العراق ليس بيتنا

ليس لدينا “وطن” .
و العراق ليس “بيتنا” الكبير.
العراق “مَحَلّة” تتكوّن من مجموعة “بيوت” سياسيّة ، و عِرْقيّة ، وطائفيّة.
البيت السياسي الشيعي ، البيت السياسي السُنّي ، والبيت السياسي الكُردي .
و هُناك “بيوت” صغيرة “مُشْتَمَلات” ، مُلْحَقة بهذه البيوت الثلاثة الكبيرة.
هذا ليسَ وطناً ، بل بضعةُ “بيوتٍ” في “محَلّةٍ” مُنقسمَةٍ على نفسها . بيوتٌ يصِلُ صوتُ تناحُرِها الى سابعِ جار.
أمّا مَنْ منحَ “المُلاّكَ” في هذه “المحلّةِ” سندات “الطابو” ، وجعلهم يُؤَجِّرونَ “مُشتَمَلاتهم” لهذا دونَ ذاك .. و يتحكّمونَ في “الإرثِ” ، فيمنحونَ هذا الأبنِ ضعف حُصّتهِ لأنّهُ “بارِّ” ، و يحرمون ذلكَ الابنَ من حُصّتِهِ لأنّهُ “عاقّ” ، فهذا ما لا أعرفهُ ، ولن اجْتَهِدَ فيه .
ما أعرفهُ أنّنا كـ “شعوب” ، و “اُمّة” ، و نُخَب ، و مُثقفّين ، و ناساً عاديّين ، راضونَ (عموماً) بذلك ، بدليلِ أنّ بعضنا “يُنَظّرُ” لما يجري ، و بعضنا يُصَفّقُ لما يحدثُ ، و بعضنا الآخرُ يقتلُ بعضنا الآخر ، دفاعاً عن الإرثِ والمذهبِ والعَرْض .. و كُلّنا يركضُ وراء “حصّتهِ” استناداً للمبدأ البراغماتي الشهير : “كلّ من تزوّجً أُميّ ، فهوَ عمّي”.. بل وقُمنا بتطوير هذا المبدأ و تحديثه سياسيّاً ، و “تعريقهِ”، ليصبحً : “كُلُّ من تزوّجَ أُمّي (وإنْ غَصْباً) ، فهو ليس عمّي فقط ، بل هو أُمّي ، وأبي أيضاً ، ولَمْ يكُنْ لي يوماً من ولِيِّ أمْرٍ سواه”.
إنّ الصراعَ الذي نشهدُ تفاصيلهُ الآن، ليسَ نزاعاً بين “أعيانِ” محَلّةٍ ، يسعى كلُّ منهم لخدمةِ “سُكّانِ” محَلّتِهِ ، على وفقِ طريقته الخاصة في الادارةِ والحُكْم .. بل هو صراعٌ بين أربابِ هذه البيوت الثلاثة على من سيكونُ مُختار المحلّة ، ومن سيكونُ مأمورُ مركز الشرطة ، ومن سيكونُ شيخُ الجامع.
يجري عقدُ الصفقات ، دون اتمامها الى الآنَ ، في البيوتِ الثلاثةِ على التعاقب.
غيرَ أنّ “مُلاّكَ” بيتينِ منهما ، يُفَضِّلانِ اللقاءِ (دائماً) ، مع “المالِكِ” الثالثِ لأقدمِ بيوت المحلّة.
أمّا شُعوبُ “المُشْتَمَلات” ، فتجلسُ في “المقهى” ، بانتظارِ أنْ يُوَزّعَ “الفائزونَ” اقداحَ الشاي عليها مجّاناً ، لتحتفلَ معهم بالنصرِ على الأعداء.
وفي الحقيقةِ فليس أمامُ شُعوبِ “المُشْتَمَلات” خَيارٌ آخرُ مُتاح ، غيرُ الجلوسِ على مصاطبِ “المقهى” الوحيدِ في المحلّة ، في انتظارِ قراراتِ “المُلاّكِ” بصددِ رفعِ الايجاراتِ ، أو خفضِها .. أو الطَرْدِ من المحلّة .

السلفية الشيعية نغمة جديدة

السلفية الشيعية نغمة جديدة

د. حسين ابو سعود

husen abusodعندما رأيت الدين وقد تحول الى مهنة ومصدر للرزق وجسرا لتحقيق الأغراض الذاتية ألزمت نفسي بالعمل المتواضع لإزاحة الغبار عن بعض الحقائق بالدعوة الى تجديد النظر في مسائل دينية وفقهية وتاريخية من خلال تصحيح الخطأ والمفاهيم وتبني مقولات مختلفة باعتماد التحليل الموضوعي للحوادث التاريخية على ان هذه المحاولة يجب ان لا تثير الحساسية السلبية لدى البعض.

اذا كانت السلفية تعني العودة الى السلف الصالح فلن نجد بيننا سلفية حقيقية لا عند السنة ولا عند الشيعة، وقد أفصح السلفيون السنة عن عقائدهم من خلال ممارساتهم وخطاباتهم وأدبياتهم، ولست هنا بصددهم في شيء ولكني صرت اسمع في الآونة الاخيرة نغمة جديدة باسم السلفية الشيعية، يريدون بذلك المتشددين من الشيعة او بعبارة أوضح وافصح (الغلاة) حتى قيل جهلا بان كل من يمارس التطبير واللطم والزحف عند مراقد الأئمة وضرب السلاسل واللعن  هو سلفي شيعي وهذا الفهم الخاطئ للأمور هو خطر كبير فهؤلاء وبكل بساطة هم غلاة الشيعة وليسوا بالسلفية، ومن يضع عالما كبيرا مجتهدا مثل السيد محمد حسين فضل الله في خانة السلفية الشيعية فهو مخطئ، فالسيد فضل الله كان ضد التشدد وضد الغلو، و هو الذي يدعو الى التأسي بالسلف الصالح من حيث التسامح والتعايش والتآخي وتجاوز الخلافات بالتي هي احسن، وان السلفي الحقيقي لا يرتبط بحالة الكراهية للآخرين وازدراءهم، فالسلفي الحقيقي لا يتحمل معنى اخر غير الصفاء والنقاء والطيبة والتسامح، وأما الممارسات التي يرتكبها العامة والخرافات والخزعبلات التي احاطت نفسها بها لا يمكن انصافا ان تنسب الى السلفية الشيعية  على ان السلفية الشيعية الحقيقية لم تأت بعد وأنها ستأتي ولكن على أيدي المثقفين الشيعة وهم كثر ممن يَرَوْن ضرورة التأسي بالإمام علي بن ابي طالب في كل الأمور وتبني نظراته الصائبة الى كل المشاكل وهم اقرب الى الاعتدال منه الى التطرّف  وعندهم الجرأة الكافية لمناقشة الروايات وتصحيحها متخذين بعض المراجع مثلا اعلى لهم مثل السيد محسن الأمين العاملي والسيد فضل الله والسيد محمد باقر الصدر وغيرهم وان الساحة لا تخلو في زمن من الازمان ممن هم  امثالهم من العلماء العاملين الذين يهمهم وحدة الاسلام والمسلمين.

والسلفية في نظري تعني إعمال الفكر وإعادة النظر والتدبر كما فعل ابن عباس مع الخوارج عندما خرج إليهم ودعاهم الى اعادة النظر في الآراء والمواقف فأعاد عدة آلاف منهم الى صفوف الشرعية.

السلفية تعني العودة الى ما قبل عصر التدوين وحشو مئات الألوف من الموضوعات والاكاذيب في احاديث الفريقين على حد سواء وصارت الأمة تعاني منها على مدى قرون، والسلفية اذا كانت  تعني العودة للسلف الصالح فهو شرف وان كان غير ذلك اي التكفير والذبح فهو انتحال وسفه وضياع، وقد اعجبني قيام الزيدية بتطوير وتحوير مذهبهم ليكونوا اقرب الى أهل السنة والجماعة وانا ارى بان على السنة والجماعة ان يقابلوا ذلك بالمثل وكذلك الشيعة عليهم ان يحوروا ويغيروا ويبدلوا (في الأمور الشكلية الظاهرية) ليكونوا اقرب الى اخوانهم المسلمين حتى تسير القافلة بوئام وصفاء وإلا فان هناك اخطار حقيقية تنتظر المسلمين ككل وليس الشيعة  او السنة او الزيدية، فالسلف الصالح ليس عندهم التشدد الموجود لدى سلفية اليوم، وهذا هو الخليفة الثالث عثمان بن عفان يصرف المدافعين عنه حتى لا تراق دماءهم وكذلك الامام الحسين يدفع مناصريه الى التخلي عنه ليلة عاشوراء واتخاذ الليل جملا حرصا على حياتهم، وهذه صور رائعة من التسامح والحرص على الدماء، اذن فهناك خطأ كبير في فهم السلفية، ثم ان السلف ليس كله صالحا فبعض السلف قد ارتد ومنهم من انقلب على عقبيه ومنهم من اثار الفتن وأضرم نيران الحروب وقُتل ثلاثة من الخلفاء الراشدين وتم نفي ابي ذَر الغفاري وضرب ابن مسعود وغير ذلك من الأمور، ولكن السلف الصالح يعلمنا ان نقول عن البغاة (اخوة لنا بغوا علينا) ويعلمنا ان احد أطراف القتال في الجمل عندما رأى خصمه صريعا وقف عند راْسه وصار يكنيه ويعاتبه بلغة الاسى الشفيقة، والسلف الصالح يوصي بقاتله خيرا ومن السلف الصالح من يقول (قوموني اذا رأيتم فيّ اعوجاجا) والسلف من كان فيهم مثل عمر بن عبد العزيز ومالك الأشتر وسلمان الفارسي وهم آيات عظام في التحلي بالصبر والحلم والتحمل والإنسانية .

وعليه فان السلفية الشيعية لا تعني الغلو والغلاة، والتشيع الحقيقي لا يعني اللعن ابدا ويكفينا في ذلك حادثة عمرو بن الحمق وحجر بن عدي حيث نهاهما الامام علي بن ابي طالب عن اللعن فرضخوا لهذا النهي وعملوا به وفي العصر الحاضر نرى جهود السيد فضل الله ومرتضى العسكري والخامنئي في تحريم اللعن وقد تجاوز السيد السيستاني كل روايات الكراهية فقال عن أهل السنة والجماعة: لا تقولوا عنهم اخواننا بل قولوا أنفسنا.

والحق هو ان لو تخلص بعض الشيعة من آفة اللعن والسب وعادوا الى السلف الصالح لاجتاحوا العالم بالمحبة والتسامح وهي مبادئ دعا اليها أهل البيت على مر العصور ولا سيما انهم الامتداد الطبيعي للرحمة العالمينية المحمدية.

وفي النهاية أقول ان السلفية سلفية والغلاة غلاة ولا يجوز الخلط بينهما تحت اي ستار.

حسين أبو سعود

تقرير : السيد السيستاني أعلم علماء المسلمين سنة وشيعة

متابعة ــ موازين نيوز

قام منتدى “ليوفورم” للدين والحياة العامة وهو مركز دراسات وأبحاث إحصائية إستراتيجية إنكليزي متخصص بالأديان والمذاهب والمعتقدات في العالم ، مقره في ويستمنستر ، قلب لندن وله فروع ومكاتب في 222 دولة في العالم.

بأحدث إحصائية سكانية حول نسبة البشر في العالم حسب الأديان والمذاهب والمعتقدات، وأصدر نتائجه يوم الحادي عشر من حزيران لعام 2013.

ويقول البروفيسور جيمس كريهام كبير الباحثين في منتدى “ليوفورم” لو لم يحدث إنقلاب السقيفة على خليفة المسلمين الشرعي علي بن أبي طالب وهو واصل الحكم بعد النبي محمد “ص” كما جاء في نص الغدير السماوي لأصبح المليار و 600 مليون مسلم جميعهم شيعة.

واشار التقرير إلى أن المرجع الديني الأعلى والأب الروحي للمسلمين الشيعة السيد علي الحُسيني السيستاني هو أعلم علماء المسلمين قاطبة “شيعة وسنة” وأكثرهم زهداً في الحياة, ويسكن في دار صغيرة جداً “إيجار” وليست ملك في مدينة النجف الأشرف “فاتيكان الشيعة” ويعيش عيشة البسطاء من الشعب “فطوره وهو جالس على الأرض نصف رغيف خبز عراقي مع أستكان شاي “قدح” وبعد صلاة الظهرين يتناول نصف رغيف خبز مع قليل من التمر واللبن والملح وأحياناً بعض الخضراوات المحلية, لايتناول العشاء ويكتفي بالشاي فقط, له طقم واحد من الملابس الصيفية ومثلها شتوية.

السيد السيستاني قام ببناء وتشيد وإنشاء المئات من المستشفيات والمستوصفات ودور العجزة ودور العبادة ودور الأيتام ومراكز للأرامل والمؤسسات الخيرية والثقافية والتعليمية والإنسانية والخدمية في كافة أرجاء المعمورة “بمليارات الدولارات” تأتيه من “الخمس” الذي يدفعه الشيعة للحاكم الشرعي.

ولدى السيستاني ستراتيجية عادلة في توزيع أموال الخمس, مثلاً عندما يقوم ببناء مستشفى في إيران, يتم بناء تلك المستشفى بأموال إيرانية فقط, أي من أموال الخمس التي يدفعها شيعة إيران إلى المرجع السيستاني.

وأموال خمس شيعة العراق يصرفها على شكل رواتب شهرية لأكثر من مليون يتيم وأرملة ومحتاج داخل العراق فضلاً عن بناء مجمعات سكنية للفقراء ومدارس وجامعات وجوامع ومستشفيات ومراكز ثقافية وغيرها.

وحسب تقارير رسمية أن الأيتام والأرامل والفقراء الذين يرعاهم السيستاني في العراق أكثر بأضعاف من الذي تصرفه الحكومة العراقية الغنية في نفس الجانب.

ويرعى السيستاني الملايين من الفقراء في أفريقيا والهند وباكستان وبنكلادش وغيرها من الدول كما قام وبأموال “خمس” الشيعة في أوربا وأمريكا ببناء وشراء عشرات الكنائس وقام بتحويلها الى مساجد وحسينيات للمسلميين المغتربيين وعوائلهم وأطفالهم لكي يحافظ على هويتهم الإسلامية و عدم إنخراطهم في المجتمعات غير الإسلامية.

انتهى

م ح ن 

تقرير: الغالبية العظمى من سكان شمال إفريقيا يعتنقون الإسلام السني.. وحضور ضئيل للشيعة

تقرير: الغالبية العظمى من سكان شمال إفريقيا يعتنقون الإسلام السني.. وحضور ضئيل للشيعة

الى اين يسير الاردن؟ ولماذا هذا الحراك المزدوج؟ وما هي دوافعه؟

. الى اين يسير الاردن؟ ولماذا هذا الحراك المزدوج؟ وما هي دوافعه؟

atwan ok

عبد الباري عطوان

فاجأ العاهل الاردني الملك عبد الله الثاني مواطنيه، ودول الجوار على حد سواء، باعلانه رسميا عن دعم العشائر السنية في شرق العراق وجنوب وسورية، ويعتقد معظم المراقبين السياسيين ان حديث الملك عبد الله، الذي جاء اثناء لقائه مع شيوخ ووجهاء منطقة البادية الاردنية المحاذية لسورية، هو تمهيد لتسليح هذه العشائر، واعادة التذكير بما طرحه قبل سنوات حول خطر الهلال الشيعي، وللانتقال الى مرحلة اخطر في الحرب على “الدولة الاسلامية”.

زيارات العاهل الاردني وخطاباته تأتي دائما مرتبة لتحقيق اهداف سياسية، داخلية او خارجية والتمهيد لخطوات قادمة، خاصة اذا كانت موجهة للعشائر البدوية التي ما زالت تشكل العمود الفقري للحكم الاردني، وتعتبر مؤسسة سياسية لها كلمة قوية في تركيبة الحكم، وضمان امنه واستقراره واستمراره.

واللافت ان الحديث، وبكل هذا الوضوح، عن دعم العشائر السنية في العراق وسورية، التي لها امتدادات قوية في الاردن يتزامن مع خطوة اخرى لها معاني سياسية عميقة، وهي تسليم الراية الهاشمية من قبل العاهل الاردني الى قيادة الجيش، ورئيس هيئة اركانه الفريق اول مشعل الزبن، وسط احتفال كبير حضرته العائلة الحاكمة، وعدد كبير من كبار المسؤولين والوزراء ورجال الدولة.

هذه الراية ذات اللون القرمزي المكتوب عليها “لا اله الا الله محمد رسول الله” مع عبارتي البسملة والحمد والنجمة السباعية، هي الراية نفسها التي حملها الشريف حسين بن علي اثناء الثورة العربية الكبرى، وتجسد المرجعية الهاشمية، مرجعية آل البيت.

***

انهما رسالتان على درجة كبيرة من الاهمية، اختار العاهل الاردني توجيههما لاكثر من طرف مثل النظامين في سورية والعراق، و”الدولة الاسلامية” التي تسيطر على نصفيهما، وتهدد بالتمدد الى الاردن، كما هي رسالة قوية ايضا الى المملكة العربية السعودية التي تمر علاقاتها بالاردن بمرحلة يمكن وصفها بأنها اكثر من “الفتور” واقل من “التوتر”، خليط من الاثنين معا.

فما الذي يريد ان يقوله العاهل الاردني بالضبط؟ ولماذا اختار هذا التوقيت؟ وكيف تقبل الشعب الاردني وقادة المنطقة هذه الرسائل؟

بداية لا بد من الاشارة الى ان الاردن الرسمي، قبل الشعبي، يعيش حالة من القلق من تفاقم سوء الاوضاع الاقتصادية وزيادة العجز في الميزانية العامة (مليارا دولار)، وتصاعد الدين العام للدولة (30 مليار دولار)، وحالة الغلاء الكبيرة التي تسود البلاد، جراء اقدام الحكومة على رفع الدعم عن المواد الاساسية مثل المحروقات، وقريبا الخبز، وفرض ضرائب عالية على سلع اخرى، في محاولة يائسة لسد هذا العجز، ووقف تصاعد ارقام الدين العام.

وما زاد من حالة القلق هذه ان الدول الخليجية الحليفة الرئيسية للاردن لم تتجاوب مع نداءات الاستغاثة التي اطلقها العاهل الاردني، الا بقدر محدود، بينما انهالت المليارات الخليجية على مصر اثناء مؤتمر شرم الشيخ الاقتصادي الاستثماري في شهر آذار (مارس) الماضي، ومن المفارقة ان هذا التجاهل ادى الى تقارب كبير بين مصر والاردن في مواجهة التحالف الثلاثي السعودي التركي القطري.

التطورات الخارجية، وفي الجوار الاردني مصدر قلق من نوع آخر، وربما اكثر خطورة، فقوات “الدولة الاسلامية” التي تسيطر على نصف العراق باتت على مرمى حجر من الاراضي الاردنية، وتفجيرها قبل بضعة اشهر لمعبر طريبيل الحدودي مع العراق في عملية انتحارية، كان انذار فهمته الحكومة الاردنية بشكل جيد، وعلى الجبهة السورية الجنوبية سيطرت “جبهة النصرة” التابعة لتنظيم “القاعدة” على جميع المعابر الحدودية السورية الاردنية، وباتت تشكل قوة مسيطرة على الارض في محافظة درعا المقابلة للاراضي الاردنية، وجبهة “النصرة” هي الواجهة الرئيسية لجيش “الفتح” المدعوم من المثلث القطري السعودي التركي الذي لا يكن للاردن الكثير من الود.

في ظل الشح المالي الخليجي، وتفاقم الاخطار على الجبهتين الشرقية والشمالية، وجد الاردن نفسه في موقف حرج للغاية اجبره على التحرك وبسرعة، وكان عنوان هذا التحرك تسليح العشائر لمواجهة خطر الاسلام السياسي المتشدد، وخلق درع لحماية حدوده، او خط دفاع اول بالاحرى، وتطوير عقيدة الجيش الاردني القتالية من خلال اعادة احياء الموروث الهاشمي بقوة من خلال التلويح بالراية الهاشمية.

الاردن مقدم على دور اكثر قوة وفعالية وخطورة، في الحرب على “الدولة الاسلامية” على وجه الخصوص، بعد ان فاجأت “اي الدولة” الجميع بالاستيلاء على مدينتي الرمادي (في العراق) وتدمر (في سورية) رغم اكثر من ثلاثة آلاف غارة جوية امريكية استهدفت مواقعها، باعتبار الاردن يشكل رأس حربة في التحالف الستيني الذي تتزعمه امريكا، فان المطلوب منه ان يكون اكثر تدخلا في الحرب، او بالاحرى، الانتقال الى الحرب البرية بعد انهيار الجيش العراقي، وتأكيد اشتون كارتر وزير الدفاع الامريكي انه جيش لا يملك الرغبة او الارادة في مواجهة “الدولة الاسلامية”.

تسليح الاردن للعشائر السنية يتزامن مع ارسال الولايات المتحدة لاكثر من 450 خبيرا عسكريا الى منطقة الانبار لتأسيس “ميليشيا سنية” لمحاربة “الدولة” واخراجها من الرمادي، ومن بعدها الموصل، اي اننا نقف امام سيناريو قوات “الصحوات” الذي تعود حقوق الملكية فيها للجنرال ديفيد بترايوس، قائد القوات الامريكية في العراق عام 2006 و2007، لمواجهة تمدد تنظيم “القاعدة” في حينها.

نحن الآن امام مرحلة احياء مرجعيات وايديولوجيات اسلامية جديدة لتوفير غطاء ديني للحروب الحالية التي تسود المنطقة، الاردن يعود الى المرجعية الهاشمية، ومصر تعمل بجد ونشاط لاعادة الزخم الى مرجعية الازهر السنية، وتركيا اردوغان تعيد بعث المرجعية العثمانية، من خلال بناء القصر العثماني الجديد (1150 غرفة)، و”الدولة الاسلامية” تتنبى الفكر الوهابي في نسخته الاصلية، التي وضعها الامام محمد عبد الوهاب مطلع القرن الثامن عشر، بعد ان تخلت القيادة السعودية عنها تدريجيا، اما الشيعة في العراق، وايران، وباقي مناطق العالم الاسلامي فقد عادوا بقوة الى رفع شعار “لبيك يا حسين” وعززوا الالتفاف حول شرعية “آل البيت”.

***

الاردن يقف على اعتاب “مغامرة” كبيرة بشقيها الطائفي والعسكري، وينجر بسرعة الى حرب برية، يريد قادته التأكيد لشعبهم بأنها حربهم ايضا، قبل ان تكون حروب الآخرين لحماية كيانهم والحفاظ على امنه واستقراره، ويبدو انه لا توجد اي معارضة حقيقية لهذا التوجه.

لا شيء يأتي بالصدفة في الاردن، او اي دولة عربية اخرى، في ظل الاستقطاب الطائفي المتصاعد، والتدخلات الخارجية العسكرية الامريكية، ومشروع تفتيت “الدولة القطرية” لاستكمال مسلسل التجزئة الذي بدأته اتفاقات سايكس بيكو الاولى قبل مئة عام تقريبا، وتشهد حاليا عملية “تحديث” عنوانها الرئيسي، الاجهاز على ما تبقى من هذه الدولة وهذه الامة معا.

المغامرة الاردنية الجديدة محفوفة بالمخاطر، دون ادنى شك، مثل اي مغامرة عسكرية اخرى، وتضع الاردن في خط المواجهة، بعد ان حاول طوال السنوات الخمس الماضية ان يمسك العصا من منتصفها، وان يلعب على حبال عدة، وحقق بعض النجاح الذي يحسد عليه في هذا الصدد، ولكن يبدو ان المعادلة الجديدة مختلفة.

لا مكان هذه الايام للمواقف الوسط، ومساحات المناورة يضيق بشكل متسارع، ومسك العصا من احد طرفيها بات امرا حتميا لا مناص منه، وهذه ربما هي الجملة الابرز التي تلخص كل تحركات العاهل الاردني، ومضمون رسائله، سواء بتسليح العشائر او بالتلويح بالراية الهاشمية.

ايام الاردن القادمة مختلفة، وصعبة في الوقت نفسه، عزاؤه ان ايام الآخرين لا تقل صعوبة.