بولص سلامه

بولص سلامة

ولد في قرية ( تبدين اللغش ) قرية جزين في لبنان سنة 1902م ، تلقى دروسه في مدرستي العزيز والحكمة وتخرج حقوقياً في الجامعة اليسوعية ببيروت عام 1926 م وعمل في الصحافة .

تولى القضاء من 1928 م حتى عام 1944 م في طرابلس ومرجعيون وحاصبيا وزحلة ، وتقلب بوظائف القضاء .

اصيب الشاعر بمرض اقعده بالفراش نحو اربعين عاماً اجرى له خلال ذلك 23 جراحة وهجره جل اصدقائه .

له عدة مؤلفات منها :ـ1ــ فلسطين واخواتها .2ــ الرياض .3ــ الغدير .4ــ مذكرات جريح .5ــ حديث العشية .6ــ الصراع في الوجود .7ــ تحت السنديانة .8ــ زاوية من لبنان .9ــ ديوان زحل .10ــ علي والحسين .11ــ الامير بشير .12ــ ليالي القندق .13ــ مع المسيح .14ــ حكايات مع عمر .15ــ في ذلك الزمان . 16ــ خبز وملح (

[1]) .
توفي مترجمنا سنة 1979 م .

قال من قصيدة بعنوان علي والحسين :

حمل المجد خافقاً في لوائه

بطل ظل مفرداً في سمائه

فتفلَ الايام بيض المواضي

والحسام الاصيل ملء مضائه

ذو الفقار الشطيب في يوم بدر

لم تزل زرقةَ السماء بمائه

هاشمي صافي الفرند ([2]) براه

الله نصراً لمصطفى انبيائه

كلما اخلق الزمان جديدا

اذهل الناظرين وهج سنائه

يوم بدر نادتك سمر العوالي

فاستجيبت الخطي عند ندائه

أورق الرمح في يمينك لما

اهتز عود المران من خيلائه

جاء بالنصر مثمراً واطمأنت

هضبات الحجاز في جرعائه

أمرعت ارضها بخضر الاماني

واستظلت آمالها بعلائه

وتنادى بيثرب كل افق

من ربى نجده الى صنعائه

وتهاوت شهب البزاة دراكاً

واستوى النسر في ذرى عليائه

يكف الشمس بالجناح عريضاً

ويسد الفضاء رحب فضائه

همه في النجوم لم يلق طرفاً

للثرى حالماً بخضب نمائه

سابح في العلاء مد الخوافي

في جبين الشعاع في لألائه

يا علي العصور ذكرك نور

وهدى للنفوس ان ضل تائه

بكر من آمنوا وصهر نبي

انت منه هارون في خلفائه

عامري عبل السواعد ليث

ضج منه الحجاز في دهنائه

يتحدى قريش في الغمرة الحمراء

صلباً والزهو ملء ردائه

راع فرسانها شيوخاً ومرداً

فادلهم النهار قبل مسائه

واستعاد النبي من لابن ود

وجنان النعيم بعض جزائه

نكسوا الهام ذلة وحياءً

وتداعت قلوبهم لدعائه

جلجلت فيك روح عبد مناف

وقصي وغالب من ورائه

فتزينت أمرداً للمنايا

تجرح العين رقة من حيائه

وازدراك الجبار خاب عنيداً

وتجاهى وشط في غلوائه

ما درى انه يلاقي حديداً

تستجير الرمضاء من رمضائه

ما درى انه يلاقي حديداً

تستجير الرمضاء من رمضائه

ما درى انه ينازل شبلاً

غضبات الدهور من اصدائه

وانتضيت السيف المرن رقيقاً

فيصل الحق عارياً من طلائه

فاذا بطشه رماد وذل

وعيون تبكي على اشلائه

كبر المسلمون لما رأوه

جبلاً ماد في خضيب دمائه

ضربة ذكرها يظل فتياً

غب موت الزمان غب فنائه

يا طلولاً بحصن خيبر تبكي
يستحيل الفولاذ بين يديه

هل بلاء في الورع مثل بلائه
لطف غصن يحن عند التوائه

أين صفين والمصاحف ترس

شرعت للتقي قصد اتقائه

أي حرب ما كنت فيها شهاباً

يبسم النصر في بياض لوائه

لو أطاع العراق ليث قريش

لبلغت الشام في خضرائه

ولحيتك غوطة تنادت

لتقيك الهجير من صحرائه

يطرق الحور يا علي خشوعاً

فكأن احتشامه في انحنائه

ولحياك أرز لبنان حباً

نحن ادرى بحبه ووفائه

انه يؤثر الصقور خفافاً

فالنسور الكبار من رفقائه

ويجل الخلق الابي نضيراً

مثل آغصانه ومل ابائه

يا لواء المهاجرين سلاماً

من روابي لبنان من أندائه

من صفاء الثلج الطهور مقيماً

في الاعالي بصيفه وشتائه

ومن الآس والورود عبير

طيب الضفتين من اودائه

يا أمير البيان نهجك بحر

تتلاقى الارواح في اثنائه

متعة السمع والقلوب وراء

وزئير الاقداد في انوائه

غضبة للتقى وللزهد دوت
خَلق الشمس حَرة لا تداري

في سواد العراق في بطحائه
او تواري مزوراً في ريائه

ترسل القول في العتاب جماراً

من صميم البركان عند التظائه

فاذا قلت في الخشوع فسخر

يفضح الحلم في لطيف سنائه

من عيون الربيع تهمي عبيراً

من ليالي نيسان من قمرائه

يا أمير الزهاد صيتك انقى

من جبين العذراء قبل اصطلائه

جل من يقطع الليالي صياماً

ويرش النضار في فقرائه

يبذل المال لليتامى جياعاً

ويجل الاسلام في ضعفائه

ايها المال ما خدعت علياً

حسبه منك بلغة لعشائه

سيد الرافدين والفرس

والرومان يختار جبةً لكسائه

حلية الفضل صاغها الله برداً

وحباها النساك من اصفيائه

اين منها الامين(

[3]) ينثر مال

الله في فسقه وفي خلعائه

أمه باهت العصور بخف(

[4])

نيرات الالماس من اضوائه

رب جان ببخله لا يوازي

في الاساآت مجرماً بسخائه

أين أعراق بنت جعفر نَبلاً

من بنات النبي من زهرائه

فاطم لم تنل من العيش الا

ما يقيم الفقير في بأسائه

زوج بنت الرسول خلقك اسمى

من مناط العيوق في اسرائه

شيمة النور ان يظل نقياً

لا يمس الغبار روح صفائه

وغني الاخلاق ليس فقيراً

انما مجده بكبر شقائه

وشهيد الحق المقدس يمضي

باسم الثغر من خلال بلائه

يكتم الجرح دامياً ويواري

ما تكن العيون عن رقبائه

يربض الليث في العرين أبياً

والدنايا بعيدة عن هوائه

ويرى الارض كلها لا تساوي

انه من أساه او من عيائه

قد رايت الدنيا الغرور عجوزاً

هام فيها مغفل من عمائه

خدر الجهل عينه فرآها

نجمة الصبح تزدهي في خبائه

قد يطول الحلم المزور يوماً

ويمد السكران في اغفائه

واذا اقبل الصباح صدوقاً

جرف الليل حلمه بهنائه

فترى صدره على صدر افعى

واذا تغره على رقطائه

ايه عبد الرحمن نذل مراد
أنت عبد الشيطان خَلقاً وخلقاً

يا عدو السماء في بغضائه
والزنيم الدنيء في ادنيائه

لطخة العار يا ابن ملجم يا من

هب نتن الاقذار من اسمائه

كنية لو وعى الزمان محاها

من حروف الهجاء قبل ابتدائه

لعنته السماء والارض طَراً

لعنة ترتقي الى آبائه

فتذل الاحفاد جيلاً فجيلاً

وتعيب الانساب في أنسابه

تحرق النبت في ربوع مراد

ويجف النخيل قبل استوائه

ييبس الضرع ظالماً لا يلاقي

في الينابيع قطرة لارتوائه

وتحول الصم الصخور رماداً

فيدمي العيون نثر هبائه

يحبس الغيث قطره ويولي

ويذوب الغمام قبل امتلائه

لا يداني مستنقع الرجس طل

ويظل الجحيم بعض لظائه

ينشد الظاميء المرادي ماءً

فيرى الدم آسناً في سقائه

لفه الصبح بالظلام وغارت

ساطعات النجوم في امسائه

كلما مد للكواكب عيناً

مدها الميل في هوى ظلمائه

ليت يوماً قد جاء بابن مراد

كفنته العصور في دهمائه

وتوارى في مبهمات الهيولي
ولد الغدر يوم جاء شقياً

وتلاشى التنين في دأمائه

ولد الغدر يوم جاء شقياً

وتهادى ابليس في نافقائه ([5])

زفها في غياهب النار بشرى

واصطفاه الرجيم في حلفائه

فحباه الحسام يقطر سماً

وطلاه بمرشف من دهائه

نفث الشهد في لسان قطام

ربة الماكرين من سفرائه

يا قطاماً أتهدمين بناءً

من لآلي الجنان في أحنائه

افختم ماجر آدم جرماً

ان يذوق التفاح من حوائه

تستحث الالوان والطعم حلواً

وتبث العبير في اغرائه

فاذا لان واستنام رخياً

اسكرته بالعذب من اطرائه

تلمس الكف بالانامل لدنا

فتصب الصهباء في اعضائه

فاذا الساعد المرنح شر

والحسام الاثيم من نصرائه

يا يمين السفاح شلت يمين

حملت للامام أي انتهائه

هاجها السم فالرواهش(

[6]) رقط

لون جلد الثعبان عند بغائه

لم يرعه الامام وهو يصلي

والملاك السميع في اصغائه

ضربة الوغد خضبته ومالت

دوحة الغر عن رفيع بنائه

ومشى الليث للعرين جريحاً

مرسلاً طرفه الى اجوائه

قال ( مدوا له الفراش وثيراً

واعدوا أطايباً لغدائه

فاذا عشت فالجروح قصاص

واذا مت حان يوم انقضائه )

أجهش المسجد اليتيم بكاءً

حين غاب الامام من فقهائه

وبكى الشط والفرات وغاضت

زقزقات الهزار في غينائه

وجرى اسود المياه كئيباً

يتلوى مولولاً في انثنائه

يحمل النعي للخليج فجيعاً

هّدم الضفتين وقرَ عنائه

فقدت غزة الحجاز علياً

خاتم الراشدين من أمرائه

واشرأبت تهامة وعسير

وتنادت جبالها لبكائه

مركب النور والهداية جدت

عاصفات الرياح في اقصائه

يطلب المرفأ الامين عزيزاً

والليالي تصده عن لقائه

يستحيل البحر الخضم جبالاً

ويرد الشراع عن إرسائه

يتحاشى غر الشمائل سمح

تستطيب الاخلاق رحب فنائه

كلما همّ للعلى عبقرياً

أخرج الدهر نابه لعدائه

فهو في اهله غريب وحيد

ترك السيف ساطعاً في عرائه

لا تراه العيون رمداً مراضاً

واخوه يخونه في إخائه

ينشد المال خانقاً كل حسٍ

غير صوت الدينار في احشائه

ايها الطامعون في الارض انتم

اولياء الشيطان في ايحائه

في النفوس الشحاح شاد قصور

الوهم تدعو الاقطاب من بخلائه

بيع عيسى بالمال بيع لقيط

وهو كنز السماء من عذرائه

ولو ان الجبال كانت انتصاراً

لم تعادل سريدةً ([7]) في حذائه

مات موسى خلو اليدين نقياً

كصفاء النهار عند اعتلائه

مات طه ودرعه رهن دين

كل جهد الوفي عن ايفائه

وهو لو شاء رمل يثرب تبراً

أمطرته السماء في ارضائه

يتعالى الانوف نفساً وكفاً

عن متاع الغني عن اشيائه

في جناحيه همة وانطلاق

وقصي النجوم دون ارتقائه

آنس العيش فرخة فتهادى

فيه طيف الهناء غب خلائه

بنت اسحاق آية الدهر حسناً

وسماء الجمال في إصحائه

ذهب الشمس صاغها وهج نور

وأفاض البهاء في شقرائه

طلقّ الروح زوجها في طلاق

نسج المكر فخه لشقائه

كلما صاح بلبل وتغنى

رفرفت روحه على هيفائه

واذا اقبل الصباح ندياً

حسب النور من صحى حسنائه

قد أعدت الحياة لابن سلام

واستفاق الغريق من إغمائه

ألهب الوجد عظمه فتلظى

وارتمى قلبه على عفرائه

ياولي الزمان بعد علي

والزعيم النبيل في كبرائه

انما الدهر محنة وخطوب

وحسام يحز في أدبائه

فكأن العيش الرخي مشاعَ

للبغاة الرعاع من لؤمائه

جئت تبغي عرش العراق اميراً

يصغر الكون عن مدى إيوائه

فتلقتك عصبة الشر رهط

من بناة الاجرام من اوليائه

بينهم كل ارقم يتلوى

فتفيض السموم في غبرائه

يبدهون الحسين بالجيش غدراً

وهو بين الادنين من خلصائه

باقة الزهر من رياض قريش

والرياحين غضة من نسائه

تحرم الماء والفرات مشاع

لا يصد الشفاه من نزلائه

يغدق الخصب للجماد ويهمي

ويذيب العيون في احبائه

راكضاً تارة وطوراً وئيداً

كي يروي الصحراء في ابطائه

في مجاريه عطفة وحنان

واندفاق الخيرات في بيدائه

يفتح النهر صدره للضواري

والافاعي يظلها بولائه

ساقه الله رحمة وحياة

يجتنيها الوراد من احيائه

يستوي فيه ساكن الشط حقاً

والشريد الحقير من غربائه

صد عنه الحسين والاهل

والاولاد تهفو حلوقهم لاجتنابه

يا شفاه الصدي غذاها حليب

سلسل الحوض دون غذائه

قبلتها شفاه طه فنالت

هالة النور من دفيق ضيائه

ولها الكوثر العريض ثواب

في جنان النعيم في افنائه

يستفيض الرحيق فوق اللالي

ويشع الياقوت من حصبائه

وزعيم الشباب في يوم بعث

غير مرمى السهام من غوغائه

جاء للسلم فانبريتم سيوفاً

قاطعات لولده وامائه

ما رحمتم فتاه وهو غلام

بسمات الحياة في سيمائه

من رطيب الاملود في ساعديه

من حياء العذراء في اغضائه

لو اتى الورد قاطفاً لتحامت

نافرات الاشواك عن ايذائه

يا انيس الرسول طفلا لعوباً

والضياء الاخير في ابنائه

يعجز الخاطر المجنح وصفاً

ويغص الخيال عند رثائه

من ضواحي لبنان خذها دموعاً

من اماليد ارزه وعلائه

هاله مصرع الحسين شهيداً

فأتاك الجريح ([8]) من شعرائه

قطعته الالام عضواً فعضواً

وتلظى اليأس المرير بدائه

غيضت اية الرجاء وولت

وتهاوت آماله بشفائه

يتمنى الموت الزؤام خلاصاً

ويرجيه بلسماً في دوائه

شاعر صدره جحيم مقيم

وفؤاد يموت في كربلائه([9])

([1] ) ينظر معجم اعلام المورد / 240 تاريخ الشعر العربي الحديث 377 ـ 378 ، معجم المؤلفين ج1 / 451 ، من الادب المقارن ج2 / 180 ، تتمة الاعلام ج1 / 90 .

([2] ) الفرند : شيء السيف ، وهو جوهرة وماؤه الذي يجري فيه ، لسان العرب / ج3 / 334 .

([3] ) اشارة الى الامين ابن هارون الرشيد .

([4] ) روي ان زبيدة بنت جعفر زوجة هارون الرشيد أقنت خفاً كلف بيت المال خمسين الف الف من الدنانير.

([5] ) النافقاء احدى حجر اليربوع يكتمها ويظهر غيرها فاذا اتى من جهة الفاصعاء ضرب النافقاء براسه فخرج منها الصحاح ج4 / 1560 .

([6] ) الرواهش هي العروق البادية في ظاهر اليد .

([7] ) المسرد : والسريدة : ما يخرز به ، وقد قيل سردها : نسجها .

([8] ) يشير الشاعر الى مرضه الطويل الذي طرحه على سرير الالم لسنوات عديدة واعجز الطب بعد تسع عشرة عملية جراحية .

([9] ) علي والحسين / قصيدة بولس سلامة / 5 ـ 21 .