في رحاب العالم عبد الجبار عبد الله

كتب عبد الرزاق عبد الواحد قصيدة في رحاب العالم عبد الجبار عبد الله ، في ذكرى رحيله ؛ و اليكم مقاطع من تلك القصيدة :

هذا اوانك لا اواني ورهان مجدك لا رهاني

وصداك انت المالئ الدنيا فما جدوى بياني ؟

مرماك اوسع من يدي وثراك ابلغ من لساني

وسناك ابعد في المروءة ان اراه ، وان يراني 

وحضورك الباقي ….. وكل حضور من ولدوك فاني

يامن له كل المكان وليس يملك من مكان

يا ايها القديس يحمل صمته حمل الاذان

وتدورعمق الكون انجمه ….. ونحسبها دواني

واقول قد القاك … قد يرضى زمانك عن زماني

فأراك … ألمح مقلتيك على كتابك تحلمان

وارى لجسمك وهو مثل الطيف .. يعبر في ثواني

فأحس كل مروءة الدنيا تغلغل في كياني

واحس ضوءك وهو يملؤني ، ويمسح من دخاني

ويعيد لي صفوي …… ويمنحني شجاعة ان اعاني

قالوا.. وانت تموت… كانت مقلتاك ترفرفان

كحمامتين غريقتين عن العمارة تبحثان

وبقيت حتى اخر الانفاس تلهج في حنان

لو نسمة هبت بقلعة صالح لك بالامان

لو نهرها ناداك آخر مرة ……… والشاطئان

لو طوّقاك فنمت في حضينيهما والفجر داني

فترى الى شمس العراق ومقلتاك تحدّران

مشبوبة هي في المياه وانت مشبوب المحاني

عبد الكريم قاسم

{الـولادة والنشــــــــــــأة }
1- الانتماء العائلي والنسب؛
2- الولادة والصبا؛
3- المعلم.
{ كما يكون الإنسان.. تكون فلسفته}
فخته

1.3- الانتماء العائلي والنسب:

ينتمي عبد الكريم قاسم من حيث الأب (قاسم محمد البكر الزبيدي) إلى عائلة سنية المذهب، قحطانية النسب، قدمت من الجزيرة العربية، واستقرت في البدء في الأراضي الزراعية الممنوحة لها من قبل أحد السلاطين العثمانيين التي استقطعها إلى جدها السادس عبد الله، في منطقة المحصورة بين مدينتي الصويرة الواقعة على نهر دجلة وكربلاء على نهر الحسينية المتفرع من نهر الفرات، وذلك لإشرافه على أعمال شق النهر الأخير لإيصال المياه إلى مدينة كربلاء.[2]
و يمكن القول استنادا إلى شجرة العائلة: ” أن جدهم السادس عبد الله هاجر من اليمن إلى العراق. وبعد وفاته تولى استغلال الأراضي الممنوحة له، أبنه عبود ثم حفيده كاظم ثم أبن حفيده بكر، الذي ترك الاشتغال بالزراعة، وكذلك فعل محمد بن بكر الذي أنجب قاسم والد عبد الكريم…[3] “. ولد قاسم محمد البكر في مدينة الحلة عام 1870 في منطقة البكرلي[4].
كان الأب قاسم كبقية الرجال من العوام (البغداديين والمتبغددين) يرتدي الزي الشعبي الشائع آنذاك والمتكون من الدشداشة والصاية ويعتمر اليشماغ والعقال المقصب من النوع النجدي، الذي يدلل على انتماءه القبلي لعشائر قدمت من نجد. كان, كما هو معروف عنه, رجلاً متديناً، وكانت تنشئته الاجتماعية التي تشكل شخصيته متوافقة مع محيطها كأغلبية الناس.
لقد أمتهن قاسم بكر الزبيدي عديد من المهن لمواجهة الحياة ومصاعبها المادية: النجارة،الدباغة, بيع الحبوب، تجارة المفرق للمنتجات الزراعية في الصويرة وكان أخرها نجارة صنع الشناشيل, التي استمر يعمل فيها لحين وفاته. يتطلب هذا الصنف الأخير من العاملين فيه جملة من الصفات منها: تحمل المشاق، الصبر الطويل والأناة وقوة الملاحظة والانسجام في الشكل والذوق والدقة والصرامة في الإنجاز.. بمعنى ضرورة توفر بعض عناصر الوعي الجمالي وقوة الشخصية، لدى العاملين فيه تنسجم مع طبيعة متطلبات المهنة، مما يؤثر على تركيبتهم النفسية والسلوكية.
وتدلل القرائن على صعوبة حياته العملية المقترنة بالمشاق وعدم الثبات، انعكست في سلوكيته ومزاجه الشخصي وقد علمته في الوقت نفسه الصبر والتحمل، الصمت والحوار مع الذات.. كما كان قليل المعشر دون أن يكون إنطوائياً، بسيطاً دون تعال، دؤوب على العمل ولم تغره الحياة، حتى بعد أن تحسنت أحوال العائلة مادياً وتدرج أصغر أبناءه في السلم الاجتماعي حين أصبح ضابطاً كبيراً برتبة زعيم ركن.
يحمل هذا الموقف دلالته السلوكية/ الاجتماعية ويعكس نفسية الرجل ودرجة تواضعه في مجتمع يعطي للوجاهة أهمية كما كانت في المجتمع البغدادي, إذ بقى سلوكه ونمط حياته على وتيرة السابقة رغم الحراك الاجتماعي العمودي وتبدل الموقع الاجتماعي لأبنائه وأصهاره، حيث ” مضى عليه زمن دون أن يجالس أحد (في مقهى محلة العباسية في كرادة مريم– ع.ن) بل اعتاد التوجه يومياً إلى محلة المهدية والعودة منها مساءً بعربة خيل[5] “.

لقد أورث الأب كثير من هذه الصفات إلى الابن الأصغر الذي عاشره منذ الطفولة، في ورشة العمل بعد انتهاء الدراسة اليومية أو أثناء العطل المدرسية.
بقى الأب يسكن في محلة قنبر علي الفقيرة، منذ قدومه من الصويرة عام 1926 ولغاية 1948، حتى أستأجر أبنه المقدم الركن عبد الكريم قاسم داراً للعائلة في منطقة كرادة مريم، وبقى فيها لحين وفاته عام 1956، حيث دفن في مقبرة الشيخ معروف في كرخ بغداد.
لم تتوفر لنا مصادر, إلا نادرا ومن نمط الأدب الشفاهي فقط, عن طبيعة حياة الأب وعلاقاته ونمط تفكيره وتصوراته الحياتية، ومدى تأثره بالقيم الاجتماعية ودرجة تعصبه لها [6]. إذ كان واحداً من أبناء هذا الشعب الكادح ومن عائلة تنتمي إلى الفئة تحت الوسط من حيث الدخل، نظراً للمساعدة المادية المتأتية من بعض واردات الأرض الزراعية التي تمتلكها العائلة في الصويرة، بحيث أمنت لكافة أبناء الأسرة دخول المدارس بما فيهم البنات، وهذه حالة لم تكن شائعة آنذاك, ربما كان ذلك بتأثير من عم الأبناء الوحيد، وهو محمد علي البكر، الذي كان الضابط في الجيش العثماني.
في الوقت نفسه لم يحاول عبد الكريم قاسم تكوين صورة مبهرجة وهمية عن حياة أسرته وعن والده بصورة خاصة، كما يفعل أغلب زعماء المنطقة، وعلى الأخص أولئك المتأثرين بقيم البداوة والتفاخر بالنسب والأرومية القائمة على أساس رابطة الدم. وقد كان يردد القول المأثور للفيلسوف على ابن ابي طالب: (وقيمة كل أمرئ ما يحسنه), لذا لم يتكلم، سواءً قبل تسنمه المنصب الأول في الدولة أو بعدها، عن حياته العائلية والشخصية إلا لماماً، محددا أبعاد ظروفه الاجتماعية العامة دون التفاصيل، وذلك لأنه: من الجانب الذاتي المنطلق من تكريس حياته لتحقيق هدف التغيير الذي سعى إلى تحقيقه، نأى من التركيز على الجوانب الأنوية والفردية لذاته، كما لم يكن يرغب في تكوين كاريزما (الهالة الصمدانية) شخصية غير مؤسسة على أسس مادية حقيقية تستنبط من ذات قيم وأهمية التغيير المنوي تحقيقه. وكان ينطلق من المقولة العربية المشهور والمجسدة في البيت الشعري المنسوب للفيلسوف الامام علي بن أبي طالب:
أن الفتى من يقول ها آنذا ليس الفتى من يقول كان أبي
لذا لم يتكلم عن ذاته ولا عن عائلته, لأنه أراد أن يخوض لجج الحياة معتمداً على مواهبه وإمكانياته الشخصية وفضائله النفسية من نزاهة وعفة وإخلاص وغيرها من القيم الحضرية ومن كريم السجايا وحميد الخصال، لهذا نراه يأبى أن ينتسب إلى قبيلة ويعتز إلى أسرة. ولذا يمكن أن نطلق عليه كما قالت العرب : أنه نسيب وحسيب.[7]
أما من حيث الأم (1880- 9شباط 1953) .. فتنتمي والدته (كيفيه حسن يعقوب الساكني) إلى عائلة شيعية المذهب، تنتمي إلى عشيرة السواكن (السواجن) التي يرجع نسبها إلى عشيرة تميم العدنانية. نذكر هذه الحقيقة ونؤكد عليها لدحض الادعاءات الخاطئة التي روجتها كثير من القوى التي ناهضت الزعيم قاسم، عندما ادعت إن والدته من أصول غير عربية، نظراً لانتمائها المذهبي الشيعي.
لقد درج الكثير من كتاب التيار القومي ومن اليمنيين والطائفيين، على اعتبار إن الأغلبية العربية الشيعية هي غير عربية الانتماء والأصل. وعادة ما يقرنونهم بصفة الشعوبية[8]، انطلاقاً من هذا الموقف المتحيز مسبقا أطلقوا على الزعيم قاسم مفردة (شعوبي) بعد تجريده من انتمائه العربي.
لقد وقع العديد من الباحثين وخاصة الأجانب منهم، كالباحث الاكاديمي الجاد حنا بطاطو في ذات الخطأ، وذلك عندما نسب، بصورة مطلقة، والدة الزعيم قاسم إلى كونها (كردية فيلية)[9]. وقد سبقه في ذلك الباحث اليعازر بعيري عندما قال:” وطبقا لبعض المصادر فإن أمه من أصول كردية[10]”.
ويذهب إلى ذات الرأي أوريل دان، دون أن يحدد مصدره، عندما يقول: ” أن كُتاب السير الخصوم ينكرون عليه عروبته ويقولون أن أباه تركماني نجار وأمه كردية الأصل. إلا أن أوثق المصادر وأدق التحقيقات أثبتت إن والد قاسم هو من العرب السنة في حين أن والدي أمه فيليين، أي من الكرد الشيعة الذين هاجروا إلى بغداد بأعداد كبيرة من منطقة تقع وراء الحدود الإيرانية…[11] “.
إن تأكيدنا على أصل والدة الزعيم قاسم، لا يحمل في طيا ته انتقاصاً من الأثنيات الأخرى (الكرد الفيليين أوغيرهم) التي يتكون منها التكوين الاجتماعي العراقي، قدر ما هو إيضاح للحقيقة المعرفية في نسبها. وهذا ما يؤكده مجيد خدوري، رغم عدم موضوعيته من الزعيم قاسم وثورة 14 تموز، فيقول بشيء من الشك بأن والدة الزعيم: ” تنتمي إلى عائلة شيعية ترجع بنسبها إلى بني تميم, وهي قبيلة تنتمي إلى قبائل عدنان من جنوبي الجزيرة العربية. إلا أن قاسم، على الرغم من تأكيد نسبه العربي، حقيقة كان أم خيالاً، لم يفاخر بخلفيته العربية ولم يستغل مذهب العائلة لا سنياً ولا شيعياً. ووفرت له مناخاً غير مشوب بالتعصب العرقي والتزمت الديني الذي يتميز به أولئك الذين ينشأون في القسم الشمالي أو القسم الغربي من بغداد. أما نسبه العربي فكان موقع شك من قبل خصومه بسبب وقوفه بجانب الشيوعيين ضد الوحدويين، لكن هذا لا يعني إن دعاة الوحدة العربية الشاملة كانوا جميعاً عرباً اقحاحاً [12]” (التوكيد منا – ع.ن) .
كانت والدة عبد الكريم امرأة ” ممشوقة القامة باسقة، مستديرة الوجه، يميل لونها إلى الحمرة مع بياض شديد، وقد لفت شعر رأسها وعنقها بفوطة بيضاء … وكانت إذا تحدثت أسرعت فتتعثر الكلمات في فمها فتأخذ حالة من اللكنة المحببة. وقد منحت نفسها صلاحية التصدي لكل خارج على ما تراه صحيحاً.
كانت ذات مشاعر أم عراقية فياضة وذات دخل متأت من أبناءها… مما منحها فرصة لترجمة مشاعرها الطيبة إزاء أبناء المحلة. فكانت تدخل كل بيت وتتأمل ضروراته بإمعان. فإذا شعرت إن أولاد فلان لا يقيهم الغطاء شر البرد، أخذت طريقها إلى المهدية وعادت بلحاف. وإذا رأت نعالاً ممزقاً في قدم امرأة، عاجلتها بواحد جديد وهكذا كان دأبها مع الآخرين في اللحظات المناسبة [13] “. كما أكد لنا الكثير من التقيت بهم من معمري مدينة الصويرة ومنهم السيد عبد المطلب سيد هاشم الذي لم يخرج في حديثه عن والدة قاسم عن تلك الصورة التي رسمها حسن العلوي من حيث السلوك الاجتماعي والعلاقات الاسرية التي كانت سائدة آنذاك. قال: إنها كانت أمرأة طيبة ذات علاقة اجتماعية جيدة بالناس المحيطين بها, كما كان لها صداقات حميمة مع جيران المحلة, الذين بادلوها ذات المشاعر.. تجلى في ارضاع أحدى نساء الصويرة (السيدة عباسية الذرب) البنت الصغرى لكيفية اليعقوبي وهي نجية المولودة عام 1920 [14] . كانت كريمة جداً رغم حالتها غير الميسورة, أو كما يقول المثل العراقي: (يدها ليس لها), كانت ذربة اللسان, سريعة البديهة وسلسة المفردات, حافظة للقرآن وفي المحلة كان لها سلطان.

كانت والدة قاسم لها شخصية قوية وحازمة، من منظور علم النفس الاجتماعي، ولها أسلوبها الخاص في التعامل الاجتماعي مما جعل لها تأثيراً عميقاً على أفراد العائلة وأبناء المحلة المحيطين بهم. وكانت عندما ترغب بمقاومة سلطة ونفوذ الأب أو الأشخاص الأقوياء من حولها، فقد كانت لا تكترث بإعتراضاتهم المنطلقة من رؤياهم الذكورية، خاصةً إذا ما أمنت بالشيء المنوي إنجازه، فتعمل على تحقيقه بكل طاقاتها. كان حزمها السلوكي هذا, يقترن بالحنان الذي تفضيه على أفراد العائلة والعوائل المجاورة في المحلة.
ومن هذا المنطلق لعبت والدة عبد الكريم دوراً مهماً ومميزاً في حياته والعائلة برمتها، خاصةً إذا علمنا أنه كان الأبن الأخير بعد وفاة ثلاثة أطفال ولدوا قبله[15]. ومن المعتاد أن تضع العائلة العراقية مكانة مميزة للابن الاصغر بالنسبة لأخوته الكبار. وقد بادلها الابن ذات الشعور وبدرجة كبيرة وتأثر بها. وهذا ما أشار إليه أصدقائه وأقرباءه. وقد سبق لعبد الكريم ومنذ متوسط الأربعينيات، أن خصص لها مبلغاً شهرياً قدره 30 ديناراً، وهو مبلغ كبير آنذاك[16]. توفيت في التاسع من شباط عام 1953، أي قبل عشر سنوات بالتمام من إعدام ابنها الأصغر، ودفنت في وادي السلام في النجف بناءً على وصيتها.
ومن منطلق المعرفة والمعايشة المشتركتين في احدى محلات بغداد( العباسية- كرادة مريم) قيم المفكر الراحل هادي العلوي عائلة عبد الكريم قاسم بالقول: ” خلفيته العائلية. فقد ولد ولأب سني وأم شيعية. وكان كلا الأبوين فاضلاً ومحموداً في محيطه… فعبد الكريم, نشأ في عائلة متوازنة طائفياً وهي عائلة فاضلة أيضاً وأتيحت لعبد الكريم تربية مستقيمة, هي التي تقف وراء شخصيته الاجتماعية المتكاملة… [17]”.
ومن الملفت للنظر أن كافة الابناء( بنين وبنات) دخلوا المدارس الحديثة, وإن لم يكملها إلى نهايتها أغلبهم. وهذه حالة تدلل على فهم الوالدين لآهمية تعليم الابناء.
ادعى العديد من الكتاب، ومنهم احمد فوزي، أن الزعيم قاسم قد غير اسم أبيه من جاسم إلى قاسم عام 1930 [18] , ويكرر ذات المعلومة مجيد خدوري ويعلل ذلك بالقول: ” لعل السبب في ذلك أن كلمة جاسم هي اللفظة العامية لكلمة قاسم [19] “. ويقول حسن العلوي أن الأخ الأكبر لعبد الكريم ” كان معروفاً بإسم حامد جاسم، ولدى استفسارنا عن الاختلاف بين قاسم الذي يسمى به عبد الكريم وجاسم الذي يسمى به حامد.. قالت أم حامد أن عبد الكريم قاسم رفض منذ وقت مبكر كلمة جاسم .. وقال الصحيح هو قاسم [20] “.
وعند مراجعتنا لسجلات مدرسة الصويرة الابتدائية وجدت أن اسمه كان (عبد الكريم جاسم) وتسلسله رقم 2 في سجل قيود الطلبة للعام الدراسي 1923/1924 وكذلك كان اسم أخيه (عبد اللطيف جاسم).[21] كما كان يطلق عليه في الصويرة أسم (جاسم افندي) كما أفاد لنا بعض شيوخ المدينة المعمرين [22].
ولقد سبق وان اعتمدنا هذه المعلومة وتبنيناها في كتاباتنا السابقة من المصادر أعلاه. لكن هذا الطرح استفز مشاعر الروائي المبدع محمود سعيد وانتابه الشك في صحتها وهو الضليع المحب في تاريخ عبد الكريم قاسم، فتقفى أثر هذه المعلومة من مصادرها الأصلية.. وكتب لي رسالة يعترض بالبرهان على عدم دقة المعلومة. فكتب موضحاً يقول :
” ذهبت بنفسي إلى مديرية تسجيل نفوس الكرخ سنة 1991 واستخرجنا الأوليات وقابلت أولاد أخ المرحوم حامد قاسم، ولم يسمع أحد ذلك إلا وضحك لسذاجة الخيال والاتهام والتشويه. ذكر لي السيد فتحي وكان مكلفاً بالشؤون القانونية في المديرية بأنه لا يُقبل أي طلب بتبديل الاسم إلا إذا وصل من المحكمة وفيه أمر منها. أما القضية الأهم فإن المحكمة لا تصدر قراراً بتغير الاسم إلا إذا كان الموما إليه حاضراً.. أي كان والده حاضراً وأن القضية تتعلق بالأخر وتغير الاسم الشخصي.. وأراني الصفحة خالية من أي شطب[23] “.
كما استفسرت بدوري من حسين حامد قاسم عن هذه المعلومة وقال أنها غير صحيحة ونفى حدوث مثل ذلك. وقال أن الأسرة تحتفظ بشجرة نسبها الذي يعود إلى جنوب الجزيرة العربية.[24]
واستفسرت أيضاً من المهندس طالب حامد قاسم في ابو ظبي وأخيه الأكبرعدنان, وأبن عمته المهندس طلال عبد الجبار جواد وأخيه الأكبر رعد في بغداد, وقد نفوا جميعهم حدوث مثل هذا التغيير. وقد أكد لنا طالب حامد أنه عندما اراد الدخول إلى الجامعة, طُلب منه شهادة الجنسية العراقية.. ونظراً لقدم إخراج والده ليها ولتعذر أخراج الملفات القديمة من ارشيفات مديرية الجنسية.. تم الاستناد إلى ملف عمه عبد الكريم واعتمدوها كإثبات قانوني وكانت هي الأخرى خالية من التعديل لاسم الوالد.
وعندما دخل عبد الكريم الكلية العسكرية عام 1932. كان أسمه عبد الكريم قاسم. لكن كان أسم أمينة في سجلات النفوس هو( أمينة جاسم) وصحح في عام 1975 إلى قاسم, حسب إفادة أبن أختها رعد عبد الجبار.
وحسب اعتقادي إن هذا الاشكال ربما يعود إلى عدم دقة المعلومات التي كانت تنتاب سجلات الاحوال المدنية (النفوس). ومن المحتمل الضعيف أنه جرى تعديل, وإن كان قد جرى فعلاً, فهو بعد صدور قانون الجنسية العراقية عام 1924, وبالتأكيد قبل عام 1932 (عام دخول عبد الكريم للكلية العسكرية), إذ أوجب القانون المذكور على كل عراقي أن يثبت تبعيته العثمانية السابقة حتى يكون عراقي الجنسية.. ولذا جرت تعديلات في كل انحاء العراق, شملت بعض الاحيان الأسم أو اللقب وحتى تاريخ الميلاد. أو ربما تم ذلك لتلافي الاخطاء التي قد تحدث في سجلات التفوس لافراد العائلة الواحدة.
وبغض النظر عن صحة هذه المعلومات من عدمها, ما الظير في ان يكون أسم والده قاسم أم جاسم.. رغم أن النغمة الموسيقية لأسم قاسم أخف وطأةً وأكثر تذوقاً على السمع من أسم جاسم. ولماذا أتخذ ولازال, مناهضيه ذلك سبةً عليه.. وكم من شخصية مشهورة أو غير مشهور, قد أبدلت أسمها.. بل حتى غيرت من انتماءها الأثني؟
 

 

رد مع اقتباس
قديم 02-05-2005, 03:44 PM   رقم المشاركة : ( 4 )
عبدالله بارشيد السيباني

الملف الشخصي
رقــم العضويـــة : 5
تـاريخ التسجيـل : Sep 2004
العــــــــمـــــــــر : 33
الــــــــجنــــــس :
الـــــدولـــــــــــة : ٍSaudi Arabia
المشاركـــــــات : 3,537 [+]
شكرا: 0
شكرت 347 مرة في 183 مشاركة
Groans: 0
Groaned at 0 Times in 0 Posts
عدد الـــنقــــــاط : 16
قوة التـرشيــــح : البدر is on a distinguished road
البدر غير متواجد حالياً
مشاركة: عبد الكريم قاسم محمد البكر الزبيدي (جدهم السادس عبد الله هاجر من اليمن إلى العراق)

كان عبد الكريم الطفل الرابع في العائلة، المتكونة من 5 أفراد وهم حسب تسلسل الميلاد:
1- حامد قاسم (20/8/1905- 1/1/1986) الذي تزوج من الأبنة الوحيدة لعمه المقدم ( وقيل كان برتبة عقيد) في الجيش العثماني, علي محمد البكر, وله منها 9 أبناء، ومن زوجته الثانية 9 أبناء أيضاً[25], وكان يشتغل في بيع وشراء الحبوب في الأسواق التجارية، كما عمل وسيطاً للنقل النهري بين تجار الحبوب وأصحاب الجنائب النهرية, إذ امتلك ثلاثة منها. واستمر في مهنته هذه حتى وفاته. [ وقد رصدت ملكيته قبل الثورة بحوالي 16 ألف دينار عراقي وهي ثروة لا باس بها بمقاييس ذلك الزمان ] حسب قول ناصر الدين النشاشيبي [26].
واستمر يعمل في العمليات التجارية لحين وفاته. لم يكمل من الدراسة سوى مرحلتها الأولى (الابتدائية), لكنه كان بجيد التركية وله معرفة بالانكليزية وله إلمام بالنحو العربي . [27]ولم يدخل معترك العمل السياسي لا قبل الثورة ولا بعدها. وقد اتبع مذهب أمه بصورة خيارية ودون إكراه من أحد, كما افاد لنا أبنه الأبكر عدنان[28]. وكان يعيش في بيت مؤجر لغاية عام1960.
قدرت ثروته عند وفاته ب(5000) دينار فقط. وكان عدد الورثة 21 فرداً. ولم يكن يملك أي عقار غير منقول وهذا مثبت حسب القسام الشرعي. وقد قام مخمن التركات بالبحث عن امواله المنقولة وغير المنقولة في كافة ارجاء العراق.. ولم يجد لديه غير الملبغ المذكور أعلاه.[29]
لقد أثارت ملكية حامد قاسم ضجة سياسية/ اعلامية مفتعلة في زمن الجمهورية الأولى ممغنطة بإتجاه محاربة الزعيم قاسم. ينيط حسن العلوي اللثام عن بعض من جوانبها بالقول:
” لقد اعتقل بعد مقل أخيه مباشرةً. وأحيل إلى لجنة تحقيق – غير محايدة حتماً – وهي محملة بقناعات سابقة ومواقف سياسية ليست لصالح هذا المتهم، فخرجت بالنتائج التالية: لم تكشف التحقيقات عن وجود تجاوزات مالية أو إثراء غير مشروع؛ لم يعقد صفقات للحكومة؛ لم يعقد صفقات خارجية مع أية دولة عربية أو أجنبية؛ لم يغلف نشاطه التجاري بغلاف العمل السياسي ولم يثبت تعاطيه للسياسة؛ لم تثبت له أية صلة بأي مسؤول حكومي طيلة عهد عبد الكريم قاسم؛ لم يتدخل في قضية ما مقابل رشوة أو صفقة تجارية؛ ليست له سوى دار سكن واحدة. ويستأجر لزوجته الثانية داراً في جانب الرصافة. ولهذا تم إطلاق سراحه دون الحكم عليه بأية عقوبة [30] “.
في حين لا تزال لحد الآن بعض الأدبيات السياسية تجعل منه أمير من الأمراء.. وقد تم استباحت داره يوح 9 شباط 1963 ولمدة ثلاثة من قبل الحرس القومي, الذين استولوا على كل الحاجيات التي تعود إلى الزعيم قاسم واعتقلوا كل من عدنان وطالب وفرار بقية الافراد إلى المهدية حيث عائلة الزوجة الثانية لحامد قاسم.
2- أمينة قاسم (1907-1982) زوجة ياسين محمد صالح القيسي، الذي شغل وظيفة رئيس كتاب محكمة الكاظمية. ولها 5 أبناء, احدهم (طارق) كان ضابطاً طياراً قتله انقلابي عام 1963.. وقد اختارت المذهب السني. [31]
3- عبد اللطيف قاسم (1910- 1977) أكمل الدراسة في مدرسة الصويرة الابتدائية لحد الصف الرابع, بعدها أنتقل مع العائلة لبغداد ودخل المدرسة الرشدية العسكرية, عام1926 وتطوع في الجيش العراقي في مدرسة الصنائع الجوية وتدرج ضمن مراتبها حتى بلغ رتبة نائب ضابط واستمر فيها حتى تقاعده.. وكان يسكن أحد البيوت الصغيرة الحكومية في منطقة تل محمد – جنوب مركز بغداد، والتي كانت إحد المشاريع السكنية الحكومية القليلة في العهد الملكي التي وزعت على صغار العاملين في المؤسسات الحكومبة. وبقى في منصبه وداره حتى بعد ثورة 14 تموز ولحين وفاته. وكان يذهب إلى عمله على دراجة هوائية حتى بعد أن أصبح أخيه على رأس السلطة[32]. كان رجل متدين جداً وبسيط في سلوكه وثقافته, وقد أختار المذهب السني.. ولم ينجب من الابناء.
1- نجية قاسم (1920-5/ 2/1986) تزوجت من عبد الجبار جواد (ابن بنت عمتها)[33]. كانت نجية قاسم ذات شخصية قوية, وتتمتع بذوق عالي, رابطة الجأش, وقد جابهة الحرس القومي عندما اقتحوا بيتها عنوة لإعتقال زوجها المريض في القلب آنذاك. وبعد انقلاب 8 شباط 1963, سافرت إلى النجف الأشرف لمقابلة آية الله السيد محسن الحكيم زعيم الطائفة الشيعية, وذَّكرته, بوصية قاسم نفسه: ” بأن يتكفل الإمام الحكيم بالصلاة عليه ودفنه في حالة وفاته. ولهذا زارت شقيقة الزعيم, الامام الحكيم ترجوه تنفيذ الوصية والتدخل لدى سلطات الاتقلاب بتسليم الجثة ودفنها حسب الطقوس الاسلامية, ولم يجد الامام الحكيم أذناً صاغية لطلبه [34] “.
شهدت عائلة عبد الكريم قاسم علاقات تكافلية تضامنية، امتدت إلى العمومة والخؤولة.. وتشير بعض المصادر إلى أن جد عبد الكريم – بكر محمد كان يملك ورشة لدبغ الجلود في بغداد .. وقد عمل فيها والد عبد الكريم قبل تحوله للعمل في مهنة النجارة، ويعتبر دبغ الجلود من المهن الصعبة وغير الصحية وذات مخاطر مهنية نتيجة التعامل مع المواد الكيميائية بصورة بدائية.. وأرباحها لم تكن توازي مخاطرها، وخاصةً في مطلع القرن العشرين.
ولعبد الكريم قاسم خالتان هما :
– عكاب حسن اليعقوب، والدة العقيد فاضل عباس المهداوي
– وصف حسن اليعقوب، وهي التي تولت العناية بالمهداوي بعد وفاة والدته المبكر .
كما لقاسم خالان هما:
– محمد حسن اليعقوب، وكان أحد أبطال المصارعة (الزورخانة) آنذاك. وتوفى في سن مبكرة.
– مطلك حسن اليعقوب، أستشهد في إحدى حروب الدولة العثمانية السابقة للحرب العالمية الأولى، وقد تم تجنيده قسرا ًفي ما اطلق عليه بالتركية [سفر برلك[35]] والتي تعني نفير الحرب، وقد ذهب ولم يرجع حال عشرات الألوف من العراقيين الذين شاركوا في مثل هذه الحروب ولم يعودوا لذويهم.
وكان لبعد الكريم عمٌ واحد هو المقدم (ومنهم من قال كان برتبة عقيد) علي (افندي) محمد البكر والذي خدم في الجيش العثماني الرابع الذي كان مقره في بغداد وكان أثناء الحرب آمراً لحامية بغداد الجنوبية. وقد أستشهد في عام 1917عند الدفاع عن بغداد ضد قوى الاحتلال البريطاني. وكان تأثيره كبيراً على عائلة أخيه قاسم محمد البكر وأخواتهما, حيث دفع ,حسب قراءتي لتتبع الموضوع, بالبنات لدخول المدارس الحديثة وقد أدخل أبنته الوحيدة (أم عدنان) أسوةً ببنات عمها، في الوقت الذي كان من النادر دخول الإناث إلى المدارس آنذاك. كما كان يمد لأخيه قاسم البكر وعائلته بالمعونة المادية. وقد تكفلت عائلة قاسم برعاية ابنته الوحيدة بعد استشهاده وهو يدافع عن بغداد عام 1917وتزوجت من ابن عمها حامد قاسم.
ولعبد الكريم قاسم ثلاثة عمات هن: وضحة, وزهرة, ونائلة. الاثنتان الأخيرتان لم تتزوجا وبقين عانسات. في حين تزوجت الأولى(وضحة) من التاجر الملاك محمد علي الطيار وخلفت منه بنتان هما: خيرية التي بقيت عانس ولم تتزوج, وزهراء التي تزوجت من الضابط في الجيش العثماني جواد جعفر الربيعي وخلفت منه ولدان هما: محمد علي وعبد الجبار الذي تزوج من نجية أخت عبد الكريم قاسم.

نوضح هذه العلاقة الاسرية لتصحيح المعلومة المشاعة خطأً من كون أن عبد الكريم قاسم هو أبن عمة محمد علي جواد. والصحيح هو أن محمد علي أبن بنت عمة عبد الكريم قاسم.[36]

كان زواج قاسم محمد البكر من كيفية حسن، تعبر عن ذات التراتيبية الاجتماعية السائدة آنذاك, بمعنى كونها من ذات الطبقة والمستوى الاجتماعيين. كانت هذه التراتيبية تفرض ألا يكون مستوى الزوج الاجتماعي، كقاعدة عامة، أدنى من مستوى الزوجة بالولادة أو الثروة، وذلك لتجنب الحط من الموقع الاجتماعي لوالد الزوج وعائلته.
هذا التناظر في الموقع الاجتماعي للزوجين فرض من جانب أخر نوع من الوئام العائلي وأفقد لحد ما من سلطة العلاقات الأبوية (الذكورية) داخل الأسرة.. بمعنى أخر فسح المجال للأم دوراً تعدى القيام بالأمور المنزلية البحتة وخدمة الأب، إلى الاهتمام بتربية الأبناء وتوجيههم والمشاركة الوجدانية في شؤونهم الحياتية على الأقل، وزرع الحب والحنان فيهم. و بادل الأبناء هذا الشعور ونسجت علاقة مودة وتقدير، وقاموا بمساعدة والديهم ماديا. إذ خصص عبد الكريم قاسم منذ أن اصبح معلماً جزء من راتبه لواديه وكان يزداد مقداره بقدر زيادة راتبه.[37]
ومن ذلك يمكننا القول إن كلا الوالدين كان قد حملا هموماً غير عادية لحين شب الأبناء. كانا أميان ولباسهما ومحلة السكن وموقعه دللا على انتماءهم الطبقي. إذ سكنوا في البدء في المحلات الفقيرة والمعدمة (المهدية وقنبر علي) من كل الأطياف الاجتماعية والدينية والاثنية، كما كانت هذه المحلات تعج كذلك بالنازحين من مختلف مناطق العراق وخاصةً من مناطق شمال بغداد القريبة.
كانت العلاقات الأسرية مماثلة مما لدى أغلب العوائل القاطنة في هذه المحلات، حيث يسود من جهة الترابط والتكافل الاجتماعي المتأثرة بمنظومة القيم الدينية أو/و القيم العشائرية. ومن جهة أخرى كان الإحباط والنظرة التشاؤمية من المستقبل ، والمستنبطة من العوز المادي، قد ولد العديد من الإشكاليات والنزاعات سواءً على نطاق الفرد الواحد أو الأسرة برمتها وفيما بين الأسر. ولأجل التخلص من ذلك رمى الأبوان بثقلهما وبذلا جهداً وراء تحقيق الابن الأصغر لدراسته الثانوية كأحد المخارج من الحالة المادية المأزومة.. وكان هذا موضع افتخارهما لاحقا وحراكهم في السلم الاجتماعي.. وهذا ما أشار إليه هو، وهي من نوادر حديثه عن ذاته، في أخر تصريح له، عندما قال:
” أنا نفسي من وسط فقير جداً، وهو ما أعترف به بكل فخر، كان أبي نجاراً ولاقت أمي الكثير من الضنك في سعيها لكي أحصل على تعليمي المدرسي [38]”.
والسؤال الذي يطرح ذاته هنا ، يتمحور في طبيعة العلاقات العائلية التي كانت قائمة، خاصة وأن الزوجين كانا من مذهبين مختلفين، وهي حالة لم تكن شائعة آنذاك في المجتمع البغدادي! يبدو أن حالة التسامح واللا عصبوية كانت سائدتين بدليل لم يفرض الوالدين على أبنائهم أتباع هذا المذهب دون غيره.. بل ترك الأمر لهم ف ” كان حامداً ميالاً لمذهب أمه ولطيف لمذهب أبيه ولم يظهر قاسم حماسة لأي منهما [39] “.
كما أن حالة الإفقار المادي والعوز الذي أصاب العائلة، بعد وفاة عم الأبناء محمد علي البكر، قد عضد، في الوقت نفسه، من التكافل الاجتماعي بين أفراد الأسرة، وبينها وبين ذوي القربى. وهذه الحالة تعبر عن طبيعة العلاقات التي كانت سائدة بقوة في المجتمع البغدادي آنذاك ، حيث يتعاون كافة أعضاء الأسرة، كقاعدة عامة، فيما بينهم، وهذا ما سوف نراه عندما يتخرج عبد الكريم قاسم من الثانوية لينخرط في سلك التعليم لمساعدة والديه ماديا، وقد سبقه أخويه لاتخاذ الموقف ذاته، حيث انخرط الأخ الأكبر حامد في العمل الحر بصورة مبكرة والأوسط عبد اللطيف دخل ضمن مراتب المؤسسة العسكرية.
في الوقت نفسه لم تتوفر لدينا المعلومات عن ماهية المواضيع التي كانت مدار اختلاف واحتكاك داخل العائلة ؟ وكيف كانت تُحل ؟ وأين تكمن مسبباتها، وما دور الاختلاف المذهبي فيها إن وجدت ؟ وكيف كانت العائلة تطمئن حاجاتها المادية الأساسية ومهنة رب الأسرة لا تدر دخلاً كبيراً ؟.
ومن المعلومات القليلة والمتناثرة، يمكن رسم اللوحة التقديرية للعائلة وعلاقاتها المتبادلة، بالقول:
لعب الدين دوراً في وعيها الاجتماعي دون تعصب، ذات طابع محافظ دون تزمت، متكافلة دون تسلط، لعبت الأم دوراً كبيراً في توجهات أبنائها دون استبداد، وكانت تجهد لأجل تخفيف معاناة الأسرة والتحايل على الزمن الصعب، مما أثر في نفوس الأطفال الذين تعلموا الصبر وتجلد الذات. وقد عكس عبد الكريم هذه الحالة بصورة واضحة في حياته العملية. إذ “كان صبوراً جداً، فإذا أراد أو اشتهى شراء شيء يلزمه ورأى ظروف أبينا المالية لا تسمح.. ينتظر.. وقد يطول به الانتظار دون إن يضج أو يشكو [40] ” .
ولما سأل مراسل مجلة المصور محمد رفعت، قاسم نفسه :
” -عن الحكمة التي على لسانك دائماً؟
– الصبر [41] “.
لم تتوفر لنا مصادر مكتوبة، ناهيك عن كونها تفصيلية ودقيقة، تتحدث عن ماهية طفولة عبد الكريم وظروف نشأته ومساراتها وتعرجاتها، عن طبيعة العلاقة القائمة بينه وبين ذاته، وبين ذاته ومحيطه العائلي، ومع بيئته الاجتماعية ، سواءً في المحلة أو المدرسة، ومع أصدقائه المقربين وفي كيفية استغلال الوقت الفائض معهم. كما لم تتوفر المعطيات عن هواياته واهتماماته، عن قراءاته ومطالعاته. ومدى تأثير البيئة السياسية للعراق آنذاك وما تمخض عن الانتفاضات الشعبية والتي توجتها ثورة العشرين التي كانت السبب المباشر لتكوين الدولة العراقية وبداية بروز النزعة الوطنية العراقية المناهضة للاحتلال وما رافقها من نزاع ثقافي/ اجتماعي/ سياسي طال اغلب المكونات الاجتماعية ومؤسساتها المدنية. كما لم نفهم إلا بالنزر اليسر مدى تأثره بالدين كمنظومة قيم ونظام حياتي وكمحرك اجتماعي وفهم تفسيري للحياة خاصةً في تلك الفترة حيث كان يبرز في تجليات الوعي الاجتماعي، سواءً الجمالية، الحقوقية، السياسية، الثقافية والفلسفي. وكيف تفاعل مع الأفكار الجديدة التي كان الرواد الأوائل للاشتراكية يبشرون بها من خلال حلقاتهم وجريدتهم (الصحيفة)، وما كانت تعكسه من قيم زلزلت الواقع الراكد وبينت تناقضاته الحادة.
في الوقت نفسه لم يرغب الزعيم قاسم في الكتابة عن ذاته لأنه لم يكن ينطلق من الذاتيه النرجسية للفرد القائد. لأنه لو كان ذاتياً، لما كان في موقعه القيادي الصحيح والمناسب، سواءً في تسنم المناصب العسكرية العليا التي صقلت منه مَعْلَماَ عسكرياً/ سياسياَ ناضجاً أهلته لقيادة حركة الضباط الأحرار؛ أو لم يكن بإمكانه تحقيق صيرورة التغيير الجذري التي قادها يوم 14 تموز؛ ولا بإمكانه قيادة البلد في أصعب وأحلك الظروف وإرساء الأسس المادية لعراق المستقبل.

2.3- الــــولادة والصبـــــــــــــا:

ولد عبد الكريم قاسم في (21 تشرين ثان- نوفمبر 1914) في محلة المهدية[42] من رصافة بغداد. ويصف احمد فوزي ولادة عبد الكريم قاسم، استناداً إلى رواية القابلة المأذونة التي قاربت آنذاك الثمانين من العمر على النحو التالي :
“عندما كانت الشمس يوم 21 تشرين الثاني 1914، تنحدر إلى مغيبها.. كانت هنالك في محلة المهدية في صوب الرصافة ببغداد، امرأة تتلوى من ألم المخاض.. وطال بها المخاض.. فتوافدت النسوة الساكنات إلى جوار بيت حسن يعقوب الساكني الملاصق لبيت حمودي الدواح، في ذلك الزقاق الضيق القديم، حيث المرأة المتلوية من الألم، المشرفة على الوضع !
وكان يقف إلى جوار (المرأة) صبيان وطفلتان صغيرتان ، ينظرون جميعهم إلى أمهم (كيفية بنت حسن اليعقوب الساكني) بعيون ممتلئة بالدموع، ووجوه كلها عطف وحنان .. ويدعون الله عز وجل أن ينقذ أمهم وليريحها من هذه الآلام .
وكانت شقيقاتها (عكاب بنت حسن) و(وصف بنت حسن) تقفان إلى جانبها، تعاوناها ريثما تأتي المولدة (القابلة) لتوليدها. وقبل أن ينصف الليل، دخلت الدار (المولدة) العجوز وتطلعت إليها العيون جميعاً تستحثها على إنقاذ (الوالدة). وكشفت المولدة على المرأة المتعبة من ألم المخاض.. وأطلقت صيحة خافتة: إنها في إعسار وخطر. وقامت من مكانها وتوجهت نحو الزوج (جاسم محمد البكر) الواقف بانتظار النتيجة، وبجانبه أولاده الأربعة الصغار، وقالت له:
– أن زوجتك في خطر.. وإن الوليد بخطورة أيضاً.. هل تريد الأم .. أم الطفل؟
فتلفت (جاسم محمد البكر)- وهو واقف في بيت عمه( والد زوجته) – وآجال النظر في وجوه أولاده الصغار .. ولم ينطق ببنت شفة!..
وفهمت المولدة العجوز، إن الرجل يريد إنقاذ الأم، لأجل هؤلاء الصغار.. في الأقل! وعندها رفع ( جاسم محمد البكر) رأسه إلى السماء – وكان تقيا ورعاً- فدعا الله عز وجل أن ينقذ زوجته (كيفية) من هذا البلاء..
انطلقت صيحة من الأم, أنطلق بعدها صراخ الوليد الجديد.. وركن الوليد إلى جانب أمه.. واهتمت ( المولدة) والنسوة جميعهن بالأم خوفاً أن تقضي نحبها، بعد أن نزفت كثيراً من الدماء .
قالت (زكية محمود، التي كانت تسكن محلة قنبرعلي، قبل أن تهدم في تخطيط مدينة بغداد في منتصف الخمسينيات، ثم انتقلت إلى محلة المهدية- وهي تروي لي ميلاد الزعيم عبد الكريم قاسم) قالت هذه العجوز وهي تستعيد ذكرياتها :
” لن أنسى قط ذلك اليوم.. يوم ولدت (كيفية) أبنها الخامس، والذي أطلقوا عليه أسم (كرومي) ذلك الابن الذي تعسرت به أمه، وكادت أن تفقده ، أو تفقد حياتها من أجله.. لن أنسى ذلك اليوم قطعاً. وكنت قد التقيت هذه العجوز التي تبلغ آنذاك الثمانين عاماً في بيت أحد أقاربي من سكنة المهدية في أيلول 1958 [43] “.
لم يُلاحظ من كتب عن عبد الكريم قاسم، انخراطه في صباه في أعمال صبيانية شريرة، خاصة وأن محلات بغداد القديمة وما اتسمت به من أزقة ضيقة، لا توفر لسكنتها وسائل الترفيه الاجتماعي، ما بالك بالنسبة للأطفال وصخب حياتهم، مما يدفع بالعديد منهم إلى ارتكاب الحماقات البريئة وغير البريئة. مع ذلك يورد بعض الكتاب، دون تحديد للمصدر أنه ” عندما وصل الصف السادس الابتدائي ، كان عبد الكريم قاسم قد تزعم لفيفاً من الطلاب، غالبيتهم من اليهود، فتولد لديه منذ تلك الفترة المبكرة من حياته حب التزعم والرئاسة…[44] “.( التوكيد منا-ع.ن) يتضمن النص إسقاطاً رغبوياً للمؤلف ضد عبد الكريم قاسم خاصةً عندما يربط ذلك بكون غالبيتهم من اليهود، وهذا ما طبع العديد من مؤلفاته التي الفها اثناء لجوءه السياسي في مصر في المرحلة القاسمية.
وهكذا جعلت الظروف البيئية بكل أبعادها، من الصبي أن يميل إلى الانطواء أو بالأحرى إلى انبساط محدود، ساعدته في الوقت نفسه وبالتوئمة مع ميله الذاتي، إلى التحاور النفسي أو الداخلي ” والذين مارسوا النظرية الأولى – المونولوج، ساهموا في صنع التاريخ. بينما لم يستطع أصحاب النظرية الثانية – الدايلوج أن يصنعوا شيئاً لا للتاريخ ولا لأنفسهم[45] “. رغم أن كتاب السير والسياسيين، الذين يوسمون الزعيم قاسم بصفة الانطوائية، لم يحددوا مقدار انطوائيته أو انبساطيته؟ وما هي مسبباتها وأيٌ منها المتغلب على الأخرى في مراحل حياته المختلفة، ولا مدى شموليتها في حياته الخاصة أو العامة ؟ لهدف الثورة والطبيعة السرية التي تقتضي الكتمان ؟. وهو القائل ” …أن يده اليمنى لا تعرف ما في يده اليسرى “.
شب الصبي عبد الكريم وأصبح، إلى حدٍ كبير، مخلوق والديه وظروفه الاجتماعية والأسرية، التي ترصدته في عذاباته ومعاناته اليومية واحلامه المستقبلية وعلى كافة الأصعدة .. أصبحت ذاته الداخلية مختلفة كلياً عن أقرانه، بل حتى عن ذاته السابقة، لكنها – الذات – كانت على درجة عالية في صباها، من فتور الهمة بحيث تعجز في معظم الأحيان عن مساعدته. لذا كانت عملية تأقلمه الانتفاضي مع المحيط، واجبة الوجوب، لأن والديه وعائلته كانوا هم أيضاً نتاج عملية خلق الذات بالذات، ليس لأي منهما سند سوى الأخر وبعضٌ من العلاقات الأسرية ومن نمط حياة حاول التكيف معها دون ان يكون تابعا لها. وعليه منح الوالدين أبنهم الأصغر ” الخصال الحميدة كالجرأة والإقدام والحفاظ على الكرامة والعزوف عن الملذات الفائضة في بداية حياته[46] “.
ترى هل أن شخصية عبد الكريم يمكن أن تكون في غير مكانها الذي أحتلته بجدارة فيما بعد، والذي حدده لنفسه مسبقاً, كوسيلة لتحقيق ما كان يراه صائباً للعراق بعد تحسسه لواقع العراق الاجتماعي وضرورة تغيره؟ خاصةً إذا عرفنا أن الشخصية, هي إلى حدٍ كبير نتاج الواقع الاجتماعي، وتتغير تبعاً للتغير الذي يصبه في سياق تطوره. لذا لا يجوز فهم المجتمع بمعزل عن الأفراد الذين يؤلفونه والعكس بالعكس لأن كلاهما يشكلان كلاً واحداً مترابطان جدلياً.
كما أن تجارب الطفولة والصبا والاتجاهات التي تُكتسب أثناءها، يمكن أن تنتج أثاراً دراماتيكية على شخصية الفرد ونوازعه المستقبلية. رغم أن هذه الآثار يمكن تعديلها وإخضاعها لمؤثرات عديدة يصادفها الإنسان في سياق تنشئته لبثقافية والاجتماعية.
في الوقت نفسه هنالك هوة شاسعة بين الابن والوالدين في الأفكار والأحلام ، التطلعات والأمنيات .. طالما أن أرواح الجيل الجديد:
” تعيش في منازل الغد
الذي لا يمكنك زيارته
ولا حتى في أحلامك ”
كما عبر عن ذلك جبران خليل جبران ..
والسؤال المطروح هو كم من الأباء الذين يعون وجود هذه الهوة بين الاجيال.. في احلامها وسلوكياتها الفردية والجمعية؟ .
” إن معظم الناس يرون أن أولادهم هو استمرار لهم ويريدون استخدامهم من اجل تنفيذ طموحاتهم المعوقة.. وهذا يعني أحياناً أنه على الطفل، نظراً لحبه واحترامه لوالديه أن يخنق رغباته وميوله وعليه أن يغير مسار حياته واهتماماته التي يرغب فيها وذلك من اجل تنفيذ رغبات والديه أو الأوصياء عليه..
غالباً ما يؤدي هذا الصراع بين الرغبات إلى القضاء على حماس الطفل وفرحه في الحياة، وبالتالي يضاف إلى المجتمع شخصُ آخر يعمل كالمسنن في عجلة الدائرة عوضاً أن يكون شخصية حية تنبض بالحياة وتعطي نفسها وقلبها إلى عملها، وبنفس الوقت تستمتع وتخدم المجتمع [47] “.
وإذا حاولنا وضع قائمة بالمؤثرات، من الناحية النظرية على الأقل، على تنشئة الشبان ” فمن الممكن أن تشمل على الموضوعات التالية:
– تأثير متغيرات العائلة؛
– تأثير جماعة الصحبة [48]؛
– تأثير الطبقة الاجتماعية؛
– تأثير المدرسة (التدريب المباشر)؛
– تأثير البيئة الحضرية؛تأثير التواصل الجمعي ؛
– تأثير الدين؛ وتأثير السياسة (التنشئة السياسية) [49] “.

لكن يمكننا أن نضع للعائلة وتأثيراتها مكانة أكبر مقارنةً بالعوامل الأخرى في التحليل، دون المبالغة فيها. لأن الطفل في منطقتنا الشرق أوسطية، في هذه المرحلة يخاف من أمور أكثر من أي شيء أخر في الحياة منها: ” إغضاب الوالدين؛ إعراض الصحاب والأصدقاء؛ الفقر وعدم وجود الكفاية من المال؛ الاستغلال <عدم التأهيل للنجاح في الحياة؛ التعرض للإذلال بسبب انتهاك معايير الجماعة…[50] “.
كما يلعب التكوين النفسي أحياناً دوراً يتجاوز التأثير العائلي، منها مثلا: المقدرة على العصمة وإلى مصادفات الحياة وتأثيراتها (سلبية كانت أم إيجابية)، والتي تغيير من التكوينات السيسيولوجية والبسيكولوجية للفرد. خاصةً إذا علمنا أن الخوف، بصورة عامة ومطلقة، يتحكم بمواقف الأفراد بل وحتى بشعوب دول المنطقة.[51] أي أن العلاقة ذات إشكالية عميقة بين الدولة والمجتمع سوف تتسرب إلى الذات الفردية بعد الذات الجمعية.
كما أشرتا سابقاً، فإن أكثر الدلائل المادية المتوفرة قد أشارت إلى وضع العائلة الاقتصادي البائس ، حيث وِلِد وعاش فترة شبابه، في بيت لازمته الحاجة والعوز المادي لفترة طويلة نسبياً، وكان هذا الأمر قد أثر بعمق في تركيبته النفسية وفي حسه المرهف، إذ كان دائم التفكير في وضعه الذاتي ووضع العائلة المادي والاجتماعي.. وكان يحاول منذ نعومة أظفاره البحث جاهداً عن المبررات المقنعة للتفاوت الاجتماعي ومسببات الفقر ومدى قدريته التي تغذيها وتبرر لها الثقافة الدينية التقليديةَ .. مما حفزه على التأمل والانعزال وجعله ” قليل الاختلاط بزملائه في المدرسة … وكان صبوراً جداً ” كما رصد ذلك أحد أصدقائه.
هذه الوضعية الاجتماعية/الاقتصادية وما شابها من مؤثرات روحية ونفسية ستؤثر لاحقاً في ماهيات منظومة أفكار الشاب عبد الكريم، إذ تأثر منذ ريعان شبابه ب ” فكرة المساواة الاجتماعية” بأبعادها الكلية، وتبناها كحلقة مركزية في مشروعه اللاحق وأصبحت تمثل المبدأ الأول من منظومة أفكاره. لذلك أنصب اهتمامه على كيفية محاربة الفقر واجتثاث مقوماته المادية ما أمكن ذلك. حتى أن هذه الفكرة انعكست في شعوره الداخلي، المستفز أصلاً من العوز، وفي ممارسته الحياتية، التي تعمقت بصورة خاصة بعد تفهم مسببات الفقر والتفاوت الطبقي من الناحية النظرية، الذي اقترن بالإدراك السياسي الحسي والواعي لواقع البلد بعد احتلاله الأول وما تمخض عنه من مؤسسات ونظم وقواعد حكم والتي تأسست على أسس خاطئة كانت تتناقض مع الواقع العراقي ومكوناته الاجتماعية, كان من عواقبها ممارسات سياسية/ اقتصادية عملية عمقت هذه الأخطاء وزادت من حدة التفاوت الطبقي.. فخلقت ردود فعل مناهضة، سلمية وغير سلمية، لهذه السياسات الداخلية وتوجهاتها المستقبلية على كافة الأصعدة ومنها, الأكثر بروزاً, طبيعة وماهية الارتباط بدولة الانتداب (بريطانيا).
واستنطاقاً لما ذكر فقد كان عبد الكريم قاسم دائم الصراع مع واقع الفقر وفكرته، حيث كان يمقته بصورة غير عادية، تماثلاً مع مقولتي الإمام علي بن أبي طالب: { يكاد الفقر أن يكون كفراً } و{ لو تمثل ليَّ الفقر برجل لقتلته [52]}. وكان يرى في الفقر عقبة أمام تطور الفرد وبالتالي المجتمع برمته، لأنه خبر الوضع النفسي والاجتماعي لأبناء العوائل الفقيرة وجرب معاناتهم وتحسس بكل حواسه ذلك الألم الذي يرافقهم في دروب الحياة. وفي الوقت نفسه تحول الفقر لديه كدافع قوي لأجل إزالة ما أمكن من مسبباته ومكوناته.. كما كان الفقر بمثابة أحد أهم العوامل التي أثارت فيه التعمق في مضمون العدالة الاجتماعية وسبل حل معضلاتها واجتثاث مسبباتها.
لهذا تميزت العديد من خطاباته، بعد تسلمه قيادة القرار المركزي للدولة، بالتأكيد, على أن المهمة الرئيسية للحكم تتمركز في القضاء ما أمكن على الفقر ومسبباته ليس من الجانب الأخلاقي فحسب بل من الناحيتين الاجتماعية والاقتصادية. لذا كان دوماً يصرح دون حياء:
” أني ابن الفقراء.. أنني فقير .. شخص فقير وجدت وعشت في حي الفقراء وقاسيت زمناً طويلاً مرارة العيش، ولكننا نملك الغنى ، غنى النفس وكنا نملك الغنى، غنى الأباء [53] “.
هذا الواقع القاسي والمزري الذي رافقه كظله طيلة مرحلة الصبا والشباب وصعوبة تجاوزه، وانتقال الوالد من مهنة إلى أخرى ومن مدينة إلى ثانية.. عوامل كانت كافية لدفع الفتى عن الوسط الاجتماعي والملذات الرخيصة والقذف به ما أمكن بعيداً عن منظومة الأفكار والقيم المحلية السائدة والمألوف الاجتماعي المتوارث وثقافته وتعصباته والتزاماته الضيقة، من دينية وطائفية وعشائرية وأثنية .
إن ” الهلع والمعاناة والألم الحزين في التراجيديا، أي كل الحالات التي تنحشر في وعي الذات “، كما يقول هيغل تشكل طريق التنقية والخلاص والذي كان يجري في خطاه كل ما كان ينبغي له أن يحدث . ذلك الوعي الذي نستخلصه من الممارسات الواعية التي أنصب الخطاب القاسمي على التأكيد عليها، خاصةً وأنها قد تمحورت حول الارتقاء بالذات البشرية إلى مصاف أعلى، من خلال اجتثاث معرقلات النمو والتطور على المستويين الفردي والجمعي.
لقد صهرت هذه الوضاع والأفكار الشاب عبد الكريم في أتونها لتكون منه رجلاً ذو رسالة، يسير في دروب الحياة المحفوفة بالمخاطر والصعاب.. انه والحال هذه يتماثل مع مقولة نيتشه إن:
” العظيم من الرجال يبحث دائماً عن الحياة المحفوفة بالمخاطر التي تتفق مع طبيعته ورسالته نفسها، حيث تتطلب منه أن يُصهر في النار ليبدو في أسمى قوته[54]… ” .
وعند دراسة سيرة عبد الكريم قاسم بكل دقة وموضوعية، المهنية والسياسية؛ في المواقف الصعبة والمأزومة؛ عند ممارسته للحكم وحتى لحظات إعدامه الحياة؛ قد أكدت بكل أبعادها مدى انطباق مضمون القول أعلاه على رجل الدولة الذي غيَّر من مسار العراق الحضاري.

في الخامسة من العمر يدخل الطفل كرومي(أسم التدليل لعبد الكريم كما متعارف عليه في العراق) إلى أحد الكتاتيب مقابل جامع الفضل بن ربيع في الرصافة، ليتعلم، كعادة أهل ذلك الزمان وخاصةً في المدن الكبرى والدينية، القراء والكتابة وما يتيسر له من حفظ سورة من القرآن الكريم، والتي كانت تديره ” الملاية فاطمة الحاج مصطفى عبد الله الجبوري، ابنة إمام وخطيب جامع الفضل [55] “. لقد مكنه هذا التعلم في الصغر من الولوج في عالم القراءة التي سيشغف بها في مراحل عمره القادمة. كما مكنته من امتلاك أسس اللغة العربية وتفتح ذهنيته على واقع اللغة وجمالياتها الادبية وسلالة المنطق القرأني وبداعته.. مما اثر إختياره لاحقاً للدراسة في القسم الأدبي في الإعدادية، وكانت عوناً له في امتلاك الذوق الأدبي وفي رسم الصورة الجمالية للجملة العربية وهذا ما تميز به.
وتحت وطأة الحاجة، كما أعتقد، التي أصابت كل الطبقات الفقيرة, وفي المدن خاصةً، بعد الاحتلال البريطاني الأول نتيجة للتغيرات الجذرية في الحياة الاقتصادية وسرعة حراكه وإيقاعها وما رافقها من تضخم نقدي هائل، تسافر العائلة عام 1919/1920 إلى مدينة الصويرة، جنوب شرقي بغداد بحوالي 60 كم, ليعمل رب الأسرة في البدء نجاراً ثم صاحب (علوة) للمنتجات الزراعية ويدير في الوقت نفسه المتبقي من الأرض الزراعية التي تعود ملكيتها للعائلة. وتسكن في بيت بالقرب من نهر دجلة.[56]
آنذاك يدخل الصبي عبد الكريم ( أقل من6 سنوات), ثانيةً [57], أحد كتاتيب الصويرة والذي كان يديره الملا سيد محمد سيد إبراهيم الموسوي, نظراً لتوقف الدراسة في عموم العراق عام 1920.. وما ان افتتحت المدارس أبوابها, عام 1921 حتى ُقبل في الصف الأول في مدرسة الصويرة الابتدائية التي تأسست عام 1918 والتي كان يديرها آنذاك غلام محمد الهندي الجنسية.[58] ويدرس فيها مدة أربع سنوات لحد الصف الرابع.
ومن مقابلاتنا لابناء المدينة بغية تقصي الحقائق عن سيرة الصبي عبد الكريم يتضح أنه كان ذكياً ومتفوقاً في دروسه كما يدلل سجله المدرسي في سجل الطلاب العام رقم 1 الصفحة 2, إذ كان من المتفوقين في دراسته, وحصل على ما مجموعه 120,5من مجموع 130, عندما كان في الصف الرابع الابتدائي. لم يدون في السجل احوال الطالب الصحية ولا طبيعة سيرته التي بقيت بيضاء, مقارنةً ببعض الطلاب الآخرين حيث كتب في سجل عن الطالب ( ج.م.س.) أنه ” شرس الطباع والاخلاق, مشاكس للأوامر المدرسية, ضعيف في دروسه, قليل الاهتمام بها, كثيراً ما يحرض الطلاب الكبار على الاضراب والاستياء من المدرسة ” . أما عن الطالب (ح.ع.ب) فقد سجل في اسباب تركه الدراسة : ” قام مقام والده في رئلسة عشيرة زبيد وأشتغل بالزراعة”. ويشير السجل إلى ان عدد من الطلاب تركوا الدراسة بسبب فقر الحال وإلتحاقهم بالحياة العملية. في الوقت الذي بقى فيه سجل عبد الكريم خال من الملاحظات.. سوى كونه :” سافر إلى بغداد لاكمال تحصيله في إحدى مدارس العاصمة”.( راجع الملحق رقم 1).
وعند الاستفسار من مدير المدرسة عن معنى خلو صفحة عبد الكريم من الملاحظات.. قال: ” من المرجح هناك عاملان .. اما إهمال الادارة لتدوين مثل هذه الملاحظات .. أو أن سلوك الطالب العام ليس فيه ما يثير الانتباه وهذا الأخير أكثر ترجيحاً” [59].
ومن الامور الشائعة في مدينة الصويرة أنهم يتناقلون عن لسان أحد معلمي المدرسة أنه سأل ثلاثة طلاب هم عبد الكريم قاسم وعبد الكريم فرحان ابن المدينة وعلي مهدي حسن, عن ماذا يريدون أن يكون كل منهم في المستقبل؟
– اجاب الأول : أنه يريد أن يكون ضابطاً كبيراً في العراق .. وقد تحققت أمنيته.
– وأجاب الثاني: أنه يريد أن يصبح ضابطاً وأحارب عبد الكريم قاسم.. وتحققت هذه الامنية له.
– في حين أجاب الثالث : أنه يريد أن يكون تاجراً كبيراً وله مكانة مهمة, وحقق ذلك.[60]
وفي هذه المدينة الصغيرة الواقعة على نهر دجلة جنوب شرقي بغداد، والتي هي عبارة عن حاضرة ريفية اقرب منها إلى المدينة الحضرية، كانت منظومة القيم العشائرية واعرافها هي التي تتحكم بسكان المدينة وأغلب سكانها من العشائر العربية أو المستعربة ذات أصول كردية فيلية. كما تمتلك المدينة علاقات مع محيطها الريفي المجاور لحواضر يسكنها منذ آلاف السنين الأكراد الفيليون كموطن اصلي لهم يمتد إلى عمق الأراضي الإيرانية.
أثرت المدينة في عبد الكريم بصورة كبيرة جداً.. انعكست في ذلك التبادل الروحي بينه وبين سكان المدينة.. ولم استطع الوقوف على سر علاقة (المكان) الصويرة وارتباط عبد الكريم بها, رغم أنه ليس من ابناءها الاصليين, ولم يمكث فيها فترة طويلة.. كما لم يستطيع شيوخ أهل المدينة الذين استطعت مقابلتهم, في حل لغز هذه العلاقة وطبيعة سرها.. سوى انهم اعتمدوا صيغ الوفاء التي تحلى بها قاسم إزاء بعض ابناءها الذين تسنموا مراكز عليا في الدولة. وربما هناك مؤثرات نابعة من اللاوعي لمرحلة الطفولة تسكن في ذات الصبي عبد الكريم.. فتفاعل مع محيطها تفاعلاً ايجابياً.
عاش عبد الكريم كبقية أقرانه من أبناء العوائل المتوسطة والفقيرة .. ومارس الحياة على طبيعتها وعمل مساعداً لوالده كبقية سكان الحواضر الريفية. وقد أقام عبد الكريم علاقات اجتماعية مع صبية المحلة التي سكن فيها وأغلبهم من فقراء الواقع الاجتماعي، ومارس معهم الألعاب التي كانت متوفرة، إذ كان النهر والحقل أماكن لقضاء أوقات فراغ الأطفال بعد المدرسة.
كان من بين أقرانه : ” عبد الجبار الأعرج وكاظم من عائلة عمران… وبعد أن ترك عبد الجبار المدرسة أخذ يعيش من مهنة بيع الفشافيش .. وتمر الأيام ويتولى عبد الكريم قاسم حكم العراق . وتستملك الدولة الدور التي كانت تحيط بالدار الذي سكنها عبد الكريم في طفولته لبناء مدرسة عليها بعد تعويض أصحاب الدور تعويضاً عادلاً كان موضع رضاهم. وبينما كان عبد الكريم يلقي خطاباً في افتتاح المدرسة، تقدم الصفوف عبد الجبار الأعرج ليواجه عبد الكريم فمنعه الحرس… فلمحه وعرفه عبد الكريم فتوقف عن خطابه وناداه جبار.. جبار وأندفع جبار ولاقاه وصافحه بحرارة وسأله أين كاظم ؟ فاخبره بوفاته، ثم أخذ يسأل عن أخوان كاظم واحداً واحداً وعن أمه ومحل سكناه . ثم عاد واكمل الخطاب واستصحبه معه وأنقده 50 ديناراً من راتبه وخصص له راتباً شهرياً قدره عشرة دنانير من بلدية الصويرة وسمح له بمراجعته في أي وقت يشاء ” [61].
كما حدثني النائب الضابط السابق حمزة محي عبد الله من مدينة الصويرة ذاتها، من انه لديه علاقة معرفة جيدة بجبار(الأعرج), وهو الذي أنقذ الطفل عبد الكريم من الغرق.. إذ كانت والدة عبد الكريم تعمل في المزرعة العائدة للعائلة بالقرب من نهر دجلة حيث كان يعيش، في حين كان الابن يسبح مع أقرانه وقد غرق وشاهدت الأم ولدها ومعاناته فأخذت تصرخ وتطلب النجدة. وكان جبار بالقرب منهم فهب لنجدة الطفل وانقذه من الغرق المحتم.[62]
عادت العائلة إلى بغداد ثانيةً عام 1926. لم نستطع الوقوف على أسباب العودة ، فهل كان ذلك لتحسن وضعها الاقتصادي ؟ أم بلوغ الابناءحامد وعبد اللطيف وقاسم مرحلة دراسية لم تكن متوفرة في المدن الصغيرة آنذاك؟ أم كان وراء العودة الثانية إلى بغداد هو توفر عوامل الجذب المتعددة، مقارنة بعوامل الطرد الاجتماعية والاقتصادية والتعليمية الدافعة للهجرة من المدن الصغيرة؟ ومن المرجح أن السبب الاخير هو الذي كان وراء العودة إلى بغداد، خاصةً وأن أعمال نجارة (الشناشيل) كان سوقها الأساسي هو المدن الكبرى فحسب وهي تلبي الكماليات الجمالية للفئات الغنية والميسورة.
سكنت العائلة هذه المرة وأستقرت لفترة طويلة في محلة (قنبر علي) المجاورة لمحلتها السابقة ( المهدية). وتقع قنبر علي، عند ملتقى ثلاث محلات شعبية بغدادية هي: إبراهيم عرب والمهدية والفضل. وهي الأخرى معروفة بفقر سكانها وتدني مستوياتهم المعيشية, وهم ينتمون إلى أثنيات وطوائف متعددة، ففيهم: العربي والكردي، اليهودي والمسيحي ومسلمين من سنة وشيعة، بغداديين ( ومتبغددين) وريفيين ومتريفين نزحوا من القصبات والمدن المجاورة لبغداد.
بمعنى أخر عاشت العائلة في وسط اجتماعي خليط عكس من جهة واقع التركيبة الاجتماعية للمجتمع، ومن جهة ثانية أثر في نفسيات أفراده الذين سادت بينهم النظرة التسامحية مقارنة بالمحلات البغدادية المغلقة على طائفة محددة أو دين واحد أو قومية معينة والتي كانت تزخر بها بغداد آنذاك.
لقد مثل هذا الانتقال المكاني، ما بين محيطين اجتماعيين مختلفين في القيم والأعراف، في مستويات الوعي الاجتماعي والحضاري وتجلياتها الاجتماعية والجمالية والمعرفية، أحد عوامل الصدمة والتحفيز التي انحفرت في ذهنية الصبي عبد الكريم وتعمقت لاحقاً بفعل الاطلاع على أوضاع اجتماعية مختلفة وممارسة واعية لبعض أنشطتها المقترنة بالقراءة الاستفهامية.
شكلت هذه المعايشة الاجتماعية، إضافةٍ نوعية جديدة إلى منظومة أفكاره والتي تطورت لاحقاً لتتبلور في فكرة ” الهوية الوطنية العراقية ” وأصبحت تمثل، فيما بعد، المبدأ الثاني من منظومة أفكاره[63]. إذ نظر إلى العراقيين كنسيج اجتماعي متعدد في طور التكوين عند نشوء الدولة الحديثة، ليرسي شكله التوحيدي بعد استتباب مقوماته المادية وخاصةً بعد التغيير الكبير في 14 تموز 1958، بالتوئمة مع روح العصر، نظراً لتكونه من أثنيات مختلفة وتكوينات دينية وطائفية متعددة. لم يتعصب قاسم إلى واحدة منها على حساب الأخريات.. فعروبته هي امتداد لعراقيته، وإسلامه لا يتعارض مع الديانات الأخرى.. ألم يكن{ الإنسان أخو الإنسان أما أخوه في الدين أو نظيره في الخلق} كما حددها الفيلسوف الإمام علي بن أبي طالب! ومنها أنطلق قاسم أيضاً في عدم التفضيل على أساس المذهب أو القبيلة أوالنسب أو المنطقة.. بذرت العائلة هذه النظرة التسامحية منذ الصغر فيه وعمقها المحيط الاجتماعي وصقلتها الأفكار التقدمية والمنادية بالمساواة .. لذا حارب الزعيم قاسم الطائفية السياسية في الحكم والتي كانت أحدى السمات المفصلية للحكم قبل تأسيس الدولة العراقية الحديثة التي استمرت عليها لدوافع عديدة ووسمت المرحلة الملكية.. مما شكلت شرخاً قوياً في عدم تلاحم الهوية الوطنية العراقية التي منطقها الداخلي لا يستوعب النظرات الضيقة والولاءات الدنيا والمناهج الجزئية..
إن ” من يقرأ تاريخ 14 تموز عام 1958، لابد أن يلتمس نسيجها الوطني المعادي للطائفية والعنصرية، ولا نجافي الحقيقة إذا قلنا أن العراق لم يشهد طيلة تاريخه الحديث حاكماً يمقت الطائفية كالزعيم عبد الكريم قاسم الذي عمل طوال فترة حكمه والتي استمرت أربعة أعوام ونصف تقريباً وبشكل متواصل ودؤوب على إلغاء الطائفية من برامج الدولة العراقية، مما جعله يتبوأ مكانة خاصة في نفوس العراقيين على اختلاف عقائدهم ومذاهبهم ، فالمعارضون والمناصرون لقاسم لا ينكرون هذه الحقيقة.
وفي ملف الزعيم عبد الكريم قاسم شيئان لم يستطع أحد من المقربين إليه اكتشافها، وهما انتسابه العشائري وولائه المذهبي. وفي المقابل هناك شيئان أوصلا العراق إلى حافة الكارثة ( إن لم تكن في عمق الكارثة- ع.ن ) فيما بعد وهما تعصب الحاكم لعشيرته وولائه الطائفي. وربما تكون النشأة العائلية المتوازنة للزعيم قد ساعدته على ذلك. فقد نشا في مدينة محايدة لم تنشغل بقضايا العداء الطائفي أو العنصري، فقد ترعرع الزعيم في عائلة كريمة من سواد الناس والتحق بالجيش في ريعان شبابه وشارك في معارك فلسطين عام1948، كل ذلك منحه ثقة عالية بالنفس وعصامية لا تفخر بالأحساب وبالأنساب. ولهذا اكتفى باسمه الثنائي دون ذكر العشيرة أو اللقب أو اسم الجد … ولو استمر قاسم بالحكم فترة أطول لكان قد وضع المسمار الخير في نعش الطائفية. حيث كانت سياسة التدرج بإلغاء التمايز الطائفي التي سار عليها قد أثارت المخاوف في نفوس غلاة الطائفيين، فقد عثر إنقلابيو 8 شباط عام 1963 في مكتبه على مسودة القانون الجديد للجنسية العراقية و الذي كان سيلغي القانون القديم الذي يقسم العراقيين إلى مواطن من الدرجة الأولى والثانية، والذي أستغله صدام فيما بعد لتهجير أكثر من نصف مليون إنسان [64] “.

أنتقل الصبي عبد الكريم إلى المدرسة المأمونية في العاصمة بغداد, لينتفل إلى مدرسة الرصافة، ليتخرج بعد سنة واحدة، أي في نهاية العام الدراسي1926-1927. وقد رصد أحد معلميه حينئذ، حالة التي يتمتع به من ذكاء وفطنة وذاكرة القوية وقدرة على حفظ الدروس بدون عناء، لذا أخذ يرعى هذا الطالب ويحثه ووالديه على ضرورة إكمال دراسته اللاحقة ولا يتركها، لأن تسرب الطلاب بعد المدرسة الابتدائية كان عالياً جداً آنذاك.
كان عبد الكريم يعمل مع والده في ورشة النجارة بعد الدوام المدرسي وأثناء العطل الصيفية، مما أتاح له التعرف على طبيعة الأعمال الجسمانية ومشاق العمل مما عزز اعتماده على ذاته وتقوية شخصيته وتعزيز الثقة بها أكثر فأكثر. وكان في الوقت نفسه، يبعده عن مزالق الجنوح وما يترتب على التسكع في الأزقة والطرقات من مشاكل، ناهيك عن مساعدة والده واكتساب الخبرات الحياتية وما تطرحه من استفهامات فيما هو ومحيطه عليه.. هذا العمل كلن ، كما أشرنا سابقاً، قد مثل أحد العوامل المبكرة التي عودته على الصبر الذي اصبح حكمته الأولى في الحياة.
و بعد إكماله الدراسة الابتدائية بتفوق، يدخل عبد الكريم في الثانوية المركزية للبنين في عام 1927 ” وداوم فيها سنة واحدة ثم نجح إلى الصف الثاني الثانوي وترك المدرسة سنة واحدةلآسباب مرضية وداوم بعدها في الصف الثاني, فحاز شهادة الدراسة المتوسطة.. [65]” ويختار الفرع الأدبي، ويتخرج منها بعد أن قضى فيها مدة 5 سنوات عام 1931.
هذه الثانوية كانت الوحيدة في مدينة بغداد آنذاك، وكانت بمثابة المنبت الرئيس للكوادر المستقبلية للدولة العراقية. وكانت تضم بالأساس أبناء نخب الحكم السياسية في الدولة وأبناء العوائل الأرستقراطية والتجار وعلية القوم في المجتمع، ومن مختلف الطوائف والأديان. كما كانت تضم المدرسة عدداً قليلاً من أبناء الطبقات المتوسطة والفقيرة. حفز هذا الخليط الطلابي المتمايز طبقياً، الطالب عبد الكريم على مجاراة زملاءه من خلال التفوق العلمي.. بمعنى إن فقر حاله المادي كان حافزاً قوياً على بث روح التحدي لديه في هذا الوسط الاجتماعي. وقد نجح في تحديه، إذ اكمل دراسته الثانوية بتفوق كبير على مدار السنوات الخمس. وفي السنة الأخيرة أكمل دراسته في الدور الثاني, لأنه في” أثناء الامتحان النهائي ألم به مرض أضطره دخول المستشفى، ففاتت عليه فرصة الامتحان المذكور، ولما شفى من مرضه، أمتحن مع الطلبة المكملين ونجح في جميع الدروس بتفوق [66] “. كان عبد الكريم متفوقاً في كل مراحله الدراسية ( الابتدائية والثانوية وفي الكليتين العسكرية والأركان وكذلك الدورات المهنية) وكان دائماً ضمن المراتب الأولى حسب التقارير الرسمية وما أشار إليه أغلب مدرسيه.
لوحظ أثناء دراسته في الثانوية نزعته نحو تأكيد الذات بصورة أكبر مما سبق، مقترنةً بشغف التفوق العلمي على الآخرين. هذا الميل يبدو مستنبط من الإحساس بالمعاناة الطبقية مما وَلَدَ لديه نزعة روح الإصرار والتحدي والتفوق، في ظروف منافسة غير متساوية من حيث توفر إمكانيات الدراسة ولكون بعض الطلبة كانوا ينظرون بازدراء لزملائهم من العوائل الفقيرة وزادها حقدا لتفوقه المدرسي. كان الطالب عبد الكريم سباقاً لقاعة الدرس. وكان يجيب على أسئلة مُدرسيه بسهولة ويسر.
وفي الوقت نفسه ذاق مرارة التمايز الطبقي، خاصةً وكا اشار أصدقائه إلى أنه كان مرهف الحس ودائم التفكير بما هو عليه. وكان يرى ببصيرته هذا التناقض الذي بدء يعيه بصورة حادة، مما جعل منه لاحقاً متمرداً على التمايز الاجتماعية المرير.
بدأ هذا التحول الذي حدده شرط نشأته الأولى، ذلك أنه كان منذ وقت مبكر شديد الحساسية إزاء القضايا الوطنية والاجتماعية.. إذ منذ مراهقته، وحتى قبلها في صباه، وجد نفسه حاملاً احلاماً مستقبلية وهموما شتى.. منها على البعد العائلي وثقل الحياة المادية.. إلى هواجس الشباب واحلامها السياسية التي كانت مستعرة في الوسط المتعلم.. إلى اللبنات الفكرية الأولى التي بذرها الرواد الأوائل للفكر الاشتراكي في العراق والتي أخذ ذهنه يتفتح عليها.. إلى العاصفة الاجتماعية التي سرت في المجتمع العراقي حول المرأة وتحررها.. وحرية الرأي وثقافته.. والعمال وأرهاصاتهم الطبقية الأولى .. والمعاهدة العراقية- البريطانية لعام 1930 والمعارضة ضدها.. هذه الظروف شغلت الكوامن النفسية للمراهق عبد الكريم.. ترى كيف زاوج بينها.. واي منها لعب الدور المحرك في وعيه الاجتماعي وتجلياته؟ هذا ما لا استطيع البت فيه, لانعدام الوثيقة المكتوبة والشفاهية.
وفي الوقت نفسه يستحيل علينا، في الظرف الراهن، في غياب المعطيات الدقيقة والموضوعية، قياس عمق هذا الوعي الذي أكتسح عقل وروح الشاب قاسم ومداه.. لكن يمكننا القول أنه كون فكرة عامة، لا يخلو منها الغموض والمثالية، عن أسباب الظلم والتمايز الاجتماعيين، نظراً لقلة أو انعدام المصادر الفكرية التي يمكن أن تعلل ذلك بروح علمية بعيدة عن القدرية والتبريرية التي تزخر بها مصادر الفقه التقليدي الذي كان حضوره واسع في الحياة المعرفية.
لقد دَرَسَ عبد الكريم العديد من الأساتذة في الثانوية المركزية، عراقيين وعرب وأجانب، منهم: محمد بهجت الأثري؛ طالب مشتاق؛ شيت نعمان؛ وصديق الخوجة؛ علي مظلوم ومحمود الملاح وغيرهم. وقد تبوء بعضهم مناصب مهمة بعد 14 تموز. فمثلا أسند الزعيم قاسم منصب مدير عام مديرية الأوقاف إلى الأول، ومنصب سفير العراق في تركيا إلى الثاني، الذي كتب في مذكراته عن الطالب قاسم: ” أنه تلميذ قديم من تلاميذ المدرسة الثانوية المركزية في بغداد سنة 1927. أنه تلميذ هادئ، يبتعد عن مخالطة زملاءه، ويقضي فترة التنفس في زاوية منعزلة. مظهره يعلن عن فقر الحال وفقدان المال، مكتئب النفس، عابس الوجه، ضعيف البنية، مشروم الشفة العليا من جهتها اليسرى، وهذه العاهة، على ما يبدو سببت له شعوراً بالنقص جعلته منقبضاً على نفسه ويتجنب الاجتماع برفاقه والناس أجمع [67] “.
ينقل أحمد فوزي، رأياً لأستاذ مادة العلوم الطبيعية في الثانوية المركزية آنذاك وهو شيت نعمان الذي قال: ” أولاً – كان عبد الكريم قاسم يجلس دائماً في المقاعد الخلفية، لا يشترك في البحث ولا ينطق ببنت شفة. ثانياً- كان قذراً، انعزالياً، يرفل في ثياب رثة ممزقة. ثالثاً- كان يكثر من التغيب عن الدرس ولم يشترك في الامتحانات التي كانت تجري في الصف [68]… “.
يبدو أن النص متحامل ضد قاسم ويحاول النيل منه ومن فقره. كما أن هذا الموقف المسبق ذو الغائية الواضحة، تدحضها الوقائع المدرسية التي دللت على تفوقه في كل سنوات الدراسة..وهذا ما أكده الكم الغالب من المدرسين والوثائق الرسمية. ممكن كانت ملابس قاسم تدلل على حالة فقره، لكن استخدام مفردة( قذر) بعيدة عن الذوق والاخلاق وتنم عن حقد طبقي وربما سياسي.. وأغلب الظن كلاهما.. خاصةً وأن هذا القول قيل بعد ثورة 14 تموز وأثناء الاحتراب والصراع بين القوى السياسية.
ومما يلقي ضلال مكثفة من الشكوك، ما ذكره أستاذ الأدب العربي من أن الطالب عبد الكريم كان يحفظ الكم الوفير من جماليات الكنوز الشعرية العربية. وقد كان معجباً من شعراء تلك المرحلة، بالشاعر معروف الرصافي. لقد كان يحفظ له قصائد كثيرة كان يرددها دوماً. وهذا الإعجاب حسب رأي، كان من تأثيرات أستاذه الأديب مصطفى علي المعجب هو الأخر بالرصافي كأديب وكسياسي ناهض الاحتلال والمشروع البريطاني.[69]
لقد أتقن عبد الكريم اللغة العربية نتيجة ” كثرة قراءاته النحوية وكنت بعد أن أخذ مكانه في زعامة العراق، وصرت صحفياً ومدرساً للغة العربية، أتابع باهتمام – وكأي معلم- جمله الإعرابية، فاشعر بارتياح لأنه لا يلحن باللغة العربية…[70] , كبقية الزعامات السياسية في العراق ودول الجوار.
ويروي” ذو النون أيوب في كتابه ” الحقيقة والتاريخ” عن صديق له روى عن عبد الكريم قاسم، عندما زامله في الدراسة الثانوية، قوله: كان من الذكاء وسرعة الخاطرة، بحيث تزدحم الأجوبة على لسانه حين يسأله، فيتعثر في الكلام ويتمتم أحياناً، وقد وجه إليه مدرس اللغة العربية يوماً سؤلاً، مما يلقيه الأساتذة على تلاميذهم لاختبار مبلغ سعيهم، فأسرع عبد الكريم قاسم بالجواب.. وتمتم.. فضحك بعض التلاميذ، فنهرهم الأستاذ مغتاضاً، وقال جاداً:
– خير لكم أن تعجبوا بهذا الطالب وتقتدوا به… إني أتوقع أن يكون مستقبله غير مستقبلكم .. بل إني أتنبأ له مستقبل عظيم [71]… “.
ويؤكد رشيد مطلك أحد طلاب صف عبد الكريم هذه الواقعة بالقول: ” أنني أتذكر يوماً من أيام الشتاء في الثانوية المركزية وكنا وقتئذ في الصف الأول (ب) والدرس اللغة العربية والمدرس الأستاذ محمود الملاح وكان يجري معنا اختباراً شفهياً في قواعد اللغة العربية. ولما جاء دور عبد الكريم قاسم أنتصب انتصاب الجندي يرد على أسئلة الأستاذ وبسرعة مدهشة، كما يردد الصبيان المحفوظات بصوت جهوري، فاخذ بعض الطلاب يضحكون، فزجرهم الأستاذ الفاضل الملاح بعبارات لا يزال بعضها يرن في أذني: ” على من تضحكون يا سفهاء يا كسالى. إن هذا الولد أحسن واحد فيكم وسوف يكون له شأن كبير.. وكان ذلك قبل أثنين وثلاثين عاماً…[72]”
هذه العينة من الشهادات تؤكد الحالة التي كان عليها الطالب عبد الكريم قاسم، وسعيه المتواصل لأجل أن يتغلب على فقره من خلال دراسته في هذه المرحلة وتفسر إلى حدٍ ما نزوعه اللاحق نحو المساواة الاجتماعية التي تعمقت أبعادها عندما بدأ يتتلمذ على يد مصطفى علي, أحد رواد الفكر الاشتراكي.
يبدأ عبد الكريم في هذه المرحلة من الدراسة بمسيرة التثقيف الذاتي، إذ أن الكتب الدراسية لم تشف غليله إلى المعرفة وتفسير الظواهر الاجتماعية/الاقتصادية التي تطرحها الحياة بصورة متوصلة، كما إن هذه المواد التعليمية كانت غير وافية وتلقن بصورة مجردة وخالية من عناصر الشوق، والأهم ليس لها ارتباط بالحياة و بالواقع المعاش ومضامينه الاجتماعية، ذات أبعاد مثالية وغير مستنبطة من تاريخية ومنطقية المجتمع العراقي والعربي. كما كان التعطش للمعرفة يصطدم بقلة المتوفر من المصادر والأدبيات وخاصةً ذات المنحي العلمي في متونها والإنساني في توجهاتها..وبالتالي فالطالب عندما يفقد اهتمامه بما ينقل إليه يغلق عقله دونه، والنبيه منهم سيبحث من خارج المنظومة المقررة.
لذا لابد من ولوج طريق أخر، وهذا ما كان له.. حيث بدا في تقصي أثر مجموعة حسين الرحال, رواد الفكر الاشتراكي في العراق.. والذين كان يراهم يومياً مجتمعين في مقهى النقيب في محلة قنبر علي بالقرب من محل سكناه.. وكان صديقه رشيد مطلك من بين تلامذة هذه المجموعة، ومن خلاله تعرف على بعض أعضاءها وتلامذتهم (مجازاً) من سكنة المحلة ذاتها أو طلاب في ذات الثانوية، وتقرب من الأفكار التي كانوا يبشرون بها.
وقد ارتبط روحيا وبعلاقة تلمذة بالمعلم، آنذاك، مصطفى علي (1900- 1980) الذي تربطه علاقات قوية بابن بنت عمته محمد علي جواد، الضابط الطيار وأول قائد عام للقوة الجوية. وتعود علاقة عبد الكريم باستاذه أيضاً إلى الرابطة التي نشأت من خلال عمل والد عبد الكريم في ذات الورشة الصغيرة التي يعمل فيها (وقيل يملكها) والد مصطفى علي[73].
وعند قدوم أسرة عبد الكريم من مدينة الصويرة ” انتقلت إلى جوارهم في محلة قنبر علي وعبد الكريم صبيّ في عهد تكوينه النفسي. فكان الفتى يأتي يومياً إلى دارهم ويجلس عند قدمي مصطفى علي الذي يكبره نحواً من 14 عاماً، ليستمع إلى أحاديثه وأراءه. وظل عبد الكريم ملازماً لصاحبه معجباً به، أخذاً عنه حتى أصبح معلماً… ثم انتمى إلى الكلية العسكرية… [74]] ( التوكيد منا –ع.ن.) . واستمرت العلاقة مع قاسم حيث كان يستشيره قبل الثورة. و” كان في السنة التي سبقت الثورة يلتقي بمصطفى علي حيث يأتي إلى بغداد (كان برتبة زعيم-عميد ركن- ع.ن.) فيقول له أريد أن أتحدث معك في شؤون خطيرة.. وحين يبدي مصطفى استعداده يقول عبد الكريم ليس الآن، سوف نتحدث في فرصةٍ قادمة. وتكرر ذلك القول وتكرر الإرجاء حتى أُعلنت ثورة 14 تموز فإذا بمصطفى علي يسمع اختياره لمنصب الوزارة من الإذاعة دون سابق علم أو توقع [75]…”
لقد أثرت هذه العلاقة بقوة في شخصية الشاب عبد الكريم, والتي انصبت على الجانب المعرفي وعلى التوجه السياسي والنظرة الاجتماعية للحياة وفلسفتها. ومن يحلل شخصية مصطفى علي ومكوناتها وتطلعاتها المستقبلية، كما كان يعرضها في مقالاته السياسية والقانونية وسجالاته، في الادب والنقد الادبي، سيلاحظ أن تلميذه قد أستوعب العديد منها وأعتبرها منطلقاً في تجربته العملية وعند ادارته للصراع الاجتماعي، بعد استلامه الحكم.
وبتأثيرات استاذه أحب عبد الكريم شعر معروف الرصافي وحفظ له، واللغة العربية والاستمتاع بها، و(ربما) بـتأثيره دخل سلك التعليم، لأن مصطفى علي كان في بدء حياته العملية معلماً. كما أن الأفكار التحررية والنظرة التقدمية التي وسمت مواقف قاسم، والعديد من زملاءه الطلبة، كان قد استمدها مما كانت تطرحه جماعة الرواد الأوائل للفكر التقدمي ( جماعة حسين الرحال)، وما كان يتثقف بها عن طريق أستاذه، من قبيل :
الموقف من الاحتلال البريطاني، التحرر الاجتماعي، المضامين الاجتماعية لحركة الاستقلال، النزعة العراقية والوحدة الوطنية، الموقف من المرأة وحقوقها، حرية الفكر، ماهيات العقد الاجتماعي، التربية والتعليم، الموقف من الطبقات المنتجة وخاصة ما يتعلق بموضوع الفلاح والأرض.. وغيرها من المعالجات الفكرية والسياسية التي كان يبشر بها الرعيل الأول وأولئك من الرعيل الثاني بشقيه الديمقراطي الليبرالي والحلقات الماركسية ومن ثم الشيوعية.

خاصة وأن هؤلاء الرواد سبق لهم إشراك كل من العمال والطلاب، لأول مرة في الخريطة السياسية للبلد، وكانوا وراء تحركاتهم المطلبية..كما أشركوهم في حملتهم المناهضة للحد من الحرية الفكرية وكانوا يوجهون أراءهم إليهم.. فعلى سبيل المثال، نشر بكر عوني صدقي في العدد 2و3 من جريدة الصحيفة لسنة 1927مقالاً بعنوان ( كيان الرجعية ينهار) قال فيه :
” أننا نبغي الحرية ونعدها مثل الحياة الأعلى نبغيها في حياتنا الفكرية ونبغيها في حياتنا الاجتماعية وهم الرجعيون يمقتونها ولا يريدون أن يتعدوا دائرة التقليد المطلق وشتان بين ما نبغيه وما يبغونه ..فإلينا أيتها الشبيبة .. نقضي على الرجعية التي طالما فتت بعضدنا ولنجهر دوماً بحياة الحرية والأحرار…[76]].
هذه الأفكار جذبت قطاعاً واسعاً من الطلبة، مما هيأ رافداً جديداً للحركة الفكرية والسياسية، والتي ناضلت من أجل زعزعت أرضية القيم الاجتماعية التقليدية، ومن ثم الإطاحة بسلطتها السياسية والروحية.. كما مثلت هذه الأفكار وما يشتق عنها من برامج ومطالب، أداة جذب للشباب الواعي ووسيلة تفتح ذهني لهم.
وإذا لم تسمح الظروف الموضوعية لعراق تلك المرحلة، ولا الذاتية للحركة التحررية بكافة فصائلها، في تحقيق ما كانوا يصبون إليه، فإن ثورة 14 تموز ومفردات منهاجها وتوجهات قيادتها اللاحق المستوحاة من تلك الأفكار وما أضافته ضرورات الحياة، قد حقق الكثير منها، بل في بعض المفاصل فاق السقف العلوي لتلك البرامج. لنا من قانون الأحوال الشخصية لعام1959 خيرُ تعبير عن تلك الرؤى والتطلعات في صيرورة تطورها، وخاصةً بما يتعلق بالمرأة وحقوقها. أن موقف قاسم من المرأة قد حددته له تلك النظرات المعرفية للرواد الاوائل وموقفهم من المرأة العراقية وكفاحها من أجل إضفاء المسرة للأبناء وضمان مستقبلهم المأمون. يضاف إلى ذلك إفرازات الحياة الاجتماعية والتشريعية التي هضمت حقوق المرأة والتي لمسها كل مدرك وفطين.
حدد قاسم موقفه من المرأة، وذلك عندما قال مخاطباً مؤتمر رابطة المرأة العراقية في آذار 1959:
” إن الرجال مهما عظم شأنه فإنهم مدينون للنساء . فالنساء وللمرأة بالذات الفضل الأكبر في توجيههم، وقد أرضعتهم لبان العزة والكرامة والشهامة ودفعتهم إلى جليل الأعمال لخدمة الوطن. قد يكون الكثير من إخوانكم الرجال قد شاركوا وساهموا في الأخذ بيد المرأة، فكثير من النساء ومن الكواعب الحسان كن يرفلن في الدمسق والحرير وكثير من الشعراء تغنوا بجليل الأعمال والفضائل التي كانت تتمتع بها المرأة بالذات. ولكنني وأنا هذا الإنسان الضعيف، كنت أفتش عن ناحية أخرى للأخذ بيد أختي المرأة، الناحية الأخرى وهي الحرية إكسير الحياة… وأنني شخصياً سوف أفنى في كياني ودمي في سبيل هذا الشعب وفي سبيل مناصرة قضية المرأة بالذات [77] “(التوكيد منا-ع.ن).
هذا الرؤيا النظرية والموقف العملي لقاسم يتماثل ويتطابق مع ثقل العناية التي أولاها الرواد الأوائل للفكر التقدمي المتشرأب إلى حياة أعدل للمرأة في مجتمع متخلف وقاسي في قيمه وممارساته الحياتية، حيث كان اغلب أفراده يخضعون بصورة مطلقة لأسوء ما في قيم المجتمع البدوي/ الفلاحي، التي لا تمنح المرأة أية قيمة بشرية. كان قاسم في موقفه هذا وفي ذهنه حياة والدته ،كما أعتقد، حيث كانت تضفي على الأسرة الدفء والحنان إزاء نواقص ماديات المعيشة.. إن صراعها مع الحياة جعلها ترتقي بنظر أبناءها وخاصةً الأصغر منهم. هذه النظرة المساواتية للمرأة لدى قاسم وتداعياته السياسية والثقافية عكستها عدة قوانين صدرت في عهده منها على سبيل المثال : قانون الإصلاح الزراعي؛ قانون العمل والضمان الاجتماعي؛ قانون الإرث وتوزيع التركات, بالاضافة لإبى قانون الاحوال المدنية. ومن هذا المنطلق عين أول وزيرة في تاريخ العالم العربي والإسلامي عام 1959.
ومن خلال المعطيات القليلة والمتناثرة، وخاصةً الشفاهية منها، يبدو لنا أن الطالب عبد الكريم قد تأثر بالصراع السياسي والاجتماعي الذي أحتدم منذ النصف الثاني من عشرينيات القرن المنصرم، وعلى وجه الخصوص ما أثارته ما عرف بالأدب السياسي ب(مسألة النصولي) عام 1927وكذلك قدوم الداعية الصهيوني موند عام 1928، وهما المسألتان اللتان أرختا مساهمة الطلبة في العمل السياسي لأول مرة، حيث كان الطلبة بمثابة بؤرة الاحتجاج في هاتين المسألتين[78]. كانت الأولى تحمل في طياتها أبعاد الفتنة الطائفية البغيضة, كما يرسم أبعادها الجواهري الكبير بالقول إن النصولي: ” ارتبك خطأً بل حماقة حين انتقص من ذكرى استشهاد الامام الحسين … ورغم خطأ النصولي إلا إن عدداً من الطلبة وقف إلى جانبه ليس في افكاره بل ضد قضية الفصل, وكان ذلك يعني في الحالتين الوقوف ضد النزعة الطائفية… [79]”.
صحيح لم تتوفر الآن لدينا معلومات حول مساهمة الطالب عبد الكريم في هاتين الحركتين الطلابيتين . كما أنه لم يسلط الضوء على حياته ومنها نشاطه الطلابي، كم فعل الآخرون، صدقاً أم كذباً. إلا أن الدلائل القرينة (قد) توضح مساهمته في حركة الاحتجاج، شأنه في ذلك شأن أغلب الطلاب، الذين يمتازون بروح الحماس والتلاحم الجماعي من جهة، ومن جهة ثانية كان قادة الرواد الأوائل، الذين تأثر قاسم بأفكارهم، هم المحرضون الفعليين لحركة الاحتجاج، ومن جهة ثالثة أن اغلب قادة الطلبة في هذه الحركة كانوا متأثرين بأفكار الرواد ومن أتباعهم من أمثال: حسين جميل؛ عبد القادر إسماعيل؛ زكي خيري؛ محمد سلمان حسن؛ فائق السامرائي؛ عزيز شريف؛ رشيد مطلك وغيرهم، وكانوا كلهم في ذات المدرسة التي درس فيها عبد الكريم، وبعضهم كان في صفه أو/ و يسكن في محلته أو من أصدقائه أو زملاءه الذين يلتقون سويةً في مقهى المحلة أو في نادي التضامن الذي أجتذب إليه بشكل خاص الطلبة، حيث دعت بعض مواد نظامه الداخلي ” وبرنامجه المعلن إلى وحدة الشباب ونشر المعرفة …[80] “.
هذه الأفكار الجديدة التي أخذت تطرحها الحركة الطلابية كانت تتبلور وتتناغم مع نفسية الطالب عبد الكريم القادم من قعر واقع الفئات الاجتماعية الحالمة بالتغيير، تجد صدى لها في نفسه.. فمن جهة هي جديدة تطرق الوعي الاجتماعي، الفردي والجمعي، بقوة وبدون استئذان، ومن جهة ثانية كانت تعبر في ناهيتها عن جوهر مصالح هذه الفئات وتتناغم وتطلعاتها في الخروج من نطاق الإملاق المستديم، كما كان يدفعه محيطه وأصدقاءه ومعارفه ومعلميه وما يدور بينهم من مناقشات مشتركة أو أحادية من جهة ثالثة.
هذه الظروف كانت بقوة تجبره، إن لم يكن يختارها، على المساهمة في مجالات نشاطها العملي وفي التعمق في فهم مدلولاتها لتحقيق هدف التغيير. ومما نشط من صور تحدي الطلبة والمساهمة في الفعل السياسي، هو موقف السلطة ( مجلس الوزراء) الذي أقر، بصورة لا تربوية ووحشية، إصدار ” مرسومين بأثر رجعي برقمي 13و14 يُخول فيها وزير المعارف حق جلد الطلبة، فيما يخول الثاني وزير الداخلية حق وضع الأشخاص تحت الرقابة [81] “.
بعد هذين الحادثين شبت حركة احتجاج جديدة في مطلع عام 1930، أوسع زخماً وأخطر بعداً من الناحية السياسية وأكثر شمولاً من الناحية الاجتماعية, انصبت هذه الحركة على مناهضة المعاهدة العراقية/البريطانية والتي أبرمتها وزارة نوري السعيد الأولى( 23/03/1930 – 19/10/1931). كانت ماهيات المعاهدة في الضد من المصالح الوطنية العليا وتحد من الأبعاد الاستقلالية لعراق ما بعد الانتداب. لقد عارضت العديد من القوى السياسية المعبرة عن مختلف الفئات الاجتماعية، بما فيها بعض عناصر نخبة الحكم السياسية، ناهيك عن القوى الراديكالية آنذاك ومنها : الحزب الوطني العراقي، وفئات الطلبة والشباب الملتف حول شخصيات من مجموعة الرحال المنحلة والفئات العمالية والمهنية. وقد لعب طلاب كلية الحقوق والثانوية المركزية دوراً محسوساً في تثوير الشارع السياسي والنزول إلى التظاهر ضد المعاهدة.
هزت هذه الحركة السياسية الوعي الاجتماعي وتجليه السياسي وأدخل مفاهيم جديدة لم تكن متداولة سابقاً بين الناس بذلك العمق. ساهم العديد من شباب محلة قنبر علي في هذه الحركة الاحتجاجية و ( ربما) الطالب عبد الكريم أيضاً، وقد تأثر بها بحكم مساهمة أقرباءه وأصدقاءه وبعض من أساتذته الذين كانوا من المحرضين والمنورين في هذه الحركة، وقد تفاعل مع جوهرها المنصب على تحقيق الاستقلال السياسي الكامل بعيداً عن الوصاية البريطانية.
هذا الظرف والفعل الماديين تبلورا في وعي الضرورة لدية وأمسى يمثل أحد غائياته المستقبلية وحلقة مركزية من مبادئه الأرأسية. عبر عن ذلك في مؤتمره الصحفي المنعقد في 28 /07/1958 بالقول : ” منذ تخرجي من الكلية العسكرية لاحظت الأوضاع تسير من سيئ إلى أسوء ، وصممت من ذلك الوقت على قلب هذه الوضاع رأساً على عقب[82] “. هذا التصميم/ الغاية سبقه بالضرورة الإحساس بالواقع قبل أن ينتقل إلى فعل ممارسة عضوية.
إن هذا الإحساس بالأوضاع تبلور بالتزامن مع جملة من المشاكل الأساسية التي طرحتها صيرورة تطور الحياة ونمو الوعي الاجتماعي، أمام المجتمع العراقي وحركته بالعمق، منها :
– ما يتعلق بالاستقلال السياسي للبلد وإنهاء الانتداب البريطاني؛
– ضرورة القيام بالإصلاحات الاقتصادية وتطوير القوى المنتجة، وخاصة بالريف؛
– تحقيق الإصلاحات الاجتماعية والتقليل من الفقر والتخلف؛
– بدايات بروز النخب العسكرية وصعود دورها كمراكز قوى مؤثرة؛
– مسألة التمايز الطائفي/القومي وضرورة الوحدة الوطنية؛
– بروزعواقب التغيرات في الملكية الحقوقية للأرض وتهجير الفلاحين وتكون أحزمة مدن الصفيح حول المدن الكبرى وخاصةً بغداد والبصرة؛
– التطورات السياسية والاجتماعية في دول الجوار ونمو الحركة الاستقلالية في سوريا، وخطر تواطؤ بريطانيا مع الحركة الصهيونية وبعض الحكام العرب آنذاك.


3.3-المعلم:

في مثل هذه الظروف وغليان الحراك الاجتماعي ينهي بتفوق الطالب عبد الكريم دراسته في الثانوية المركزية عام 1931. آنئذ طرح الواقع عليه ضرورة الاختيار بين طريقين.. إما العمل أو مواصلة الدراسة الجامعية.. أي الخيار بين ذاته وطوحها وبين ضرورات مساعدة العائلة وانتشالها ما أمكن من حالة الفقر ووطأة الحاجة المادية، وتخفيف العبء عن كاهل الوالدين وتوفير الحد المعقول من متطلبات المعيشة.
بوعي مدرك وحث من بعض أساتذته وأقرباءه حسم الشاب عبد الكريم صراعه الداخلي وأختار طريق العمل وترك إكمال طموحاته للمستقبل المؤجل والمؤمل. مثل هذا الظرف مر بكم كبير من أقرانه الطامحين من أبناء العوائل الفقيرة، حيث تحت ضغط الظروف الاقتصادية غالباً ما يتسربون من الدراسة، في مستوياتها المختلفة، ويدخلون سوق العمل لكسب قوتهم اليومي ومساعدة عوائلهم. لذا فالخط البياني لطلبة الدراسات الجامعية آنذاك كان يؤشر إلى كونه، في الغالب الأعم، مقتصر على أبناء الطبقات الميسورة و فئات نخب الحكم، وبدرجة أقل بكثير من أبناء الفئات الوسطى، ومن النادر جداً من أبناء الفقراء والمدن الصغيرة البعيدة.
ضمن هذه الظروف يتقدم الشاب عبد الكريم للعمل في مهنة التدريس ويتم تعينه بصفة معلم ابتدائية بتاريخ 22/ تشرين الثاني 1931, وبناءٍ على رغبته الطامحة إلى معرفة ودراسة واقع المجتمع العراقي، يطلب العمل خارج مدينة بغداد.. وتلبيةً لذلك يتم تعينه معلماً للغة الإنكليزية في مدرسة الشامية الابتدائية الرسمية للبنين في مركز قضاء الشمامية التابع إلى لواء الديوانية( محافظة القادسية حالياً ) وقد بلغ من العمر 17 عاماً[83].
ترى هل اختياره مهنة التعليم جاءت بناءً على رغبته أم نتيجة لانغلاق منافذ العمل الأخرى؟ أم كانت بتحبيذ من معلمه الأديب مصطفى علي الذي كان يرعاه من الناحية التوجيهية والفكرية؟ أم لأنه وبعد ” إكمال الثانوية 1931، لم يتمكن من الدخول للكلية العسكرية فاشتغل معلماً…[84] |، كما يذهب إلى ذلك خليل إبراهيم حسين. لكنه لا يذكر مصدر معلوماته ولماذا لم يقبل في الكلية العسكرية.هذا الاختزال في العرض يلقي بظلال الشك على المعلومة، خاصةً إذا عرفنا أن سياسة القبول في الكلية المذكورة، كان محدوداً في تلك السنة وما قبلها ويكاد أن يكون مقتصراً على أبناء الضباط ورؤساء العشائر ونخب الحكم.
التحق عبد الكريم قاسم في عمله، في الوقت الذي تسير الدولة عبر تشريعاتها إلى إقحام علاقات الإنتاج شبه الإقطاعية في الريف من خلال تغيير واقع الملكية الحقوقية للأراضي الزراعية وتسجيلها باسم شيخ العشيرة والملاك الغائبين ( المقيمين في المدن) من كبار أعضاء نخبة الحكم والمتنفذين في الدولة وكبار التجار.
كان التعليم متخلف بصورة مهولة آنذاك، وشبه معدوم في المدن الصغيرة والمناطق الفلاحية. إذ أن عدد المدارس في عموم البلد كانت 279مدرسة عام 1927في مستوياتها الثلاثة( الابتدائية والمتوسطة والإعدادية)، التحق بها في حدود 28028طالباً وطالبة. كما لم تزد نسبة المتعلمين في البلد عن 3% من السكان البالغ عددهم في حدود ثلاثة ملايين نسمة[85].
كما لم تكن المدارس في المدن الكبرى مستوفية مستلزماتها التربوية، كان التلقين هو الأسلوب الشائع في التدريس. والدوام كان بوجبتين ، صباحية ومسائية. وكانت الصورة أعتم بالنسبة للمدارس في المدن الصغيرة إن وجدت، مثل قضاء الشامية، حيث كانت فيها مدرسة واحدة فقط تبرع في بناءها الحاج حمود العطية والد السياسي في الحزب الوطني الديمقراطي والوزير السابق هديب الحاج حمود. وكان يتعلم فيها أبناء موظفي الدولة, كذلك أبناء الإقطاعيين الجدد وأغنياء الفلاحين جنباً إلى جنب مع أبناء الفلاحين المتوسطين والفقراء على قلتهم، إذ كانوا يمثلون نسبة صغيرة جداً، وغالباً ما يتسربون من الدراسة بعد سنوات قليلة، ليلتحقوا بمراتب المؤسسة العسكرية أو الأمنية في الغالب.
كانت مدينة الشامية هي أشبه ما تكون بقرية زراعية كبيرة من حيث الأبعاد الحضارية، وكانت تتعامل اقتصادياً مع محيطها القرب في منطقة الفرات الأوسط وكانت واردات القضاء ومردوداته المالية عالية جداً آنذاك حسب قول الوزير السابق هديب الحاج حمود[86]. وكانت تحكمها العلاقات العشائرية وتحالفاتها ومنظومة قيمها. فشمال القضاء تسكن عشائر العوابد وجنوباً عشائر الحميدات, وكلاهما يعودون لعشيرة بني حسن. لقد أصاب المنطقة برمتها الإهمال المتعمد من قبل مثلث الحكم [سلطة الانتداب؛ العرش والوزارة]، لكونها من المناطق المغضوب عليها بسبب مشاركتها الكبيرة في ثورة العشرين.
لقد استفز مكان العمل المتسم بعمق التخلف وقساوة الظروف الحياتية، المعلم قاسم من الأعماق. وهاله رؤية الفوارق الطبقية والتراتيبية الاجتماعية، مما دفعه كل هذا إلى استقراء الواقع والمقارنة عما عليه الحواضر الأخرى كبغداد.. زاد ذلك تعمقاً ما كان يشاهده من طرد كيفي واسع للفلاحين نتيجة تغيير علاقات الملكية الحقوقية للأرض.. والتي اقترنت بتقنين العلاقات الاجتماعية ضمن ما يسمى ” قانون دعاوى العشائر المدنية والجزائية [87] “.
هذه المعايشة المادية حفرت في أخاديد عقله وروحه ،مسألة ضرورة تغيير هذه العلاقات الإنتاجية لأجل إنهاء حالات الاستلاب المادي و القهر المزمن، وتكييف أوضاعهم وفقاً للقانون المدني وربطهم بالتطور العام للبلد وتقليل ما أمكن من التفاوت بين الريف والمدينة.
هذه الأفكار التي أصبحت أهدافاًله لاحقاً، طرحت على الشاب قاسم ضرورة تفسير هذه الظواهر المنتشرة في الريف ومسبباتها والعلاقات والقيم السائدة فيها والمستنبط من العالم المعزول والمتميز بالحضور القوي والمكثف للخرافة والفنتازيا والإحساس المبهم بالزمان. لذا حاول تفسيرها من خلال القراءة المعمقة مما متوفر له من أدبيات سياسية وللمواضيع الاجتماعية والتاريخية، بغية سبر غور هذه الظواهر وإيجاد تفسيرات للوضع الخرافي السائد اللامعقول. لذا اعتكف المعلم قاسم مع ذاته يتحاور وإياها أو مع كتبه. فكان كما قال مدير مدرسته في حينه أن:” المعلم عبد الكريم قاسم ملفت للنظر بوداعته وقلة كلامه وحدبه على طلابه وبعده عن أي نوع من القسوة التي كان يمارسها الكثير من المعلمين حين يستثيرهم الطلاب الأشقياء الذين يثيرون أكثر المعلمين وداعةً وحلماً [88]”.
كما انه كان خلافاً لزملائه المعلمين يرفض الجلوس في مضايف الشيوخ لأجل قتل وقت الفراغ بعد انتهاء الدوام الرسمي، إذ غالباً ما كان يخرج بصحبة كتبه في اغلب الأوقات إلى عمق الريف مستطلعاً الحياة اليومية الواقعية ومحاورا ًذاته عن المحيط الاجتماعي ومظاهره- عن الوضع البائس الذي يلفه بكل أبعاد كينونته الحية .[89]
يستذكر هديب الحاج حمود الذي كان طالباً في ذات المدرسة, قائلاً: “كان هناك سكن ريفي لوالدي يطلق عليه الناس أسم (القصر) حيث يَقْدم بعد العشاء موظفوا الدولة البالغ عددهم 12 موظفاً ويجتمعون بالدار ويتسامرون.. والوحيد الذي لم يأتي كان المعلم عبد الكريم قاسم. كانت مدرستنا الوحيدة في القضاء وكانت مختلطة. دخلت فيها عام 1927وقد درسني المعلم عبد الكريم اللغة الانكليزية في الصف السادس الابتدائي وعندما كان يدخل الصف الذي أدرس فيه.. كانت الرهبة لا تفارقه.. وكانت علاقته بالطلاب طيبة جداً.. وبعد انتهاء الدروس يرجع إلى داره.. ولم نكن نعرف سبب إنزواءه [90]” كان الشاب قاسم يؤثر العزلة على مخالطة الناس الذين ينعدم عندهم الإحساس بالوقت ولا يشعرون بأهميته. كان في تلك الفترة أميل إلى الحوار مع النفس منه إلى حوار الغير.
وقد سبق لهديب الحاج حمود أن أكد هذه الحالة، بالقول: ” أن عبد الكريم قاسم كان معلماً ناجحاً في درس اللغة الإنكليزية وكان منعزلاً عن زملاءه وعن سكان القضاء. فلم يقم أية علاقة صداقة مع أي شخص في قضاء الشامية بالرغم من أن زملاءه المعلمين كانوا يترددون على مجالس الضيافة في القضاء[91]” . كما “… كان أسلوبه في التدريس ناجحاً. حيث كان يعطف على التلاميذ الصغار الذين يأتون إلى المدرسة بملابس رثة ممزقة لكونهم أبناء فلاحين وفقراء الحال … [92]”.
وتأسيساً على ذلك حصل المعلم عبد الكريم قاسم في شهرمايس/ايار عام 1932 على شكر من مدير معارف المنطقة الجنوبية في البصرة وذلك لاهتمامه بالصف المختص به. وثبت في شهر تموز من ذات العام في وظيفته كمعلم في مدرسة الشامية الابتدائية الرسمية لكفائته وجدارته.[93]
لكن .. لم ترق مهنة التعليم إلى نفسية الشاب عبد الكريم، والتي عمل فيها عاماً دراسياً واحداً. إذ تصادمت المهنة، كواقع عمل وآفاق مع طموحاته الذاتية المشبعة بالكثير من حماس الشباب والمتأثرة بما كانت تطرحه الأفكار الجديدة والمتسربة بهدوء في عقول الجيل الجديد .. جيل مرحلة الانتداب والصراع من اجل الاستقلال السياسي. هذه الأفكار كانت تلبي طموح الواعين من الشباب، نظراً لمعالجتها إشكاليات الحياة بصورة علمية وموضوعية أكثر, حتى أمست محركاً روحياً لهم وخاصةً شبيبة المدن الذين كانوا يصبون إلى الخروج من ذواتهم الفردية وولاءاتها الدنيا وما يناظرها من قيم ، إلى المجتمع الأرحب حيث الحرية في التفكير والممارسة الواعية، لأجل ان ينتقوا ما يلائمهم دون أن يكون[ إنسان – لاقطة] يرضخون للقيم الاجتماعية المفروضة عليهم والمتناقضة وروح مستقبلهم.
وعلى ضور ذلك قدم في 30/9/1932 طلباً إلى مدير معرف منطقة البصرة بأن يُعد مستقيلاً اعتباراً من 1 تشرين أول1932, رغبة منه في إكمال تحصيله العالي. وقد وافق عليها مدير معارف المنطقة في 5 تشرين الأول من ذات العام.[94]

صاحب السفرطاس

 أحمد عبد الحسين -العراق
نحن لم نرَ الزعيم عبد الكريم قاسم، ولدنا بعد مقتله بسنوات، لكنْ رآه آباؤنا عياناً في حياته ثم رأو صورته مطبوعة على صفحة القمر بعد مماته، ورأوه حياً في مدنٍ أنشأها لهم من العدم، في حكايات متواترة عن بساطته وتواضعه وحبه للعراق وتفانيه من أجل الناس، حكايات أقرب إلى أساطير وشطحات خيال أناس بسطاء مع أنها حقيقية.

لم نر الزعيم الذي أحببناه لحبّ آبائنا له، كم من مرة يتذكره الأبُ وتسيل على خديه دموع يحاول أن يحبسها ولا يستطيع، كم شمعة أشعلتها الأمّ منتصف كلّ رمضان من أجل روحه، الصور المخبأة في صندوق الأمّ، صور الزعيم الذي بات بطل طفولتنا، اختلطتْ ـ بشكل مبهم وغامض ـ مع صور الأئمة الملوّنة، مع صورة المنقذ التي ندخرها في أعماقنا كزهرة أمل نخشى عليها أن تذبل.
لم نره في جريدة أو في القمر، لكننا حين كنا نسير في المدن والأحياء التي أنشأها الزعيم كنا نعرف أن هذه المدن مدن “كرّومي” وأحيائه، نعرف أن التأميم فكرته، نتذكر سفرطاسه الشهير،وقوله لصاحب المخبز حين رآه يعلّق صورة كبيرة له:” صغّر صورتي وكبّر الرغيف”، نتذكر ابتسامته العذبة، وجهه السومريّ، تكالب الضباع عليه من كلّ حدبٍ وصوب، ونشعر بأنه لم يمتْ، ما زال حياً، وحياته إدانة لكلّ من جاء بعده من حكام منذ مقتله وإلى يومنا هذا.
الذين قتلوه كشفوا عن غبائهم حين ألقوه في النهر ليطمسوا أثره، لم يريدوا أن يكون له قبر يزار، لكنهم دون أن يشعروا جعلوه أسطورة عراقية مثالية، اختلط مع ماء العراق، صار يذكرنا بأطياف تموز والحلاج، شأنه شأن أرباب الخصب في بلد لم ير الخصب بعده.
نحن الذين لم نر الزعيم في جريدة أو تلفزيون أو قمر، يمكن أن نرفع صورته الآن أمام حكامنا الجدد، يمكننا أن نقول لهم: إن هذا الرجل حكم خمس سنوات وأنشأ مدنا كبيرة، فماذا فعلتم أنتم في تسع سنين جعلتموها عجافاً؟ كرّومي مات وليس له بيت، كان ينام على الأرض وزاده في سفرطاسه، وأنتم لم تكفكم أموالكم “الشرعية” التي تتقاضونها “وهي أرقام فلكية” فعمد كثير منكم إلى اللصوصية، حتى جعلتم مال العراق نهباً بينكم.
لسنا بحاجة إلى براهين على فشلكم سادتي لكننا ـ استذكاراً لزعيمنا المحبوب وتبركاً به ـ نريد أن نرفع اسمه حجةً وبرهاناً ودليلاً دامغاً على فشلكم المزمن وانعدام صدقكم وإخلاصكم ونقصان وطنيةٍ واستفحال لصوصية وكراهية شعبٍ لم يحبّ زعيماً بعد كرومي.
اكنزوا المالَ بأشدّ مما فعل قارون، تجبّروا كما تجبّر صدام، اضحكوا على ألم الناس لكنْ هيهات أن تطمعوا بنيل حبّ العراقيين لكم، فهم لا يحبون إلا الزعيم الذي يدخل القصر ومعه سفرطاس.

تعقيب

 لم يكن لعبد الكريم قصر ولا قبر . كان يسكن بيتا مستأجرا في العلوية . ومن يختار ان يسكن في قصر يا احمد .. لن يختار سفرطاس الفافون بطوابقه الثلاثة .. ولن يجعل من صرائف المهاجرين والمهجرين واكواخ الفقراء هما وهدفا . من يختار ان يسكن قصرا يا احمد عبد الحسين يخسر نبل الفقر الى الأبد .. ويتحول الى طاغية ارعن . لقد عاش هذا الرجل ومات ببزته العسكرية . . متنقلا بين العلوية وباب المعظم .. مستعرضا كل يوم وجوه العراقيين .. وقلوبهم معا . لم يكن الجميع على وفاق معه .. فمن ذا الذي يستطيع ان يحكم كائنات خرافية مثلنا .. في ذلك الزمان الذي امتدت عجائبه الى اليوم . وقد كنت طفلا حين حكم العراق .. وحين قتل . ولن انسى ما حييت جثة هذا الرجل معروضة على شاشة التلفزيون .. بينما يمسك احد الجنود بشعر رأسه الملطخ بالدم.. ويهزه يمنة ويسرة .. ويبصق عليه . بعدها رأيناه على سطح القمر .. وبعدها بكينا عليه كثيرا .. وقبلها شتمناه طويلا .. وفي يوم ما حملنا سيارته باذرعنا احتفاءا بوجوده بيننا .. ثم قتلناه .. وبصقنا عليه .. وقمنا بدفنه قرب معامل الطابوق .. ثم أخرجنا جثته ورميناها من جسر ديالى .. الى نهر كراهيتنا ونفاقنا الذي لاينضب . حسنا فعلت انك لم تكن موجودا لتكون شاهدا على ذلك كله . لقد ترفق بك القدر .. ورعاك الرب .. بحيث انك تستطيع ان تكتب بمحبة عن سفرطاس الفقراء .. وعن قصور الزعماء .. وقبورهم .. ومصيرهم الواحد . انت سمعت عن الزعيم وسفرطاسه السحري .. وانا عشت معه ..وعشت بعده .. كما عشت انت .. لتكتب عن هذا كله .. لعل وعسى تستفز كلماتك احدا ما .. فينفض الغبار عن سفرطاسه القديم .. ويغادر قصور الزعماء .. ويعود الى اهله 

الدكتور عماد عبداللطيف سالم- العراق

الجواهري وعبد الكريم قاسم

د. عقيل الناصري
 اول لقاء بين قاسم والجواهري
يصف الجواهري في مذكراته اول لقاء معه مع عبد الكريم قاسم بقوله:
في الملحقية العسكرية بلندن… كانت بعثة عسكرية خاصة تضم ملحقين وموفدين من ضباط يتسابقون عليَّ ويجرني الواحد بعد الآخر من أرادني ؟ وكان بينهم ضابط شاب، كان من دونهم، أشد إلحاحاً عليّ بأخذ حصة أكبر، أو الحصة الكبرى من الجلسات واللقاءات، من جملة ذلك أن اصطحبني إلى بيته وهو شقة متواضعة بملحقيتها. هذه ( الدويرة) شهدت ثلاثة لقطات،

 تصح أن تكون على بساطتها ذات كلمة ومغزى، لما سيكون لهذا الرجل من دورٍ خطير في تاريخ العراق… لم يكن هذا الرجل سوى عبد الكريم قاسم”. اصطحب الزعيم قاسم، الجواهري إلى مختلف مناطق لندن ليطلعه على معالمها، بعدما نفر من البرنامج الموضوع لهم ومن صحبة بعض الصحفيين الذين كانوا معه ضمن الوفد. كما كان قاسم بمثابة مترجم له عند مراجعة الأطباء وزيارة المعالم الثقافية. كان قاسم معجباً أيما إعجاب بالجواهري الكبير، في كثير من مواقفه السياسية المناهضة لسياسة نخبة الحكم وارتباطها ببريطانيا وفي دفاعه عن الفقراء والمحرومين، وفي قصائده الشعرية موضوعةً وهدفاً، المتميزة بالصورة الجمالية وصفاء اللغة، وسلمها الموسيقي المنفرد في انسيابيته. في ذات الفترة يسافر الوصي عبد الإله إلى لندن, حيث كان يقضي إجازته فيها, “وقد أرسل في طلب الجواهري, وتحادث معه طويلا حول ترشيحه إلى الانتخابات النيابية, وطلب إليه تمديد إقامته في لندن ليعود معه في وقت واحد إلى بغداد. لكن الجواهري اعتذر له لعدم امكانية بقائه لمدة أطول في لندن , إذ كان متضايقاً من اقامته فيها.. . خرج الجواهري من اجتماعه بعبد الإله متوجها إلى الموعد مع صاحبه (الضابط برتبة رائد), حيث حجز له موعداً مع طبيب الأسنان وفي الطريق تحدث إليه عن الانتخابات النيابية المزورة, وخلو مجلس النواب من أصوات وطنية محترمة, لكن الضابط انتقل بالحديث , إلى حفلة المساء الماضي وأبدى دهشته وارتياح الجواهري على كرنواليس. وأخذ يترجم له الخبر المنشور تحت الصورة في الجريدة وخبر رويتر قائلا ببراءة أن الشعراء مسموح لهم كل شيء, وهم يشكون من عدم وجود الحرية. أما نحن العسكريين, فلا نتمتع بأية حرية ولا نشكو من انعدامها “.
بعد ذلك, كان قاسم ( يتابع مواقفي الوطنية والاجتماعية، وبخاصة الشعرية منها. وكنت الوحيد الذي يناديني بـ ” الأستاذ ” أمام اتباعه وغيرهم وفي أكثر من موقف… “. كما كان قاسم منذ بدء علاقته “.. . صادقاً معي كل الصدق وأميناً كل الأمانة ونظيف كل النظافة في حفاظه على تلك العلاقة، وصحيح كذلك أنه لم يصل مدني واحد في العراق هذه الدرجة من الثقة والوطادة والعلاقة… حتى وصل الحد به إلى أنه أعلن وهو يفعل ما يقول: أنني لا أرد طلباً للجواهري … “
مع وفد اتحاد الادباء بعد الثورة
وفي الوقت ذاته أشار قاسم في خطاب له أمام وفدالأدباء العراقيين بتاريخ 13/9/1958 إلى علاقته بالجواهري الكبير بالقول: … تربطني بالجواهري صداقة ومودة قديمة مبعثها شخص الجواهري كصديق، وحبي للأدباء والأدب وحملة الرأي الثاقب ورسل الثقافة الذين يوجهون ابناء الشعب باتجاه مستقيم ويخلقون في الشعب روح النبل والشهامة التي ترفع من معنوياته واندفاعه، إن حملة الأقلام وأصحاب الرأي والفكر من الأدباء والكتاب منهم والشعراء المخلصين، لهم فضل في توجيه الرأي العام توجيهاً سليماً. لقد أخبرت الجواهري قبل هذا بأن الحركة التي قمنا بها كانت نتيجة لاندماج قوى الجيش والشعب معاً حيث أصبحنا قوة حطمت نظام الحكم البائد وما ثورتنا إلا نتيجة الكفاح المشترك من الناس المخلصين في هذا البلد وفي طليعتهم الأدباء .. . “
بعد عودتهما من لندن أخذ الوهن يتسرب إلى هذه العلاقة كما أخذت اللقاءات تتباعد، بسبب طبيعة عمل الزعيم قاسم العسكري ونضاله السري لأجل تغيير الحكم حسب طريقته الخاصة. وفي الوقت نفسه نضال الجواهري السياسي السلمي بالكلمة والنضال السلمي التحريضي لتهيئة بعض من ظروف مخاض التغيير المرتقب ومستلزماته، ضمن دائرة رؤيته لذاته التي تعتمل داخلياً وبصورة عفوية قوية على سجيتها : ” لعل الجواهري يُحِسُّ في قرارة نفسه بأنه لا أحد يصلح لقيادة العراق سواه.. . ” و “… يشعر في قرارة نفسه أنّه أكبر من أي رئيس, وأرفعُ قدراً من أيِّ ملك…” .
بمعنى آخر ” عاد الجواهري إلى بغداد ولم يعد يذكر صاحبه الضابط في لندن ولا الضابط كانت تسمح له التزاماته العسكرية وطبيعته الشخصية ومشروعه الخاص، بتوسيع دائرة علاقاته في بغداد، والاتصال بشاعر سياسي كالجواهري “، وغيره من السياسيين العاملين ضمن خارطة التغيير المرتقب في عراق تلك المرحلة. خاصةً والجواهري كان أشهر من نارٍ على علم, حيث “.. . عرف عن هذا الملك غير المتوّج الذي اسمه الجواهري أن توحد في مرحلة الاربعينيات بالناس توحداً يكاد يكون تاماً, واشتُهِر بينهم بصفته شاعراً سياسياً فريداً .. . ” في كل عصور الشعر العربي.” .. .أما سبب فرادته فهو أنه نقل الشعر السياسي من موضوعٍ إلى ذات.. . إن ما تحدث به الشاعر عن هموم الجماهير لم يكن من همومها هي وحدها, وإنما كان من هموم الشاعر نفسه, ولكنّ لهذا الشاعر من الموهبة الأصيلة ما يجعله يلتقط من همومه ما هو إنسانيّ, لا ما هو خاص به.. . “. استمر هذا الفراق المؤجل لغاية ثورة 14 تموز حيث تجددت العلاقة بينهما ثانيةً ببعدِ جديد ذا علاقة خاصة ومضامين بنائية مستهدفة.. وقد ” تقاسم الصديقان الزعامة!! عبد الكريم قاسم زعيم السلطة السياسية. والجواهري زعيم السلطة الثقافية وزعيم الصحافة “. وكان عبد الكريم قاسم “.. . يتعامل مع الجواهري صديقاً وسياسياً, كما هو شاعر كبير, فيشاوره في الأوضاع السياسية, ويجالسه طويلاً في الإسبوع أكثر من مرة.. . “. وهذا ما لم يحظ به الجواهري من أي زعيم عراقي أو غير عراقي حيث كانت علاقته بهم ذات صفة نفعية إن لم نقل زبائنية، إذ يطرقون بابه بغية حصولهم على مكانة لهم في شعر الجواهري. وبالعكس من قاسم الذي كان ينظر إليه كذات إبداعية كبيرة ووعي سياسي وأديب مكافح .. وهنا يسوق د. الأعرجي إلى واقعة ذات دلالة فيقول: ” فقد كان يحز في نفسه أنّ هذه الأحزاب العراقية يوم تقتسم المناصبَ السياسية, أو يوم يُخيَّل لها أنّها ستقتسم لا ترى فيه أكثر من شاعر, ومن هنا كان يروي بمرارةٍ أنّه زار الزعيم عبد الكريم قاسم ذات مَرّة في مقرِّه بوزارة الدفاع, فوجد الفقيد الأستاذ عامر عبد الله عنده, فكان في جلسة عامر ما يوحي أنه أعطى ظهره للجواهري, وتنبه الزعيم إلى ذلك فقال لعامر بشيء من العصبية: عامر , هذا الأستاذ الجواهريّ!
فعدل من جلسته.
هذه الصفة التي تمتع بها الجواهري في دفاعه وتبنيه مطالب الجماهير الفقيرة وتوحدهِ مع معاناتهم, هي التي دفعت قاسم أكثر فأكثر إلى لقياه, كمشروع مشترك وَمعلَمَاً أدبياً رفيعاً, والذي كان آنذاك في خضم التهيئة لانضاج البعد الذاتي لحركة الضباط الأحرار. وفي الوقت نفسه إعجابُ الشاعر العميق في لاوعيه يومها بشخصية عبد الكريم قاسم وهو يحث الخطى في اشباع جزء من الحاجات المادية للجماهير الواسعة من الفئات والطبقات الكادحة التي دافع الجواهري عنها وتوحد معها ومع تطلعاتها. ثم انتكست هذه العلاقة ضمن الخارطة الجديدة للقوى السياسية وموقف كل منهما إزاء ما كانت الحياة تطرحه من ضرورات والتزامات، من مهام وأعمال، وما رافقها من صراع سياسي/فكري طال المجتمع العراقي بكل مكوناته عمودياً وافقياً، وبالتالي أوجد ما أوجد من تفسيرات مختلفة ومتباينة لحل مثل هذه الإشكاليات. وحدث الافتراق بينهما والذي كان للبعد الذاتي فيه دوراً كبيراً لكلا الطرفين.. وإن كان للجواهري الكبير وروحه المتمردة ونرجسيته العالية القدح المعلى في ذلك وعدم تحقيق ” أحلام الجواهري التي كانت قد لازمته أربعين عاماً في أن يصبح وزيراً .. . ومن شعوره العميق بأنه هو الزعيم الحقيقي الذي عليه أن يُوجّه وليس سواه سواء أكان هؤلاء الزعماء زعماء سياسيين, أم جمهوراً, أو احزابا “.
وقد عبر عنها بعد ثلاثة عقود من الزمن في مذكراته، بصورة غير متسقة مع ماهية ذاته، ولا مع واقع صيرورتها الموضوعية، وغير مقنعة لا لنفسه ولا للآخرين.

اشخاص كما عرفتهم

أشخاص كما عرفتهم
فؤاد الركابى
أحمد ألحبوبي
فى مقهى تقع فى شارع الرشيد قبالة وزارة الدفاع فى بغداد تسمى (مقهى الدفاع) التقيت بفؤاد الركابى لأول مرة عام 1951 ، كان الدكتور تحسين معلة ، وهو طالب يومئذ بكلية الطب قد زين لى أن ألتقى بزمرة من الشباب القومى تتخذ من هذه المقهى مكاناً للقاءات تجمع القوميين للتعارف والتحاور ، فحضرت معه خاصة وأن تحسين معله كان من شباب حزب الاستقلال قبل انتقاله إلى بغداد للدراسة وما كنت أعلم أنه قد انحاز إلى حزب البعث وانتمى إليه بعد أن راح اسم هذا الحزب يتردد فى أوساطنا الطلابية كحزب قومى جديد ، قيادته فى سوريا .. قادنى تحسين معله إلى ركن فى المقهى كان يجلس فيه بعض الشباب ما أن رأونا حتى هبوا واقفين وكأنهم ينتظرون قدومنا وحصل التعارف بيننا وهم كل من فؤاد الركابى ، فيصل حبيب الخيزران ، زكى الخشالى ، عبد الكريم شنتاف وافسحوا لى مكاناً بينهم مع كثير من الترحيب والاهتمام وطلبوا لى (شاى حامض النومى بصرة) وأراد تحسين معلة أن يخفف من الجو الرسمى لأول لقاء بيننا فقال موجهاً الكلام لى يا أخ أبو شهاب كلنا طلاب واخوه وزملاء فالأخ فؤاد يدرس بكلية الهندسة ، والأخ زكى الخشالى طالب فىالثانوية وعبد الكريم شنتاف طالب بكلية الآداب والأخ فيصل حبيب الخيزران طالب بكلية الحقوق .. يعنى زميلك فى الكلية فابتسمت دون تعليق انتظاراً لما يتمخض عنه هذا اللقاء وقد أحسست أنه مدبر ومرت فترة صمت قطعها الأخ فؤاد الركابى قائلاً ما معناه … أن الأخ تحسين أعطانا فكرة جيدة عنك وعن نشاطك وإخلاصك للعمل القومى .. فشوقنا لأن نتعرف عليك فشكرت الأخوة على هذا الاستقبال وهذه الثقة ثم قلت أن الأخ تحسين لم يعطنى تصوراً أكثر من أننى سألتقى بشباب قومى فهلا تفضلهم بتنويرى عنكم ولمن تنتمون … فانبرى فؤاد الركابى قائلاً .. فشوقنا لأن نتعرف عليك فشكرت الأخوة على هذا الاستقبال وهذه الثقة ثم قلت أن الأخ تحسين لم يعطنى تصوراً أكثر من أننى سألتقى بشباب قومى فهلا تفضلهم بتنويرى عنكم ولمن تنتمون .. فأنبرى فؤاد الركابى قائلاً .. نحن بعثيون تنتمى لحزب البعث وهو حزب قومى قيادته فى سوريا .. وبصراحة نريدك أن تكون معنا بعد أن سمعنا عنك وعن نشاطك فبدرت منى ضحكة خفيفة ، ثم قلت أو تساءلت ألم يخبركم الأخ تحسين معله أننى منتمى إلى حزب الاستقلال وهو كما تعلمون حزب قومى ، فأجاب فؤاد نعم نعلم ذلك ولكن حزب الاستقلال لا يلبى طموحاتك وحماسك فهو حزب قد شاخ ونحن شباب وعندنا نشاط وطموح وتطلعات قد لا يقدر على تلبيتها حزب تقليدى كحزب الاستقلال … ثم سكت وراح يتطلع إلى رد الفعل على كلامه … فانقلبت سحنتى إلى ما يشبه الغضب فقلت رداً على كلام فؤاد … أما كان الأجدر والجدى بكم أن تكسبوا لحزب البعث شباباً جديداً (خاماً) بدلاً من العمل على تفتيت نسيج حزب قومى له قواعده وامتداداته ووجوده المؤثر فى الشارع … صحيح قد يكون حزب الاستقلال مقصراً أو قيادته قديمة أو تقليدية أو هرمه ولكن له سمعة قومية جيدة وقيادة نظيفة يجب إسنادها ودعمها لتلافى القصور والتغلب على المتاعب وتلافى السلبيات .. ثم حدجت تحسين معله بنظرة عتب عرف معناها فأشاح بوجه خجلاً .. ولما رأى فؤاد الركابى رنة الغضب والعتب فى كلامى أراد أن يخفف أو يلطف من وقع كلامه فقال : بالعكس يا أبو شهاب حزب الاستقلال حزب قومى وله نضاله ولكننا فى الحقيقة أردناك أن تكون معنا .. ومع هذا سوف لا نختلف معك فأنت أخ وصديق ونأمل أن نلتقى دائماً .. لم يتكلم أحد من الحضور بل كانوا يراقبون أو يتابعون الحديث بينى وبين فؤاد ونهضت مسلماً ومودعاً وتركت مقهى الدفاع وظل تحسين فى المقهى .. وما أن أصبح الصباح حتى بكرت إلى تحسين معله فى كلية الطب أعاتبه على تصرفه غير اللائق فأخذ يعتذر ثم قال إن الأخ فؤاد الركابى قد أعجب بك وبشجاعتك وإخلاصك وسألته عن موقعه من هذا الحزب الجديد خاصة وانه كان المتحدث الوحيد رغم أن فيصل حبيب الخيرزان أكبر منه سناً فأجاب أن فؤاد الركابى هو المسئول الأول وسألته عن عدد أعضاء هذا التنظيم فأجاب قليل ولكنه نشط وأغلب أعضائه من الطلاب والمعلمين .. لم أقطع صلتى بفؤاد الركابى فكررت زيارتى إلى مقهى الدفاع ولكن بشكل متباعد وزاد من لقاءتنا الاصطدام الذى حصل فى كلية الصيدلة بين الطلبة من جهة وعمادة الكلية من جهة أخرى الأمر الذى تطور إلى الاضطراب والتظاهر وتضامنت بقية الكليات مع كلية الصيدلة ثم تصاعد الموقف إلى التنديد بحكومة مصطفى العمرى سنة 1952 وأدى إلى انفجار كبير على مستوى الشارع بعد أن زجت الأحزاب السياسية بكامل قواها وراء المطالب الوطنية وأولها تشريع قانون جديد لانتخاب أعضاء مجلس النواب (غير مباشر) وكان الوضع السياسى المتأزم يستدعى لقاء وتنسيقا بين اللجان الطلابية ، فكثرت لقاءاتى بفؤاد الركابى وجماعته كتيار قومى سواء بمقهى الدفاع أو غيرها من الأماكن فى بغداد طوال المدة التى استغرقتها الانتفاضة وقد أخذت أبعاداً بعد حصول الاصطدام مع قوات الشرطة وسقوط قتلى وجرحى مما أدى إلى سقوط حكومة مصطفى العمرى ومجئ حكومة عسكرية رأسها رئيس أركان الجيش (نور الدين محمود) فأعلنت الأحكام العرفية وبادرت إلى تعطيل الدراسة واعتقال أعداد كبيرة من الطلاب كى تسيطر على الأمور .. فهربت إلى النجف متخفياً عن أعين الشرطة خوفاً من الاعتقال ولم أعد إلى بغداد إلا بعد أن أعلن عن بدء الدراسة فى الكليات .. وتباعدت لقاءاتى مع فؤاد الركابى ثم انقطعت بعد أن كثرت مسئوليات كل منا فقد عدت إلى النجف أعمل فى المحاماة والسياسة مسئولا عن فرع حزب الاستقلال وانصرف فؤاد يعمل فى الوظيفة الحكومية ويتولى فى نفس الوقت مهام قيادة حزب البعث وتعرض للاعتقال إبان العدوان الثلاثى على مصر سنة 1956 كما اعتقلت أنا فى كربلاء والديوانية ، وقد استطاع من خلال نشاطه ودأبه أن يجعل لحزب البعث وجوداً فى الساحة السياسية العراقية وأن يثبت أقدامه كحزب قومى من خلال نشاطه الملحوظ خلال العدوان الثلاثى المذكور فقد كان شباب حزب البعث مشاركاً فى كل الفعاليات سواء على مستوى الكليات والمدارس أو الشارع الأمر الذى أهله لأن يكون أحد المؤسسين لجبهة الاتحاد الوطنى التى انبعثت سنة1957 وقد تم ذلك بفضل ما كان يتمتع به فؤاد الركابى من إمكانات قيادية حكيمة وواعية. استطاع فى خلال بضعة سنين أن يخلق حزباً له حضور وأثر فى الساحة العراقية ..
وعند قيام ثورة 14 تحوز سنة 1958 اختير فؤاد الركابى وزيراً للأعمار ممثلاً لحزب البعث واستطاع أن يهيمن على جريدة الجمهورية التى صدرت بعد الثورة وذلك من خلال عناصر بعثية شابة ونشطة تفرغت لتحريرها .. ولكن سرعان ما دب الخلاف بين أطراف الجهة الوطنية ووقع الاحتراب مما أدى إلى استقالة الوزراء القوميين وانسحابهم من حكومة عبد الكريم قاسم منه وزارة الإعمار وصار مجرد وزير بلا وزارة (وزير الدولة) وبعد ثورة الشواف (8/3/1959) وانفلات الأمور وشيوع عمليات القتل والسحل اضطررت بعد إطلاق سراحى من معتقل (أبو غريب) إلى مغادرة العراق إلى السعودية عن طريق البادبة .. وأصدرت محكمة (المهداوى) أحكامها بإعدام كوكبة من الضباط والمدنيين ممن اتهموا فى الاشتراك بمؤامرة الشواف فتمإعدام العميد الركن (ناظم الطبقجلى) قائد الفرقة الثانية و(رفعت الحاج يسرى) مدير الاستخبارات العسكرية مع مجموعة كبيرة من الضباط القوميين …
فزادت قناعة فؤاد الركابى الذى آثر الاختفاء والقيادة التى معه ألا خلاص للعراق إلا بإغتيال عبد الكريم وهذا ما حصل فعلاً إذ جرت محاولة اغتيال عبد الكريم قاسم فى الشهر العاشر من 1959 فى شارع الرشيد كما هو معروف ولم يكتب النجاح لهذه المحاولة وتم إلقاء القبض على بعض المنفذين وعلى بعض أعضاء القيادة القطرية واستطاع فؤاد الركابى أن يترك العراق ومعه مجموعة من قيادات حزبه ..
والتقيت به فى القاهرة سنة 1960 .. والقاهرة إنذاك فى ستينات القرن الماضى تعج بحركات التحرير من إفريقيا وأمريكا اللاتينية فقد وجدت من قيادة عبد الناصر كالدعم والتأييد لمقارعة الاستعمار الفرنسى والإنجليزى كما ضمت القاهرة الكثير من العرب الذين لجأوا إليها لمواصلة النضال ضد أنظمة حكم عربية ناصبوها العداء ووجدوا فى القاهرة دعماً وملاذاً .. جاءوا من العراق وتونس ، والمغرب ، والجزائر، والأردن ، ومن الخليج العربى .. ولكل رابطة أو تجمع ولقاءات مشتركة فى المناسبات الوطنية والقومية . واذكر من الأردن كلاً من اللواء على الحيارى ، واللواء على أبو نوار ، واللواء صادق الشرع والأستاذ عبد الله الريماوى ، وبهجت أبو غريبة ، ومن تونس صالح اليوسيفى (اغتيل بعدئذ ، واتهم بورقيبة فى اغتياله) وإبراهيم طوبال .. واذكر من العراقيين .. فائق السامرائى (كان سفيراً للعراق فى القاهرة واستقال فى الشهر الثالث سنة 1959) والدكتور جابر عمر (وزير المعارف فى ثورة 14 تموز سنة 1959 وأقاله عبد الكريم قاسم) والأستاذ عبد الرحمن البزاز (رئيس الوزراء السابق) والأستاذ فؤاد الركابى (الوزير السابق) والأستاذ سلمان الصفوانى (صاحب جريدة اليقظة) والأستاذ محمود الدرة (الضابط السابق) والأستاذ عدنان الراوى المحامى والدكتور فيصل الوائلى (مدير الآثار العام السابق) والأستاذ علاء الدين الريس (الملحق الثقافى فى القاهرة) أحمد فوزى عبد الجبار المحامى وهلال ناجى المحامى والشيخ أحمد الجزائرى وعبد الله الركابى ، وسليم الزبيدى المحامى ، ورؤوف الواعظ ، ورشيد البدرى ومدحت إبراهيم جمعة ، وعبد الكريم الشيخلى ، وفاتك الصافى ، وزعداى الجبورى ودريد سعيد ثابت ،وياسين السامرائى وفالح السامرائى ، وحاتم العزاوى ، ورياض البنا ، وأياد البنا ، وتحسين النجار ، وصدام حسين التكريتى ، وعيادة الصديد وآخرين لا تحضرنى أسماؤهم . وكانت علاقة فؤاد الركابى بحزب البعث سيئة فى هذه الفترة بعد أن أدانت القيادة القومية للحزب (قيادة ميشيل عفلق)عملية اغتيال عبد الكريم قاسم الفاشلة وحملت فؤاد الركابى (أمين القيادة القطرية) ورفاقه فى القيادة مسئولية الانفراد باتخاذ قرار الاغتيال دون الرجوع على القيادة باعتبار أن الحزب لم يجز العملية الأمر الذى أدى إلى صدور قرار بتجميد فؤاد الركابى وبقية أعضاء القيادة القطرية .. وقد أصدر فؤاد الركابى كتاباً بعنوان (الحل الأوحد) برر فيه عملية الاغتيال ودافع عن موقف الحزب ورد على القيادة القومية .. لا كان مدحت إبراهيم جمعة هو مسئول تنظيم حزب البعث فى القاهرة فى هذه الفترة .. وحصلت القطيعة النهائية بين فؤاد الركابى وحزب البعث عند حصول انفصال الوحدة بين مصر وسوريا أثر انقلاب عبد الكريم النحلاوى فى 28/9/1961 وتأييد قيادة حزب البعث لهذا الانفصال .. وقد أدان كل من فؤاد الركابى وعبد الله الريماوى ومعهم قيادات بعثية أردنية وعراقية موقف جزب البعث المؤيد للانفصال ، ثم بادروا إلى تشكيل تنظيم جديد باسم (البعث الثورى) تم الإعلان عن قيامه فى بيروت من قبل كل من فؤاد الركابى وعبد الله الريماوى فى مؤتمر صحفى عقد لها الغرض ، وبذا انقسم البعثيون المتواجدون فى القاهرة إلى مؤيد للانفصال ومع القيادة القومية للحزب ، ومعارض لعملية الانفصال وبالتالى حسب على مجموعة فؤاد والريماوى ، وإن كان القسم الأكبر من البعثيين ظل على ولائه لقيادة (ميشيل عفلق) بل لم يخف ها الجناح من إظهار فرحته بالانفصال وقام البعض منهم بتوزيع الحلويات والشربات ابتهاجاً وشماته .. وفى القاهرة تزوج فؤاد الركابى من ابنة الأستاذ محمود الدره وقد حضر الرئيس جمال عبد الناصر عقد القران .. وبقدر ما ابتعد فؤاد الركابى عن صفوف حزبه القديم (البعث) راح يقترب أكثر فأكثر من القوى القومية ويقوى علاقاته معها ففى الصيف مثلا كنا نتواجد فى الإسكندرية ونمارس رياضة السباحة فى بحرها وكان فؤاد سباحاً ماهراً وقد اتخذنا من كابينة الأستاذ (فؤاد جلال) فى ميامى مكاناً للقاءاتنا صباح كل يوم وكان يلتقى فيها كل من فيصل الوائلى وجابر عمر وعبد الرحمن البزاز وفؤاد الركابى وعبد الله الركابى.
نجح حزب البعث فى الانقلاب على عبد الكريم قاسم فى 8 شباط سنة 1963 وتسلم خصوم فؤاد الركابى وعلى رأسهم (على صالح السعدى) زمام الأمور فى العراق .. وعاد العراقيون اللاجئون فى القاهرة إلى العراق وظل فؤاد الركابى فى القاهرة خوفاً من أن تتخذ القيادة الجديدة المحسوبة على قيادة (ميشيل عفلق) الذى يناصبها فؤاد العداء إجراء ما ضده فيما لو عاد إلى بغداد إلى أن حزم أمره يوماً فركب الطائرة المتجهة إلى بغداد ، وما أن حطت بمطار بغداد حتى طوقتها ثلة من الجنود وصعد (على صالح السعدى) نائب رئيس الوزراء ووزير الداخلية إلى الطائرة ونصح فؤاد الركابى أن يعود من حيث أتى وعلى نفس الطائرة وإلا سيكون مصيره الاعتقال والبهدلة إذا ما صمم على النزول إلى أرض المطار ، أسقط ما فى يد فؤاد وعاد إلى القاهرة على نفس الطائرة وظل فيها يراقب الأمور ويترقب الأحداث وقد راحت تتفاقم بين أجنحة حزب البعث الحاكم المتصارعة إلى أن تم تصفيتها جميعاً فى 18 تشرين ثان سنة 1963 وأبعدت إلى خارج العراق وعاد فؤاد الركابى إلى بغداد وقد استقبل استقبالا طيباً .. وذهبت ومعى كل من الأساتذة عبد الرازق شبيب (نقيب المحامين ورئيس الحزب العربى الاشتراكي) ، وزكى جميل حافظ المحامى ، وتوفيق المؤمن المحامى (نمثل قيادة الحزب العربى الاشتراكي) للترحيب بقدومه وكان يسكن بدار والده فى بغداد الجديدة ، وقبيل المغادرة انتحى بى جانباً ورجانى أن أعمل على إقناع الحزب الذى أعمل فى صفوفه (الحزب العربى الاشتراكى) بضرورة تبنيه باعتباره هو الذى يمثل تنظيم (الوحدويين الاشتراكيين) فى الأوساط السياسية العراقية ذلك لأن آخرين يحملون نفس اسم التنظيم دون حق وراح يذكرنى عن محاولاته بهذا الخصوص عندما كان فى القاهرة … خاصة وأن بعضاً من أعضاء حزب البعث الذين انشقوا عليه استعملوا اسم الوحدويين الاشتراكيين كأياد سعيد ثابت وغيره ..
رجانى أن أقوم بهذه المهمة مع قيادة حزبنا بحكم الزمالة الطويلة والعشرة والعلاقة الطيبة التى كانت تربطنا عندما كنا فى القاهرة فوعدته خيراً ثم أردفت قائلاً من أننى واثق أن سيكون لك مكان فى الساحة العراقية فأنت تتمتع بقابليات وإمكانيات تفتح كل المغاليق فابتسم دون تعليق كان عبد السلام عارف قريباً من التيار القومى بل يعتبر نفسه محسوباً عليه وراح يمد الجسور مع هذا التيار القومى بل يعتبر نفسه محسوباً عليه وراح يمد الجسور مع هذا التيار وهو الذى أقترح أن يقام تنظيم للاتحاد الاشتراكي العربى فى العراق على غرار ما هو موجود بمصر بدلاً من تشكيل جبهة قومية كانت الأحزاب القومية جادة فى إقامتها وتحمست القوى القومية لاقتراح عارف بإقامة تنظيم الاتحاد الاشتراكى العربى وبدا الإعداد إلى تشكيل لجنة تحضيرية وترددت أسماء بعض القوميين كأعضاء فيها كان اسم فؤاد الركابى احدها وقد علمت أن أغلب القوى القومية طرحت اسمه وهذا يعنى أن فؤاداً لم يضع الوقت بل راح منذ قدومه من القاهرة يعمل بجد ونشاط لدى كل القوى والأشخاص المؤثرة ويعرض نفسه ويطرح أفكاره حتى حصل على الثقة المطلوبة فالرجل يتمتع بموهبة الإقناع والقبول وسرعان ما استحوذ على أفئدة وعقول من بيدهم الحل والعقد ابتداء من عبد السلام عارف وطاهر يحيى وصبحى عبد الحميد وعبد الكريم فرحان والآخرين ، وعند تشكيل لجنة تنفيذية عليا تكون مهمتها وضع الميثاق والنظام الداخلى لتنظيم الاتحاد الاشتراكى كان اسم فؤاد الركابى فى مقدمة الأسماء المقترحة وتشكلت هذه اللجنة من أغلب القوى القومية العاملة فكنت والأستاذ غربى الحاج أحمد نمثل الحزب العربى الاشتراكى فى هذه اللجنة التى كانت تضم كلاً من : صبحى عبد الحميد ،
عبد الكريم فرحان ، الدكتور شامل السامرائى ، الدكتور عبد العزيز الدورى ، الدكتور عبد الكريم هانى ، عبد الستار على الحسين ، عبد اللطيف الكمالى ، سلام أحمد ، عبد الإله النصراوى ، فؤاد الركابى ، غربى الحاج أحمد ، أحمد الحبوبى ، لم تكن مهمة اللجنة التنفيذية سهلة أو ميسرة فقد برز وبشكل حادتباين الآراء وتعارضها وشعرت أن (الحزبية) ما زالت مسيطرة علينا فى حين أن وجودنا هنا من أجل تذويبها وخلق العمل القومى الموحد .. وآثرت الانسحاب من اللجنة بعد أن دخل فى روعى أننى إنسان (مشاغب) وقد يكون وجودى معوقاً لأعمال اللجنة .. وأعلنت انساحبى وتطويقاً لمردود انسحابى من اللجنة وما قد يجره من بلبلة أخذ فؤاد الركابى على عاتقه مهمة إقناعى بالعدول عن الاستقالة وزارنى فى دارى على غير موعد واصطحبني معه بسيارته (الفولكس واجن) نتجول فى شوارع بغداد محاولاً إثنائي عن الاستقالة وراح يستحلفنى بالأخوة والصداقة ألا أقف حجر عثرة أمام قيام تنظيم قومى رائد فشرحت له صعوبة تأقلمى مع الجو فوعدنى أن يتعاون معى من أجل تذليل كل العقبات حتى نستطيع خلق التنظيم المنشود .. فعدت واستقبل الزملاء عودتى بترحيب وأبدى الجميع استعدادهم وتعاونهم وهكذا انتهينا من صيغة الميثاق والنظام الداخلى وأقمنا المؤتمر القومى العام الذى أقر الميثاق والنظام وانحلت بالتالى اللجنة التنفيذية العليا وجرى انتخاب قيادة للاتحاد الاشتراكى من خلال مؤتمر مصغر جاءت وفق إرادة ورغبة عناصر عسكرية ومدنية جمع بينها التفاهم والانسجام وقد قاطع التيار القومى كله الاتحاد الاشتراكى بعد أن اصطبغ بلون واحد الأمر الذى حدا بعبد السلام عارف إلى أن يحل القيادة ويلجأ إلى تشكيل قيادة تابعة له وتأتمر بأمره وهكذا ضاعت فرصة إقامة تنظيم حقيقى يضم ويحتضن التيار القومى جراء طغيان نزعة التفرد والسيطرة .. وقد عاتبت فؤاد الركابى على هذا الموقف فراح يعتذر ويبرئ نفسه دون أن أقتنع ..
أخذ فؤاد الركابى مكانه فى ظل الوضع الجديد وعند أول تعديل وزارى اختير وزيراً للشئون البلدية والقروية .. ونشط فى العمل السياسى ثم كان أحد الوزراء الستة الذين استقالوا تضامناً مع عبد الكريم فرحان عندما اختلف مع عبد السلام عارف وراح يعمل مع آخرين مدنيين وعسكريين من أجل تشكيل (الحركة الاشتراكية العربية) التى ضمت عناصر قومية كانت يوماً محسوبة على حزب البعث وحركة القوميين العرب وبعض المستقلين والضباط … وسرعان ما دب الخلاف (الفكرى) بين أقطابها فقد جنح فؤاد الركابى نحو اليسار وأعاد علاقاته القديمة مع (على صالح السعدى) الذى جنح هو الأخر نحو أقصى اليسار .. وانصرف فؤاد الركابى فى هذه الفترة إلى إقامة تنظيم عروبى الوجه يسارى الاتجاه تمشياً مع المرحلة التى سادت فى ستينات القرن الماضى .. ولم يفق إلا على انقلاب 17 تموز سنة1968 ومجئ خصومة البعثيين إلى السلطة من جديد ، فسعيت غليه لأعرف وضعه فى العهد الجديد وخاصة وأنا أعرف مدى الكراهية التى يضمرها الانقلابيون الجدد لفؤاد الركابى فوجدت عنده بعض التفاؤل لأنه وكما قال داخ فى حوار متصل مع (أحمد حسن البكر) من أجل إعادة العلاقة وخلق تنظيم بعثى تدخل فيه العناصر القديمة (وعفا الله عما سلف ويا دار ما دخلك شر) حسب قوله فما كان منى إلا أن أضحك بصوت عال قائلاً : وهل تصدق الجماعة …! فأجاب (ما باليد حيلة ..) وافترقنا ولم تعد لقاءاتنا منتظمة كما كانت سابقاً فكلانا كان تحت المراقبة المستمرة .. وفى لقاء عابر سألته عن (الحوار) فأجابنى بفتور أن البكر أحاله إلى (شفيق الكمالى ، وزير الثقافة ، لاستكمال عملية الحوار ، ولم أعلق فأنا أعرف أنه غير مقتنع بعملية الحوار وأن الجماعة يلعبون به … وتباعد اللقاء ولكنه كان يرسل الأخ (عبد الله الركابى)
(ابن خاله) على مكتبى لتسقط الأخبار .. وألتقيته فى مكتب المرحوم هاشم الحلى (مدير المصرف الصناعى) وعرفت أنه المهندس المقيم والمشرف على بناية جديدة للمصرف الصناعى ووجدتها فرصة أن ألتقى به أسبوعياً تقريباً ذلك لأنى أتولى الشئون القانونية لشركة (الجوت) التابعة للمصرف الصناعى أيضاً .. وتعددت لقاءاتنا الأسبوعية فى مكتب هاشم الحلى (مدير المصرف الصناعى) وعرفت أنه المهندس المقيم والمشرف على بناية جديدة للمصرف الصناعى ووجدتها فرصة أن ألتقى به أسبوعياً تقريبا ذلك لأنى أتولى الشئون القانونية لشركة (الجوت) التابعة للمصرف الصناعى أيضاً … وتعددت لقاءاتنا الأسبوعية فى مكتب هاشم الحلي تحت مظلة (شرعية) له ولى فكلانا مرتبط بالمصرف الصناعى مهنياً .. ونتبادل الآراء ونقلب الأمور وكل منا يشعر أن الحيل يضيق حول رقبته فأنا قد اعتقلت مرتين وهو مراقب وملاحق ومضيق عليه .. وفى لقاء معه أخبرنى أنه يتعاون وينسق مع الحزب الشيوعى العراقى فحذرته من التمادى فى هذا الاتجاه فالحزب الشيوعى لا يستطيع أن يحميه من السلطة حتى لو كان داخلاً معها فى حوارات ولقاءات من أجل إقامة جبهة وطنية ولكنه ظل على موقفه وتعاونه مع الحزب الشيوعى وأذاعت محطة إذاعة موسكو بياناً مشتركاً بين فؤاد الركابى والحزب الشيوعى فيه بعض المآخذ على السلطة وقد عاتبته على هذا البيان وحذرته من مردوداته وأنه قد تسرع فالسلطة سوف لن تغفر له هذه (الزلة) حتى أننى اقترحت عليه أن يتخفى عن الأنظار كما كان يفعل فى الأيام الخوالى فأجابنى أنه لا يستطيع الاختفاء فان إمكانياته المادية لا تسمح له بذلك فهو المسئول عن بيت وعائلة وبحاجة إلى العمل .. وإن الظروف الأن تختلف عنها فى الخمسينات عندما كان أعزباً .. ولم تمر إلا أيام قليلة حتى لفقت لفؤاد الركابى تهمة استيلائه (على شيك) بمبلغ عشرة آلاف دينار وجئ بمهندس شهد زوراً ضده واعتقل فؤاد الركابى([1]) ثم سيق إلى (محكمة الثورة)
وجئ به إلى المحاكمة فطلبنى بالاسم للدفاع عنه ولم أكن موجوداً يومها فى غرفة المحامين فطلب جلال الطالبانى أن يتوكل عنه ولم يكن موجوداً هو الأخر فطلب عبد الوهاب محمود للدفاع عنه ولا أدرى هل حضر للدفاع عنه أم لم يحضر هو الآخر ولكن الحكم على فؤاد الركابى كان معداً سلفاً إذ حكم عليه بالسجن لمدة عشرة أعوام ونقل إلى سجن (بعقوبة) وتركت العراق وفؤاد الركابى نزيل سجن بعقوبة .. إلى أن دبر له رفاق الأمس عملية اغتيال داخل السجن تنفيذاً للوعيد الذى تلقاه يوم أن كان فى القاهرة أن سيكون مصيره القتل لأنه سعى إلى شق الحزب كما كانوا يزعمون .. فجئ بسجين من سجن آخر وادخلوه إلى زنزانة فؤاد فافتعل معه مشاجرة استل على أثرها سكيناً وطعنه برقبته وذبحه وراح فؤاد يصرخ (ذبحنى ذبحنى) وهو يمسك برقبته والدماء تنزف منه بغزارة وترك على هذه الحالة دون إسعاف وعندما نقل إلى المستشفى كانت دماؤه قد صفيت تماماً وصعدت روحه إلى بارئها سنة 1971 وهو ابن الأربعين عاماً .. وقد ترك ولداً وبنتاً .. وأقمنا له فاتحة فى القاهرة ومن سخريات القدر أن يحضر الفانحة سفير العراق فى القاهرة ولكنه خرج مشيعاً باللعنات.
كان رحمه الله علة من الذكاء وله ابتسامة ساحرة تكسب الناس ، يسيطر على أعصابه ولا يكاد يعرف الغضب ، عف اللسان ، دائم الابتسام يحسن المداورة والمناورة ومشكلته الأساسية أن يكون دائماً وسط الأضواء ومحط الأنظار وفى بؤرة الأحداث ولا يطيق أن يكون مهمشاً أو مهملاً ..
يعود له الفضل فى بناء حزب البعث العربى الاشتراكى فى الخمسينات فقد نذر نفسه ووقفها عليه ، يتحلى بصبر وجلد .. يحسن التنظيم واختيار العناصر الكفوءة وتوظيفها فى العمل الحزبى .. هو أول أمين سر قيادة قطرية لحزب البعث فى العراق وأصغر من تولاها سناً رحمه الله.

(1) يراجع كتاب (على طريق النوايا الطيبة) للدكتور خالد الصالح ، فقد تحدث فيه بإسهاب عن معاناة فؤاد الركابى عندما كان معتقلاً معه فى قصر النهاية.

طغاة .. وكرنفالات .. وقبائل – الدكتورعماد عبداللطيف سالم


عماد عبد اللطيف سالم 

الحوار المتمدن – العدد: 3523 – 2011 / 10 / 22 
المحور: الفلسفة ,علم النفس , وعلم الاجتماع 
راسلوا الكاتب-ة  مباشرة حول الموضوع     

لم يقدّم أي عقل جمعي , على مر التاريخ , ما قدمه العقل الجمعي العربي , للعالم بأسره , من سياقات ووقائع مريرة , ومن صياغة تكاد ان تكون غير مفهومة لتاريخه العام , وكتابة تكاد ان تكون عجائبية للتاريخ الخاص للحكام المستبدين ( وغير المستبدين ) في البلاد العربية , وما يرتبط بذلك من أختلاف في السلوك , وتشابه في المصائر .
وواحدة من أكثر وقائع هذا العقل دلالة , هي طريقتنا( نحن العرب ) في تنصيب الطغاة , وفي الخضوع لهم عقودا طويلة , ومن ثم في قتلهم ( دون توافر الشروط الموضوعية لهذه التراتبية في تقلب السلوك الجمعي , على وفق ما يقوله الكثير من المنظرين العرب الأفذاذ !!) .
أما لماذا يحدث كل هذا , ولماذا يتكرر حدوثه في بلداننا بالذات ,فهو تساؤل ينم عن سذاجة عقل ” فردي ” يرفض التسليم بحقائق العقل ” الجمعي ” العربي ذاته , وما يرتبط به من قيم وسلوكيات . كما ينطوي على ” حالة إنكار صفيقة ” تحاول تجاهل المقدمات المنطقية لبنية هذا العقل , لكي لا يتحمل ” الأنسان العربي ” مسؤولية النتائج المنطقية المترتبة عليها .
إن قلة قليلة من الكتاب والمفكرين العرب ( والعراقيين ) الشجعان , هي من حاولت الأجابة عن هذه الأسئلة ” الكافرة ” مرارا وتكرارا . وقلة قليلة , من الذين قرأوا ( أو أصغوا ) , إستوعبوا الدرس جيدا . وبالنسبة لهؤلاء , لم يعد منظر الطغاة – الآلهة ,( سواء في كرنفالات التنصيب , أو في حفلات القتل , وبالتعاقب ) مدعاة للدهشة أو الأستهجان , على حد سواء .
إن هذا السلوك الشاذ والمقيت , هو من فعل ذواتنا المقيمة هناك . في قلب الصحارى العربية الكبرى والصغرى . في مضارب العشائر , ودلاء القبائل , التي تشكلت قيمنا على وفقها , والتي لاتجرؤ عقولنا على مغادرة حدودها البالية بعد .
بهذا العقل العشائري – القبلي – العربي ذاته , تم تنصيب الساسة والشيوخ والقادة والسادة والزعماء , وقبولهم , والخضوع لهم , طيلة دهور مظلمة مديدة . وبهذا العقل ذاته تم قتل الكثير من هؤلاء ” شر قتلة ” .
إن كرنفالات التنصيب والخضوع والقتل الصاخبة لهؤلاء , لا تنفصل عن السلوك الأحتفالي – الأستعراضي للعقل العشائري- القبلي , بقيمه الثأرية المعمدة دائما بالدم , وبسلوك الغلبة والعصبية التي تكلست في عروقه المسدودة منذ ما يزيد عن الألف عام .
وهذا العقل ذاته هو الذي جعل السلوك الحاضر” للضحية ” , يتماهى مع السلوك السابق للجلاد ( الذي شرعت الضحايا بقتله الآن ) .
كما قام هذا العقل ايضا ببناء الدولة العربية على شاكلته . فأصبحت هذه ” الدولة ” دولة العقاب , وليس النظام . ودولة العاطفة , وليس القانون . ودولة الولاءات كلها , باستثناء دولة الوطن والمواطن .
ويخطيء من يظن ان لهذا العقل مقاربات عقلانية للسلوك الناجم عنه . فالعربي ( والعراقي بالذات ) لا يحب ولا يحترم ولا يؤمن ( في قرارة ذاته ) بقدرات من يقبل بتنصيبه وصيا – ملكا- عليه. وحين يشارك في قتله لاحقا , فأنه لايكرهه , ولا يعتقد ولا يؤمن ( في قرارة ذاته )
بأنه يستحق هذا القتل . وشيئا فشيئا , وخلال أيام قليلة بعد نهاية الكرنفال الدموي ( وربما في أثناءه ) سيبدأ الكثير من الضحايا المفترضين بالتعاطف مع الصورة الأخيرة , والمصير الأخير لجلادهم ” المغدور ” . الصورة الأخيرة لنهايته , ولا شيء آخر .
ولدينا كعرب ” وكعراقيين ” ملايين السرديات (الشفوية والمكتوبة ) حول بطش الطغاة ودمويتهم , وحماقاتهم , وانتهاكاتهم لحرمة الحجر والبشر . كما ان لدينا أيضا ( وفي الوقت ذاته ) ملايين السرديات حول شجاعة هؤلاء وحكمتهم وسعة أفقهم , بل وحتى عن صدق أبوتهم , وعمق تعاطفهم , وعدلهم مع الرعية .
إن إحتفالية التنصيب , مثل وحشية القتل , هي شيء لصيق بنا . هي جزء لا يتجزأ من ذواتنا المستباحة , التي زادها الطغاة ( أيا ما كانت عناوينهم وهوياتهم ) إغترابا وتأزما , طيلة تلك الدهور الطويلة الممتدة ما بين إحتفالية التنصيب , وإحتفالية القتل .
إن تنصيب الطغاة , بتأثير حاسم للعصبيات البدائية ,ثم الشروع بقتلهم , بتأثير حاسم للسلوكيات المرتبطة بهذه العصبيات , قد يقدم تفسيرا لظاهرة التتويج والقتل , التي يقوم بها شعب ما , في بلد ما , في زمن ما . غير ان هذا لن يسقط المسؤولية الأخلاقية عن اولئك الذين شاركوا بارادتهم في احتفالات التنصيب تلك . إن همجية ” القتل ” لاينبغي ان تبرر ابدا إسقاط جريمة ” التنصيب ” بفعل التقادم .
ومع كل ما تقدم , فأن ثمة مشاهد أخرى تبدوا شاذة , حتى في سياق هذه السلوكيات الشائنة , المرتبطة ببنية العقل العربي المأزوم . ويعيد العقل العشائري- القبلي انتاج مشاهد بعينها , كلما سنحت له الفرصة للقيام بذلك .
ويحفل التاريخ المعاصر للعراق بمشاهد مثل هذه .
فقد تم قتل العائلة المالكة في تموز 1958 , والتنكيل ببعضهم , والتمثيل بجثث البعض الآخر , مع ان هؤلاء لم يكونوا طغاة ابدا . كان العراقيون يحبون الملك فيصل الثاني حبا جما , وشاركوا عن بكرة أبيهم في حفل تنصيبه ملكا على العراق . وحين كان ” الملك – الطفل- المحبوب ” ( كما كان العراقيون يصفونه آنذاك ) يغادر قصر الرحاب مع افراد عائلته ( ومعظمهم من النساء .. واحداهن كانت ترفع المصحف الشريف فوق رأسه ) , قام بعض ” ثوار تموز ” بأطلاق الرصاص عليهم دون تمييز . وقام ” الرعية ” لاحقا بالأحتفال بسحل الوصي على العرش”عبد الآله” واستعراض اوصاله المقطعة في شوارع بغداد الرئيسة .
ولم ينج ” نوري السعيد ” رئيس وزراء العراق , لسنين طويلة وصعبة , من مصير مماثل .
وإذا كان بعض الحكام العرب يستحقون المصير الذي آلوا اليه , فماذا عن ” الزعيم عبد الكريم قاسم ” ؟؟
ألم يكن زاهدا , ونزيها , و ” نصيرا للفقراء ” , ووطنيا ” فوق كل الميول والأتجاهات ” والعقائد والمذاهب ؟؟؟
هل يمكن نسيان الطريقة التي تم قتله بها في استديوهات اذاعة بغداد في ” الصالحية ” ؟؟
وإنني أذ أنسى , فأنني لن أنسى ما حييت ( وكنت طفلا ) , كيف تم عرض جثته على شاشة التلفزيون , وكيف كان أحدهم يمسك بشعر رأسه , ويهز وجهه المنقوع بالدم , يمنة ويسرة , ويبصق عليه , على مرأى من العراقيين كافة .
أخيرا ..
وما دمنا لا نستطيع أن نقدم للعالم المتقدم شيئا آخر,غير كرنفالاتنا الدموية ,النمطية , والممجوجة هذه ( أي تنصيب الزعماء , وتأليههم , ثم قتلهم ) .
فأن نصيحتي الذهبية لكل شعوبنا , وعشائرنا , وقبائلنا , وشيوخنا , وسادتنا , وسراكيلنا , وأغواتنا , على امتداد البلدان العربية ” الثائرة ” ( من سبتة ومليلة الى مسقط , ومن سيرت الى حضرموت ) هي :
أنجزوا ايها الأفذاذ مهماتكم المقدسة .
تشبثوا بقيمكم , وعقائدكم الصلدة , كسماوات قدت من صخر .
وتابعوا تفجير انفسكم
واوطانكم
واحدا تلو الآخر .

قبور حكام العراق

كل نفس ذائقة الموت، وهو نهاية حياة، و تتنوع طقوس الموت بحسب اختلاف الثقافات، فمنها من يتخلص من جثّة الميت بدفنها أو بحرقها، وفي الإسلام تغسل جثّة الميت قبل دفنه، باستثناء حالات يعتبر فيها الجسد طاهرا، مثل جثث الشهداء. وملوك العراق ورؤسائه تضم رفاتهم أرض العراق، وهذه لمحة سريعة عن القبور التي ضمت بين جنبيها رفاتهم إلى الأبد.

* الملك فيصل الأول

فيصل بن حسين بن علي الحسني الهاشمي وكان ملكا للعراق من 1921 إلى 1933، وكان قد خرج من سوريا بعد الاحتلال الفرنسي لها وإنهاء ملكه الذي أنشأه فيها قبل ذلك بأشهر قليلة. واجه فيصل طيلة فترة حكمه تحديات داخلية لبناء العراق وتوحيده، وخارجية مع بريطانيا لتحقيق الاستقلال، وكان من أهم القضايا التي واجهها: العلاقة مع الدول المجاورة، ومشكلة الموصل، والنفط، والدستور.

من سمم فيصل؟

وتوفي فيصل في 8 أيلول 1933 جراء أزمة قلبية ألمت به في بيرن بسويسرا وقيل بأن للممرضة التي كانت تشرف على علاجه يدآ بموته، حيث شيع بأنها قد سمته بدس السم في الإبرة التي أوصى الطبيب بزرقة بها. ويقول مؤرخون أن دس السم للملك فيصل الأول بسبب الأفكار والطموحات القومية المناهضة للاستعمار البريطاني، وكانت له خلافات ونزاعات مع السفارة البريطانية في بغداد.

قبة تضم رفات الملك وزوجته

و تحت قبة صغيرة إلى يمين الباب الرئيس للمقبرة الملكية يرقد الملك فيصل الأول، والى جانبه قبر زوجته حزيمه بنت ناصر المتوفية عام 1935.
وكان الملك فيصل قد أمر بإنشاء المقبرة الملكية عام 1921، وكلف لهذه المهمة المهندس البريطاني المستر هوك.

[

المقبرة الملكية في ألأعظمية

* المـلك غـازي

وهو فيصل بن الشريف حسين الهاشمي، ثاني ملوك العراق حكم من 1933 ولغاية 1939. ولد في مكة، وهو الابن الوحيد للملك فيصل الأول الذي كان له 3 بنات.
وكان الملك غازي شابا في بداية العشرينيات ومحاطا بعدد من رجال السياسة الذي رافقوا والده الملك فيصل، مثل نوري السعيد وجعفر العسكري وياسين الهاشمي وجميل المدفعي، و كان ذلك سببا للخلافات والمكائد بين السياسيين.

هل اغتيل غازي؟

وتوفي الملك غازي أثر حادث سيارة داخل قصره في الرابع من نيسان عام 1939، حين اصطدمت السيارة بعمود كهربائي، ويقول متشككون ان تقارير ميدانية أظهرت إن العمود كان في الجهة اليمنى بينما كان الملك غازي يجلس في الجهة اليسرى، كما أن العمود وجد نظيفا وجديدا وفي منطقة لا وجود لعمود فيها من قبل.
لكن تقرير الطبيب الشرعي أورد أن الضربة القاتلة كانت في رأسه من الخلف، ويعلل آخرون ذلك بان أحدا ما كان قد ضربه بآلة حادة في مؤخرة رأسه.
لكن طبيب القصر الإنجليزي سندرسن بابا رفض وقتها أن تقابله زوجته قبل وفاته كي لا يدلي بأية أسرار لها حتى موته.لكن زوجته الملكة عالية أدلت بشهادتها أمام مجلس الوزراء جاء فيها أن الملك أوصاها بأنه في حالة وفاته يسمى الأمير عبد الإله وهو شقيقها وصيا على ابنه فيصل.

قبة تضم قبري غازي وعالية
وأمام الباب الرئيسية للمقبرة هناك حديقة جميلة دائرية الشكل يفصلها عن الباب شارع، وتتوسطها نافورة ماء. أما بالجانب الأيمن لمدخل القبة فقد شيدت (سبيل خانه) حيث أمر المرحوم الملك غازي بأنشاءها عام 1938، وهي على شكل قبة تزود المارة بالماء.
وقال أحمد الاعظمي ويسكن الأعظمية أن الناس ما زلوا يروون عطشهم بمائها لحد الآن. وتحت هذه القبة الصغيرة على اليسار يرقد الملك غازي، إلى جانب قبر الملكة عالية المتوفية عام 1950 وهي زوجة الملك غازي ووالدة فيصل آخر ملوك العائلة الهاشمية بالعراق.

* فيصـل الثـاني

و هو أخر ملوك العائلة الهاشمية في العراق و قتل يوم 14 تموز 1958. وهو ابن الملك غازي. أصبح ملك فعليا للعراق عندما بلغ الثامنة عشر.
درس فيصل الثاني المرحلة الابتدائية في مدرسة المأمونية التي كانت واقعة في منطقة الميدان عند باب المعظم كما درس فيما بعد في المدارس البريطانية مع قريبه الحسين بن طلال ملك الأردن السابق وكانت تربطهما علاقات متينة.
وأصبح فيصل الثاني ملكا للاتحاد الهاشمي الذي شكل في 1 شباط 1958 في أعقاب تشكيل الجمهورية العربية المتحدة بين مصر وسوريا لحفظ توازن القوى في المنطقة ودام ستة أشهر وأصبح فيصل ملكا للاتحاد
الذي سمي بالاتحاد الهاشمي العربي الذي دام لستة أشهر فقط حيث أطيح بالنظام الملكي في العراق في 14 يوليو 1958 م على يد عبد الكريم قاسم

مذبحة أودت بحياة الملك

وفي صبيحة الرابع عشر من تموز 1958 تقدم فوج من الجيش العراقي باتجاه قصر الرحاب في منطقة الحارثية بجانب الكرخ من بغداد وأمر الملك الشاب فيصل الثاني وبقية العائلة المالكة بالخروج من القصر الذي كان قد تعرض لقصف مدفعي وإطلاق الرصاص.

و كانت الملكة عالية أرملة الملك غازي الأول ووالدة الملك فيصل الثاني تضع نسخة من المصحف الكريم فوق رأس ولدها طالبة من مجموعة العسكر أن يحفظوا حياته فهو من نسل الرسول، لكن أحدهم أمر بإطلاق النار ليودي بحياة الملك وأفراد عائلته. وقتل مع الملك عبد الإله أيضا.

المقبرة الملكية تضم رفات فيصل

دفن الملك فيصل في المقبرة الملكية في منطقة الأعظمية ببغداد.
وهي مقبرة تتوسطها قبة كبيرة بالوسط وفي كل جانب هناك قبة صغيرة. وإذا ما تجاوزنا باب المقبرة الرئيسية نجد تحت القبة الكبيرة فسحة دائرية الشكل تضم في جنباتها أربعة قبور، القبر الأول للمرحوم الأمير علي بن الحسين المتوفى عام 1935، والثالث هو قبر المرحومة الأميرة رفيعة بنت الملك فيصل الأول المتوفية عام 1934 والقبر الرابع للمرحومة جليلة بنت الأمير علي بن الحسين المتوفية عام 1955. ومن جهة اليمين هناك غرفة مستقلة تضم قبر الملك فيصل الثاني

* عبـد الكريـم قاسم

وقاسم هو رئيس الوزراء والقائد العام للقوات المسلحة ووزير الدفاع في العراق من 14 يوليو 1958 ولغاية 9 فبراير 1963 حيث أصبح أول حاكم عراقي بعد الحكم الملكي. كان عضوا في تنظيم الضباط و قد رشح عام 1957 رئيسا للجنة العليا للتنظيم الذي أسسه العميد رفعت الحاج سري الدين عام 1949. ساهم مع قادة التنظيم بالتخطيط لحركة أو 14 تموز 1958 التي قام بتنفيذها زميله في التنظيم عبد السلام محمد عارف والتي أنهت الحكم الملكي وأعلنت قيام الجمهورية العراقية.

إعدام قاسم رميا بالرصاص

اعدم عبد الكريم قاسم إبان حركة 8 شباط 1963 نقل قاسم إلى مقر الإذاعة والتلفزيون بمنطقة الصالحية وسط العاصمة حيث حكم عليه بالإعدام رميا بالرصاص مع مجموعة من معاونيه.

قبر مجهول يضم رفات قاسم

وفي مساء اليوم نفسه قام عدد من الجنود بدفن جثثهم في مكان مجهول. وبعد سقوط صدام أعلن بختيار أمين وزير حقوق الإنسان الكشف عن مقبرة في ضواحي بغداد تظم رفاة الزعيم عبد الكريم قاسم و عبد الكريم الجدة كبير مرافقيه وفاضل المهداوي رئيس محكمة الشعب مع خمس جثث من مرافقي قاسم في المقبرة.
ونقلت صحيفة ( الصباح ) البغدادية عن احد الشهود من سكان المنطقة التي دفنت فيها الجثث والذي كان طفلا بعمر 13 سنة وقت وقوع انقلاب البعثيين عام 1963 إن عملية دفن الجثامين الثمانية تمت على ثلاثة مراحل تجنبا من تعقيبات رجال الأمن، وان الذي قام بدفنها للمرة الأخيرة ما زال على قيد الحياة..فيما أضاف شاهد آخر من المنطقة نفسها كان حاضرا عملية الدفن إن قاسم كان يرتدي بدلة عسكرية وحذاء بنيا ومصابا باطلاقة نارية في فمه أدت إلى كسر أسنانه الأمامية وان اطلاقات أخرى شقت صدره وان جثة المهداوي بدت عليها آثار التعذيب بشكل واضح مع وجود كدمات في جبهته إضافة إلى وجود فتحة كبيرة في بطنه

* عبـد السلام عارف

وهو الرئيس الأول للجمهورية ألعراقية وثاني حاكم أو رئيس دولة أثناء النظام الجمهوري سبقه الفريق نجيب الربيعي رئيس مجلس السيادة، ولد في 21 مارس 1921 في مدينة بغداد، فترة الحكم 1963-1966. لعب دورا هاماً في السياسة العراقية والعربية في ظروف دولية معقدة إبان الحرب الباردة بين المعسكرين الغربي والشرقي وشغل منصب أول رئيس للجمهورية العراقية من 8 فبراير 1963 إلى 14 ابريل 1966 بعد أن كان هذا المنصب معلقا منذ حركة 14 يوليو 1958 التي أطاحت بالنظام الملكي.

عارف يقفز من الطائرة

وتوفي عارف أثر سقوط طائرة هيلكوبتر طراز مي Mi في ظروف غامضة والتي كان يستقلها هو وبعض وزراءه ومرافقيه بين القرنة والبصرة مساء يوم 13 نيسان 1966 وهو في زيارة تفقدية لمحافظات الجنوب للوقوف على خطط الإعمار وحل مشكلة المتسللين الإيرانيين فاندلعت بعض النيران في الطائرة وبقيت فترة محلقة خارج سيطرة الطيار تطير باتجاهات مختلفة فوق النهر و على ارتفاع منخفض ولم ينتظر تحطم الطائرة التي كانت تحلق فوق بساتين النخيل على حافة النهر فانتظر اقترابها من الأرض فقفز من الطائرة محاولاً السقوط في النهر إلا أن اتجاه سقوط الطائرة أبعدها قليلا عن النهر مما أدى إلى سقوطه على الحافة الترابية للنهر فارتطم على جبينه مباشرة مما أدى إلى إصابته بحالة إغماء ثم نزف شديد مع كسر في الجمجمة تسببت في وفاته بعد دقائق من سقوطه.
قبر عارف و والده بالفلوجة

و وريّ عارف الثرى قرب ضريح والده في جامع بني لهذا الغرض في مسقط رأس العشيرة قرب الفلوجة.

* عبد الرحمن عارف

(1916 – 24 أغسطس 2007) سياسي وعسكري عراقي شغل منصب رئيس الجمهورية في العراق من 16 ابريل 1966 إلى 17 يوليو 1968.

كان عبد الرحمن عارف أحد الضباط الذين شاركوا في حركة أو ثورة يوليو 1958 . . دخل الكلية العسكرية سنة 1936 وتخرج فيها برتبة ملازم ثان، وتدرج في المناصب العسكرية حتى بلغ رتبة لواء في 1964 وشغل عدة مناصب عسكرية هامة، وفي عام 1962 أحيل على التقاعد، وأعيد إلى الخدمة ثانية في 8 فبراير 1963، ثم أسندت إليه مهمة قيادة الجيش العراقي.

وبعد وفاة عبد السلام عارف أجمع القياديون في الوزارة باختياره رئيسا للجمهورية أمام المرشح المنافس رئيس الوزراء عبد الرحمن البزاز ليكون ثاني رئيس للجمهورية في العراق وثالث رئيس دولة أو حاكم بعد إعلان الجمهورية.

اقصاءه من الحكم

وتم إقصاء الرئيس عبد الرحمن عارف من الحكم على إثر حركة 17 يوليو 1968 التي اشترك فيها عدداً من الضباط والسياسيين وبقيادة حزب البعث حيث داهموا الرئيس في القصر الجمهوري وأجبروه على التنحي عن الحكم مقابل ضمان سلامته فوافق وكان من مطالبه ضمان سلامة ابنه الذي كان ضابطا في الجيش .ثم تم إبعاد الرئيس عبد الرحمن عارف إلى إسطنبول وبقى منفيا هناك حتى عاد لبغداد في أوائل الثمانينات بعد أن أذن له الرئيس السابق صدام حسين بالعودة .

عائلته: تزوج من السيدة فائقة عبد المجيد فارس العاني ولده الأكبر قيس كان ضابطا في الجيش العراقي له ابن اسمه نبيل السيدة فائقة زوجته لها اخوة وهم فائق ورياض وكمال وصبحي وفارس وعدد من الاخوات

وفاته

توفي في 24/8/2007 في العاصمة الأردنية عمان التي سكنها بعد سقوط بغداد ولقد تم دفنه في مقبرة شهداء الجيش العراقي في منطقة الكرامة ومراسيم دفنه كانت لائقه بشخصه الكريم
ومن الملفت للنظر ان فترة حكم الرجل كانت هادئة!!.

* أحمـد حسن البكـر

وكان البكر رئيسا لجمهورية العراق من 1968 إلى 1979. ونظم البكر حركة 17 تموز 1968 الذي أطاحت بالرئيس آنذاك عبد الرحمن عارف. ومع تقدم البكر بالعمر أصبح نائبه صدام الرئيس الفعلي للعراق. وفي 16 تموز 1979 استقال البكر من رئاسة العراق بحجة ظروفه الصحية ويرى المتابعون للسياسة العراقية أن استقالة البكر كان مجرد إجراء شكلي نتيجة ضغوط مارسها عليه الرئيس الفعلي للعراق صدام.

هل سمم البكر؟

و يعتقد البعض أنه بعد أن أخذ صدام حسين بزمام السلطة في 1979، حدد صدام إقامة البكر في منزله حتى وفاته في 4 أكتوبر 1982.
وتدور شائعات في الوسط العراقي ان البكر سمم على يد صدام، وأن مدير مكتب البكر طارق حمد العبد الله قد قتل ايضا لينتهي معه سر عزل و تسميم أحمد حسن البكر.

* صـدام حسين

ولد صدام حسين في 28 نيسان 1937 في قرية العوجة جنوب قضاء تكريت. وانضم إلى حزب البعث في عام 1957م وهرب إلى سورية ومصر حيث أكمل الإعدادية عام 1962م وفي عام 1964م اعتقل وهرب من السجن 1966 حيث بقي مختفيا. و بعد انقلاب 17 تموز وفي تموز 1979م استلم حكم العراق بعد اعتزال احمد حسن البكر. وقد استمر حكمه حتى دخول القوات الأمريكية وأطاحت به.

قبر صدام بالعوجة
ونظمت لصدام محاكمة حكمت عليه بالشنق حتى الموت. ودفنت جثة صدام بمسقط رأسه في قرية العوجة في قاعة للمناسبات الدينية بحضور أفراد من عائلته. وتقع القاعة في حديقة كان صدام بناها في بداية التسعينيات من القرن الماضي على أرض للعائلة وليس بها مقبرة.
ويبدو قبر صدام للناظر عبارة عن دكة تعلو الأرض بستين سنتيمترا، وعرض متران، أما طول الدكة فيبلغ ثلاثة أمتار. ويغطي الدكة العلم العراقي.

الزعيم عبد الكريم قاسم

دارت حول شخصية قائد الثورة الزعيم عبد الكريم مفجر أول جمهورية في تاريخ العراق الحديث نقاشات استغرقت عشرات السنين. وهو أول قائد من أم وأب عراقيين يصبح رئيسأ على العراق منذ مئات السنين ، لأن كل الذين تعاقبوا على حكم العراق قبله كانوا من خارجه وليسوا من أبنائه. ولا يزال إسم الزعيم عبد الكريم عالقأ بأذهان وقلوب أغلبية العراقيين ، رغم مرور عشرات السنين على غيابه ومحاولات التغييب المتواصلة من قبل المناوئين له . ويعود ذلك لسببين رئيسيين هما :


1- الكاريزما التي يمتلكها الزعيم، والتي أدخلته لقلوب الملايين من أبناء الشعب العراقي. أضافةً للأنجازات الإجتماعية والإقتصادية التي مست فئات واسعة شعبية وريفية ، جعلتها تشعر بأن الثورة حقاً ثورتها وأن عبد الكريم خير من يمثلها ويحقق آمالها .
2- نزاهته وعفته ورحمته التي لم يستطع أعداؤه النيل منها ، لأن نزاهته قد أثبتت منذ الأيام الأولى بعد إنقلاب شباط / 1963 ، وذلك بالتعرف على حسابه بالبنك وكان 860 فلسأ فقط ، كما لم يكن له من الممتلكات سوى خزانة كتب تحتوي على بعض الكتب بالأدب العربي والتاريخ والجغرافية ، وسرير حديدي ومشجب للملابس وجعبة عصي . أما رحمته فإنه ترجمها من خلال إيمانه بمبدأي ( الرحمة فوق القانون ) و( عفا الله عما سلف) ترجمة فعلية بتعامله مع الذين تآمروا عليه وحاولوا قتله على أساس ذلك و بطريقة مبالغ بها أحياناً ربما أساءت لحرمة القضاء لصالح المتهم أو المحكوم في أغلب الأحيان .
إن انتصار ثورة 14 تموزعام 1958 قد أحدث زلزالأ حقيقيأ ليس داخل العراق فحسب، وإنما في المنطقة أيضأ. وقد تألبت عليها قوى داخلية وخارجية لا يجمعها إلا تضرر مصالحها الآنية والمستقبلية من قيام الثورة واستمرارها. هذا رغم الانجازات الكثيرة التي حققتها الثورة وخصوصأ لصالح الطبقات والفئات الاجتماعية الفقيرة والمحرومة