أشهر الملحدين في تاريخ الإسلام

أشهر الملحدين في تاريخ الإسلام

تعرّف على أفكار أشهر الملحدين في تاريخ الإسلام – بقلم: يونان سعد

ربما لا يعرف الكثيرون أن في التاريخ العربي والإسلامي بعض الملحدين والمتشككين في الأديان السماوية. فالتاريخ الرسمي اهتم بتوثيق الأحداث ليظهر أن تاريخ الدول الإسلامية هو تاريخ للإيمان، بينما تجاهل المؤرخون حيناً المتشككين وأصابوهم بالتشوية في أحيان أخرى، وحُرقت معظم كتبهم أو اختفت.

لكن عبد الرحمن بدوي في كتابه “تاريخ الإلحاد في الإسلام” يحاول من مصادر عدة تجميع أخبارهم وأفكارهم، وهو الأمر الذي يخرج عن نطاق الدفاع عنهم أو الهجوم عليهم، إلى محاولة التوثيق لهم باعتبارهم جزءاً من هذه الحضارة الغنية، أثروا فيها وتأثروا بها، وكونوا حراكاً داخلها تأثر به حتى المدافعون عن الدين أنفسهم من شيوخ الدين والمتكلمين واضطرتهم إلى تطوير أدواتهم حتى تتناسب بقدر الإمكان مع العلم الحديث والفلسفة الوافدة وروح العصر، مما وقع في مصلحة العامة وأثرى حضارتهم.

والإلحاد الذي يقصده عبد الرحمن بدوي يختلف عن الإلحاد بمعناه المعروف أي إنكار الذات الإلهية، وهو يحاول تمييز حركة الإلحاد لدينا عن تلك التي حدثت في الغرب، فبينما سعى الملحدون هناك إلى هدم الفكرة الأساسية التي يقوم عليها التدين عندهم وهي وجود الإله، قصد الملحدون في تاريخنا إلى التشكيك في فكرة النبوة وهدمها، على اعتبار أن التدين في الشرق كان قائماً على هذه الفكرة في الأساس.

فما الذي دفع هؤلاء إلى انتقاد الأديان عامة حتى لم يسلم منهم معتقد من المعتقدات الشرقية؟ وما هي اعتراضاتهم عليها؟ في ما يلي أهم أفكارهم دون التعرض لمدى صحتها أو بطلانها.

لعلّ ابن الراوندي الذي شكك في النبوة، وأنكر الديانات السماوية وانتقد القرآن الكريم والسنة النبوية بإسلوب لاذع، هو أشهر الملحدين في تاريخ الإسلام، خاصةً أن آراءه وصلت إلينا من خلال عرضها في كتب هدف مؤلفوها إلى دحضها. وقد أفردنا له موضوعاً خاصاً في رصيف222.

ابن المقفع

لم يكن ابن المقفع  ملحدًا بمعنى إنكار وجود الإله والبعث والقيامة، وتقريباً كل ما ينسب إليه في هذا الإطار مدون في فصل من كتاب “كليلة ودمنة” الذي قام بترجمته بنفسه عن الفارسية إلى العربية، وهو الفصل الذي يعرف بباب “برزويه كما ترجمه الوزير بزرجمهر بن خلكان” وتدور معظم الشكوك حول أن ابن المقفع كتبه بنفسه ونسبه للكتاب حتى يخفي فيه أفكاره المتشككة في الأديان.

وينقل عن الخليفة المهدي (158-  169ه) قوله بأنه لا توجد زندقة إلا ولها أصل في هذا الباب الذي كتبه ابن المقفع، وهو الفصل نفسه الذي أدى لاتهامه بالزندقة (أو لمكيدة سياسية) وتقطيع أوصاله وشواء أعضائه على النار أمام عينيه حتى مات.

وفي أحد مقاطع هذا الباب يحكي ابن المقفع عن رحلة برزويه مع الأديان، فهو يشكك أولاً في صحة الدين الذي ورثه عن أبائه ثم يحاول أن يجد مطلبه في غيره، إلى أن ينكر على أهل كل دين أنهم يتحزبون لإيمانهم الذي ولدوا عليه وورثوه عن أبائهم دون تفكير في صحة هذا المعتقد من عدمه، علاوة على ذلك أن أصحاب الديانات المختلفة يتنابذون فيما بينهم ويدعي كل منهم صحة معتقده وبهتان معتقد الآخرين، ولما أعمل عقله لم يجد في أي منها ما يدعو للتسليم به دون غيره، ويتوصل في النهاية إلى أن يكتفي بحسن الخلق مع الناس ورد الأذى عنهم.

أبو بكر محمد بن زكريا الرازي

ربما يكون للحديث عن فلسفة الرازي هنا مجال أكثر من سرد إنجازاته في الطب والكيمياء، وأهم ما له في ذلك كتابان هما “في العلم الإلهي” و”مخاريق النبوة”، لكن معظم ما وصل إلينا منهما ورد في كتب الذين ردوا على أقواله.

وكان الرازي لا يؤمن بالنبوة ويأخذ على عاتقه إثبات التناقض في الكتب المقدسة بداية من التوراة إلى الإنجيل والقرآن، ثم ما يلبث أن يوجه طعنه إلى بقية الديانات الشرقية كالزرادشتيه والمانوية.

أقوال جاهزة

شاركغردلا يعرف الكثيرون أن في التاريخ العربي والإسلامي بعض الملحدين والمتشككين في الأديان السماوية…

شاركغردابن الراوندي، ابن المفقع، الرازي، المعري.. ما الذي دفعهم إلى انتقاد الأديان عامة حتى لم يسلم منهم معتقد من المعتقدات

ورأيُ الرازي في النبوة والأنبياء ينحصر حول قيمة العقل، ففي رأيه أنه ما دام الله قد منحنا العقل وميزنا به عن سائر خلقه وهيأ له القدرة على اكتشاف الخير والشر، فما حاجة الإنسان لنبي يعلمه الشرائع والأخلاق، ثم أن لعقل الإنسان قدرة أيضاً على معرفه الخالق من خلال النظر في خلقه فلا حاجة لإرسال نبي يعلم الناس طريق الله.

ثم يحاول أن يدفع الاعتراضات على كلامه من عدة جوانب، أولها أن الأولَى بحكمة الله وعدله اللذين يؤمن بهما أصحاب الديانات، أن يساوي بين خلقه في القدرة على معرفة الخير والشر، وأن الله إذا ميز بعضهم بهذه الموهبة عن البعض الآخر يكون قد زرع بينهم الشقاق، وهو ما نراه يحدث بين أصحاب المذاهب المختلفة من القتال والنزاع وإراقة الدماء.

وبرأيه إن المسؤول عن ذلك ليس الضعف أو قلة الفهم عند أبناء المعتقدات، إنما خلل في نظرية النبوة نفسها، فالأنبياء في رأيه يبشرون بشرائع وأفكار غير قابلة للجدال والنقاش باعتبارها قادمة من السماء وتحيط بها هالة من التقديس، وهو يرى أن الكثير مما أتى به الأنبياء يخالف الطبيعة الإنسانية والسلام بين بني البشر، بالإضافة إلى ادعاء كل دين استئثاره بالحقيقة منفرداً، وهو ما يؤدي بطبيعة الحال للشقاق والسجال بين أطراف تتجاذب الحقيقة.

وثانياً: يقول إن أصحاب الأديان يرون أن الناس مراتب وفُضل بعضهم على بعض، ومنهم من يمتاز عن البقية بالعلم، وإذا كان ذلك كذلك فحري بالأنبياء الذين هم أشرف الخلق بأن يمتازوا على الجميع؛ لكن الرازي يرى أن ذلك ليس دليلاً على النبوة، فالناس من وجهة نظره متساوون في القدرة على المعرفة ولا يميز أحدهم عن الآخر إلا الاجتهاد في تحصيلها والقابلية النفسية لإعمال الذهن.

ثالثاً: إن الأنبياء يختلفون فيما بينهم في نواحٍ كثيرة فمنهم من يُؤلِّه المسيح ومنهم من يراه بشراً عادياً ومنهم من يراه زنديقاً كاليهود، ويتساءل كيف لله أن يبعث للناس برسائل متناقضة كل التناقض، وفي الأخير: لا يرى الرازي مبرراً لأن نعلل إيمان معظم البشر بالنبوة كدليل على صدقها، فالناس إما يسلمون بما ورثوه ويتكاسلون عن التحقيق فيه ثم يسلمون به لاعتيادهم عليه ويتحول المعتقد بمرور الأجيال إلى ما يشبه الطبيعة والغريزة في هؤلاء الناس، أو أنهم يخافون بطش رجال الدين والسلطان بهم، أو ينخدعون في المظهر البراق للدعاة والمبشرين والوعاظ، أي أن كثرة العدد ليست دليلاً على صدق المذهب.

وبعض الانتقادات التي يوجهها ابن الرازي للكتب المقدسة نجدها مثلاً في اعتراضه على ما ورد في التوراة عن إصدار الله أوامره لليهود بالقتل وإباحة دماء الشعوب الأخرى، وعلى تشبيههم للذات الإلهية بشخص يحب رائحة شواء اللحم والذبائح وبعجوز أشيب الشعر، وهو ما يناقض تأكيد النبي موسى على أن الله قديم غير مصنوع ولا مؤلف ولا تنفعه المنافع ولا تضره المضار، ثم يعترض على ما جاء في الإنجيل عن المسيح أنه قال “ما جئت لأنقد الناموس بل لأكمله” – قاصدًا بهذا توراة النبي موسى – ثم يقوم المسيح بإلغاء معظم شرائع الناموس من تقديس السبت والأخذ بالثأر وما إلى ذلك، وهو بذلك يحاول إثبات تناقض الإنجيل، ولا يكتفي بهذا فيهاجم عقيدة التثليث والتوحيد في المسيحية باعتبارها غير  متسقة ومتناقضة.

ثم يوجه طعنه للقرآن الكريم على اعتبار ما يراه من تشبيه وتجسيم للذات الإلهية في آيات مثل “الرحمن على العرش استوى”، و قوله “ويحمل عرش ربك يومئذ ثمانية”.

وأنكر الإعجاز اللغوي للقرآن الكريم أيضاً، ورد السؤال التعجيزي المعتاد “إذا كنتم تنكرون إعجاز القرآن فهل لكم أن تأتوا بمثله؟” بسؤال آخر وهو: هل لكم أن تأتوا بمثلما كتب بطليموس وجالينوس؟ وما أراد قوله هو عدم قدرة أي شخص على الإتيان بمثل ما كتبه شخص آخر لأن الأسلوب اللغوي يشبه البصمة ويختلف باختلاف المتحدث.

ويرى عبد الرحمن بدوي أن الرازي لم يولِ بالاً للاجتهادات التي قام بها مشايخ المعتزلة لتأويل هذه الآيات على اعتبار أن لها معنى داخلياً غير معناها الظاهر ينفي عنها التجسيم والتشبيه، فيما يرى الرازي أنها مجرد محاولة من المعتزلة لإنقاذ الموقف، ويزيد على ذلك بأن ينتقد تواتر الروايات عن الرسول في أحاديثه الشريفة، ويدفع بأنه لو سقط شخص من ضمن سلسلة الرواة الطويلة عن النبي نتيجة لذلة أو نسيان، فإن الرواية تسقط بدورها، وهو يرى أن ذلك تسبب بتناقض الروايات النبوية ومن ثم يعفي نفسه من الأخذ بالأحاديث الشريفة جملة.

أبو علاء المعري

يوصف بأنه شاعر العقل في تاريخ الأدب العربي، عُرف عنه إعلاؤه لقيمة العقل فوق العادة والتقاليد وثقته في قدرة الإنسان على التمييز بين الخير والشر دون الحاجة للدين.

ومما كتبه:

يرتجي الناس أن يقوم إمام     ناطق في الكتيبة الخرساء

كذب الظن لا إمام سوى الـ      عقل مشيراً في صبحه والمساء

إنما هذه المذاهب أسبا      بٌ لجذب الدنيا إلى الرؤساء

كما ذهب إلى إنكار الكتب السماوية:

دين وكفر وأنباء تقص وفر       قان وتوراة وإنجيل

في كل جيل أباطيل يدان بها       فهل تفرد يوماً بالهدى جيل؟

ويبدو أنه قد تقلب في مراحل كثيرة بين الشك والإيمان. كذلك، لم يشكك في وجود الله ودائماً ما تحدث عن نعمه وصفاته. ويذكر طه حسين في كتابه “مع أبي العلاء في سجنه” أن المعري كان يسلم بوجود الله ويتحدث عنه بلسان العابد الزاهد الصادق في عبادته.

جابر بن حيان

كان جابر بن حيان كيميائياً بارعاً، ويذكر عبد الرحمن بدوي نقلاً عن المستشرق “كروس” أنه أضاف الكثير إلى الكيمياء اليونانية واتبع منهجاً علمياً يضاهي ذلك الذي ابتدعه العلماء المحدثون في أوروبا، وبناءً على إنجازاته في هذا المجال وصل إلى درجة الاعتقاد في مقدرة الكيمياء على تخليق ما يشبه الكائنات الحية والإنسان، الأمر الذي يذكرنا بالمحاولات الحديثة الخاصة بالذكاء الاصطناعي، وهو أمر قد وضعه عند الناس في طائفة الزنادقة والملحدين.

الشعراء المُجان

ربما لا نجد في شعر هؤلاء الذين أطلق عليهم المُجَّان – نسبة للمجون واللهو – من الشعراء والذين عاشوا في ظل الخلافة الثانية للدولة العباسية، وجهة نظر فكرية واضحة تجاه الأديان، وكان على رأس هؤلاء أبو نواس ومعظم ما ورد عنهم من أدب كان يصب في اتجاه الاستهانة بالأوامر الدينية وربط السعادة الإنسانية بالأمور الأرضية لا بالروحانيات والتصورات السماوية.

المصدر: رصيف 22

تكبير الصدر وحلمة الثدي

وصفة تكبير الصدر وحلمة الثدي من الدكتور سعيد حساسين    
استقبلت الكثير من الرسائل التي تطلب كتابة وصفة تكبير الثدي وحلمة الثدي من الدكتور سعيد حساسين
واليوم سأكتب لكم وصفة من الدكتور سعيد حساسين وهي لتكبير الثدي ولإبراز حلمة الثدي .. يعني حتى اللي حلمات صدرها صغيرة تنفعها الوصفة وتكبر الحلمات بالأضافة لزيادة حجم الصدر.
المكونات :
– 3 ملاعق لبن
– 1 معلقة خميرة
– 2 معلقة حلبة مطحونة
الطريقة :
تخلطي المكونات جيدا حتى تصبح مثل الكريمة .. ثم اختاري اذا كنتي تريدي تكبير الثدي او حلمة الثدي.
تكبير الثدي :دلكي الثدي بحركة دائرية ويجب تدليك الثدي مرتين باليوم (مره الصبح) و (مره بالليل) لمدة 10 دقائق كل مره وبعد 30 يوم تحصلي على نتائج ممتازة.
لتكبير حلمة الثدي :تدعكي بيهم حلمة الثدي مع التدليك الخفيف 3 مرات باليوم وستظهر النتائج بعد 30 يوم.
تم كتابة الوصفة كما شرحها الدكتور سعيد حساسين ولمشاهدة فيديو الوصفة من الدكتور والتأكد من طريقة عملها اضغط هنا.

سعد بن أبي وقاص

الأسد في براثنه

أقلقت الأنباء أمير المؤمنين عمر بن الخطاب، عندما جاءته تترى بالهجمات الغادرة التي تشنها قوات الفرس على المسلمين.. وبمعركة الجسر التي ذهب ضحيتها في يوم واحد أربعة آلاف شهيد.. وبنقض أهل العراق عهودهم، والمواثيق التي كانت عليهم.. فقرر أن يذهب بنفسه لبقود جيوش المسلمين، في معركة فاصلة ضد الفرس.
وركب في نفر من أصحابه مستخلفا على المدينة علي ابن أبي طالب كرّم الله وجهه..
ولكنه لم يكد يمضي عن المدينة حتى رأى بعض أصحابه أن يعود، وينتدب لهذه الهمة واحدا غيره من أصحابه..

وتبنّى هذا الرأي عبد الرحمن بن عوف، معلنا أن المخاطرة بحياة أمير المؤمنين على هذا النحو والاسلام يعيش أيامه الفاصلة، عمل غير سديد..

وأمر عمر أن يجتمع المسلمون للشورى ونودي:_الصلاة جامعة_ واستدعي علي ابن أبي طالب، فانتقل مع بعض أهل المدينة الى حيث كان أمير المؤمنين وأصحابه.. وانتهى الرأي الى ما نادى به عبد الرحمن بن عوف، وقرر المجتمعون أن يعود عمر الى المدينة، وأن يختار للقاء الفرس قائدا آخر من المسلمين..
ونزل أمير المؤمنين على هذا الرأي، وعاد يسأل أصحابه:
فمن ترون أن نبعث الى العراق..؟؟
وصمتوا قليلا يفكرون..
ثم صاح عبد الرحمن بن عوف: وجدته..!!
قال عمر: فمن هو..؟
قال عبد الرحمن: “الأسد في براثنه.. سعد بن مالك الزهري..”

وأيّد المسلمون هذا الاختيار، وأرسل أمير المؤمنين الى سعد بن مالك الزهري “سعد بن أبي وقاص” وولاه امارة العراق، وقيادة الجيش..
فمن هو الأسد في براثنه..؟
من هذا الذي كان اذا قدم على الرسول وهو بين أصحابه حياه وداعبه قائلا:
“هذا خالي.. فليرني امرؤ خاله”..!!

انه سعد بن أبي وقاص.. جده أهيب بن مناف، عم السيدة آمنة أم رسول الله صلى الله عليه وسلم..
لقد عانق الاسلام وهو ابن سبع عشرة سنة، وكان اسلامه مبكرا، وانه ليتحدث عن نفسه فيقول:
” .. ولقد أتى عليّ يوم، واني لثلث الاسلام”..!!
يعني أنه كان ثالث أول ثلاثة سارعوا الى الاسلام..

ففي الأيام الأولى التي بدأ الرسول يتحدث فيها عن الله الأحد، وعن الدين الجديد الذي يزف الرسول بشراه، وقبل أن يتخذ النبي صلى الله عليه وسلم من دار الأرقم ملاذا له ولأصحابه الذين بدءوا يؤمنون به.. كان سعد ابن أبي وقاص قد بسط يمينه الى رسول الله مبايعا..
وانّ كتب التارييخ والسّير لتحدثنا بأنه كان أحد الذين أسلموا باسلام أبي بكر وعلى يديه..
ولعله يومئذ أعلن اسلامه مع الذين أعلنوه باقناع أبي بكر ايّاهم، وهم عثمان ابن عفان، والزبير ابن العوّام، وعبد الرحمن بن عوف، وطلحة بن عبيد الله.
ومع هذا لا يمنع سبقه بالاسلام سرا..
وان لسعد بن أبي وقاص لأمجاد كثيرة يستطيع أن يباهي بها ويفخر..
بيد أنه لم يتغنّ من مزاياه تلك، الا بشيئين عظيمين..
أولهما: أنه أول من رمى بسهم في سبيل الله، وأول من رمي أيضا..
وثانيهما: أنه الوحيد الذي افتداه الرسول بأبويه فقال له يوم أحد:
” ارم سعد فداك أبي وأمي”..

أجل كان دائما يتغنى بهاتين النعمتين الجزيلتين، ويلهج يشكر الله عليهما فيقول:
” والله اني لأوّل رجل من العرب رمى بسهم في سبيل الله”.
ويقول علي ابن أبي طالب:
” ما سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يفدي أحدا بأبويه الا سعدا، فاني سمعته يوم أحد يقول: ارم سعد.. فداك أبي وأمي”..
كان سعد يعدّ من أشجع فرسان العرب والمسلمين، وكان له سلاحان رمحه ودعاؤه..

اذا رمى في الحرب عدوّا أصابه.. واذا دعا الله دعاء أجابه..!!
وكان، وأصحابه معه، يردّون ذلك الى دعاء الرسول له.. فذات يوم وقد رأى الرسول صلى الله عليه وسلم منه ما سرّه وقرّ عينه، دعا له هذه الدعوة المأثورة..
” اللهم سدد رميته.. وأجب دعوته”.

وهكذا عرف بين اخوانه وأصحابه بأن دعوته كالسيف القاطع، وعرف هو ذلك نفسه وأمره، فلم يكن يدعو على أحد الا مفوّضا الى الله أمره.

من ذلك ما يرويه عامر بن سعد فيقول:
” رأى سعد رجلا يسب عليا، وطلحة والزبير فنهاه، فلم ينته، فقال له: اذن أدعو عليك، فقال ارجل: أراك تتهددني كأنك نبي..!!
فانصرف سعد وتوضأ وصلى ركعتين، ثم رفع يديه وقال: اللهم ان كنت تعلم أن هذا الرجل قد سبّ أقواما سبقت لهم منك الحسنى، وأنه قد أسخطك سبّه ايّاهم، فاجعله آية وعبرة..
فلم يمض غير وقت قصير، حتى خرجت من احدى الدور ناقة نادّة لا يردّها شيء حتى دخلت في زحام الناس، كأنها تبحث عن شيء، ثم اقتحمت الرجل فأخذته بين قوائمها.. وما زالت تتخبطه حتى مات”..
ان هذه الظاهرة، تنبىء أوّل ما تنبىء عن شفافية روحه، وصدق يقينه، وعمق اخلاصه.

وكذلكم كان سعد، روحه حر.. ويقينه صلب.. واخلاصه عميق.. وكان دائب الاستعانة على دعم تقواه باللقمة الحلال، فهو يرفض في اصرار عظيم كل درهم فيه اثارة من شبهة..
ولقد عاش سعد حتى صار من أغنياء المسلمين وأثريائهم، ويوم مات خلف وراءه ثروة غير قليلة.. ومع هذا فاذا كانت وفرة المال وحلاله قلما يجتمعان، فقد اجتمعا بين يدي سعد.. اذ آتاه الله الكثير، الحلال، الطيب..
وقدرته على جمع المال من الحلال الخالص، يضاهيها، قدرته في انفاقه في سبيل الله..

في حجة الوداع، كان هناك مع رسول الله صلى الله عليه وسلم، وأصابه المرض، وذهب الرسول يعوده، فساله سعد قائلا:
“يا رسول الله، اني ذو مال ولا يرثني الا ابنة، أفأتصدّق بثلثي مالي..؟
قال النبي: لا.
قلت: فبنصفه؟
قال النبي: لا.
قلت: فبثلثه..؟
قال النبي: نعم، والثلث كثير.. انك ان تذر ورثتك أغنياء، خير من أن تذرهم عالة يتكففون الناس، وانك لن تنفق نفقة تبتغي بها وجه الله الا أجرت بها، حتى اللقمة تضعها في فم امرأتك”..
ولم يظل سعد أبا لبنت واحدة.. فقد رزق بعد هذا أبناء آخرين..

**

وكان سعد كثير البكاء من خشية الله.
وكان اذا استمع للرسول يعظهم، ويخطبهم، فاضت عيناه من الدمع حتى تكاد دموعه تملؤ حجره..
وكان رجلا أوتي نعمة التوفيق والقبول..

ذات يوم والنبي جالس مع أصحابه، رنا بصره الى الأفق في اصغاء من يتلقى همسا وسرا.. ثم نظر في وجوه أصحابه وقال لهم:
” يطلع علينا الآن رجل من أهل الجنة”..
وأخذ الأصحاب يتلفتون صوب كل اتجاه يستشرفون هذا السعيد الموفق المحظوظ..
وبعد حين قريب، طلع عليهم سعد بن أبي وقاص.
ولقد لاذ به فيما بعد عبد الله بن عمرو بن العاص سائلا اياه في الحاح أن يدله على ما يتقرّب الى الله من عمل وعبادة، جعله أهل لهذه المثوبة، وهذه البشرى.. فقال له سعد:
” لا شيء أكثر مما نعمل جميعا ونعبد..
غير أني لا أحمل لأحد من المسلمين ضغنا ولا سوءا”.

هذا هو الأسد في براثنه، كما وصفه عبد الرحمن بن عوف..
وهذا هو الرجل الذي اختاره عمر ليوم القادسية العظيم..
كانت كل مزاياه تتألق أما بصيرة أمير المؤمنين وهو يختاره لأصعب مهمة تواجه الاسلام والمسلمين..
انه مستجاب الدعوة.. اذا سأل الله النصر أعطاه اياه..
زانه عفّ الطعمة.. عف اللسان.. عف الضمير..
وانه واحد من أهل الجنة.. كما تنبأ له الرسول..
وانه الفارس يوم بدر. والفارس يوم أحد.. والفارس في كل مشهد شهده مع رسول الله صلى الله عليه وسلم..
وأخرى، لا ينساها عمر ولا يغفل عن أهميتها وقيمتها وقدرها بين لخصائص التي يجب أن تتوفر لكل من يتصدى لعظائم الأمور، تلك هي صلابة الايمان..

ان عمر لا ينسى نبأ سعد مع أمه يوم أسلم واتبع الرسول..
يومئذ أخفقت جميع محاولات رده وصده عن سبيل الله.. فلجأت أمه الى وسيلة لم يكن أحد يشك في أنها ستهزم روح سعد وترد عزمه الى وثنية أهله وذويه..

لقد أعلنت أمه صومها عن الطعام والشراب، حتى يعود سعد الى دين آبائه وقومه، ومضت في تصميم مستميت تواصل اضرابها عن الطعام والسراب حتى أوشكت على الهلاك..
كل ذلك وسعد لا يبالي، ولا يبيع ايمانه ودينه بشيء، حتى ولو يكون هذا الشيء حياةأمه..
وحين كانت تشرف على الموت، أخذه بعض أهله اليها ليلقي عليها نظرة وداع مؤملين أن يرق قلبه حين يراها في سكرة الموت..

وذهب سعد ورأى مشهد يذيب الصخر..
بيد أن ايمانه بالله ورسوله كان قد تفوّق على كل صخر، وعلى كل لاذ، فاقترب بوجهه من وجه أمه، وصاح بها لتسمعه:
” تعلمين والله يا أمّه.. لو كانت لك مائة نفس، فخرجت نفسا نفسا ما تركت ديني هذا لشيء..
فكلي ان شئت أو لا تأكلي”..!!
وعدلت أمه عن عزمهت\ا.. ونزل الوحي يحيي موقف سعد، ويؤيده فيقول:
( وان جاهداك على أن تشرك بي ما ليس لك به علم فلا تطعهما)..
أليس هو الأسد في براثنه حقا..؟؟

اذن فليغرس أمير المؤمنين لواء القادسية في يمينه. وليرم به الفرس المجتمعين في أكثر من مائةألف من المقاتلين المدربين. المدججين بأخطر ما كانت تعرفه الأرض يومئذ من عتاد وسلاح.. تقودهم أذكى عقول الحرب يومئذ، وأدهى دهاتها..
أجل الى هؤلاء في فيالقهم الرهيبة..خرج سعد في ثلاثين ألف مقاتل لا غير.. في أيديهم رماح.. ولكن في قلوبهم ارادة الدين الجديد بكل ما تمثله من ايمان وعنفوان، وشوق نادر وباهر الى الموت و الى الشهادة..!!
والتقى الجمعان.
ولكن لا.. لم يلتق الجمعان بعد..
وأن سعدا هناك ينتظر نصائح أمير المؤمنين عمر وتوجيهاته.. وها هو ذا كتاب عمر اليه يأمره فيه بالمبادرة الى القادسية، فانها باب فارس ويلقي على قلبه كلمات نور وهدى:
” يا سعد بن وهيب..
لا يغرّنّك من الله، أن قيل: خال رسول الله وصاحبه، فان الله ليس بينه وبين أحد نسب الا بطاعته.. والناس شريفهم ووضيعهم في ذات الله سوء.. الله ربهم، وهم عباده.. يتفاضلون بالعافية، ويدركون ما عند الله بالطاعة. فانظر الأمر الذي رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم منذ بعث الى أن فارقنا عليه، فالزمه، فانه الأمر.”
ثم يقول له:
” اكتب اليّ بجميع أحوالكم.. وكيف تنزلون..؟
وأين يكون عدوّكم منكم..
واجعلني بكتبك اليّ كأني أنظر اليكم”..!!

ويكتب سعد الى أمير المؤمنين فيصف له كل شيء حتى انه ليكاد يحدد له موقف كل جندي ومكانه.
وينزل سعد القادسية، ويتجمّع الفرس جيشا وشعبا، كما لم يتجمعوا من قبل، ويتولى قيادة الفرس أشهر وأخطر قوّادهم “رستم”..

ويكتب سعد الى عمر، فيكتب اليه أمير المؤمنين:
” لا يكربنّك ما تسمع منهم، ولا ما يأتونك به، واستعن بالله، وتوكل عليه، وابعث اليه رجالا من أهل لنظر والرأي والجلد، يدعونه الى الله.. واكتب اليّ في كل يوم..”
ويعود سعد فيكتب لأمير المؤمنين قائلا:
” ان رستم قد عسكر ب ساباط وجرّ الخيول والفيلة وزحف علينا”.
ويجيبه عمر مطمئنا مشيرا..
ان سعد الفارس الذكي المقدام، خال رسول الله، والسابق الى الاسلام، بطل المعارك والغزوات، والذي لا ينبو له سيف، ولا يزيغ منه رمح.. يقف على رأس جيشه في احدى معارك التاريخ الكبرى، ويقف وكأنه جندي عادي.. لا غرور القوة، ولا صلف الزعامة، يحملانه على الركون المفرط لثقته بنفسه.. بل هو يلجأ الى أمير المؤمنين في المدينة وبينهما أبعاد وأبعاد، فيرسل له كل يوم كتابا، ويتبادل معه والمعركة الكبرى على وشك النشوب، المشورة والرأي…

ذلك أن سعدا يعلم أن عمر في المدينة لا يفتي وحده، ولا يقرر وحجه.. بل يستشير الذين حوله من المسلمين ومن خيار أصحاب رسول الله.. وسعد لا يريد برغم كل ظروف الحرب، أن يحرم نفسه، ولا أن يحرم جيشه، من بركة الشورى وجدواها، لا سيّما حين يكون بين أقطابها عمر الملهم العظيم..

**

وينفذ سعد وصية عمر، فيرسل الى رستم قائد الفرس نفرا من صحابه يدعونه الى الله والى الاسلام..
ويطول الحوار بينهم وبين قائد الفرس، وأخيرا ينهون الحديث معه اذ يقول قائلهم:
” ان الله اختارنا ليخرج بنا من يشاء من خلقه من الوثنية الى التوحيد… ومن ضيق الدنيا الى سعتها، ومن جور الحكام الى عدل الاسلام..
فمن قبل ذلك منا، قبلنا منه، ورجعنا عنه، ومن قاتلنا قاتلناه حتى نفضي الى وعد الله..”
ويسأل رستم: وما وعد الله الذي وعدكم اياه..؟؟
فيجيبه الصحابي:
” الجنة لشهدائنا، والظفر لأحيائنا”.
ويعود لبوفد الى قائد المسلمين سعد، ليخبروه أنها الحرب..
وتمتلىء عينا سعد بالدموع..

لقد كان يود لو تأخرت المعركة قليلا، أو تقدمت قليلا.. فيومئذ كان مرضه قد اشتد عليه وثقلت وطأته.. وملأت الدمامل جسده حتى ما كان يستطيع أن يجلس، فضلا أن يعلو صهوة جواده ويخوض عليه معركة بالغة الضراوة والقسوة..!!
فلو أن المعركة جاءت قبل أن يمرض ويسقم، أولوأنها استأخرت حتى يبل ويشفى، اذن لأبلى فيها بلاءه العظيم.. أما الآن.. ولكن، لا، فرسول الله صلى الله عليه وسلم علمهم ألا يقول أحدهم: لو. لأن لو هذه تعني العجز، والمؤمن القوي لا يعدم الحيلة، ولا يعجز أبدا..

عنئذ هب الأسد في براثنه ووقف في جيشه خطيبا، مستهلا خطابه بالآية الكريمة:
(بسم الله الرحمن الرحيم..
ولقد كتبنا في الزبور من بعد الذكر أن الأرض يرثها عبادي الصالحون)..
وبعد فراغه من خطبته، صلى بالجيش صلاة الظهر، ثم استقبل جنوده مكبّرا أربعا: الله أكبر.. الله أكبر.. الله أكبر.. الله أكبر..
ودوّى الكن وأوّب مع المكبرين، ومد ذراعه كالسهم النافذ مشيرا الى العدو، وصاح في جنوده: هيا على بركة الله..

وصعد وهو متحاملا على نفسه وآلامه الى شرفة الدار التي كان ينزل بها ويتخذها مركزا لقيادته..وفي الشرفة جلس متكئا على صدره فوق وسادة. باب داره مفتوح.. وأقل هجوم من الفرس على الدار يسقطه في أيديهم حيا أو ميتا.. ولكنه لا يرهب ولا يخاف..
دمامله تنبح وتنزف، ولكنه عنها في شغل، فهو من الشرفة يكبر ويصيح.. ويصدر أوامره لهؤلاء: أن تقدّموا صوب الميمنة.. ولألئك: أن سدوا ثغرات الميسرة.. أمامك يا مغيرة.. وراءهم يا جرير.. اضرب يا نعمان.. اهجم يا أشعث.. وأنت يا قعقاع.. تقدموا يا أصحاب محمد..!!
وكان صوته المفعم بقوة العزم والأمل، يجعل من كل جندي فردا، جيشا بأسره..
وتهاوى جنود الفرس كالذباب المترنّح.ز وتهاوت معهم الوثنية وعبادة النار..!!
وطارت فلولهم المهزومة بعد أن رأوا مصرع قائدهم وخيرة جنودهم، وطاردهم كالجيش المسلم عتى نهاوند.. ثم المدائن فدخلوها ليحملوا ايوان كسرى وتاجه، غنيمة وفيئا..!!

**

وفي موقعة المدائن أبلى سعد بلاء عظيما..
وكانت موقعة المدائن، بعد موقعة القادسية بقرابة عامين، جرت خلالهما مناوشات مستمرة بين الفرس والمسلمين، حتى تجمعن كل فلول الجيش الفارسي ويقاياه في المدائن نفسها، متأهبة لموقف أخير وفاصل..
وأدرك سعد أن الوقت سيكون بجانب أعدائه. فقرر أن يسلبهم هذه المزية.. ولكن أنّى له ذلك وبينه وبين المدائن نهر دجلة في موسم فيضانه وجيشانه..
هنا موقف يثبت فيه سعد حقا كما وصفه عبد الرحمن بن عوف الأسد في براثنه..!!

ان ايمان سعد وتصميمه ليتألقان في وجه الخطر، ويتسوّران المستحيل في استبسال عظيم..!!
وهكذا أصدر سعد أمره الى جيشه بعبور نهر دجلة.. وأمر بالبحث عن مخاضة في النهر تمكّن من عبور هذا النهر.. وأخيرا عثروا على مكان لا يخلو عبوره من المخاطر البالغة..

وقبل أن يبدأ الجيش الجيش عملية المرور فطن القائد سعد الى وجوب تأمين مكان الوصول على الضفة الأخرى التي يرابط العطو حولها.. وعندئذ جهز كتيبتين..
الأولى: واسمها كتيبة الأهوال وأمّر سعد عليها عاصم ابنعمرو والثانية: اسمها الكتيبة الخرساء وأمّر عليها القعقاع ابن عمرو..

وكان على جنود هاتين الكتيبتين أن يخوضوا الأهوال لكي يفسحوا على الضفة الأخرى مكانا آمنا للجيش العابر على أثرهم.. ولقد أدوا العمل بمهارة مذهلة..
ونجحت خطة سعد يومئذ نجاحا يذهل له المؤرخون..
نجاحا أذهل سعد بن أبي وقاص نفسه..
وأذهل صاحبه ورفيقه في المعركة سلمان الفارسي الذي أخذ يضرب كفا بكف دهشة وغبطة، ويقول:
” ان الاسلام جديد..
ذلّلت والله لهم البحار، كما ذلّل لهم البرّ..
والذي نفس سلمان بيده ليخرجنّ منه أفواجا، كما دخلوه أفواحا”..!!
ولقد كان .. وكما اقتحموا نهر دجلة أفواجا، خرجوا منه أفواجا لم يخسروا جنديا واحدا، بل لم تضع منهم شكيمة فرس..

ولقد سقط من أحد المقاتلين قدحه، فعز عليه أن يكون الوحيد بين رفاقه الذي يضيع منه شيء، فنادى في أصحابه ليعاونوه على انتشاله، ودفعته موجة عالية الى حيث استطاع بعض العابرين التقاطه..!!

وتصف لنا احدى الروايات التاريخية، روعة المشهد وهم يعبرون دجلة، فتقول:
[أمر سعد المسلمين أن يقولوا: حسبنا الله ونعم الوكيل.. ثم اقتحم بفرسه دجلة، واقتحم الناس وراءه، لم يتخلف عنه أحد، فساروا فيها كأنما يسيرون على وجه الأرض حتى ملؤا ما بين الجانبين، ولم يعد وجه الماء يرى من أفواج الفرسان والمشاة، وجعل الناس يتحدثون وهم يسيرون على وجه الماء كأنهم يتحدون على وجه الأرض؛ وذلك بسبب ما شعروا به من الطمأنينة والأمن، والوثوق بأمر الله ونصره ووعيده وتأييده]..!!

ويوم ولى عمر سعدا امارة العراق، راح يبني للناس ويعمّر.. كوّف الكوفة، وأرسى قواعد الاسلام في البلاد العريضة الواسعة..
وذات يوم شكاه أهل الكوفة لأمير المؤمنين.. لقد غلبهم طبعهم المتمرّد، فزعموا زعمهم الضاحك، قالوا:” ان سعدا لا يحسن يصلي”..!!
ويضحك سعد من ملء فاه، ويقول:
“والله اني لأصلي بهم صلاة رسول الله.. أطيل في الركعتين الأوليين، وأقصر في الأخريين”..
ويستدعيه عمر الى المدينة، فلا يغضب، بل يلبي نداءه من فوره..
وبعد حين يعتزم عمر ارجاعه الى الكوفة، فيجيب سعد ضاحكا:
” اأتمرني أن أعود الى قوم يزعمون أني لا أحسن الصلاة”..؟؟
ويؤثر البقاء في المدينة..

وحين اعتدي على أمير المؤمنين عمر رضي الله عنه وأرضاه، اختار من بين أصحاب الرسول عليه الصلاة والسلام، ستة رجال، ليكون اليهم أمر الخليفة الجديد قائلا انه اختار ستة مات رسول الله وهو عنهم راض.. وكان من بينهم سعد بن أبي وقاص.
بل يبدو من كلمات عمر الأخيرة، أنه لو كان مختارا لخلافة واحدا من الصحابة لاختار سعدا..
فقد قال لأصحابه وهو يودعهم ويوصيهم:
” ان وليها سعد فذاك..
وان وليه غيره فليستعن بسعد”.

**

ويمتد العمر بسعج.. وتجيء الفتنة الكبرى، فيعتزلها بل ويأمر أهله وأولاده ألا ينقلوا اليه شيئا من أخبارها..
وذات يوم تشرئب الأعناق نحوه، ويذهب اليه ابن أخيه هاشم بن عتبة بن أبي وقاص، ويقول له:
يا عم، ها هنا مائة ألف سيف يروك أحق الناس بهذا الأمر.
فيجيبه سعد:
” أريد من مائة ألف سيف، سيفا واحدا.. اذا ضربت به المؤمن لم يصنع شيئا، واذا ضربت به الكافر قطع”..!!
ويدرك ابن أخيه غرضه، ويتركه في عزلته وسلامه..
وحين انتهى الأمر لمعاوية، واستقرت بيده مقاليد الحكم سأل سعدا:
مالك لم تقاتل معنا..؟؟
فأجابه:
” اني مررت بريح مظلمة، فقلت: أخ .. أخ..
واتخذت من راحلتي حتى انجلت عني..”
فقل زعاوية: ليس في كتاب الله أخ.. أخ.. ولكن قال الله تعالى:
(وان طائفتان من المؤمنين اقتتلوا، فأصلحوا بينهما، فان بغت احداهما على الأخرى، فقاتلوا التي تبغي حتى تفيء الى أمر الله).
وأنت لم تكن مع الباغية على العادلة، ولا مع العادلة على الباغية.
أجابه سعد قائلا:
” ما كنت لأقاتل رجلا قال له رسول الله: أنت مني بمنزلة هرون من موسى الا أنه لا نبي بعدي”.

**

وذات يوم من أيام الرابع والخمسين للهجرة، وقد جاوز سعد الثمانين، كان هناك في داره بالعقيق يتهيأ لقاء الله.
ويروي لنا ولده لحظاته الأخيرة فيقول:
[ كان رأس أبي في حجري، وهو يقضي، فبكيت وقال: ما يبكيك يا بنيّ..؟؟
ان الله لا يعذبني أبدا وأني من أهل الجنة]..!!
ان صلابة ايمانه لا يوهنها حتى رهبة المةت وزلزاله.
ولقد بشره الرسول عليه الصلاة والسلام، وهو مؤمن بصدق الرسول عليه الصلاة والسلام أوثق ايمان..ز واذن ففيم الخوف..؟
[ ان الله لا يعذبتي أبدا، واني من أهل الجنة].

بيد أنه يريد أن يلقى الله وهو يحمل أروع وأجمل تذكار جمعه بدينه ووصله برسوله.. ومن ثمّ فقد أشار الى خزانته ففتوحها، ثم أخرجوا منها رداء قديما قي بلي وأخلق، ثم أمر أهله أن يكفنوه فيه قائلا:
[ لقد لقيت المشركين فيه يوم بدر، ولقد ادخرته لهذا اليوم]..!!

اجل، ان ذلك الثوب لم يعد مجرّد ثوب.. انه العلم الذي يخفق فوق حياة مديدة شامخة عاشها صاحبها مؤمنا، صادقا شجاعا!!
وفوق أعناق الرجال حمل الى المدينة جثمان آخر المهاجرين وفاة، ليأخذ مكانه في سلام الى جوار ثلة طاهرة عظيمة من رفاقه الذين سبقوه الى الله، ووجدت أجسامهم الكادحة مرفأ لها في تراب البقيع وثراه.

**

وداعا يا سعد..!!
وداعا يا بطل القادسية، وفاتح المدائن، ومطفىء النار المعبودة في فارس الى الأبد..!!