
________________________________________
1ـ روح المعاني 12/174
2- الفهرست 23
3- الفهرست 24
4- الفهرست 24-25
5- البحر المحيط 1/34
6- الإتقان 4/1388
7- البحر المحيط 1/34
8- روح المعاني 12/114
9- وسيلة العارفين 111
10- شرح التسهيل 1/10

قالوا احب القس

قالوا احب القس

قالوا أحب القسُّ سلامة . . . وهو التقي الورع الطاهرُ

كأنما لم يدر ِ طعم الهوى . . . والحب إلا الرجلُ الفاجرُ

يا قوم ِ إني بشرٌ مثلكم . . . وفاطري ربكم الفاطرُ

لي كبدٌ تهفو كأكبادكم . . . ولي فؤادٌ مثلكم شاعرُ

كلمات: علي احمد باكثير
ألحان: رياض السنباطي
مقام: صبا
تاريخ: 1945