في مثل هذا اليوم رحل الشيخ إمام.1995

رحيل الشيخ إمام محمد أحمد عيسى

في مثل هذا اليوم رحل الشيخ إمام.
ولد في قرية أبو النمرس بمحافظة الجيزة لأسرة فقيرة وكان أول من يعيش لها من الذكور حيث مات منهم قبله سبعة ثم تلاه أخ وأخت. 
أصيب في السنة الأولى من عمره بالرمد الحبيبي وفقد بصره بسبب الجهل واستعمال الوصفات البلدية في علاج عينه فقضى إمام طفولته في حفظ القرآن الكريم وكانت له ذاكرة قوية.
كان والده يحلم أن يكون ابنه شيخاً كبيراً لكنه كان قاسياً في معاملته أما والدته فكانت النبع الذي ارتوى منه إمام بالحنان في طفولته وعوضه فقد بصره وكانت معايرة الأطفال لابنها بالعمى تدفعها للبكاء.
لازم إمام حب الاستماع للشيخ محمد رفعت وكان الاستماع للإذاعة من ممنوعات الجمعية لكونه بدعة مع أنه كان يستمع للقرآن إلا أن الجمعية قررت فصله بالإجماع.
تعلم العزف على العود على يد كامل الحمصاني وبدأ الشيخ إمام يفكر في التلحين حتى إنه ألف كلمات ولحنها وبدأ يبتعد عن قراءة القرآن وتحول لمغن واستبدل ملابسه الأزهرية بملابس مدنية.
كغيره من المصريين زلزلت هزيمة حرب يونيو 1967 إمام وسادت نغمة السخرية والانهزامية بعض أغانيها مثل: “الحمد لله خبطنا تحت بطاطنا – يا محلى رجعة ظباطنا من خط النار” و”يعيش أهل بلدى وبينهم مفيش – تعارف يخلى التحالف يعيش” و”وقعت م الجوع ومن الراحة – البقرة السمرا النطاحة” وسرعان ما اختفت هذه النغمة الساخرة الانهزامية وحلت مكانها نغمة أخرى مليئة بالصحوة والاعتزاز بمصر مثل “مصر يا امة يا بهية – يا ام طرحة وجلابية”.
انتشرت قصائد نجم التي لحنها وغناها الشيخ إمام كالنار في الهشيم داخل وخارج مصر فكثر عليها الكلام واختلف حولها الناس بين مؤيدين ومعارضين في البداية استوعبت الدولة الشيخ وفرقته وسمحت بتنظيم حفل في نقابة الصحفيين وفتحت لهم أبواب الإذاعة والتليفزيون.
لكن سرعان ما انقلب الحال بعد هجوم الشيخ إمام في أغانيه على الأحكام التي برئت المسئولون عن هزيمة 1967 فتم القبض عليه هو ونجم ليحاكما بتهمة تعاطي الحشيش سنة 1969 ولكن القاضي أطلق سراحهما لكن الأمن ظل يلاحقهما ويسجل أغانيهم حتى حكم عليهما بالسجن المؤبد ليكون الشيخ أول سجين بسبب الغناء في تاريخ الثقافة العربية.
قضى الشيخ إمام ونجم الفترة من هزيمة يوليو حتى نصر أكتوبر يتنقلوا من سجن إلى آخر ومن معتقل إلى آخر ومن قضية إلى أخرى حتى أفرج عنهم بعد اغتيال الرئيس الراحل أنور السادات.
وفى منتصف التسعينات آثر الشيخ إمام الذي جاوز السبعين العزلة والاعتكاف في حجرته المتواضعة بحي الغورية ولم يعد يظهر في الكثير من المناسبات كالسابق حتى توفي في هدوء في 7 يونيو 1995 تاركاً وراءه أعمالاً فنية نادرة.

شيخ الأزهر: لا نستطيع تكفير جماعة “داعش” لأن أفرادها يؤمنون بالله

شيخ الأزهر: لا نستطيع تكفير جماعة "داعش" لأن أفرادها يؤمنون بالله

ابن البيطار

نعود لكم من جديد في سلسلة “علماء الأمة” وهي سلسلة أسبوعية أطلقناها لنتحدث وإياكم عن أعظم من نهل من العلم وردَّ لهذا العالم بعضاً مما فتح الله به عليه، فتاريخنا وحاضرنا يزخر بمن يستحقوا أن نتذكرهم ونتحدث عن عظمة إنجازاتهم.

 

 

هو ضياء الدين أبو محمد عبدالله بن أحمد المالقي، ولقب بالمالقي لأنه ولد في قرية “بن المدينة” التي تقع في مدينة مالقة في الأندلس. اشتهر بابن البيطار لأن والده كان طبيباً بيطرياً ماهراً. ولد ابن البيطار حوالي عام 1197 ميلادي وتوفي عام 1248 ميلادي في دمشق، ويعتبر ابن البيطار خبيراً في علم النبات والصيدلة، وأعظم عالم نباتي ظهر في القرون الوسطى، وساهم إسهامات عظيمة في مجالات الصيدلة والطب.

 

في صغره أحبّ قضاء وقته في الغابة المجاورة لقريته، فترسَّخ في نفسه منذ الصغر حب الطبيعة، وزاد تقديره لها، فكانت مراقبة ابن البيطار للتنوّع النباتي والحيواني وراء حُبّه لعلم النباتات؛ فكانت الغابة بمثابة أول مدرسة له في علم النبات.

 

تتلمذ ابن البيطار على يد الشيخ الأندلسي أبو العباس النباتي بن الرومية الإشبيلي، الذي كان يجمع النباتات والأعشاب في منطقة إشبيلية وعبدالله بن صالح وأبي الحجاج. وفاق ابن البيطار أستاذه في العلم، بل امتاز في أبحاثه العلمية والتجريبية والتطبيقية على باقي عشَّابي زمانه. وجمع ابن البيطار بين عبقرية علمية فذَّة، وأخلاق فريدة رائعة قلّما تُوجَدُ فِي غَيره، وهذا ما شهد به كل من خالطه وعايشه، ومنهم ابن أبي أصبعة الذي قال: “رأيتُ من حُسنِ عشرته، وكمال مروءته، وطيب أعراقه، وجودة أخلاقه ودرايته، وكرم نفسه، ما يفوق الوصف ويتعجب منه”.

 

كانت نفس ابن البيطار توَّاقة للعلم دائمًا، فرحل في بداية العشرينيات من عمره لطلبه، متحمِّلاً المشاقَّ في سبيل ذلك؛ حيث جاب بلاد اليونان والروم والمغرب، ومَرَّاكش والجزائر وتونس، ثم تابع جولاته منتقِّلاً إلى آسيا الصغرى مارًّا بأنطاكية، ومنها إلى سوريا، ثم إلى الحجاز وغزَّة والقدس وبيروت ومصر، وقد اجتمع مع علماء تلك البلاد فتدارس معهم أنواع النبات، وخواصَّه وفوائده، ولم يكتفِ بقراءة الكتب والمصنَّفات، فكان يدرس النبات في منابته، بل ويدرس الأرض التي تُنْبِته، وعن ذلك يقول ابن أبي أصبعة: “شاهدت معه في ظاهر دمشق كثيرًا من النبات في مواضعه” . ثم استقر ابن البيطار في مصر في عهد الملك الكامل، حيث عيّنه رئيساً للعشّابين، واعتمد عليه الكامل في الأدوية المفردة والنبات، وبعد وفاته خدم الملك الصالح نجم الدين أيوب، فكان حظيّاً عنده متقدماً في أيامه.

 

لم يبدع ابن البيطار من لاشيء، بل اعتمد على من سبقه من علماء النبات والصيدلة وقرأ كتبهم، وفنّد آراءهم بناءً على تجارب ومشاهداتٍ قام بها بنفسه، واطّلع على كل ما تُرجِم من كتب اليونانيين وعلوم الأوائل من غير العرب، وقد ساعده على ذلك معرفته بعدد من اللغات كالفارسية واليونانية. ولم يكتفِ ابن البيطار بذلك، بل واطّلع على كل ما كتبه علماء المسلمين في هذا المجال، فدرس ما كتبه ابن سينا والإدريسي وابن العباس النباتي دراسة مستفيضة حتى أتقنها تماماً، وشرح النقاط الغامضة فيها، ورغم إفادته من مؤلفات السابقين، إلا أنها كانت موضع تصحيحاته، ونقده في كثير من الأحيان.

كان يقول ابن البيطار دائماً: “إنّ أعمال القدماء غير كافية وغامضة من أجل تقديمها للطلاب، لذلك يجب أن تصحّح وتكمّل حتى يستفيدوا منها أكثر ما يمكن”.

 

قد بيَّن ابن البيطار في كتابه (الجامع في الأدوية المفردة) أغراضَه من تأليف هذا الكتاب، ومنها يتجلَّى أسلوبُهُ في البحث، وأمانته العلميَّة عند النقل، واستناده على التجربة كمعيار لصحَّة الأحكام، ثم بيَّن غرضه من تأليف هذا الكتاب فقال: “استيعاب القول في الأدوية المفردة، والأغذية المستعملة على الدوام والاستمرار عند الاحتياج إليها في ليل كان أو نهار، مضافًا إلى ذلك ذكر ما ينتفع به الناس من شعار ودثار، واستوعبت فيه جميع ما في الخمس مقالات من كتاب الأفضل ديسقوريدوس بنصِّه، وكذا فعلت أيضًا بجميع ما أورده الفاضل جالينوس في الستِّ مقالات من مفرداته بنصه، ثم ألحقتُ بقولهما من أقوال المُحْدَثِين في الأدوية النباتية والمعدنية والحيوانية ما لم يذكراه، ووصفت فيها عن ثقات المُحْدَثِين وعلماء النباتيين ما لم يصفاه، وأسندتُ في جميع ذلك الأقوالَ إلى قائلها، وعَرَّفْتُ طُرُقَ النقل فيها بذكر ناقلها، واختصصتُ بما تمَّ لي به الاستبداد، وصحَّ لي القول فيه ووضح عندي عليه الاعتماد” .

 

كما رتَّب ابن البيطار مفردات كتابه ترتيبًا أبجديًّا، مع ذكر أسمائها باللغات المتداوَلَة في موطنها، ويقول (جورج سارتون) عن هذا الكتاب: “وقد رتَّب ابن البيطار مؤلَّفَه (الجامع في الأدوية المفردة) ترتيبًا يستند على الحروف الأبجديَّة؛ لِيَسْهُلَ تناوله، وقد سرد أسماء الأدوية لسائر اللغات المختلفة، واعتمد علماء أوربا على هذا المؤلَّف حتى عصر النهضة الأوربية” . كما دوَّن ابن البيطار أيضًا الأماكن التي يَنْبُتُ فيها الدواء، ومنافعه وتجاربه الشهيرة، وكان يُقَيِّد ما كان يجب تقييده منها بالضبط والشكل والنقط تقييدًا يضبط نُطْقَهَا؛ حتى لا يقع الخطأ أو التحريف عند الذين ينسخون أو يطَّلعون عليه؛ وذلك لأهمِّيَّة الدواء وتأثير الخطأ على حياة الناس. وقد احتوى كتاب ابن البيطار على شروح مفصَّلة لعدد كبير من الأدوية؛ بلغ 1400 دواء بين نباتي وحيواني ومعدني، ومنها 300 دواء جديد من ابتكاره الخاصِّ، معتمِدًا على مؤلَّفاتٍ أكثر من مائة وخمسين كتابًا؛ بينها عشرون كتابًا يونانيًّا، وقد بيَّن الخواصَّ والفوائد الطبِّيَّة لجميع هذه العقاقير، وكيفية استعمالاتها كأدوية أو كأغذية.

 

وقد تُرْجِمَ (الجامع لمفردات الأدوية والأغذية) إلى عدَّة لغات، وكان يُدَرَّس في معظم الجامعات الأوربية حتى عهود متأخِّرة، وطُبِعَ بِعِدَّة لغات وبِعِدَّة طبعات، وفي اللغة العربية طُبع عام (1874م) بمصر في أربعة أجزاء، ونشرته دار صادر في بيروت عام (1980م) في مجلَّدين، ويوجد العديد من المخطوطات لهذا الكتاب مُوَزَّعة في عدد من مكتبات العالم ومتاحفه.

وهناك كتاب آخر يُعَدُّ من إبداعات ابن البيطار العلمية، ألا وهو كتابه: (المغني في الأدوية المفردة)، الذي قسمه إلى عشرين فصلاً؛ يحتوي على بحث الأدوية التي لا يستطيع الطبيب الاستغناء عنها، ورتَّبت فيه الأدوية التي تُعَالِجُ كل عضو من أعضاء الجسد ترتيبًا مبسَّطًا، وبطريقة مختصرة ومفيدة للأطباء ولطلاب الطبِّ.

 

وقد اتَّسم أسلوب ابن البيطار العلمي بالنزعة النقدية، مع التزامه الكامل بالموضوعية والنزاهة العلمية، ويتَّضح ذلك من خلال مناقشته لآراء السابقين عليه من العلماء والأطباء والعشَّابين، فلقد نقدهم في عدَّة أمور، وكان نقده بَنَّاءً؛ فهو يرفض الآراء التي يَثْبُتُ أن ناقلها قد انحرف عن سواء السبيل ومنهج العلماء السليم، أو لأنها لم تَثْبُتُ أمام مقاييسه العلمية التي يعتمد عليها، وهو لا يكتفي برفضها، بل إنه يتجاوز الرفض إلى توجيه النقد الشديد إلى الناقل أو القائل؛ لأنه افترى على الحقِّ.

وفي علاج السرطان، اكتشف ابن البيطار أحد أوائل الأدوية العشبية المداوية للسرطان وهي عشبة “الهندباء”. وهي نبتة أثبتت نجاحها لامتلاكها خصائص مضادة للسرطان وعلاج الأورام الخبيثة، وقد أثبتت فائدتها ونجاحها في العلاج. وكان من أوائل علماء العرب الذين تحدثوا عن “نبات الدرياس” السمي …و بدأت المعامل البحثية الأمريكية فى إعداد اختبارات لإستخدام هذه “المادة السامة” كعلاج فعال للأورام .

(نبتة الهندباء)

 

لقد شهد العديد من علماء الغرب بعبقرية ابن البيطار العلمية؛ حيث تقول المستشرقة الألمانية زيجريد هونكه: “إن ابن البيطار من أعظم عباقرة العرب في علم النبات؛ فقد حوى كتابه: (الجامع) كل علوم عصره، وكان تحفة رائعة تنمُّ عن عقل علمي حيٍّ؛ إذ لم يكتفِ بتمحيص ودَرْس وتدقيق 150 مرجعًا من سالفيه -الذين اعتمد عليهم في بحوثه- بل انطلق يجوب العالم بحثًا عن النباتات الطبية؛ فيراها بنفسه ويتيقَّن منها، ويُجْرِي تجارِبه عليها، إلى أن وصل به الأمر ليبتكر 300 دواءٍ جديدٍ من أصل 1400 دواء التي تضمَّنها كتابه، مع ذكر أسمائها، وطرق استعمالها، وما قد ينوب عنها؛ كل هذا عبارة عن شواهد تُعَرِّفُنا تمامًا كيف كان يعمل رأس هذا الرجل العبقري” .

كما يصفه المستشرق ماكس مايرهوف فيقول: “إنه أعظم كاتب عربي خُلِّد في علم النبات” ، ويعترف جورج سارتون بقيمة كتابه (الجامع في الأدوية المفردة) قائلاً: “إنه خير ما أُلِّف في هذا الموضوع في القرون الوسطى، بل إنه لأضخم نتاج من نوعه منذ ديسقوريدس حتى منتصف القرن السادس عشر” .

 

توفي ابن البيطار في دمشق بسوريا سنة 1248 وهو في التاسعة والأربعين من عمره وهو يقوم بأبحاثه وتجاربه على النباتات، وتسرب إليه السم أثناء اختباره لنبتة حاول صنع دواء منها.