أضواء على أدب ال facebook – ألدلالاتُ الكونية وحميمية الخطاب الأسَري لدى الشاعر عماد عبد اللطيف سالم -ليث الصندوق

– أضواء على أدب ال facebook –
ألدلالاتُ الكونية وحميمية الخطاب الأسَري لدى الشاعر عماد عبد اللطيف سالم
ليث الصندوق

لم تعد مواقع التواصل الإجتماعي منصات للثرثرة وصيد المغفلين وإشاعة الفتن ونشر الأكاذيب وإسقاط الخصوم فحسب ، فبالرغم من أنها لم تسلم من الثغرات التي تسهل نفاذ تلك العيوب إليها والتي صارت سمة أساسية ومؤسفة من سمات انتشارها وسهولة ارتيادها ، إلا أن تلك المواقع – وتلك حقيقة لا مناص من الإقرار بها – هي في الوقت ذاته منصات لمواهب تستحق التوقف ، بل ولمنتجي ثقافة حقيقيين ارتأوا أن يعدلوا اتجاه عجلة تلك المواقع واستخدامها للتعويض عن قلة دور النشر ، وارتفاع أسعارها ومحدودية انتشارها ، وكذلك للتعويض عن انحسار دور الثقافة الورقية . وبالرغم من أن متابعة النتاج الثقافي في كل المواقع الاجتماعية ، أو حتى متابعته في وأحد منها متابعة دقيقة ومتواصلة هو أمر لا يقل استحالة عن متابعته في كل المواقع الثقافية الالكترونية ، وفي كل وسائط الاتصال الأخرى ، إلا أن محدودية المتابعة لا تعدم أن تكشف نقاط الإضاءة التي تشيعها بعض الكتابات المميزة لمبدعين اختاروا هذا المنفذ للوصول إلى القراء .
أعترف بأني لست من متابعي مواقع التواصل الاجتماعي المزمنين ، وأن وجودي محدود جداً في موقع واحد بعينه هو ال ( facebook ) ، وحتى في هذا الموقع لا يتعدي دخولي بضع دقائق ما بين يوم وآخر ، لأسباب لا علاقة لها بمستوى الكتابات أو الموقف من الكتّاب ، وأنا هنا لا أبحث عن مسوغات تقيني عتب الأصدقاء الذي قد يرقى أحياناً إلى سوء الظن ، حسبي أن أقول أنها أسباب شخصية تماماً لا تُلزم أحداً سواي . وبعيداً عن هذه الذرائع فلطالما واتتني فرصة النشر والمتابعة والتفاعل مع كتاب الموقع على فترات متباعدة .
ومع اتسام علاقتي بالموقع في أحسن حالاتها بالبرود ، إلا أن ذلك البرود كثيراً ما تبدده أجواء من الصحو والدفء تشيعها كتابات تضطرني – بالرغم من طولها أحياناً ، والذي لا يتناسب مع موقع سريع وعابر – للتوقف والتمحيص ، ومن ثمّ الإعجاب ، وأعني بالكتابة هنا الكتابة الإبداعية في مجالات الأدب تحديداً . بعض تلك الكتابات لأدباء قرأت لهم ، وأعجبت بهم من قبل أن أتعرف على الموقع ، والبعض الآخر من تلك الكتابات لأدباء لم أقرأ لهم من قبل ، وجاء الموقع ليعرفني بهم ، ويسعدني – أو يُسعد القراء الآخرين – بإنجازهم .
في هذا المقال سأختار الكتابة عن أحد شعراء أو كتاب ال ( facebook ) وهو الشاعر والكاتب عماد عبد اللطيف سالم ، على أن أواصل الكتابة في مقالات أخرى عن أدباء آخرين . ولكن قبل الدخول إلى الموضوع لا بدّ من الإشارة إلى ملاحظتين :
– الأولى ، أنّ جميع نصوص الشاعر على الموقع غير معنونة ، وقد عمدت إلى ترقيمها لتيسير متابعتها مع الملاحق التي تتضمن نصوصاً مختارة له .
– ألثانية : إن الفصل ما بين عماد عبد اللطيف سالم الشاعر ، وعماد عبد اللطيف سالم الناثر أمر عسير ، وكذلك الفصل ما بين نصه الشعري ، ونصه النثري ، وذلك في ضوء تداخل الإجناس والأنواع ، وفي ضوء اتساع مساحة الانزياحات ، وشعرية اليومي والعادي ، بل وحتى المبتذل . ومع ذلك سأشير إليه ب ( الشاعر ) إنحيازاً لشعرية النص ، أكثر منها توصيفاً شخصياً .
تمتدّ معرفتي بالشاعر إلى أكثر من أربعين عاماً ، أي إلى زمن الدراسة الجامعية ، فقد كنا طلاب كلية واحدة مع اختلاف تخصصينا ، ومنذ ذلك الحين ، وحتى اليوم يمكنني وضع وصف عام للرجل ، أنه ببساطة نوع من الأدباء الذين يجوز تسميتهم بالأدباء غير الرسميين الذين لم يخرجوا من تحت معاطف المؤسسات الثقافية والإعلامية ، ولم يحصلوا على التزكية من إتحاد الأدباء ، ولم ينشروا كتاباتهم في الصحف أو الدوريات الورقية المتخصصة بالأدب ، بل ربما هم لا يطمحون بنشر مجاميعهم الشعرية الخاصة . ومع ذلك فقد استحق الرجل توصيف الشاعر مكتسباً شرعيته الإبداعية من اتساع مساحة انتشاره ما بين أعداد غفيرة من قراء المواقع الالكترونية الثقافية البارزة ، والمواقع الألكترونية الاجتماعية ، وتحديداً موقع ال facebook ، وجل قرائه من غير الأدباء ، لكنهم ينتمون إلى مثقفي الطبقة الوسطى من الطلبة والموظفين والمهنيين من مختلف الاختصاصات ، ولا تخلو قائمة قرائه والمعجبين به والمتفاعلين معه في الموقع المذكورمن أسماء أدبية معروفة ولامعة .
تتسم كتابات عماد عبد اللطيف سالم بالعفوية ، وتحاشي الحذلقة الشكلية ، والتراكيب اللغوية المعقدة ، والمواضيع الغريبة عن المجتمع العراقي ، بله والبغدادي في نسخته الشعبية . وإذا ما اضطر أن يتناصّ مع الموضوعات الأخرى فلكي يُعرّقها ، أي ينقلها من مجالها الدلالي إلى مجاله الخاص . وبمعنى آخر أن كتابات الشاعر تنتمي إلى إدب الشارع ، وهو أدب موجه لقاريء بكر ، يقرأ بحواسه وبذائقته ، ويقوّم ما يقرأ بموازينه العاطفية ، وهدفه من القراءة هو الإستمتاع وتهذيب الروح . أنه قاريء غير مُلم بأسرار اللغة والبلاغة ولا تهمه المدارس الأدبية ولا يتعاطى مع محددات الأجناس والأنواع ، ولم يشارك في سجالات الأدباء أو نزاعاتهم ومعاركهم مؤيداً أو معارضاً ، ولم يغير اتجاه بوصلته الروحية النقية تبعاً لبوصلات المؤيدين أو المعارضين .
يدخل عماد عبد اللطيف سالم عوالم الشعر من كل الأبواب ، باب القصّة ، باب المقالة ، باب التعليق والتعقيب ، باب الخبر الإعلامي السريع ، بل وحتى من باب الخبر العلمي الصرف ، كل المنافذ أمامه مفتوحة ، وكل مادة لغوية تتحول بقدرة سحرية إلى شعر . وإن كانت المنافذ الثلاثة الأولى من الأربعة تجمعها بالشعر أصرة اللغة ، إلا أن المنفذ الرابع لا علاقة له باللغة ولا بأدواتها البلاغية إلا من حيث أنها وسيلة للتعبير والتواصل . وبالتالي فأن النفاذ عبر موضوعية العلم إلى ذاتية الشعر مرهون بموهبة مدربة لخرق معياريته ، وتطويع منطقه لرغبات الذات ، وفتح بوابات نصه المغلق للقراءة والتأويل . وتتأتي كفاءة الدربة من المقدرة على جمع مجالين متناقضين معاً ، أي العلم والفن . ففي حين يلتقي المجالان في كونهما يمثلان شكلين من أشكال الوعي الإجتماعي ، إلا أنّ ( قوة المعرفة العلمية تكمن في طابعها العام ، وكليتها ، وضرورتها ، وصدقها الموضوعي ) ( 1 ) بينما يعدّ الفن ( تعبيراً خارجياً عما يحدث في النفس من بواعث وتأثيرات ) ( 2 ) . وإن كان الشاعر يقف عملياً في منطقة وسطى ما بين المجالين باعتباره أستاذاً جامعياً متخصصاً في الإقتصاد ، وهذه المنطقة أكثر مرونة من العلم ، وأقلّ مرونة من الفن ، واللعب على الأكثر والأقل يَسّر له النهل من المنبعين ، فهو من الفن يستقى حريته في الاختيار ، وفي وضع الحلول والبدائل ، وهو من الناحية التحليلية يستقي من العلم حياديته وموضوعيته . ومع كل تلك التداخلات المنهجية ، إلا أنّ الشاعر لا يسمح بتتبع أثر مصادره المعرفية ، بل هو يسعى من أجل أن يمنح لنفسه حرية تمويهها وخلط معطياتها خلطاً يمكنه من إعادة إنتاج دلالاتها من جديد في شكل مادة نهائية مقروءة لا تُحسب على أيّ من الدلالات الأم .
فمن أجل كشف مدى معاناته الخاصة منذ لحظة ولادته ، مروراً بموت أبيه ، ومن ثمّ معاناة اسرته في خوضها تجربة اليتم حتى نهايتها ، ومن أجل إقناع قارئه بفداحة تلك التجربة ، يُمعن الشاعر في المبالغة وذلك بتوظيف الخبر الذي هزّ الدوائر العلمية مقروناً بأول صورة تلسكوبية لثقب أسود ، مستدعياً دلالاته من الفضاء الكوني البعيد ، بل من أبعد مستودع دلالات في الكون ، ومن ثمّ عاكساً تلك الدلالات على واقع تجربته القريب ( ألنصّ الأول ) . وهذا النص مكون من مستويين صوتيين :
ألمستوى الأول : 
مخصص لصوت المتكلم / الشاعر ، وفيه يحدد لحظة ولادته كزمن لأول معرفته بالثقب الأسود ، وهذه المعرفة مبنية على معطيين أثنين :
– المعطى الأول : هو معطى دخول ، مرتبط بالشاعر نفسه ( دخلت أول ثقب أسود ) ، وهذا المعطى يجعل من المعرفة فعل بعدي اعقب الدخول بالرغم من ان الأولى جاءت قبل الثاني نصياً . وهذا الثقب هو الصيغة الاستعارية لمحنة الوليد في لحظة ولادته جراء معاناته من شحة الحليب .
– ألمعطى الثاني : هو معطى معرفي تحقق بصيغتين ، الأولى مقرونة بمعطى الدخول / المعطى الأول ( وقد سبقت الإشارة إليه ) ، والثاني تحقق عن طريق النظر ، أو الاكتشاف بالنظر ( رأيت ثقباً أسود في عينيه ، وجيبه الفارغ ) . والصيغتان مرتبطتان ببعضهما ارتباطاً جدلياً يجعل من الصعب فصل النظر عن المعرفة أو العكس .
ألمستوى الثاني : 
في السطر الأخير من النص تنتقل لغة الخطاب الى المستوى الصوتي الثاني الذي يتميز بتحوله من صوت المتكلم المفرد إلى صوت جماعة المتكلمين . ومن الواضح أن هذه الجماعة المتكلمة هم أخوة الشاعر الذين تحولوا بعد لحظة اليتم مباشرة إلى ثقوب سود ، تدل على ذلك مرجعية تملكهم ( عاطفياً ) إلى أمّ واحدة ، كما تدل على ذلك أيضاً صيغتي الفعلين ( تجمعنا ، وتحتفظ … بنا ) بفاعليهما المستترين اللذين هما فاعل واحد / الأم ، وبمفعوليهما اللذين يعودان لجماعة المتكلمين .
تتكرر عبارة الثقب الأسود ( بصيغة المفرد ) أو الثقوب السود ( بصيغة الجمع ) أو كلمة الثقب ( بصيغة ألمفرد المجرد من الصفة ) ، تتكرر خمس مرات ، أي مرة واحدة في كل سطر من السطور الخمسة التي هي عدد أسطر النص . والملاحظ أن دلالات الصيغ ليست ثابتة ، وأنها تغيرت ما بين السلب والإيجاب وكالتالي :
ألدلالات السلبية :
وهي التي تكشف عنها السطور الأربعة الأولى والتي تحيل إلى :
– ألسطرين الأول والثاني : قساوة معاناة الوليد لحظة الولادة ( شحة الحليب )
– ألسطر الثالث : معاناة الأب الذي كان هناك ثقب أسود في ( عينيه ، وجيبه الفارغ )
– ألسطر الرابع : معاناة الأم جراء ثقل التركة التي تحملتها بعد موت الأب ، واستثناء قلب الأم من الثقوب السود ( كانت لدى أمي ثقوب سود كثيرة ، إلا في القلب ) هو استثناء لمّاح أراد منه أن يوجه دلالة الثقوب السود تبعاً لموقعها من جسد الإنسان ، فحين تكون تلك الثقوب في القلب فهي دلالة على البغض والكراهية ، وحين تكون في موضع آخر سواه فهي دلالة على الهموم .
ألدلالة الإيجابية : 
لكنّ دلالات الثقوب السود السلبية تتحول في السطر الأخير إلى دلالة إيجابية – ولو بالنسبة للأم – التي كانت تجمع أبناءَها وتحتفظ بهم ( مثل ثقوب سود صغيرة ) إعتزازاً بهم ، وحباً لهم . أو يمكن قراءة هذه الدلالة من منظورين ، منظور جماعة المتكلمين ، وهو منظور سلبي في ضوء وصف الجماعة لنفسها بالسواد ، والمنظور الثاني النقيض للمنظور الأول ، وهو منظور الأم الذي يتسم بالإيجابية في ضوء جمعها واحتفاظها بالثقوب السود / الأبناء .
وبذلك فأن الانتقال منطقياً – وليس نصياً – عبر ثلاث مراحل من ( الدخول – المعرفة – الرؤية ) أفضى في النهاية إلى تحول الواحد / المتكلم إلى جماعة / المتكلمين ، وكفل لهم جميعاً أن يتحولوا بدورهم إلى ( ثقوب سود صغيرة ) هي من ممتلكات الأم ، أو هي أرثها الوحيد من الراحل / الأب ( تجمعها ، وتحفظها هناك ) من دون تحديد موقع الحفظ ، ولا زمنيته ( إلى ما بعد الأبد ) ، تاركاً افق التأويل مفتوحاً لتعدد القراءات .
وتوظيف دلالات الخبر العلمي ، أو تفكيكه إلى وحدات صغرى ( الثقوب ) واستثمار اللون ( الأسود ) والحجم ( الصغير ) ومن ثمّ إعادة بناء تلك العناصر لغوياً وبلاغياً من جديد ، وعكس دلالاتها من مجالها الكوني اللانهائي ، على مجال العائلة المحدود جداً ، أو على مجاله الشخصي الأكثر ضيقاً وتحديداً ، هي لعبة الشاعر ، ولكنها لعبة تبدأ في أبعد مستودع دلالات في العالم في الفضاء الكوني البعيد ، وتنتهي في حارة شعبية منسية ، وبيت صغير ، واسرة تعاني اليتم والعوز . وعدا تلك اللعبة الكونية ، فالشاعر قلما يغادران تلك الحارة ، وذلك البيت ، وتلك الأسرة ، ومن هذا الثلاثي المحزون تسربت إلى ذات الشاعر نبرة حزن شفيفة يتعاطى معها بسخرية وتفكه كما في ( النص الثالث ) .
يستند هذا النص على ركيزتين ذاتيتين ، الأولى هي الكسل ، والثانية هي الحزن ، وسرعان ما يغفل الشاعر عن الركيزة الأولى / الكسل ، مبقياً استناد النص حتى نهايته على ركيزة واحدة هي الثانية ، وسيكتشف القاريء أن اعتماد ركيزة لنص ، ومن ثمّ إغفالها مباشرة ليس سوى محاولة من الشاعر لاتخاذ تلك الركيزة وسيلة لتبديد كثافة أحزانه ، وتخفيف وطأتها على قارئه . ومع ذلك لا تعدم الركيزة الغفل أن تبث إيحاءاتها حتى بعد إغفالها في طيات النص .
وعلى العكس من ذلك يتمسك الشاعر بالركيزة الثانية كتمسك الحرّ ( بعدوّ له ما من صداقته بدّ ) ( 3 ) ، مقلباً مظاهرها وأسبابها التي قد تكون أحياناً لاشيء ( أنا أحزن أحياناً للاشيء ) ، أو قد تكون وراء أداء الشاعر لدور المحزون دوافع خبيثة ( أو قد أقوم بإعداده بخبث لاستدرار العطف على روحي ) مع ملاحظة عدم فعالية أو شعرية الفعل ( أقوم ) وأرى أن حذفه أجدى لتكون الجملة من دونه ( أو قد أعدّه بخبث … ) .
وهروباً من تلك ( العيوب الشنيعة ) ، أو الهروب من دائرة الحزن المرسومة بخبث ، ما على الشاعر إلا أن يحتال على نفسه وفق خطة تُلزمه بالعودة إلى تقنيته الإنعكاسية في نقل الدلالات من مجالها البعيد إلى مجاله الخاص . وبكل بساطة يستحضر من المجال السينمائي وجه الممثلة الإيطالية الحسناء ( مونيكا بيلوشي ) أو بالأحرى أن القرينة التي استدعت هذا التشبيه هو الجمال ، أو جمال وجه المرأة التي ارتطمت به مصادفة في الطريق .
والمقاربة الناجمة عن الشبه ستُبقي المشبه / إمرأة الطريق حاضرة ، وتستبعد المشبه به / مونيكا بيلوشي ، ولكن عمليتي الاستحضار والاستبعاد المقرونتين بالمقاربة أو المطابقة الناجمتين عن الشبه أو الحقيقة ستعيدان الشاعر بالزمن إلى الوراء ، إلى زمن نشأة الكون ، وتحديداً إلى زمن الانفجار العظيم قبل ما يقرب من أربعة عشر مليار سنة ، وذلك الإستدعاء الإنعكاسي المركب من مجالين بعيدين إولهما مجال السينما ، وثانيهما أكثر بعداً ، وهو مجال الفيزياء الكونية ليس سوى محاولة لإبقاء وجه إمرأة الطريق يحوم فوق سرير الشاعر ( منذ الانفجار العظيم وحتى هذه اللحظة ) ويلاحظ أن التزمين هو بعكس الحدث ، فهو يبدأ من قبل رؤية وجه إمرأة الطريق بمليارات السنين ، ويمتدّ ( إلى هذه اللحظة ) والتزمين الأخير مفتوح للتأويل ما بين لحظة الكتابة ولحظة القراءة .
وإن كانت خطة الاحتيال على الحزن ألزمت الشاعر العودة إلى تقنيته الإنعكاسية في نقل الدلالات من مجالين بعيدين ، مجال السينما في نسخته الإيطالية ، ومجال الفيزياء في نسخته الكونية / الإنفجار العظيم – ويمكن اعتبار هذا الأخير هو أبعد مستودع للدلالات الزمنية في العالم – إلا أن صياغة علاجات جديدة ونهائية بعد أن فشل علاجات أطباء ( القلب والعيون والنفس ) كانت توجب عليه العودة مجدداً إلى الآلية التي سبق اتباعها للاحتيال على الحزن ، أي استدعاء تقنيته الإنعكاسية ثانية من مجال بعيد عن موضوعة الحزن التي تنتمي إلى عوالم النفس ، والمجال الجديد الذي سيستجلب منه الدلالات الجديدة هو مجال مكانيّ . وبقدر ما أن مرجعية المكان الجديد بعيدة عن مرجعية عالم النفس ، إلا أنها قريبة من منطقة سكن الشاعر في منطقة ( الأربع شوارع ) أو هكذا يسميها سكنتها في حي اليرموك ببغداد . أي أن المجال الجديد ضمن مدى بصر الشاعر ، أي أنها من أقرب مستودع دلالات إليه ، لذلك كان استدعاؤه ميسوراً ، وممهداً لوضع نهاية لقصص الأحزان التي كانت ( غير قابلة للزوال ، إلا في نهاية اليوم الثاني ل – الفاتحة – التي سيحضرها بعض الرجال غصباً ، في جامع – البرّ الرحيم – في – الأربع شوارع – ) .
بيد أن تقنيات الشاعر الانعكاسية لا تستجلب دلالاتها من نظريات العلم وأخباره ، ولا من مجالات الفن والمكان والزمان فحسب ، بل أن كل مجالات الحياة مفتوحة أمام الشاعر ، ومن بينها المقولات الفكرية والفلسفية والمواقف المبدئية التي صارت علامات تحول وغيرت مجرى التاريخ ، كما في ( النص السابع ) حيث أنّ الشاعر لا يستدعي تلك المقولات والمواقف ليثبت صحتها كما يُفترض ، بل – وتلك مفارقة – ليثبت خطأها بعد تغير الظروف التي أملتها ، وبعد أن صارت لمن يبحثون عن نتائج مادية مجرد نظريات منتزعة من إطاريها الحياتي والمعرفي . مؤكداً أن نقيضها هو الأسلم والأصوب ، صائغاً خطابه النقيض بصيغة الأمر ( لا تفكّر / كن عنيفاً مع الآخرين / أترك أعداءك السابقين يلعقون حذاءك / مرّغ كرامتهم بالوحل / لا تتسامح / خذ فائض القيمة / راكم رأس المال / لا تمنح العامل أكثر من أجر الكفاف / لا تقلق ) .
ومن الواضح أن نقض الشاعر للمقولات ليس لخلل فيها ، أو لرغبة فوضوية في النقض ، أنما للتأكيد على تراجع القيم ، واختلال المفاهيم ما بين عالم المثال النقي والعظيم ، وعالم الواقع الزائف والمدنس . هذا الفارق الشاسع ما بين العالمين هو الذي جعل من الموازنة ما بين العنف والخنوع للمحتل البريطاني من جهة ، وما بين نضال غاندي السلمي من جهة أخرى تختلّ لصالح الطرف الأول ، وهذا الإختلال هو من أجل تحقيق هدف غاية في التفاهة مفاده عدم تكرار تجربة غاندي في العري والحفاء . وهذا الفارق ما بين المثال والواقع هو أيضاً الذي اختصر نضال مانديلا الطويل بابتسامة وبقميص مشجّر هما معاً الثمرة الوحيدة التي جناها مانديلا من سنوات السجن والنضال الطوال .
لكن النتيجة أحياناً لا تتوافق مع المقدمات ، أو أن ختام القصيدة لا علاقة له ببداياتها ، فقد ترك الشاعر المفكرين والفلاسفة والقادة الإجتماعيين والسياسيين الذين نقض مقولاتهم ومواقفهم في المقاطع الأولى من نصه ، وتبع خطى حبيبته ( بثوبها الأزرق المنقط بالأبيض ) الذي لبسته في أكثر من نص من دون أن يبلى أو يتسخ .
ولعل من علامات الإستدعاء الفارقة ، أنّ الشاعر لا يستدعي البعيد إلى القريب فحسب ، بل يكاد يكون مقيماً في القريب ، يتواصل معه تواصل العضو مع الجسد ، وأقرب القريب إليه هم أفراد أسرته والأقربين منها الذين كثيراً ما حضروا بتفاصيل شخصياتهم المميزة في نصوصه ، حتى ليصح أن نسميه شاعرَ الأسرة الشعبية العراقية بحق .
وفيما يلي عينة من بعض الشخصيات القريبة إلى الشاعر أسرياً الذين ورد ذكرهم في كتاباته :
– كتب الكثير عن أمه ، وعن صبرها وجلدها بعد وفاة ربّ اسرتها .
– كتب عن نفسه باعتباره ( رئيس السن ) في برلمان العائلة .
– ذكر إبنه الذي نصحه بعد تدخين السكائر
– ذكر أخيه الذي يسكن مع أمه .
– ذكر كنّات أمه واصفاً إحداهن بالعقرب والأخريات باللافقريات ، والوصفان يتسمان بالظرف أكثر من اتسامه بالبغض ، ويبدو أنهما تسللا إلى قاموس الشاعر من خارجه ، وتحديداً من الأم ( الحماة ) .
– ذكر وحيد إبن خالة أمه الذي دفن ثلاثة أرباع العائلة في الشيخ معروف
– ذكر شقيق جده غفوري الذي مات بقلب أخضر من فرط الخذلان
– ذكر خالته وفية
– ذكر إبنة خالته حسيبة
– ذكر عمّه محمد
– ذكر عمه حميد الذي لم يعد قادراً على صيد السمك
– ذكر إبن خالته خالد الذي لم يعد يصحح معه مجلة ( التربية الإسلامية ) .
– ذكر حفيده الزاحف تواً .
وخرج من دائرة الأسرة إلى الدائرة القريبة منها فذكر الكثيرين ، وفيما يلي عينة مما ذكر من تلك الدائرة :
– ألست سريّة معلمة الخيزران في حضانة الكرخ .
– القابلة ( الجدّة غزية )
– ألمدرس الأستاذ عبد الوهاب
– مهند ( أبو الخط )
– طلابه في الكلية الذين ليسوا في كامل قواهم العقلية
– جاسم ( أبو المولدة )
وما بين القريب والأقرب تكتسب الأماكن حميميتها وألفتها من حميمية وألفة الساكنين فيها في ترابط حيّ وفاعل ومتين ما بين الأسرة القريبة ، والدائرة الإجتماعية المتصلة بها ، والأماكن التي عاش فيها كل هؤلاء او اقترنوا بها بشكل ما . ومن الأماكن التي تردد ذكرها في نصوص الشاعر ( سوق حمادة و الرحمانية والشيخ معروف والحرية الأولى والعطيفية الثانية وشارع أبو نواس والسعدون والدورة ) . وبعد تلك الأماكن الشعبية جاء دور حيّ اليرموك ، والشوارع الأربعة أو ( الأربع شوارع ) ، وللانتقالة الأخيرة في المكان دلالة اجتماعية في حياة الشاعر والرجل العصامي والكادح ، وفي النصوص اكثر من تلميح وإشارة لتلك الدلالة .

ملحق ببعض كتابات الشاعر 
ألنص الأول :
أنا أعرفُ الثقوبَ السوداءَ منذُ الولادة.
دخلتُ أوّلَ ثُقْبٍ ، عندما كانَ الحليبُ شحيحاً.
وعندما ماتَ أبي ، رأيتُ ثقباً أسودَ في عينيهِ الدامعتينِ ، وجيبهِ الفارغ.
وكانَت لدى أُمّي ، ثقوبَ سوداءَ كثيرة .. إلاّ في القلب.
كانت تجمعنا ، مثل ثقوبَ سوداء صغيرة ، وتحتَفِظ الى مابعدَ الأبد .. بنا .. هناك.

ألنص الثاني :

أفضلُ شيءٍ يحدثُ لي ، هو أنْني أصحو على الفَورِ ، عندما تُداهمني الكوابيس
في كابوسٍ عاديٍّ .. اقتادني أشخاصٌ أعرفهم منذُ قرونٍ ، وربطوني الى نخلةٍ أُحبّها ، في بُستانٍ يعرفني ، وقالوا لي .. نحنُ آسفونَ لقتلكَ يا أخانا العزيز.
قلتُ لهم .. أنتم لا تستطيعونَ ذلكَ .. قالوا لماذا ؟ قلتُ لهم .. لأنّني سأصحو قبلَ ذلكَ بقليل.
و لهذا .. و قبلَ أنْ يثقبَ الرصاصُ نارنجةَ روحي .. صحوتُ .. وتركتهم هناكَ ، وحدهم .. يُطلِقونَ النارَ على القِدّاح.
في أفضلِ كابوسٍ لي .. أحببْتُ امرأةً لمدّةِ لحظاتٍ .. فجاءتْ في موعدها لتُقابِلُني رِفْقَةَ رجلٍ آخرَ .. فصحوتُ على الفورِ نكايةً بها ، وتركتها تتزوّجُ ذلكَ الرجلَ الأبلَهَ .. في الكابوس .
وفي أسوأ كابوسٍ لي ، طارَدَتْني كلابٌ عملاقةٌ .. فوصَلْتُ الى حافّةٍ جُرْفٍ .. وبدأتُ أعوي ، وأزحَفُ .. وعندما بدأتْ الكلابُ بنهشي .. صَحَوت.
في كابوسٍ آخرَ .. كنتُ أُراقِبُ حشداً من الناسِ صباحاً ، يُغَنّونَ أُغنيةً لفيروز.
فجأةً .. توقفوا عن الغناءِ ، وصاحوا : ماتَتْ فيروز .
صحوتً على الفورِ لأنّي .. لا أُريدُ أنْ أعرفَ ماذا سوف يحدثُ لي ، في الصباحِ التالي ، لموتِ فيروز.
وهكذا .. كنتُ أصحو دائماً في الوقتِ المُناسبِ ..
إلى أنْ جاءني يوماً كائنٌ يشبهُ حاكِماً أحمَقاً .. وأقتادني الى كهَفٍ رأيتُ فيهِ جميعَ الذينَ كنتُ أعرفهم سابقاً وهُم يسردونَ لبعضهم قصصَ القهرِ القصيرةِ جدّاً .. وكلبهُمْ وحدهُ صامتٌ ، يُحَدِّقُ في وجهي بعيونٍ دامعةٍ منَ الخوفِ ، ويسألني إنْ كان في جيبي “وَرِقٌ” يصلحُ للعشاءِ الأخيرِ .
فعرفتُ عندها ، أنَّني لن أصحو من الكوابيسِ في الوقتِ المناسبِ ، فيما سيأتي من الليلِ ..
وأنّني .. سأنامُ أخيراً ، نوماً يليقُ بقتيلٍ شارد الذهنِ ، تحتَ نخلةٍ في بستان أهلي .. و برجلٍ غادرتهُ امرأةٌ لم يتذوّق قمحها بعدُ .. وبفيروز التي كانت ما تزالُ تُغنّي ، وكنتُ ما أزالُ أسمعها ، بينما كانت الكلابُ أسفلَ الجُرْف ، تنهشُ قلبي.
كنتُ أعرفُ أنّني ..
سأبقى هناكَ طويلاً
في ذلكَ الكهَفِ الشاسعِ
وأنّني ..
سأجمعُ فيهِ ما تيسَّرَ لي
من بنادق أهلي
لأتعَلَّمَ إطلاقَ النارِعلى القِدّاح
في نارنجةِ روحي .
ألنص الثالث :
أنا كسولٌ حدَّ اللعنةِ .. و حزينٌ حدَّ الموت
لا علاجَ لحُزني .. وليسَ لهذا الحزنِ سببٌ مُحدّد.
أنا احزنُ أحياناً ، للاشيء .. ولا ينقصني سوى أنْ أخرجَ الى الناسِ ، شاهِراً أسايَ في وجوههم ، و”لاطِماً” دونَ معنى .
ولكنّني لا أبكي . لا أذرِفُ دمعةً واحدةً لا على نفسي ، ولا على أحدٍ سواي.
هذا يجعلُ حُزني ، حتّى بالنسبةِ لي ، مثاراً للريبةِ ، وقابلاً للنقض.
هذا الحزنُ قد يكونُ حُزناً مُلَفّقاً.
حُزنٌ أقومُ باعدادهِ بخُبث ، لاستدرار العطفِ على روحي.
ومع كلّ هذه العيوبِ الشنيعةِ .. فإنّني أبتسِمُ على الفور لأيّةٍ أمرأةٍ تُصادفني في أيّ مكان .. حتّى وإنْ كانَ وجهها المُلتَبِسْ ، يشبهُ دهراً منَ الهَجْرِ غيرِ المُبَرَّر.
وعندما اسمعُ جارتي البيضاءَ كالحليب ، بأصابعها الطويلةِ جدّاً ، وهي تشتمُ زوجها بصوتٍ عالٍ ، خمسَ مرّاتٍ في اليوم .. أعيشُ بسعادةٍ غامرة ، لمدّةِ خمسة أشهر.
أمّا اذا ارتطمَتْ بي امرأةٌ صُدفةً في الطريق ، مثل نجمة ، فإنّ رائحتها تبقى لصيقةً بي سنينَ طويلة .. وفستانها الأزرق المُنَقّطِ بالأبيض ، يبقى “مشروراً” لقرونٍ فوق قلبي.. ووجهها الذي يشبهُ دائماً وجهَ “مونيكا بيلوتشي” ، يبقى يحومُ فوق سريري ، منذ الانفجار العظيم ، والى هذه اللحظة.
ذهبتُ الى طبيبِ القلبِ ، وطبيبِ العيونِ ، وطبيب النفسِ .. فبكى ثلاثتهم على حالي بدمعٍ غزيرٍ ، وأوصوني بـ “التعايِشِ” مع الحالِ ، لأنّ هذه القصص القصيرةِ جدّاً ، غيرُ قابلةٍ للزوالِ ، إلاّ في نهاية اليوم الثاني لـ “الفاتحة” ، التي سيحضرها بعضُ الرجالِ غَصْباً ، في جامع “البرِّ الرحيمِ” ، في “الأربعِ شوارع”.
هذه “الفاتحةُ” لن تحضرَها (ولا أدري لماذا) أمرأةٌ واحدة من نساءِ “الشوارعِ الأربعِة” في جهات الكونِ الأربع ، اللواتي ارتطمنَ بي صُدْفةً في لحظةٍ ما ، مثل نيزك ، وماتزالُ رائحتهُنَّ لصيقةً بي ، منذُ الانفجار العظيم ، وإلى هذه اللحظة.
ألنص الرابع :
يحدثُ هذا في “أرْذَلِ” العُمْر .. في هذا الجزءِ من العالم ..
(ملاحظة تمهيديّة هامّة : لم يُكتَبْ هذا النصّ لـ “الشيّابِ” و الـ “الشايبات” ، المُتفائلينَ والمُكابرين ، الذينَ يَدّعونَ “زوراً وبُهتاناً” أنّ الشبابَ هو شبابُ الروح ، وأنّ التطلّعات المُريبة لـ “القلب الأخضرِ” ، لا تقفُ عند عُمْرٍ معين . قد يكونُ هذا صحيحاً في أماكنَ أخرى من هذا الكون ، ولكنّهُ هُنا، خطأٌ شنيع . لذا أنصَحُ هؤلاءِ “الفِتيةِ” الذين يؤمنون بقدراتهم الشبابية “الخارقة” ، بمنع أرواحهم”الخضراء” من الاطّلاعِ عليه).

(النصّ)

نزعتُ غطاءَ القلمِ “السوفت” بفمي ، وأبقيتهُ مُعَلَّقاً هّناك ، وبدأتُ الكتابة.
بعدما انتهيتُ من الكتابة ، بحثتُ لأكثرَ من نصفِ ساعةٍ عن غطاءِ القَلَمِ في “مساماتِ” البيتِ كافّة ، فلم أعثر عليه.
وبينما كنتُ راكِعاً بخشوع ، لعلّي أجدُ الغطاء تحتَ “القَنَفَة” ، جاء حفيدي الزاحفِ تَوّاً ، وبَحلَقَ في وجهي الأبله ، وسحَبَ الغطاء من فمي باحدى يديه ، مُتّكِئاً على الأخرى ، ثُمّ استأنفَ زحفهُ العظيم ..عليهِ اللعنة .
*
هذه “حادثةً” واحدة . وبطبيعة الحال فإنّ هناكَ “حوادث” أخرى ، كثيرةٍ ومؤسفة ، تحدثُ لمن هُم في أرذل العُمْر ، قد تكونُ أكثرُ أهميّةً وخطورةً وإحراجاً من هذه ، لا استطيعُ البوحَ بها هنا ، ويعرفها جيّداً ، من يعيشونَ “أرذَلَ العُمْرِ” مثلي.
أن تموتَ بكرامة ، ما أن تبلُغَ الستّينَ من العُمْر ، هو شيءٌ أفضلُ بكثيرٍ من أنْ تعيشَ “مرذولاً” بعد الستّين.
ولأنّ هذا أمرٌ يخصُّ ربّ العالمين وحده ، فأنا أبتَهِلً اليهِ ، بخضوعٍ تامٍّ لمشيئته ، أنْ يستعيدَ”أمانتهُ” التي أودعَها لدينا ، قبلَ أنْ نعود الى الزمنِ الذي كُنّا نرتدي فيه “الحفّاظاتَ” ، بكرامةٍ طفوليّةٍ كاملةٍ ، وغير منقوصة.
*
إنّ مُجتمعاتنا ، و “دُوَلنا” ، و حكوماتنا ، و”مؤسساتنا” التعليميّة ، لا تحتفي بكبار السنّ ، بما يليقُ بخبراتهم العلمية والمهنية ، أو بما يحافظ على الحد الأدنى من كرامتهم الشخصية (كبشرٍ عاديّين) ، ولم تضع اطاراً قانونياً ، شاملاً وكافياً ومُتكاملاً ، ينظّمُ كلّ ذلك.
و تاريخنا السياسي ، و”الأكاديمي” ، زاخرٌ بالعديدِ من القصص المؤسفة ،عن النهاية الكارثيّة لعقولٍ جميلةٍ طواها الأهمالُ والتهميشُ والنسيانُ ، وطالتها أدواتُ البطشِ والتنكيلِ للسلطات الحاكمة ، والبعضُ منها ظلّ هائماً في الشوارعِ ، مُلَطّخاً بفضلاتهِ ، إلى أنّ مات.
في هذا الجزء من العالم ، لا تتمُّ العناية ُ بكبار السنّ (سواء كانوا من الناس العاديّين ، أومن المُتمَرّسينَ في مُختلف الاختصاصات) إلاّ اذا كانوا يمُتّونَ بصلةٍ ما لسياسيّنَ “كبار” ، أو مُقرّبينَ من سماسرةٍ يُجيدونَ فنونَ”التخادُم” (الذي يُزاوِجُ ما بينَ السياسة والاقتصاد) ، أو تابعينَ لشيوخ عشائر مُتنفّذين ، أو أبواقَ مأجورة لأربابِ السُلطة ، وملوك الطوائفِ ، وتُجّار الحروب .
في هذا الجزء من العالم ، وفي أفضل الأحوال ، سيتمُّ استدعاء كبار السِنّ من المُختَصّينَ ، واستخدامهم كـ “ديكورٍ” حكوميّ .. وبعدها سيقولُ هؤلاء ما يودّون قوله ، للجهات التي قامتْ باستقدامهم .. وفي نهاية المطاف ، لنْ يُنصِتَ لهم أحد .. وسيسمحُ “النظامُ” المؤسسيّ القائم ، لصغار الموظّفين ، بالضحكِ عليهم.
أحياناً .. تسمعُ بعضُ الجهات الحكوميّةِ بموتِ هؤلاء . عندها ستمُدُّ يدَ المساعدة في تسويق لافتات نعيهم ، دونَ أن تُكَلّفَ نفسها عناء المشاركةِ في تشييعهم الى مثواهم الأخير ..
هذا اذا كان لمثل هؤلاء مثوى .. وكثيرون نعرفهم ، لم يكُنْ لهم مثوىً أخير ، في هذا الجزء من العالم
ألنص الخامس :
استيقظُ صباحاً ، وأنا أُحِبُّ كلّ شيءِ في هذا العالم ، بما في ذلكَ أولئكَ الذين كنتُ أكرههم في الليلة الفائتة.
وعندما أغادرُ البيت ، أكرهُ أشياءَ كثيرة ، تُصادفني في الشارعِ ..
بعضُ الناسِ ، السيّاراتُ ، المواشي ، الموظّفونَ والموظفاتِ الذين لا وظائف لهم ، الطلاّبُ والطالباتِ الذين يكرهونَ المدارسَ ، الغبارُ الأسنُ(الصديق “بول بريمر” يتساءلُ في مذكّراتهِ قائِلاً : من أينَ يأتي ، هذا الغبارُ اللعين ؟) ، الأشباحُ شاردةُ الذهنَ التي تعبرُ الشارعَ حيّةً بفعل المُصادفاتِ السعيدة ، الـ “الصَبّاتُ” الكئيبةُ التي تشبهُ العُزلة ، عربات الـ “هامفي” العاطلةُ ، التي تقفُ الآنَ في المحطّاتِ البائدةِ لباصاتِ “المصْلَحَةِ” ، حيثُ كان ينبغي أنْ تقفَ النساءُ القديماتُ ، اللواتي كانت تنانيرهنّ القصيرة تطيرُ عالياً كالحَمامِ ، فيجفلُ قلبي من شدّةِ الشَغَف.
أنا أيضاً ، أمشي في الشارعِ ، وأكرهُ نفسي.
لماذا يحدثُ هذا لي ؟
لماذا لم أعُدْ اتذكّرُ العراقَ في أناشيدنا “الوطنيّة” السابقة(حيثُ كانَ لنا مع كُلّ “قائدٍ” جديدٍ ، نشيدٌ وطنيٌّ جديدٌ)، و لم أَعُد أعشقُ الماءَ والنخلَ والرملَ ، و لَمْ أَعُدْ أُحِبُّ البطَّ الذي يسبحُ بالشطِّ، والسمكَ “المسكَوف” ، والصَمّونَ الحجريَّ ، وعبد الجبار عبد الله الذي كان صديقاً لـ “أنشتاينَ” ، و ماتَ من القَهرِ ، و (ناظم الغزالي) ، الذي مازالَ يبحثُ عن عيونها السودِ التي انطفأتْ قبل ستّين عاماً ، وخدَّها “القيمر” الذي أصبحَ مُرّاً منذُ زمانٍ بعيد ، و”العَمبَةُ الشريسيّةُ” الطائشة، و”العَرَقِ” الزحلاويّ العظيم.
تبدو أسبابُ الكُرْهِ ، لهذا الكَمِّ منَ الاشياءَ ،عميقة.
ومعَ كُرْهٍ راسخٍ مثلُ هذا .. ينبغي أن أموت .
لذا ، في المرّة القادمة ، التي سأغادِرُ فيها البيتَ صباحاً ، سأمشي في الشارعِ مثلَ “حَلاّجٍ” يائِس، يبحثُ في وجوهِ الناسِ عن الله .. وأشتمُ كُلّ من يُصادفني هناكَ طيلةَ الوقتِ .. وأُطاردُ المواشي ، وأركلُ أردافَ البنادق السائبة ، وأعَضُّ الأطارات النافقة لعربات “الهامفي” العاطلة .. إلى أنْ ينهمِرَ كُلُّ رصاصِ الكونِ على روحي.

ألنص السادس :
عضُ الناسِ ، لا يُمكِنُ نسيانهم
الجُندِيٌّ صديقي ، الذي كانَ يكرهُ الحربَ .. وماتَ فيها.
امرأةٌ أحببتها في زمنِ ما ، من أوّلِ نظرة .. ابتَسَمْتُ لها ذاتَ صباح ، في شارعٍ ما ، في مدينةٍ ما ، ولَمْ تَلْحَظ ذلك.
سيّدةٌ جميلة .. تبكي بشكلِ مُدهِش .. بينما أصابعها الطويلة ، تتقافزُ كالعصافير ، فوق فمها القصير.
عجوزٌ ضاحكةٌ ، تبيعُ اللبنَ الناشِفَ في “سوق حمادة” .. وتعودُ الى “الرحمانيّةِ” ، بعد الظُهر، بسبعينَ فِلساً .. تشتري بنصفها شعيراً ، لربِّ الحليب.
السِتْ “سِرِّيّة” .. مُعلّمةُ “الخيزرانِ” في “حَصّانةِ” الكرخِ .. التي كانتْ حتّى “طناطلُ” الدرابين تخافُ منها .. والتي كانت مع ذلك ، تغِضُّ الطَرْفَ عن أصابعي ، وهي تحِطُّ خِلْسَةً ، فوقَ أكُفِّ البنات.
“وحَيِّدْ” ، ابنُ خالةِ أُمّي .. الذي دفَنَ ثلاثةَ أرباع العائلة في “الشيخ معروف” .. وعندما مات ، لم يعرِف الرُبعُ الرابعُ بذلك .. إلاّ بعد انْ أخبرهُم “الشيخ معروف” بنفسه ، أنّ “وحَيِّدْ” الذي كان يدفنهم لوحده .. قد مات .
شقيقٌ جَدّي”غَفّوري” .. الذي ماتَ بقلبٍ أخضرَ ، من فرطِ الخُذلان.
خالتي “وَفِيّة”.. التي كانت وفيّةً حقّاً ، حتّى للريح .. وكانتْ تَئِنُّ في وجهِ السماواتِ ، وتَبْتَسِمْ لنا .. ومعَ ذلكَ خانَها الكُلُّ ، حتّى الحَمام ، الذي كانَ يلقُطُ قمحَ الشاحناتِ ،على امتدادِ الطريقِ، بين “الحُريّةِ الأولى” ، و “العطيفيّةِ الثانية”.
وأخيراً ، إبنةُ خالتي .. “حسيبة” ..
التي ظَلّتْ تُعاتِبُ اللهَ
إلى أنْ ماتَتْ
فلَمْ يَعُد بعدها للعِتابِ
أيُّ معنى
في التاريخِ اللاحقِ للعائلة.

ألنص السابع :
لا تُفكَّرْ
و ستكونُ موجوداً
أكثرُ بكثيرٍ مما كان يعتقدُ
السيّد ديكارت.
كُنْ عنيفاً مع الآخرين
و فَظّاً مع اخوانكَ “الهنود”
أو عبداً مُطيعاً للامبراطوريّة البريطانيّة
ولن تموتَ كـ غاندي
مُرتَدِيّاً قطعتينِ من الكِتّان الأبيض
وحافياً الى الأبد.
لا تتسامَحْ
حتّى مع الريح
وأترُكْ أعداءكَ السابقينَ
يلعقونَ حذاءكَ
و مَرِّغْ كرامتهم بالوحل
وأترُكْ ماندّيلا يبتسِمْ
بقميصِهِ المُشَجَّرْ
الذي لمْ يمتلِكْ غيرَهُ
إلى أنْ مات.
خُذْ “فائضَ القيمة”
و راكِمْ رأسَ المال
في جيبِكَ الشاسع
ولا تمنِحْ العاملَ أكثرَ من أجرِ الكفاف
ودَعْ كارل ماركس
يحلمُ بـ ثورةِ البروليتاريا
على دونالد ترامب.
الكونُ مُجْدٍ و جميل
ولا معنى للعَدَمْ
فلا تقلَق على شيء
ودَع سارتر
يُهاجِرُ من باريسَ التي لا قلَقَ فيها
الى مُدننا المُترَعة
بالقلق الوجوديّ العظيم.
هي موجودةٌ ..
وأنا غشيم
حبيبتي التي لا تكفُّ عن الغياب الذكيّ
و تتركني وحدي.
أنتَ تُحِبُّها
وهي ترتدي ثوبها الأزرقَ المُنَقّطَ بالأبيض
وتضَعُ مكياجاً خفيفاً
على وجهها الشاحب
وتفوحُ من أسفلِ عُنقها
رائحةُ السُنبُلة.
دَعْها تغيبْ
وبعدَ عشرةِ آلافِ عام
سيصِلُ ضوءها إليك
مثل نجمة.
ألنصّ الثامن :
أسبابُ الغيابِ عديدة ..
منها ، مثلاً ، أنْ تكونَ أباً
في وقتٍ لا يصلَحُ لليُتْم .
أنْ تكونَ اُمّاً
في زمنٍ لا يصلَحُ للحنين.
أن تكونَ “مُواطِناً”
في بلدٍ من أربعةِ حروفٍ (أو ثلاثة)
يخسَرُ دائماً في كرة القدم.
أن تكونَ حكيماً
في عشيرةٍ نافقة
مثل أمَل.
أنْ تكونَ مَلِكاً
في مزبَلَة.
أن تكونَ حيّاً
و تبحثُ عن امرأةٍ تقولُ .. أُحِبُّكَ
فتَجْفَلُ من الدهشة
في هذا الوقتِ منَ العُمْرِ
شحيح السيولة.
وأخيراً ..
انْ تغيب
فلا تجِدْ للغياب
سبَباً مُقْنِعاً
سوى أنَّ حذاءَكَ الوحيد
ضَيِّقُ جدّاً
في هذا العالَمِ الواسع.
( 1 ) ألموسوعة الفلسفية – روزنتال وبودين – دار الطليعة 1974 . ص / 275
( 2 ) معجم المصطلحات العربية في اللغة والأدب – مجدي وهبة و كامل المهندس – مكتبة لبنان / 1984 . ص / 278
( 3 ) ألمتنبي ( ومن نكد الدنيا على الحرّ أن يرى – عدواً لهُ ما من صداقته بُدّ )

كتاب قول على قول للراحل حسن الكرمي

مجلد 1
مجلد 2
مجلد 3
مجلد 4
مجلد 5
مجلد 6
مجلد 7
مجلد 8
مجلد 9
مجلد 10
مجلد 11
مجلد 12
الواجهة
(تحميل كل المجلدات في ملف واحد)

خلطات للشعر

خلطة لتنعيم الشعر المتشابك

خلطة ورق الآس والسنامكى للشعر

خلطة قديمة لتمليس شعركِ

خلطة زيت املا الاسود لتثقيل الشعر

 خلطة عشبة الياس للشعر

خلطة أوراق القريص للشعر

 خلطة الكاكاو بديلا للإستشوار

 خلطة ريش السمان لإطالة الشعر

خلطة اللاميون لتنعيم الشعر

 خلطة القصعين لتنعيم الشعر

 خلطة القرنفل والحنة لتطويل الشعر

 خلطة الحنة السوداء للشعر

 خلطة القراص لعلاج قشرة الرأس

 خلطة البيض والعسل لتنعيم الشعر

 

افضل الابيات لجرير

يقال ان اغزل بيت في الشعر العربي هو قول جرير
ان العيون التي في طرفها حور قتلننا ثم لـم يحييـن قتلانـا
يصرعن ذاللب حتى لاحراك به وهن اضعف خلق الله انسانـا

وان امدح بيت هو قول جرير ايضا
الستم خير من ركب المطايا واندا العالمين بطـون راح

وافخر بيت هو قول جرير ايضا

اذا غضبت عليك بنو تميم حسبت الناس كلهم غضاب


وان اهجا بيت هو لجرير ايضا

فغض الطرف انك من نمير   فلا كعبا بلغت ولا كلابـا
وان اصدق بيت قوله

اني لارجو منك خير عاجل والنفس مولعة بحب العاجل

وان اشد بيت تهكم قوله

زعم الفرزدق ان سيقتل مربع فبشر بطول سلامة يامربـع

المتنبي

الخَيلُ وَاللَيلُ وَالبَيداءُ تَعرِفُني
وَالسَيفُ وَالرُمحُ وَالقِرطاسُ وَالقَلَمُ
هو أحمد بن الحسين بن الحسن بن عبد الصمد الجعفي الكوفي الكندي،أبو الطيب أحد شعراء العصر العباسي المشهورين بل يعتبر المتنبي واحد من أشهر الشعراء على الإطلاق ولا يذكر الشعر في أي مناسبة دون أن يجول المتنبي بالخاطر، فلقد استطاع أن يفرض نفسه على الشعر العربي بقصائده العديدة، والتي تتنوع ما بين المدح والذم والتفاخر والحكمة والفلسفة ووصف المعارك والأحداث وغيرها فتميز أسلوبه بالقوة والإحكام، فلقد قبض بقوة على جميع الخيوط المتحكمة بقواعد اللغة العربية وتمكن من الإلمام بمهارة بجميع معانيها ومفرداتها عرف المتنبي بكبريائه وطموحه وعزة نفسه مما انعكس في الكثير من أشعاره.

النشأة
ولد بالكوفة في منطقة تسمى كندة”تقع بالقرب من منطقة النجف حالياً” ويرجع إليها نسبه، ولد في عام 303ه – 915م، عرف عن المتنبي حبه للشعر منذ صغره وقال الشعر صغيرا حيث كان في العاشرة من عمره تقريباً حينما قاله.
طريقه الشعر
يرحل المتنبي وهو في الثانية عشر من عمره إلى بادية السماوة حيث أقام فيها قرابة العامين عكف فيهما على الدراسة والتعرف على اللغة العربية ثم عاد مرة أخرى إلى الكوفة حيث عمل على دراسة الشعر العربي واهتم بدراسة الشعر الخاص بكبار الشعراء مثل أبو نواس وابن الرومي وأبي تمام والبحتري وغيرهم من الشعراء المتميزين، كما تلقى وهو صغيراً الدروس العلوية شعراً ولغة وإعراباً.
عمل المتنبي كثيراُ من أجل زيادة معرفته باللغة وإمكانياتها فلم يستقر بالكوفة بل ظل يتنقل بين العديد من المناطق من أجل اكتساب المزيد من المعرفة في النواحي الأدبية وأيضاً من أجل معايشة تجارب جديدة توسع من أفاق معرفته، فرحل إلى بغداد حيث حضر حلقات للغة والأدب، وبدأ في احتراف الشعر وكانت البداية بقصائد المدح حيث قام بمدح عدد من الأشخاص في كل من بغداد والكوفة، ثم رحل مرة أخرى إلى بادية الشام وتنقل بين كل من القبائل والأمراء فاتصل بالكثير منهم ومدحهم مروراً بالعديد من المدن والقرى مثل دمشق وطرابلس واللاذقية وحمص وعمل على مخالطة الأعراب في البادية حيث أخذ يطلب الأدب واللغة العربية.
المتنبي سجيناً
فيما بين عامي 323- 324ه وفي بادية السماوة والتي تقع بين كل من الكوفة والشام، قام المتنبي بالتنبأ فقام الكثيرين باتباعه ولكن خرج إليه لؤلؤ أمير حمص ونائب الإخشيد وذلك قبل أن يزداد ويستفحل أمره فقاموا بأسره ووضعوه في السجن إلى أن تاب ورجع عن دعواه هذه، وبعد أن خرج المتنبي من السجن أخذ في التنقل بين كل من حلب وأنطاكية وطبرية.
المتنبي يجد مرساه
بعد فترة التنقل التي عاشها المتنبي بعد سجنه وجد مرساه أخيراً عند سيف الدولة الحمداني صاحب حلب والذي تنتسب إليه الدولة الحمدانية، حيث أتصل به المتنبي وانتقل معه إلى حلب وأصبح من الشعراء المقربين منه فأخذ المتنبي في مدح سيف الدولة وحضور مجالسه، وحضور المعارك معه وتسجيل انتصاراته من خلال العديد من الأبيات الشعرية المميزة والتي برع المتنبي من خلالها في رسم صورة شعرية لجميع الأحداث التي وقعت في هذه الفترة وعظم شأن المتنبي عند سيف الدولة فعاش في رحابه مكرماً رفيع الشأن بين غيره من الشعراء، فتفرغ لكتابة أروع القصائد الشعرية ونظراً لمكانته هذه كثر الحاسدين والحاقدين حوله والذين أوغروا صدر سيف الدولة تجاهه فبدأ التباعد بينهما إلى أن غادر المتنبي حلب متوجهاً إلى مصر.
من قصائده لسيف الدولة
أَلا ما لِسَيفِ الدَولَةِ اليَومَ iiعاتِبا
فَداهُ الوَرى أَمضى السُيوفِ مَضارِبا
وَمالي إِذا ما اِشتَقتُ أَبصَرتُ iiدونَهُ
تَنائِفَ لا أَشتاقُها iiوَسَباسِبا
وَقَد كانَ يُدني مَجلِسي مِن iiسَمائِهِ
أُحادِثُ فيها بَدرَها iiوَالكَواكِبا
حَنانَيكَ مَسؤولاً وَلَبَّيكَ iiداعِياً
وَحَسبِيَ مَوهوباً وَحَسبُكَ iiواهِبا
أَهَذا جَزاءُ الصِدقِ إِن كُنتُ iiصادِقاً
أَهَذا جَزاءُ الكِذبِ إِن كُنتُ كاذِبا
وَإِن كانَ ذَنبي كُلَّ ذَنبٍ iiفَإِنَّهُ
مَحا الذَنبَ كُلَّ المَحوِ مَن جاءَ تائِبا
توجه المتنبي بعد خروجه من حلب إلى مصر حيث كافور الأخشيدي والذي عمل المتنبي على مدحه أملاً أن يحقق لنفسه مركزاً مرموقاً بعد تركه لسيف الدولة وكان يأمل أن يوليه كافور ولكن لم يحدث فتركه المتنبي وأخذ يهجوه، عاد بعد ذلك إلى الكوفة وزار بلاد فارس ومر بأرجان وقام فيها بمدح ابن العميد وكانت له معه مساجلات، ثم رحل إلي شيراز وقام بمدح عضد الدولة أبن بويه اليلمي.
وانتهت القصيدة
جاءت نهاية المتنبي في طريق عودته من شيراز إلى الكوفة حيث قتل المتنبي هو وولده محسد وغلامه بالنعمانية في الجانب الغربي من سواد بغداد وكان ذلك في عام 354ه – 965م.
ويقال عن هذه الحادثة أنه عندما كان عائد إلى الكوفة تعرض له فاتك بن أبي جهل الأسدي في الطريق ومعه جماعة من أصحابه ومع المتنبي جماعة أيضاً، فاقتتل الفريقان، فقتل المتنبي وابنه محسّد وغلامه مفلح، وفاتك هذا هو خال ضبة بن يزيد الأسدي العيني، الذي هجاه المتنبي بقصيدته البائية المعروفة، وهي من سقطات المتنبي.
وكان قد قال في هذه القصيدة
ما أَنصَفَ القَومُ iiضَبَّه
وَأُمَّهُ iiالطُرطُبَّه
رَمَوا بِرَأسِ iiأَبيهِ
وَباكَوا الأُمَّ iiغُلبَه
فَلا بِمَن ماتَ iiفَخرٌ
وَلا بِمَن نيكَ iiرَغبَه
وَإِنَّما قُلتُ ما iiقُلتُ
رَحمَةً لا iiمَحَبَّه
وَحيلَةً لَكَ iiحَتّى
عُذِرتَ لَو كُنتَ تيبَه
وَما عَلَيكَ مِنَ iiالقَتلِ
إِنَّما هِيَ iiضَربَه
وَما عَلَيكَ مِنَ iiالغَدرِ
إِنَّما هُوَ iiسُبَّه
وَما عَلَيكَ مِنَ iiالعارِ
إِنَّ أُمَّكَ iiقَحبَه
وَما يَشُقُّ عَلى الكَلبِ
أَن يَكونَ اِبنَ iiكَلبَه

ومما قاله في سيف الدولة

وأحر قَلباهُ مِمَّن قَلبُهُ iiشَبِمُ
وَمَن بِجِسمي وَحالي عِندَهُ iiسَقَمُ
مالي أُكَتِّمُ حُبّاً قَد بَرى جَسَدي
وَتَدَّعي حُبَّ سَيفِ الدَولَةِ iiالأُمَمُ
إِن كانَ يَجمَعُنا حُبٌّ iiلِغُرَّتِهِ
فَلَيتَ أَنّا بِقَدرِ الحُبِّ iiنَقتَسِمُ
قَد زُرتُهُ وَسُيوفُ الهِندِ مُغمَدَتٌ
وَقَد نَظَرتُ إِلَيهِ وَالسُيوفُ iiدَمُ
فَكانَ أَحسَنَ خَلقِ اللَهِ iiكُلِّهِمِ
وَكانَ أَحسَنَ مافي الأَحسَنِ iiالشِيَمُ
فَوتُ العَدُوِّ الَّذي يَمَّمتَهُ ظَفَرٌ
في طَيِّهِ أَسَفٌ في طَيِّهِ iiنِعَمُ
قَد نابَ عَنكَ شَديدُ الخَوفِ وَاِصطَنَعَت
لَكَ المَهابَةُ مالا تَصنَعُ iiالبُهَمُ
أَلزَمتَ نَفسَكَ شَيئاً لَيسَ iiيَلزَمُها
أَن لا يُوارِيَهُم أَرضٌ وَلا iiعَلَمُ
أَكُلَّما رُمتَ جَيشاً فَاِنثَنى iiهَرَباً
تَصَرَّفَت بِكَ في آثارِهِ iiالهِمَمُ
عَلَيكَ هَزمُهُمُ في كُلِّ iiمُعتَرَكٍ
وَما عَلَيكَ بِهِم عارٌ إِذا iiاِنهَزَموا
أَما تَرى ظَفَراً حُلواً سِوى iiظَفَرٍ
تَصافَحَت فيهِ بيضُ الهِندِ وَاللِمَمُ
يا أَعدَلَ الناسِ إِلّا في iiمُعامَلَتي
فيكَ الخِصامُ وَأَنتَ الخَصمُ iiوَالحَكَمُ
أُعيذُها نَظَراتٍ مِنكَ صادِقَةً
أَن تَحسَبَ الشَحمَ فيمَن شَحمُهُ iiوَرَمُ
وَما اِنتِفاعُ أَخي الدُنيا بِناظِرِهِ
إِذا اِستَوَت عِندَهُ الأَنوارُ iiوَالظُلَمُ
أَنا الَّذي نَظَرَ الأَعمى إِلى iiأَدَبي
وَأَسمَعَت كَلِماتي مَن بِهِ iiصَمَمُ
أَنامُ مِلءَ جُفوني عَن iiشَوارِدِها
وَيَسهَرُ الخَلقُ جَرّاها iiوَيَختَصِمُ

عدد الشعراء

عدد الشعراء وعدد القصائد مع عدد الابيات عبر العصور التاريخية من القرن الثالث الميلادي والى القرن العشرين

المصدر : جمعت من الموسوعة الشعرية ، المجمع الثقافي العربي ، الامارات.

قصيدة منسوبة للامام علي

المرء يُعرَف بالأنام بفعله /–/ و خصائلُ المرء الكريم كأصله

اصبرْ على حلو الزمان و مره /–/واعلم بأن الله بالغ أمره


لا تستغبْ فتُستَغاب ، وربما /–/ من قال شيئا ً قيل فيه بمثله


و تجنب الفحشاء لا تنطق بها /–/ ما دمت في جد الكلام وهزله


و إذا الصديق أسى عليكَ بجهله /–/ فاصفح لأجل الود ليس لأجله


كم عالم متفضل ، قد سبَّه /–/ من لا يساوي غرزةً في نعله


في الجو مكتوب ٌ على صحف الهوى /–/ من يعمل المعروف يجزى بمثله

البر تعلو فوقه جيفُ الفلا /–/ و الدّر مطموراً بأسفل رمله

وأعجب لعصفور يزاحم باشقاً /–/ إلا لطيشته ، و خفة عقله


إياك تجني سكرا ًمن حنظل ٍ /–/ فالشيء يرجع بالمذاق لأصله

جرير


هو أبو حرزة جرير بن عطية بن حذيفة بن بدر بن سلمة بن عوف بن كليب بن يربوع التميمي ، اليربوعي ، الخطفي ، واُمه حقه بنت معيد الكلبية .
من فحول شعراء العرب ، وأشعر اهل عصره ، وأغزل الناس شعراً ، وكان هجاء مرا ، وكان بينه وبين الفرزدق الشاعر عداء ومهاجاة ونقائض مشهورة .

ولد باليمامة سنة 28هـ ، ونشأ بها في جو يسوده البؤس والشقاء .

نظم الشعر من صباه ، وكان شديداً التعصب للاسلام ، لا يشرب الخمر ولا يحضر مجالس القيان واللهو واللعب ، وكان أعق الناس بأبيه .

كان هو والفرزدق والأخطل يتنازعون امارة الشعر في العصر الاموي ، فعاش يناضلهم ويساجلهم .

مدح بعض ملوك بني امية وعمالهم كعبدالملك بن مروان والحجاج بن يوسف الثقفي وعمر بن عبدالعزيز وغيرهم ، فنال جوائزهم وعطاياهم ، وله (ديوان شعر) .

كانت أغراضُ الشعر عند العرب أربعة : فخر ومديح وهجاء ونسيب ، وقد فاق أقرانه فيها جميعا ، ففي الفخر قال :

اذا غضبت عليك بنو تميم***حسبت الناس كلَّهم غضابا
وفي المدح قال :

ألستم خير من ركب المطايا***وأندى العالمين بطون راح
وقال في الهجاء :

فغض الطرف انك من كليب***فلا كعباً بلغت ولا كلابا
وله في النسيب :

ان العيون التي في طرفها حور***قتلننا ثم لم يحيين قتلانا
يصرعن ذا اللُّب حتى لاحراك به***وهُنَّ أضعف خلق الله انسانا
توفي باليمامة سنة 110هـ ، وقيل سنة 111هـ ، وقيل سنة 114هـ بعد ان عاش نيِّفاً وثمانين سنة .