في رحاب العالم عبد الجبار عبد الله

كتب عبد الرزاق عبد الواحد قصيدة في رحاب العالم عبد الجبار عبد الله ، في ذكرى رحيله ؛ و اليكم مقاطع من تلك القصيدة :

هذا اوانك لا اواني ورهان مجدك لا رهاني

وصداك انت المالئ الدنيا فما جدوى بياني ؟

مرماك اوسع من يدي وثراك ابلغ من لساني

وسناك ابعد في المروءة ان اراه ، وان يراني 

وحضورك الباقي ….. وكل حضور من ولدوك فاني

يامن له كل المكان وليس يملك من مكان

يا ايها القديس يحمل صمته حمل الاذان

وتدورعمق الكون انجمه ….. ونحسبها دواني

واقول قد القاك … قد يرضى زمانك عن زماني

فأراك … ألمح مقلتيك على كتابك تحلمان

وارى لجسمك وهو مثل الطيف .. يعبر في ثواني

فأحس كل مروءة الدنيا تغلغل في كياني

واحس ضوءك وهو يملؤني ، ويمسح من دخاني

ويعيد لي صفوي …… ويمنحني شجاعة ان اعاني

قالوا.. وانت تموت… كانت مقلتاك ترفرفان

كحمامتين غريقتين عن العمارة تبحثان

وبقيت حتى اخر الانفاس تلهج في حنان

لو نسمة هبت بقلعة صالح لك بالامان

لو نهرها ناداك آخر مرة ……… والشاطئان

لو طوّقاك فنمت في حضينيهما والفجر داني

فترى الى شمس العراق ومقلتاك تحدّران

مشبوبة هي في المياه وانت مشبوب المحاني

عبد الجبار عبد الله

في مئوية العالم العراقي الدكتورعبد الجبار عبد الله وقفة وفاء وتذكير – داود أمين

في بادرة ليست غريبة ولا مفاجئة على ( الجمعية الثقافية المندائية في لوند ) التي عودت جمهورها العراقي والعربي والسويدي، وطوال حوالي عقدين منذ تأسيسها، على تقديم مختلف النشاطات الفنية والأدبية والسياسية والإجتماعية، يُحتفل في التاسع والعشرين والثلاثين من نيسان الحالي، بمئوية العالم العراقي الكبير، الدكتور عبد الجبار عبد الله، والجمعية إذ تبادر لهذا الإحتفال فهي لا تكرم وتحيي ذكرى رجل ينتمي لطائفتها المندائية الأصيلة، وهو حق وشرف لها وللمندائيين جميعاً، بل تواصل نهجها الوطني الثابت والمعروف من قبل جميع القريبين منها، في تكريم المبدعين  العراقيين، بغض النظر عن إنتماءاتهم العرقية والدينية والطائفية، فقد سبق للجمعية الثقافية المندائية أن كرمت الشعراء سعدي يوسف ومحمد سعيد الصكار، وإستضافت عريان السيد خلف ومظفر النواب وفوزي كريم، وفؤاد سالم وكمال السيد وقحطان العطار وطالب غالي وناهدة الرماح وزينب وخليل شوقي وعزيز سباهي والدكتور كاظم حبيب والعشرات غيرهم، كما أصدرت خمسة عشر عدداً من مجلة ثقافية منوعة هي { المندائي الجديد }، وأصدرت ثلاثة كتيبات علمية وثقافية، وللجمعية موقع إلكتروني خاص، كما أقامت ألجمعية عشرات الندوات الأدبية والفنية، والمحاضرات والعروض المسرحية والمعارض التشكيلية والحفلات، لذلك فإن إلتفاتتها الذكية في إحياء الذكرى المئوية لميلاد الدكتور عبد الجبار عبد الله، هي إستمرار لنفس النهج الوطني المُمتحن منذ حوالي   عقدين من السنين، والجمعية بفعلها الوطني هذا، وبإمكانياتها المتواضعة، تُلفت الإنتباه لعجز وتقصير الكثير من الجهات الحكومية، التي كان يفترض أن تنبري هي لهذه المهمة الوطنية النبيلة، ومن بين تلك الجهات التي يفترض أن تكون معنية بهذا الموضوع، وزارة التعليم العالي، ووزارة العلوم والتكنلوجيا، ومجلس محافظة ميسان، مسقط رأس العالم الكبير، وجامعة بغداد، بإعتبار الفقيد كان ثاني رئيس للجامعة، ولأكثر من أربع سنوات، وكذلك نقابة الصحفيين، بإعتبار الدكتور عبد الله كان كاتباً وسكرتيراً لتحرير مجلة ( الرابطة )، وأيضاً جهات علمية وأكاديمية عراقية كثيرة، كان ينبغي أن تبادر لفعل ما تفعله جمعية عراقية، متواضعة الإمكانيات، وتعيش في الغربة.

من هو عبد الجبار عبد الله الذي نحتفي بمئويته؟

عشرات آلاف فقط، هم من تبقى في العراق والعالم، من الصابئة المندائيين، الذين كانوا أول سكنة العراق وأول الموحدين، وقد تميز هؤلاء العراقيون الأصلاء بالطيبة والسلام والنظافة والبياض، وعاشوا بجوار الأنهار، يصنعون الزوارق والمشاحيف، وينقشون الذهب والفضة ويجيدون الشعر والغناء، لذلك ليس غريباً أن يكون (طور الصبي) واحداً من أعذب أطوار الغناء في جنوب العراق، كما كانت واحدة من شاعرات العراق الكبيرات وهي ( لميعة عباس عمارة )، وكذلك الشاعر العراقي الكبير ( عبد الرزاق عبد الواحد ) وبغض النظر عن موقفنا السياسي منه، من هذه الطائفة، كما قدمت هذه الطائفة الصغيرة العشرات من الشهداء الوطنيين الأبطال، وفي مختلف العهود والحكومات، ومن بينهم ستار خضير وصبيح سباهي وعميدة عذيبي وصبار وجبار نعيم وأبو فكرت وغيرهم.

وبحكم طقوس دين هذه الطائفة المرتبط بالماء، فقد تركز تواجدهم في جنوب العراق، في محافظات العمارة والبصرة والناصرية، وفي أوائل القرن العشرين كان الشيخ عبد الله، الساكن في مدينة قلعة صالح، احد أقضية لواء العمارة حينذاك، كان هذا الشيخ، قد ورث عن والده، موقع الرئيس الروحي الأعلى للطائفة المندائية في العراق والعالم، وكان والده هو أيضاً قد ورثها عن أبيه، لكن الأبن البكر للشيخ الجليل عبد الله، لم يسر على طريق والده، ولم يحلم أن يرث الموقع الروحي الأول للطائفة، الذي ظل أجيالاً في العائلة، فعبد الجبار، الذي ولد عام 1911 ، إتجه نحو العلم، وإنغمر في ثنايا فروع جديدة ومبتكرة منه، رغم عدم إهماله لطقوس وتراث وعادات وتأريخ طائفته، فالطفل الذي تفوق في دراسته الإبتدائية، في مدينته الجنوبية البعيدة، أوائل العقد الثاني من القرن العشرين، لفت الإنتباه اليه بوضوح في دراسته الثانوية، التي أنهاها عام 1930  في العاصمة بغداد، مما دعا الحكومة لإرساله في بعثة دراسية إلى الجامعة الأمريكية في بيروت، لينال شهادة البكالوريوس في العلوم عام 1934، وهنا في بيروت نشط الطالب الهاديء والذكي والواسع العلاقات، في تشكيل أول جمعية طلابية عراقية خارج الوطن، بالتعاون مع عبد الفتاح إبراهيم ومحمد حديد وعلي حيدر سليمان وغيرهم، وكان بالإضافة لتفوقه العلمي المعروف، مهتماً بالأدب والشعر بشكل خاص، فكان المتنبي والبحتري وأبو نؤاس والمعري وشعراء الجاهلية والجواهري في مركز إهتماماته الأدبية، كما درس التأريخ، والإسلامي منه بشكل خاص، لذلك لم يكن غريباً أن تُنشر مقالاته في مجلة ( التفيض ) وأن يكون سكرتيراً لتحرير مجلة ( الرابطة ) التي تصدر عن جمعية الرابطة الثقافية، التي ضمت وجوهاً عراقية مرموقة ومتنوعة المذاهب والإتجاهات الفكرية والسياسية، ومن بينهم عبد الفتاح إبراهيم وحسين جميل ومحمد حديد وطه باقر وكوركيس عواد وفاضل حسين، وخدوري خدوري ومخلف العبيدي وجمال عمر نظمي وحازم نامق وجميل عبد الله وناظم الزهاوي وكامل قزانجي وعبد القادر إسماعيل وغيرهم.

ولتفوقه العلمي أرسل عام 1944 للولايات المتحدة ليدرس في ارقى معاهدها { معهد مساتشوست للتكنلوجيا } لينال منه عام 1946 شهادة الدكتوراه في العلوم الطبيعية ( الفيزياء )، وكان إختصاصه الدقيق في الأنواء الحركية، أي العلم الذي يفسر ما يجري من ظواهر جوهرية في الغلاف الجوي الأرضي، من خلال تطبيق النظريات الفيزيائية عليها، وبعد عودته للعراق عين أستاذاً ورئيساً لقسم الفيزياء في دار المعلمين العالية في بغداد، ثم رشح أستاذاً باحثاً في جامعة نيويورك، وفي عام 1958 أصبح أميناً عاماً لجامعة بغداد ، ليتولى عام 1959 ، وبموجب مرسوم جمهوري رئاستها حتى إنقلاب شباط عام 1963، وهنا، أي في موقعه في رئاسة الجامعة، تتكشف السمات الشخصية للمربي والإداري المتميز عبد الجبار عبد الله، الذي كان يؤمن بإبداع الإنسان لخير ورفاهية المجتمع، ولم يكن منتمياً لأي حزب سياسي، بل كان ديمقراطي التوجه، وتقدمي التفكير، لذلك حرص على إبعاد الجامعة عن الصراعات الحزبية والسياسية المستفحلة في وقته، وآمن بدور العلم وإستقلالية الجامعة، لذلك كان حقد إنقلابيي البعث في شباط الأسود كبيراً عليه، فالطلبة الفاشلون الذين كانت تزدحم بهم معسكرات الحرس القومي، وجدوا في نُبل وإستقلالية ونزاهة الدكتور عبد الجبار، نقيضاً لنهجهم الإرهابي الدموي، ولفكرهم القوموي والعنصري المتطرف، فأساءوا للقامة العلمية السامقة للعالم الجليل، ووجهوا له الإهانات والضرب والتعذيب، وحشروه في زنازين تعذيبهم البائسة، رغم أنه كان مستقلاً وغير محسوب على أحد!

وبعد خروجه من السجن وفصله من وظيفته، غادر الدكتور عبد الجبار مضطراً وحزيناً وطنه العراق، ليقيم في الولايات المتحدة الأمريكية حتى وفاته فيها، في التاسع من تموز عام 1969، حيث شغل هناك منصب أستاذ العلوم الجوية في جامعة نيويورك، مختصاً في علم ( الأنواء الجوية الديناميكي )، وإستطاع إدخال تخصص جديد في علوم الجو، يعرف الأن ب( علم الميزوميترولوجيا ) والذي أصبح فرعاً مهماً في علم الأنواء الجوية، كما كتب الدكتور عبد الجبار خلال حياته القصيرة نسبياً، أكثر من ثلاثين بحثاً علمياً في الأعاصير والزوابع وفيزياء الضباب والسحب، وكل ما له علاقة بهذا الميدان، وترجم خمسة كتب في الفيزياء وعلم الأنواء الجوية إلى العربية.

إن فعالية ( الجمعية الثقافية المندائية في لوند ) في إحياء مئوية هذا العَلَم العراقي الخافق في سماء العِلمِ والمعرفة، وبهذه المشاركة المتميزة لنخبة من الأساتذة والباحثين والفنانين والأدباء، تتلاحم مع مبادرات ( بيت المدى للثقافة والفنون ) التي إحتفت في الرابع عشر من كانون الثاني الماضي، في شارع المتنبي بالعالم الكبير، وكذلك تتلاحم مع الكتابين اللذين صدرا للدكتور إبراهيم الخميسي والدكتور ستار نوري العبودي عن حياة ومواقف وإنجازات الفقيد الكبير، والفلم الذي أنتج عنه، كما تتلاحم هذه المبادرة مع الدعوة التي وجهها ( مركز الإتصالات الإعلامية للحزب الشيوعي العراقي ) للحكومة العراقية، لإطلاق إسم العالم العراقي الكبير على أحد شوارع بغداد، وإحدى قاعات جامعاتها، وإستجابة السيد رئيس الوزراء لهذه الدعوة، وهي بادرة إيجابية ومشكورة، لكن يظل الأمل يحدونا لطرح مقترحات أخرى تتعلق ببحوث وإنجازات ومؤلفات هذا العالم الكبير، والتي يفترض أن يتعرف عليها الجيل الجديد، من خلال طبعها بعد تجميعها في كتب شعبية رخيصة الثمن، ووضعها ضمن المناهج العلمية للجامعات العراقية المتخصصة، وتنظيم مؤتمرات علمية حولها، ومن المهم أيضاً تأسيس متحف إفتراضي ألكتروني، يضم هذه الأبحاث والكتب التي ترجمها الفقيد، وصوره وحياته وما يقوله عنه أصدقاؤه وأبناؤه وزملاؤه وطلبته ومجايلوه، لكي يتسنى لكل المعنين سهولة الدخول اليه، كما يفترض في مسقط رأسه ومدينته قلعة صالح، أن تُشيد له تمثالاً يليق بالرجل الذي رأى النور تحت سمائها، وتلقى حروفه الأولى بين صفوف مدارسها، وأن تسمي أحد معاهدها أو مدارسها أو ساحاتها بإسمه، وهو شرف للمدينة، وتكريم لمكانتها وتأريخها، قبل أن يكون تكريماً للفقيد، الذي يستحقه بجدارة وإمتياز.