السلفية الشيعية نغمة جديدة

السلفية الشيعية نغمة جديدة

د. حسين ابو سعود

husen abusodعندما رأيت الدين وقد تحول الى مهنة ومصدر للرزق وجسرا لتحقيق الأغراض الذاتية ألزمت نفسي بالعمل المتواضع لإزاحة الغبار عن بعض الحقائق بالدعوة الى تجديد النظر في مسائل دينية وفقهية وتاريخية من خلال تصحيح الخطأ والمفاهيم وتبني مقولات مختلفة باعتماد التحليل الموضوعي للحوادث التاريخية على ان هذه المحاولة يجب ان لا تثير الحساسية السلبية لدى البعض.

اذا كانت السلفية تعني العودة الى السلف الصالح فلن نجد بيننا سلفية حقيقية لا عند السنة ولا عند الشيعة، وقد أفصح السلفيون السنة عن عقائدهم من خلال ممارساتهم وخطاباتهم وأدبياتهم، ولست هنا بصددهم في شيء ولكني صرت اسمع في الآونة الاخيرة نغمة جديدة باسم السلفية الشيعية، يريدون بذلك المتشددين من الشيعة او بعبارة أوضح وافصح (الغلاة) حتى قيل جهلا بان كل من يمارس التطبير واللطم والزحف عند مراقد الأئمة وضرب السلاسل واللعن  هو سلفي شيعي وهذا الفهم الخاطئ للأمور هو خطر كبير فهؤلاء وبكل بساطة هم غلاة الشيعة وليسوا بالسلفية، ومن يضع عالما كبيرا مجتهدا مثل السيد محمد حسين فضل الله في خانة السلفية الشيعية فهو مخطئ، فالسيد فضل الله كان ضد التشدد وضد الغلو، و هو الذي يدعو الى التأسي بالسلف الصالح من حيث التسامح والتعايش والتآخي وتجاوز الخلافات بالتي هي احسن، وان السلفي الحقيقي لا يرتبط بحالة الكراهية للآخرين وازدراءهم، فالسلفي الحقيقي لا يتحمل معنى اخر غير الصفاء والنقاء والطيبة والتسامح، وأما الممارسات التي يرتكبها العامة والخرافات والخزعبلات التي احاطت نفسها بها لا يمكن انصافا ان تنسب الى السلفية الشيعية  على ان السلفية الشيعية الحقيقية لم تأت بعد وأنها ستأتي ولكن على أيدي المثقفين الشيعة وهم كثر ممن يَرَوْن ضرورة التأسي بالإمام علي بن ابي طالب في كل الأمور وتبني نظراته الصائبة الى كل المشاكل وهم اقرب الى الاعتدال منه الى التطرّف  وعندهم الجرأة الكافية لمناقشة الروايات وتصحيحها متخذين بعض المراجع مثلا اعلى لهم مثل السيد محسن الأمين العاملي والسيد فضل الله والسيد محمد باقر الصدر وغيرهم وان الساحة لا تخلو في زمن من الازمان ممن هم  امثالهم من العلماء العاملين الذين يهمهم وحدة الاسلام والمسلمين.

والسلفية في نظري تعني إعمال الفكر وإعادة النظر والتدبر كما فعل ابن عباس مع الخوارج عندما خرج إليهم ودعاهم الى اعادة النظر في الآراء والمواقف فأعاد عدة آلاف منهم الى صفوف الشرعية.

السلفية تعني العودة الى ما قبل عصر التدوين وحشو مئات الألوف من الموضوعات والاكاذيب في احاديث الفريقين على حد سواء وصارت الأمة تعاني منها على مدى قرون، والسلفية اذا كانت  تعني العودة للسلف الصالح فهو شرف وان كان غير ذلك اي التكفير والذبح فهو انتحال وسفه وضياع، وقد اعجبني قيام الزيدية بتطوير وتحوير مذهبهم ليكونوا اقرب الى أهل السنة والجماعة وانا ارى بان على السنة والجماعة ان يقابلوا ذلك بالمثل وكذلك الشيعة عليهم ان يحوروا ويغيروا ويبدلوا (في الأمور الشكلية الظاهرية) ليكونوا اقرب الى اخوانهم المسلمين حتى تسير القافلة بوئام وصفاء وإلا فان هناك اخطار حقيقية تنتظر المسلمين ككل وليس الشيعة  او السنة او الزيدية، فالسلف الصالح ليس عندهم التشدد الموجود لدى سلفية اليوم، وهذا هو الخليفة الثالث عثمان بن عفان يصرف المدافعين عنه حتى لا تراق دماءهم وكذلك الامام الحسين يدفع مناصريه الى التخلي عنه ليلة عاشوراء واتخاذ الليل جملا حرصا على حياتهم، وهذه صور رائعة من التسامح والحرص على الدماء، اذن فهناك خطأ كبير في فهم السلفية، ثم ان السلف ليس كله صالحا فبعض السلف قد ارتد ومنهم من انقلب على عقبيه ومنهم من اثار الفتن وأضرم نيران الحروب وقُتل ثلاثة من الخلفاء الراشدين وتم نفي ابي ذَر الغفاري وضرب ابن مسعود وغير ذلك من الأمور، ولكن السلف الصالح يعلمنا ان نقول عن البغاة (اخوة لنا بغوا علينا) ويعلمنا ان احد أطراف القتال في الجمل عندما رأى خصمه صريعا وقف عند راْسه وصار يكنيه ويعاتبه بلغة الاسى الشفيقة، والسلف الصالح يوصي بقاتله خيرا ومن السلف الصالح من يقول (قوموني اذا رأيتم فيّ اعوجاجا) والسلف من كان فيهم مثل عمر بن عبد العزيز ومالك الأشتر وسلمان الفارسي وهم آيات عظام في التحلي بالصبر والحلم والتحمل والإنسانية .

وعليه فان السلفية الشيعية لا تعني الغلو والغلاة، والتشيع الحقيقي لا يعني اللعن ابدا ويكفينا في ذلك حادثة عمرو بن الحمق وحجر بن عدي حيث نهاهما الامام علي بن ابي طالب عن اللعن فرضخوا لهذا النهي وعملوا به وفي العصر الحاضر نرى جهود السيد فضل الله ومرتضى العسكري والخامنئي في تحريم اللعن وقد تجاوز السيد السيستاني كل روايات الكراهية فقال عن أهل السنة والجماعة: لا تقولوا عنهم اخواننا بل قولوا أنفسنا.

والحق هو ان لو تخلص بعض الشيعة من آفة اللعن والسب وعادوا الى السلف الصالح لاجتاحوا العالم بالمحبة والتسامح وهي مبادئ دعا اليها أهل البيت على مر العصور ولا سيما انهم الامتداد الطبيعي للرحمة العالمينية المحمدية.

وفي النهاية أقول ان السلفية سلفية والغلاة غلاة ولا يجوز الخلط بينهما تحت اي ستار.

حسين أبو سعود

تقرير : السيد السيستاني أعلم علماء المسلمين سنة وشيعة

متابعة ــ موازين نيوز

قام منتدى “ليوفورم” للدين والحياة العامة وهو مركز دراسات وأبحاث إحصائية إستراتيجية إنكليزي متخصص بالأديان والمذاهب والمعتقدات في العالم ، مقره في ويستمنستر ، قلب لندن وله فروع ومكاتب في 222 دولة في العالم.

بأحدث إحصائية سكانية حول نسبة البشر في العالم حسب الأديان والمذاهب والمعتقدات، وأصدر نتائجه يوم الحادي عشر من حزيران لعام 2013.

ويقول البروفيسور جيمس كريهام كبير الباحثين في منتدى “ليوفورم” لو لم يحدث إنقلاب السقيفة على خليفة المسلمين الشرعي علي بن أبي طالب وهو واصل الحكم بعد النبي محمد “ص” كما جاء في نص الغدير السماوي لأصبح المليار و 600 مليون مسلم جميعهم شيعة.

واشار التقرير إلى أن المرجع الديني الأعلى والأب الروحي للمسلمين الشيعة السيد علي الحُسيني السيستاني هو أعلم علماء المسلمين قاطبة “شيعة وسنة” وأكثرهم زهداً في الحياة, ويسكن في دار صغيرة جداً “إيجار” وليست ملك في مدينة النجف الأشرف “فاتيكان الشيعة” ويعيش عيشة البسطاء من الشعب “فطوره وهو جالس على الأرض نصف رغيف خبز عراقي مع أستكان شاي “قدح” وبعد صلاة الظهرين يتناول نصف رغيف خبز مع قليل من التمر واللبن والملح وأحياناً بعض الخضراوات المحلية, لايتناول العشاء ويكتفي بالشاي فقط, له طقم واحد من الملابس الصيفية ومثلها شتوية.

السيد السيستاني قام ببناء وتشيد وإنشاء المئات من المستشفيات والمستوصفات ودور العجزة ودور العبادة ودور الأيتام ومراكز للأرامل والمؤسسات الخيرية والثقافية والتعليمية والإنسانية والخدمية في كافة أرجاء المعمورة “بمليارات الدولارات” تأتيه من “الخمس” الذي يدفعه الشيعة للحاكم الشرعي.

ولدى السيستاني ستراتيجية عادلة في توزيع أموال الخمس, مثلاً عندما يقوم ببناء مستشفى في إيران, يتم بناء تلك المستشفى بأموال إيرانية فقط, أي من أموال الخمس التي يدفعها شيعة إيران إلى المرجع السيستاني.

وأموال خمس شيعة العراق يصرفها على شكل رواتب شهرية لأكثر من مليون يتيم وأرملة ومحتاج داخل العراق فضلاً عن بناء مجمعات سكنية للفقراء ومدارس وجامعات وجوامع ومستشفيات ومراكز ثقافية وغيرها.

وحسب تقارير رسمية أن الأيتام والأرامل والفقراء الذين يرعاهم السيستاني في العراق أكثر بأضعاف من الذي تصرفه الحكومة العراقية الغنية في نفس الجانب.

ويرعى السيستاني الملايين من الفقراء في أفريقيا والهند وباكستان وبنكلادش وغيرها من الدول كما قام وبأموال “خمس” الشيعة في أوربا وأمريكا ببناء وشراء عشرات الكنائس وقام بتحويلها الى مساجد وحسينيات للمسلميين المغتربيين وعوائلهم وأطفالهم لكي يحافظ على هويتهم الإسلامية و عدم إنخراطهم في المجتمعات غير الإسلامية.

انتهى

م ح ن 

تقرير: الغالبية العظمى من سكان شمال إفريقيا يعتنقون الإسلام السني.. وحضور ضئيل للشيعة

تقرير: الغالبية العظمى من سكان شمال إفريقيا يعتنقون الإسلام السني.. وحضور ضئيل للشيعة

الى اين يسير الاردن؟ ولماذا هذا الحراك المزدوج؟ وما هي دوافعه؟

. الى اين يسير الاردن؟ ولماذا هذا الحراك المزدوج؟ وما هي دوافعه؟

atwan ok

عبد الباري عطوان

فاجأ العاهل الاردني الملك عبد الله الثاني مواطنيه، ودول الجوار على حد سواء، باعلانه رسميا عن دعم العشائر السنية في شرق العراق وجنوب وسورية، ويعتقد معظم المراقبين السياسيين ان حديث الملك عبد الله، الذي جاء اثناء لقائه مع شيوخ ووجهاء منطقة البادية الاردنية المحاذية لسورية، هو تمهيد لتسليح هذه العشائر، واعادة التذكير بما طرحه قبل سنوات حول خطر الهلال الشيعي، وللانتقال الى مرحلة اخطر في الحرب على “الدولة الاسلامية”.

زيارات العاهل الاردني وخطاباته تأتي دائما مرتبة لتحقيق اهداف سياسية، داخلية او خارجية والتمهيد لخطوات قادمة، خاصة اذا كانت موجهة للعشائر البدوية التي ما زالت تشكل العمود الفقري للحكم الاردني، وتعتبر مؤسسة سياسية لها كلمة قوية في تركيبة الحكم، وضمان امنه واستقراره واستمراره.

واللافت ان الحديث، وبكل هذا الوضوح، عن دعم العشائر السنية في العراق وسورية، التي لها امتدادات قوية في الاردن يتزامن مع خطوة اخرى لها معاني سياسية عميقة، وهي تسليم الراية الهاشمية من قبل العاهل الاردني الى قيادة الجيش، ورئيس هيئة اركانه الفريق اول مشعل الزبن، وسط احتفال كبير حضرته العائلة الحاكمة، وعدد كبير من كبار المسؤولين والوزراء ورجال الدولة.

هذه الراية ذات اللون القرمزي المكتوب عليها “لا اله الا الله محمد رسول الله” مع عبارتي البسملة والحمد والنجمة السباعية، هي الراية نفسها التي حملها الشريف حسين بن علي اثناء الثورة العربية الكبرى، وتجسد المرجعية الهاشمية، مرجعية آل البيت.

***

انهما رسالتان على درجة كبيرة من الاهمية، اختار العاهل الاردني توجيههما لاكثر من طرف مثل النظامين في سورية والعراق، و”الدولة الاسلامية” التي تسيطر على نصفيهما، وتهدد بالتمدد الى الاردن، كما هي رسالة قوية ايضا الى المملكة العربية السعودية التي تمر علاقاتها بالاردن بمرحلة يمكن وصفها بأنها اكثر من “الفتور” واقل من “التوتر”، خليط من الاثنين معا.

فما الذي يريد ان يقوله العاهل الاردني بالضبط؟ ولماذا اختار هذا التوقيت؟ وكيف تقبل الشعب الاردني وقادة المنطقة هذه الرسائل؟

بداية لا بد من الاشارة الى ان الاردن الرسمي، قبل الشعبي، يعيش حالة من القلق من تفاقم سوء الاوضاع الاقتصادية وزيادة العجز في الميزانية العامة (مليارا دولار)، وتصاعد الدين العام للدولة (30 مليار دولار)، وحالة الغلاء الكبيرة التي تسود البلاد، جراء اقدام الحكومة على رفع الدعم عن المواد الاساسية مثل المحروقات، وقريبا الخبز، وفرض ضرائب عالية على سلع اخرى، في محاولة يائسة لسد هذا العجز، ووقف تصاعد ارقام الدين العام.

وما زاد من حالة القلق هذه ان الدول الخليجية الحليفة الرئيسية للاردن لم تتجاوب مع نداءات الاستغاثة التي اطلقها العاهل الاردني، الا بقدر محدود، بينما انهالت المليارات الخليجية على مصر اثناء مؤتمر شرم الشيخ الاقتصادي الاستثماري في شهر آذار (مارس) الماضي، ومن المفارقة ان هذا التجاهل ادى الى تقارب كبير بين مصر والاردن في مواجهة التحالف الثلاثي السعودي التركي القطري.

التطورات الخارجية، وفي الجوار الاردني مصدر قلق من نوع آخر، وربما اكثر خطورة، فقوات “الدولة الاسلامية” التي تسيطر على نصف العراق باتت على مرمى حجر من الاراضي الاردنية، وتفجيرها قبل بضعة اشهر لمعبر طريبيل الحدودي مع العراق في عملية انتحارية، كان انذار فهمته الحكومة الاردنية بشكل جيد، وعلى الجبهة السورية الجنوبية سيطرت “جبهة النصرة” التابعة لتنظيم “القاعدة” على جميع المعابر الحدودية السورية الاردنية، وباتت تشكل قوة مسيطرة على الارض في محافظة درعا المقابلة للاراضي الاردنية، وجبهة “النصرة” هي الواجهة الرئيسية لجيش “الفتح” المدعوم من المثلث القطري السعودي التركي الذي لا يكن للاردن الكثير من الود.

في ظل الشح المالي الخليجي، وتفاقم الاخطار على الجبهتين الشرقية والشمالية، وجد الاردن نفسه في موقف حرج للغاية اجبره على التحرك وبسرعة، وكان عنوان هذا التحرك تسليح العشائر لمواجهة خطر الاسلام السياسي المتشدد، وخلق درع لحماية حدوده، او خط دفاع اول بالاحرى، وتطوير عقيدة الجيش الاردني القتالية من خلال اعادة احياء الموروث الهاشمي بقوة من خلال التلويح بالراية الهاشمية.

الاردن مقدم على دور اكثر قوة وفعالية وخطورة، في الحرب على “الدولة الاسلامية” على وجه الخصوص، بعد ان فاجأت “اي الدولة” الجميع بالاستيلاء على مدينتي الرمادي (في العراق) وتدمر (في سورية) رغم اكثر من ثلاثة آلاف غارة جوية امريكية استهدفت مواقعها، باعتبار الاردن يشكل رأس حربة في التحالف الستيني الذي تتزعمه امريكا، فان المطلوب منه ان يكون اكثر تدخلا في الحرب، او بالاحرى، الانتقال الى الحرب البرية بعد انهيار الجيش العراقي، وتأكيد اشتون كارتر وزير الدفاع الامريكي انه جيش لا يملك الرغبة او الارادة في مواجهة “الدولة الاسلامية”.

تسليح الاردن للعشائر السنية يتزامن مع ارسال الولايات المتحدة لاكثر من 450 خبيرا عسكريا الى منطقة الانبار لتأسيس “ميليشيا سنية” لمحاربة “الدولة” واخراجها من الرمادي، ومن بعدها الموصل، اي اننا نقف امام سيناريو قوات “الصحوات” الذي تعود حقوق الملكية فيها للجنرال ديفيد بترايوس، قائد القوات الامريكية في العراق عام 2006 و2007، لمواجهة تمدد تنظيم “القاعدة” في حينها.

نحن الآن امام مرحلة احياء مرجعيات وايديولوجيات اسلامية جديدة لتوفير غطاء ديني للحروب الحالية التي تسود المنطقة، الاردن يعود الى المرجعية الهاشمية، ومصر تعمل بجد ونشاط لاعادة الزخم الى مرجعية الازهر السنية، وتركيا اردوغان تعيد بعث المرجعية العثمانية، من خلال بناء القصر العثماني الجديد (1150 غرفة)، و”الدولة الاسلامية” تتنبى الفكر الوهابي في نسخته الاصلية، التي وضعها الامام محمد عبد الوهاب مطلع القرن الثامن عشر، بعد ان تخلت القيادة السعودية عنها تدريجيا، اما الشيعة في العراق، وايران، وباقي مناطق العالم الاسلامي فقد عادوا بقوة الى رفع شعار “لبيك يا حسين” وعززوا الالتفاف حول شرعية “آل البيت”.

***

الاردن يقف على اعتاب “مغامرة” كبيرة بشقيها الطائفي والعسكري، وينجر بسرعة الى حرب برية، يريد قادته التأكيد لشعبهم بأنها حربهم ايضا، قبل ان تكون حروب الآخرين لحماية كيانهم والحفاظ على امنه واستقراره، ويبدو انه لا توجد اي معارضة حقيقية لهذا التوجه.

لا شيء يأتي بالصدفة في الاردن، او اي دولة عربية اخرى، في ظل الاستقطاب الطائفي المتصاعد، والتدخلات الخارجية العسكرية الامريكية، ومشروع تفتيت “الدولة القطرية” لاستكمال مسلسل التجزئة الذي بدأته اتفاقات سايكس بيكو الاولى قبل مئة عام تقريبا، وتشهد حاليا عملية “تحديث” عنوانها الرئيسي، الاجهاز على ما تبقى من هذه الدولة وهذه الامة معا.

المغامرة الاردنية الجديدة محفوفة بالمخاطر، دون ادنى شك، مثل اي مغامرة عسكرية اخرى، وتضع الاردن في خط المواجهة، بعد ان حاول طوال السنوات الخمس الماضية ان يمسك العصا من منتصفها، وان يلعب على حبال عدة، وحقق بعض النجاح الذي يحسد عليه في هذا الصدد، ولكن يبدو ان المعادلة الجديدة مختلفة.

لا مكان هذه الايام للمواقف الوسط، ومساحات المناورة يضيق بشكل متسارع، ومسك العصا من احد طرفيها بات امرا حتميا لا مناص منه، وهذه ربما هي الجملة الابرز التي تلخص كل تحركات العاهل الاردني، ومضمون رسائله، سواء بتسليح العشائر او بالتلويح بالراية الهاشمية.

ايام الاردن القادمة مختلفة، وصعبة في الوقت نفسه، عزاؤه ان ايام الآخرين لا تقل صعوبة.

البناء السياسي للهوية السنية فـي المشرق العربي

وسط هذا الوحل الفكري- الطائفي المتلاحم 
أقدم لكم نصا رائعا وعميقا ومنصفا
في لحظة تاريخية فارقة
وتوقيت موفق
تمعنوا في التحليل الأخاذ الذي يتضمنه هذا النص
شكرا ياحيدر سعيد
الدكتور عماد عبد اللطيف سالم
حيـدر سعيـد
البناء السياسي للهوية السنية فـي المشرق العربي

الصراع بين إيران والدول العربية ليس جديدا. وحين سمّى صدام حسين، والخطاب الرسمي العراقي، حربَ العراق مع إيران في ثمانينيات القرن الماضي باسم (قادسية صدام)، كان يريد أن يضع هذه الحربَ في سياق صراع، يعود إلى بواكير الإسلام، والفتوحات الإسلامية، ومعركة (القادسية)، التي فتحت بلادَ فارس، وأن حرب الثمانينيات هي نقطة متجددة في هذا الصراع. ولكن هذا، أيضا وقبل ذلك ربما، يكشف عن شعور عربي عميق بأن الصراع مع إيران هو صراع تأريخي، أزلي، يرجعه بعضهم إلى ما قبل الإسلام، ويوصله آخرون إلى لحظة سقوط بابل على أيدي الأخمينيين في القرن السادس قبل الميلاد.

وقد شهد القرن العشرون موجات متلاحقة من هذا الصراع، غير أنه ـ في كل مرة ـ يُعاد تعريف الصراع وهوية المتصارعين: مرة بأنه صراع قومي بين إيران والنخب ذات الميول التركية، التي حكمت الدولة العربية المشرقية، إذا سلّمنا بفرضية أن المشرق الحديث، والعراق تحديدا، وُلد من صراع إيراني تركي، ومن غلبة المشروع التركي، ومرة بأنه صراع قومي إيراني عربي، حين نهضت النزعة القومية على ضفتي الخليج، غذّاها الشاه محمد رضا بهلوي في إيران، والقوميون العرب في المشرق العربي، ومرة بأنه صراع إيديولوجي بين إيران الإسلامية والدول العربية العلمانية، وأخيرا بأنه صراع طائفي بين إيران الشيعية والدول العربية السنية.

الصراع، كأي صراع، هو على خطوط المصالح والنفوذ، غير أن الهوية تكسيه روحا إيديولوجية، ونفحة مقدسة. وبالأحرى، إن الهوية نفسها، من حيث هي مشروع سياسي وثقافي، تُبنى في لحظات صراع، كهذا. الهوية ليست معطى تأريخيا معلّقا في الفراغ. محتواها وحدودها ترسمها ديناميكية سياسية، تنتقي عنصرا محددا، من كل الهوية المركّب، لترسم به حدود الصراع.

وهكذا، مع كل موجة من موجات الصراع بين إيران والعرب، كانت تتعاقب موجات الهوية، بتعريف جديد: إيران والعرب، هم إثنية تارة، وطائفة تارة أخرى، وإيديولوجيا سياسية تارة ثالثة.

مواجهة التشيع

وأنا أزعم أنه لم ينبنِ مشروع عربي لمواجهة إيران، يدور على الهوية السنية، إلا ما بعد 2003، حين سقط نظام صدام حسين في العراق، على أيدي القوات الأميركية، وصعدت النخبة السياسية الشيعية، لتشكل الجزء الأساسي والأكثر فاعلية من الطبقة الحاكمة لعراق ما بعد صدام.

وعلى نحو عام، لم تواجه الدولة العربية الحديثة ظاهرةَ التشيع بوصفها تحديا استراتيجيا كبيرا مثلما حدث بعد سنة 2003. ومع أن الهاجس الطائفي لم يغادر الدول العربية عبر تأريخها، يوحي الكم المطرد من التوترات الطائفية التي حدثت في المنطقة منذ تلك السنة بأن هذه الدول كأنها تواجه المسألة الشيعية للمرة الأولى.

قلتُ، في إسهام سابق (المسألة الشيعية في المخيال السياسي العربي، مجلة “آفاق المستقبل”، العدد 8، 2010) إن الظاهرة الشيعية تشكّلت ما بعد 2003، و”كوّنتها ثلاثة عناصر رئيسية: الأول هو الطموح الإمبراطوري الإيراني إلى السيطرة على منطقة الشرق الأوسط والخليج العربي وآسيا الوسطى، ولا سيما بعد ما أثاره الملف النووي الإيراني، وانكسار المشروع الإصلاحي في إيران، واستعادة صيغة قاسية للخمينية. [. . .] والعنصر الثاني هو (ظاهرة حزب الله)، أو بالأحرى، (ظاهرة حسن نصر الله)، أي الكاريزما التي حازها وبناها زعيم حزب الله، بدءا من تحرير جنوب لبنان سنة 2000، وصولا إلى حرب تموز/ يوليو 2006، التي وصلت كاريزما نصر الله فيها إلى الذروة على غرار جمال عبد الناصر، وصدام حسين. ظاهرة نصر الله، رئيس الحزب، ورجل الدين الشيعي الذي سرق القدسية من رئيسي دولة عسكريين سنّيين، جعلت بعض المعلقين العرب يتحدثون عن إمكانية أن تشهد المنطقة (تشييعا سياسيا)، وليس عقائديا. غير أن العنصر الأساسي والحاسم في تشكل الظاهرة الشيعية بعد عام 2003، هو التغيير السياسي الذي حصل في العراق، الذي أفضى إلى سيطرة النخبة السياسية الشيعية على مقاليد الحكم، للمرة الأولى، في واحدة من أهم عواصم المشرق العربي وأكبرها”.

وبالفعل، كان ما حدث في العراق انكسارا موجعا لسيطرة السنّة على حكم العالم العربي. ومن جهة ثانية، أعطى تصدر الشيعة لحكم العراق دفقة قوية للشعور الشيعي في سائر أنحاء العالم، ولاسيما في المنطقة.

وبكلمة، لقد أصبح العراق، منذ 2003، النموذج السياسي الملهِم لشيعة المنطقة.

ومع ذلك، يبدو لي أن الأكثر حساسية في التجربة العراقية ليس سيطرة الشيعة على الحكم، بل طبيعة النظام السياسي الذي بُني في عراق ما بعد صدام، الذي لا يقوم على النموذج القومي الكلاسيكي، بل على النموذج التعددي، الذي يعني ـ ضمنا ـ الاعتراف بسائر الهويات الثقافية التي تتشكل منها البلاد. وهذا يعني أن النموذج العراقي لم يُقلِق الدولَ التي يشكل الشيعة جزءا من نسيجها فقط، بل سائر الدول التي تقوم على تركيبة اجتماعية تعددية، من قبيل مصر، وسورية، والمغرب العربي.

هل الشيعة هم أدوات إيرانية؟

وفي كل الأحوال، أطلقت الظاهرة الشيعية خوفا عميقا من إمكانية الانقلاب على التوازنات، التي أرستها الدولة العربية الحديثة. وقد عبّرت عن هذه الـ(فوبيا) شخصيات عدة من قادة وسياسي المنطقة. وقد كان الأبرز في ذلك التصريح الشهير للملك عبد الله الثاني، عاهل الأردن، أواخر سنة 2004، الذي حذر فيه من خطورة ما سمّاه (مشروع هلال شيعي).

لقد تبنت الدولة العربية المشرقية قراءة، ليست صحيحة بالضرورة، للظاهرة الشيعية الصاعدة، وهي أنها امتداد للنزعة الإمبراطورية الإيرانية، وأن النخب الشيعية العربية الصاعدة هي أدوات لهذا المشروع.

ومثلما ذاع تصريح الملك عبد الله الثاني عن (الهلال الشيعي)، ذاع ـ في هذا المجال ـ تصريح للرئيس المصري السابق، حسني مبارك، في نيسان 2006، قال فيه إن شيعة المنطقة يدينون بالولاء لإيران، وليس لدولهم، وهي الرؤية التي تكررت، كثيرا، وبصيغ عدة، في السنوات الماضية.

إن هذا يكشف عن عدم معرفة النخب العربية بالتشيع، والشيعة، وتنوعات الجغرافية الشيعية وتعقيداتها، فمن جهة، يشيع تصور بأن شيعة المنطقة يمثلون كتلة منسجمة، ووحدة ثقافية، وسياسية، وأنثروبولوجية، وهو تصور لا يأخذ بنظر الاعتبار التنوعات المعقدة لشيعة المنطقة، واختلافاتهم، وتناقضاتهم، الإثنية، والثقافية، والإيديولوجية. ولذلك، بدأت الكثير من الدراسات المعاصرة تشكك بإمكانية أن ينخرط شيعة المنطقة في مشروع سياسي واحد، غير أن النخب العربية ظلت بعيدة عن مثل هذا التمييز.

ومن جهة ثانية، ثمة حقلان مختلفان بالكامل، هما (التشيع العربي) و(التشيع الإيراني)، فكل منهما يشكل وحدة أنثروبولوجية، وثقافية، وسياسية خاصة. فمن جهة، امتص التشيع الإيراني، العريق سياسيا، من الإمبراطوريات التي تعاقبت على حكم إيران، نزعة إمبراطورية، جعلته ـ دائما ـ حاملا لمشروع تبشيري، عابر للحدود. ولذلك، أنتج هذا التشيع نظرية سياسية تعطي للمؤسسة الدينية أدوارا تدخلية. وبالفعل، لعبت هذه المؤسسة دورا مفصليا في تأريخ إيران السياسي الحديث، في حين أن التشيع العربي، الحديث سياسيا، متقوقع داخل حدوده، أقصى ما يطمح إليه هو تصحيح ما يراه من اختلالات في ميزان الحكم، سواء في بناء مؤسسة سلطة تلائم التفوق الديموغرافي للشيعة في العراق، أو المطالبة بتعديل النظام السياسي، بما يلائم النمو السياسي والديموغرافي للشيعة في لبنان، أو المطالبة بدولة مواطنة حقة، تكفل حقوق الأقلية الشيعية في دول الخليج.

ومن ثم، إذا كان ثمة تحالف بين التشيعين العربي والإيراني، فإنه ليس تحالفا ضروريا، جوهريا، مطلقا، فوق التأريخ، بل هو ستراتيجية مرحلية تقتضيها سياقات سياسية محدّدة.

وفي العموم، سيمثل الوعي بهذه التمييزات داخل الجغرافية الشيعية عتبة ضرورية لأية محاولة إعادة تفكير تبذلها الدولة العربية تجاه المسألة الشيعية، التي تحمل ـ في العمق ـ حزمة تحديات لهذه الدولة: تحدي المواطنة، التي لا تقوم على هوية محددة، أصيلة، والإيمان بهوية مركبة للدولة، لا هوية أحادية.

وبقدر ما ضيّع العرب فرصةَ قراءة مغايرة لخصوصية الشيعة العرب وموقعهم من الصراع العربي الإيراني، كان ظهور عناصر عربية في المشروع الإمبراطوري الإيراني (العراق، سورية، حزب الله، شيعة الخليج)، استنادا إلى القراءة العربية السنية، هو الذي أفضى إلى إعادة تعريف الصراع بين العرب وإيران بأنه صراع طائفي محض، ولم يعد بالإمكان تعريفه بأنه صراع قومي، أو إيديولوجي سياسي. وهذا يعني أن المحور المواجِه للمحور الشيعي، الذي مصدره، أو تقوده، إيران، يجب أن يكون محورا سنيا طائفيا، بالضرورة، وهو يمكن أن يضم كل عناصر المواجهة للمحور الشيعي الإيراني: دول الخليج، الأنظمة الإسلامية الصاعدة ما بعد الربيع العربي، فصائل الثورة السورية، التنظيمات السياسية السنية في العراق ولبنان،..

الهوية السنية وثبات الوضع القائم

هذا المحور هو ما يمكن أن نسمّيه (السنية السياسية). وهو يضم، إلى جانب العناصر العربية السالفة، تركيا، التي تريد أن تعود إلى المشرق العربي بوصفه (عمقها الاستراتيجي). ويمكن أن تكون الهوية السنية أحد المداخل التي تستعملها في العودة إلى هذه المنطقة، ذات الهوية السنية الغالبة، وهي تملك إرث (الباب العالي) للمسلمين السنة. ومع أن التأريخ والجيوبوليتيكا يحركان تركيا نحو الانخراط في محور سني، وقد دعمت ـ بالفعل ـ بعض التنظيمات السنية في المنطقة، وتبنت قيما تسود في الوسط السني، فإن استعمالها لهويتها السنية يختلف، نوعيا، عمّا تفعل الدول العربية. ومن يتابع موقف تركيا من بعض عناصر المحور الشيعي (إيران أو العراق مثلا) يجد أنه يختلف عن موقف الدول العربية. غير أن موقف تركيا من الثورة السورية هو الذي أعطى انطباعا بأن تركيا تستعمل هويتها السنية، بالنوع والدرجة نفسها التي عليهما الدول العربية، السعودية مثلا.

وبالمقابل، انخرطت النخب الشيعية العربية في التأويل الطائفي لشفرة الصراع، فانجرفت نحو المحور الإيراني، على الرغم من مظاهر الوهن على القوة الإيرانية، وهي تشهد عقوبات دولية جادة. وهكذا، فرّطت هذه النخب بكل الإمكانيات التي تحوزها وتؤهلها للعب دور مغاير في هذا الصراع. ولعل المثال الأوضح لهذا التيار الجارف هو رئيس الوزراء العراقي نوري المالكي، الذي لم يكتف بوضع العراق، الصاعد اقتصاديا، في المحور الشيعي الإيراني، بل بدأ ينظر إلى الفرقاء المحليين بوصفهم ممثلين لمحور عابر للحدود، وأن الصراع في العراق، الآن، ليس صراعا داخليا، بل هو جزء من الصراع الطائفي في المنطقة.

إذن، تحمل (السنية السياسية) مشروعا مزدوجا: مواجهة النزعة الإمبراطورية الإيرانية، من جهة، والحفاظ على تقاليد الدولة العربية، من جهة أخرى.

وقد حدّد هذا المشروع ردود فعل الدول العربية من (الربيع العربي): إن صعود الإسلاميين إلى الحكم، ما بعد (الربيع العربي)، قد يسمح بشكل من أشكال النفوذ الإيراني في المشرق العربي. ومن ثم، سيعمل إحياء فكرة الخطر الطائفي الإيراني على مواجهة هذا النفوذ المحتمل، من جهة، ومواجهة الموجة الديمقراطية الصاعدة، من جهة ثانية.

وهكذا، حملت الدول العربية، ولاسيما دول الخليج، (الربيع العربي)، ووضعته في مواجهة طائفية مع إيران، من خلال إعادة تعريفه بأنه (ربيع سني). ومن ثم، كان (الربيع العربي)، على غير المتوقع، نقطة جديدة في الصراع العربي الإيراني.

كانت هذه هي الاستراتيجية الأساسية لمواجهة الربيع العربي، لكنها لم تكن الوحيدة، فقد عمدت الدول العربية إلى دعم الأنظمة الناشئة في دول الربيع العربي، سياسيا وماديا، لضمان ولاء هذه الأنظمة لها، التي ستكون منهمكة، لسنوات، ببناء النظام الجديد. وهذا، بحد ذاته، عامل مهم في منع انتقال موجات الربيع العربي إلى هذه الدول.

لقد أعطت 2003 تعريفا جديدا للصراع العربي الإيراني، إلا انه ظل هادئا، مواربا. أما الاستراتيجية العربية لمواجهة (الربيع العربي) فقد عملت على أن ينفتح هذا الربيع، بوضوح، على صراع (إيراني شيعي/ عربي سني). ولذلك، كانت العلاقة بإيران جزءا بنيويا من سائر مفاصل هذا الربيع، سواء في إمكانية أن ينخرط الإسلاميون الصاعدون إلى الحكم بعلاقة جدية مع إيران، ولاسيما في مصر، أو الدور الإيراني في انتفاضة البحرين، وبالمقابل، دورها في دعم نظام الأسد في سورية.

وبدلا من الشكل الموارب، دخل هذا الصراع في مرحلة مسلحة، في سورية، فالموقف من الثورة السورية (التي حفّت بها معان ومعطيات عدة، غير كونها ثورة شعبية على نظام استبدادي) لم يكن، في أحد مستوياته، موقفا من الديمقراطية، بقدر ما كان صراعَ إرادتين، عربية وإيرانية، والموقف من نظام الأسد كان، كذلك، موقفا من المحور الإيراني الشيعي، صموده، أو انكساره.

غير أن السنية السياسية لا تزال مستغرقة بمنطق الصراع، وخنادقه المتقابلة بحدة، من دون التمهل للتفكير بشكل آخر لإدارة هذا الصراع، يبصر بالتداخل المعقد للخنادق، التي تبدو منعزلة، وثابتة.

باحث وأكاديمي

رضاع الكبير

كانت أم المؤمنين عائشة على أثر إرجاع إليها في السنن منذ عهد الخليفتين حتى عصر معاوية عدا علي بن أبي طالب أكثر أمهات المؤمنين حاجة لملاقاة المستفتين .

كما أنها اشتركت في حوادث سياسية عنيفة مما لم نعهد

لغيرها من أمهات المؤمنين أن يشتركن في نظائرها . فلعل هذا وذاك كان الباعث لها أن تتأول في حديث رضاع سالم مولى أبي حذيفة خلافا لسائر أمهات المؤمنين .

وحديث رضاع سالم في مسند أحمد ( 226 ) كما يلي : عن عائشة قالت : أتت سهلة بنت سهيل بن عمرو ، وكانت تحت أبي حذيفة بن عتبة رسول الله صلى الله عليه وآله ، فقالت : إن سالما مولى أبي حذيفة يدخل علينا ، وأنا فضل ( * ) ، وإنا كنا نراه ولدا ، وكان أبو حذيفة تبناه كما تبنى رسول الله صلى الله عليه وآله زيدا ، فأنزل الله : ” أدعوهم لآبائهم هو أقسط عند الله ” ، فأمرها رسول الله صلى الله عليه وآله عند ذلك أن ترضع سالما ، فأرضعته خمس رضعات ، وكان بمنزلة ولدها من الرضاعة ، فبذلك كانت تأمر أخواتها وبنات أخواتها أن يرضعن خمس رضعات من أحبت عائشة أن يراها ، ويدخل عليها ، وإن كان كبيرا ، خمس رضعات ، ثم يدخل عليها ، وأبت أم سلمة وسائر أزواج النبي صلى الله عليه وآله أن يدخلن عليهن بتلك الرضاعة أحدا من الناس حتى يرضع في المهد ، وقلن لعائشة : والله ما ندري لعلها كانت رخصة من رسول الله لسالم دون الناس .

وقد ورد في صحيح مسلم تفصيل هذه القصة في ستة أحاديث ( 227 ) وآخرها في لفظ مسلم : وقلن لعائشة : والله ما نرى هذا إلا رخصة أرخصها رسول الله صلى الله عليه وآله لسالم خاصة فما هو بداخل علينا أحد بهذه الرضاعة ولا رائينا .

ويظهر مما ذكره الشافعي في باب الرضاع من كتاب الأم أن أم المؤمنين حفصة تابعت أم المؤمنين عائشة في اجتهادها وفتواها .

وكان سالم بن عبد الله بن عمر بن أولئك ، فقد ذكر ابن سعد ( 228 ) أن أم المؤمنين عائشة أرسلته إلى أم كلثوم زوج عبد الله بن ربيعة لترضعه ليدخل عليها ، ويسمع منها . . الحديث .

ونرى أن الحديث الآتي يؤيد رأي أم سلمة ، وسائر أزواج النبي في حديث الرضاع : في صحيح مسلم ( 229 ) عن مسروق قال : قالت عائشة : دخل علي رسول الله صلى الله عليه وآله وعندي رجل قاعد ، فاشتد ذلك عليه ، ورأيت الغضب في وجهه قالت : فقلت يا رسول الله ! إنه أخي من الرضاعة ، قالت : فقال أنظرن إخوتكن من الرضاعة فإنما الرضاعة من المجاعة .

وقال النووي في شرحه : قوله عليه السلام : ” أنظرن إخوتكن ” أي تأملن وتفكرن ما وقع من ذلك ! هل هو رضاع صحيح بشرطه من وقوعه في زمن الرضاعة ؟ فإنما الرضاعة من المجاعة . وهو علة لوجوب النظر والتأمل ، و ” المجاعة ” مفعلة من الجوع يعني أن الرضاعة التي تثبت بها الحرمة ، وتحل بها الخلوة ، هي حيث يكون الرضيع طفلا يسد اللبن جوعته ، ولا يحتاج إلى طعام آخر ، والكبير لا يسد جوعه إلا الخبز ، فليس كل مرتضع لبن أم أخا لولدها

وفي سنن الترمذي : ” لا يحرم من الرضاع إلا ما فتق الامعاء ” أي ما وقع من الصبي موقع الغذاء ، بأن يكون في مدة الرضاع وهي معروفة في الفقه على خلاف فيها . . ( 230 )

والرواية هذه في سنن الترمذي ( 231 ) عن أم سلمة ، وتتمة الرواية هكذا : ” إلا ما فتق في الامعاء في الثدي وكان قبل الفطام ” . قال أبو عيسى : هذا حديث حسن صحيح ، والعمل على هذا عند أكثر أهل العلم من أصحاب النبي صلى الله عليه وآله ، وغيرهم أن الرضاع لا تحرم إلا ما كان دون الحولين ، وما كان بعد الحولين الكاملين ، فإنه لا يحرم شيئا . انتهى .

كانت الأحاديث الماضية تخالف فتوى أم المؤمنين عائشة ( رض ) في رضاع الكبير ، ولا يقوم لتلكم الأحاديث ما روت هي عن رسول الله صلى الله عليه وآله بأنه أمر سهلة ان ترضع سالما ويدخل عليها سالم بذلك الرضاع ، وخاصة بعد مخالفة سائر زوجات الرسول إياها في هذا الحكم ، فكان خير علاج لهذه المشكلة وجود آية من القرآن تؤيد فتواها كما ورد حديث بذلك في مسند أحمد ( 6 / 269 ) وسنن ابن ماجة الحديث المرقم 1944 من كتاب النكاح ( 1 / 625 )

وهذا نص الحديث : عن عائشة ، قالت : لقد نزلت آية الرجم ورضاعة الكبير عشرا ولقد كان في صحيفة تحت سريري فلما مات رسول الله صلى الله عليه وآله وتشاغلنا بموته ، دخل داجن فأكله . وكانت أم المؤمنين عائشة ( رض ) تفتي بكفاية خمس رضعات ( 232 ) .

وروى عنها في ذلك مسلم في صحيحه والدارمي في سننه ومالك في موطئه واللفظ للأول وهذا نص الحديث : عن عائشة قالت : ” كان فيما أنزل من القرآن عشر رضعات معلومات يحرمن ثم نسخن بخمس معلومات ” .

خلاصة البحث : كانت أم المؤمنين عائشة : تفتي بأن الرجل الكبير إذا أرضعته امرأة خمس رضعات تنتشر الحرمة بينه وبين المرضع ونسائها وتعمل بفتواها وترسل الرجل الذي ” أحبت أن يراها ويدخل عليها ” إلى أخواتها وبنات أخيها فيرضعن كذلك ويدخل عليها بتلك الرضاعة ، وكان سالم بن عبد الله بن أولئك ، فقد بعثته إلى أختها أم كلثوم فأرضعته .

وقالت في جواب إنكار أزواج الرسول عليها : إن الرسول أمر سهلة زوجة أبي حذيفة أن ترضع مولاهم سالما الذي كان متبناهم قبل ذلك أن ترضعه خمس رضعات ويدخل عليها بذلك ، وأبت أزواج الرسول أن يدخل عليهم أحد حتى يرضع في المهد ، وقلن لعائشة : لعلها كانت رخصة لسالم دون الناس ، وكانت الأحاديث تؤيد رأيهن وعلاجا لهذه القالة روي عنها في الصحاح والمسانيد أن هذا الحكم كان قد أنزل في القرآن الكريم هكذا : ” عشر رضعات يحرمن ” ثم نسخن ب‍ ” خمس معلومات ” .

وجوابا للسؤال عن سبب فقدان الآية المذكور روي عنها أيضا : لقد أنزلت آية الرجم و ( رضاعة الكبير عشرا ) ولقد كان في صحيفة تحت سريري فلما مات رسول الله صلى الله عليه وآله وتشاغلنا بموته ، دخل داجن فأكله ( 233 ) .

أثر حديث أم المؤمنين عائشة واجتهادها اجتهدت أم المؤمنين عائشة وقالت كان في ما أنزل من القرآن ” عشر رضعات معلومات يحرمن ” ثم نسخن ب‍ ” خمس معلومات ” وانتج اجتهادها المذكور نتيجتين :

أولا في علوم القرآن : أوجد روايتها السابقة القول بوجود نسخ التلاوة ونسخ الحكم معا ، أي ان الله أنزل على رسول آية في حكم وبلغها الرسول صلى الله عليه وآله إلى المسلمين وتلاها المسلمون ثم نسخ الله ذلك الحكم الذي شرعه في تلك الآية بحكم آخر في آية أخرى ثم نسخ الله لفظ تلك الآية مع نسخ حكمها ، واستشهدوا على ذلك برواية أم المؤمنين عائشة الآنفة كما قال الزركشي : الثالث : نسخهما لفظ الآية وحكمهما جميعا ، فلا تجوز قراءته ولا العمل به ، كآية التحريم بعشر رضعات فنسخن بخمس ، قالت عائشة : كان مما أنزل عشر رضعات معلومات ، فنسخن بخمس معلومات ، فتوفي رسول الله صلى الله عليه وآله وهي مما يقرأ من القرآن . رواه مسلم .

وقد تكلموا في قولها : ” وهي مما يقرأ ” فإن ظاهره بقاء التلاوة ، وليس كذلك ، فمنهم من أجاب بأن المراد قارب الوفاة ، والاظهر أن التلاوة نسخت أيضا ولم يبلغ ذلك كل الناس إلا بعد وفاة رسول الله صلى الله عليه وآله فتوفي وبعض الناس يقرأوها ( 234 ) .

ثانيا في علوم أحكام الإسلام : واستنادا إلى حديثها الآنف الذكر وأمرها اخواتها وبنات أخواتها أن يرضعن من أحبت عائشة أن يراها ويدخل عليها خمس رضعات ثم يدخل عليها ، أفتى بعض العلماء بانتشار الحرمة بين المرضع والمرضعة بخمس

رضعات كما قال ابن قدامة في بيان عدد الرضعات : عن عائشة انها قالت : أنزل في القرآن عشر رضعات معلومات يحرمن . فنسخ من ذلك خمس وصار إلى خمس رضعات معلومات يحرمن فتوفي رسول الله صلى الله عليه وآله والامر على ذلك . رواه مسلم ( 235 ) .

وقال ابن راشد في بداية المجتهد : واتفقوا على أن الرضاع بالجملة يحرم منه ما يحرم من النسب : أعني أن المرضعة تنزل منزلة الام ، فتحرم على المرضع هي وكل من يحرم على الابن من قبل أم النسب . واختلفوا من ذلك في مسائل كثيرة القواعد منها تسع :

إحداها : في مقدار المحرم من اللبن .

والثانية : في سن الرضاع .

الثالثة : في حال المرضع في ذلك الوقت عند من يشترط للرضاع المحرم وقتا خاصا .

والرابعة : هل يعتبر فيه وصوله برضاع والتقام الثدي أو لا يعتبر . .

( المسألة الاولى ) : أما ما مقدار المحرم من اللبن ، فان قوما قالوا فيه بعدم التحديد . .

وقالت طائفة : بتحديد القدر المحرم ، وهؤلاء انقسموا ثلاث فرق ، فقالت طائفة : لا تحرم المصة ولا المصتان .

وقالت طائفة : المحرم خمس رضعات ، وبه قال الشافعي ، وقالت طائفة : عشر رضعات . والسبب في اختلافهم في هذه المسألة معارضة عموم الكتاب للاحاديث الواردة في التحديد ومعارضة الاحاديث في ذلك بعضها بعضا .

أحدهما حديث عائشة وما في معناه أنه قال عليه الصلاة والسلام : ” لا تحرم المصة ولا المصتان أو الرضعة والرضعتان ” خرجه مسلم من طريق عائشة ومن طريق أم الفضل ومن طريق ثالث ، وفيه قال : قال رسول الله صلى الله عليه وآله : ” لا تحرم الاملاجة ولا الاملاجتان ” ، وحديث سهلة في سالم أنه قال لها النبي صلى الله عليه وآله : ” أرضعيه خمس رضعات ” ، وحديث عائشة في هذا المعنى أيضا ، قالت : ” كان فيما نزل من القرآن عشر رضعات معلومات ثم نسخن بخمس

معلومات ، فتوفي رسول الله صلى الله عليه وآله وهن مما يقرأ من القرآن ” ( 236 ) .

هكذا أشغل هذا الحديث أذهان علماء مدرسة الخلفاء أكثر من ألف سنة بدءا بمؤلفي كتب الصحاح والسنن وفقهاء المذاهب وعلماء علوم القرآن ، ولم يفكر أحدهم كيف انحصرت رواية نزول آية من القرآن بأم المؤمنين عائشة وحدها وكيف لم يحفظ الله هذا القرآن من ” داجن فأكله ” وزال من العالم ! ؟ وهو القائل : ” إنا نحن نزلنا الذكر وإنا له لحافظون ) .