سالم مسلح وسالم غير مسلح وكلاهما لم يعد من الحرب لحد الان

قالَ لي بأسىً عراقيٍّ ، ثابتٍ و مُقيم ..
في عام 1976 تمّ استدعائي لأداء الخدمة العسكرية الالزامية ، كجندي مُكلّف “سالِم مُسَلَّح” ، في “شمال الوطن العزيز”.
في عام 1980 تمّ استدعائي لأداء خدمة الاحتياط ، كجنديّ احتياط “سالِم مُسَلَّح” ، في كتيبةٍ للمُخابرة ، “جنوب الوطن العزيز”.
في نهاية عام 1983 قرّرتُ الإفلاتَ من مصير القتلِ أو الأسر المحتوم ، فتقدّمتُ بطلبٍ لإحالتي الى لجنةِ طبيّةٍ ، مُتذَرِّعاً بـ “قُصْر النظرِ” الشديدِ والمُزمنِ الذي لازمني منذ عصر سيّدنا نوحٍ ، وما يزالُ يُلازمني الى هذه اللحظة.
قامت اللجنة الطبية بفحص بصري ، وتحويلي من سالم “مُسَلّح” .. الى سالِم “غير مُسَلّح” .
فور تبليغي بهذا القرار ، ذهبتُ الى وحدتي ، وبقيتُ أرقصُ حتّى الفجر فوق طينِ الخنادق، وسط دهشة واستغراب جميع الضبّاط والجنودِ والمراتب ، الرابضين على جانبيّ “الأرض الحرام”.
ولكنّ فرحتي لم تدُمْ طويلاً .. فبعد يومين فقط تمّ نقلي من كتيبة المخابرة “الرقيقة” ، الى كتيبة هندسة الميدان “الخشِنة” . وفور وصولي الى مقرّ كتيبتي الجديدة ، تمّ تكليفي بنقل الألغام و “بكرات” الاسلاك الشائكة ، الى “المفارز” العاملة في الخطوط الأمامية.
وبدلاً من عملي القديم ، الذي يتلخّصُ في العبارة اللاسلكية الشهيرة : “ألو خمسة واحد كيف تسمعني أجب .. جيّد أجب” ، بدأتُ بأداء مهام منصبي الجديد ، وهي نقلُ صناديق الألغام على ظهري الباسل ، بانتظار أن ينفجر أحد الألغام عليّ في أيّة لحظة . أمّا الأسلاك الشائكة فكنتُ أقوم بنقلها ، وأنا جالسٌ فوقها في حوض “الإيفا” ، بينما يقطرُ الدمُ من مؤخّرتي المفتوحةُ على مصراعيها ، في لحظاتِ الدبابيسِ تلك .
بعد أسبوعٍ واحد ، بدأتُ أفكّرُ بالفرار من الخدمة . ثُمّ تراجعتُ خوفاً من العواقب التي كانت وخيمة جدّاً آنذاك. بعدها طلبتُ مقابلةَ “الآمر” ، الذي دخلتُ الى مقرّهِ فَزِعاً ، وقلتُ لهُ متوَسِّلاً : يمعوّد سيّدي ، آني خرّيج كليّة ، وخوش ولَد ، و عندي “جَهّال” ، وأمّي أرملة ، و “مرتي” يتيمة ، وأريد أرجَع لـ كتيبة المخابرة “سالِم مُسَلّح” ، لأن زرقاء اليمامة براسها ، متشوف العدوّ ، مثل ما أشوفه آني !!!.
لم تنجح المحاولة طبعاً ، لأنّ طلبي كان يُخالِفُ جميع السياقاتِ المعمول بها في جيوش العالم كافّة.
في عام 1987 عُدْتُ الى الخدمة العسكرية بعد “انتدابٍ” كولنياليّ دام سنتين ، لكوني خرّيج ، و غير مُسَلّح ، و مُعيلٌ وحيدٌ لأسرتي ، و لديّ خدمة طويلة في وحدات “الانذار جيم” .
بعد أيامٍ من التحاقي بكتيبتي الجديدة ، صدر أمر نقلي الى احدى جبهات الحرب في “شرق الوطن العزيز”.
قلتُ لهم : ولكنّني غيرُ مُسَلّح ، أي “سلاح سِزْ” .. ولا أصلحُ للقتال ضدّ”العدوّ” ، لأنّني لا أستطيعُ أنْ أرى هذا العدوّ أصلاً ، حتّى لو مرّ أمامي مُتبختِراً في وضح النهار ، وفي فمه “نركَيلة” من العيار الثقيل .. وإنّ بامكانهم التحقّقَ من ذلك بإحالتي الى لجنة طبيّة ليتأكّدوا من أنّ “قُصر النظر” مايزالُ يُلازِمُني منذ عهد سيّدنا نوح ، والى هذه اللحظة.
أرسلوني الى مركز فحص “شرحبيل بن حسنة” .. وعرضوني على لجنةٍ طبيّةٍ هناك .. وخلال لحظات اتّخذتْ اللجنة قراراً تاريخيّاً يقضي بكوني “سالم مُسلّح” .. و بأنّ “نظري” قادرٌ على اختراق جميع التحصينات المُعادية ، وعلى بُعدِ ألفِ ميلٍ على الأقل ، من أقربِ “عَدُوٍّ” ممكن.
أنا سالم “المُسَلّح” .. و سالم “غير المُسَلّح” .. أذهبُ منذُ يومِ مولدي هنا ، في بلاد السواد العظيم ، الى جبهاتٍ عديدةٍ .. وأخوضُ حروباً لا تنتهي مع “أعداءَ” لا حصرَ لهم ولا عَدّ.. مُرتدياً نظّارةً سميكةً تجعلُ الدمً ماءاً ، والسَخامَ ندىً ..
ولمْ أعُدْ من هذه الحروبِ الى الآن ..
إلى الآن.

هذهِ الأخبارُ السيّئة

هذهِ الأخبارُ السيّئة 

عماد عبد اللطيف سالم

ذهبتُ إلى طبيب العيون .

قلتُ لهُ .. لا أرى جيّداً ، أشياءَ كثيرة.

قالَ لي .. مع الأسفِ ، لا يوجدُ علاجٌ .

لا تَثِقْ بأكاذيبِ الرجالِ على شاشة التلفزيون .

 إخفِضْ صوتَ المُذيعاتِ الجميلاتِ إلى الصِفرِ .

و حدّق طويلاً في تفاصيلهنَ المُدهشة .

ذهبتُ إلى طبيب الأذن .

قلتُ لهُ .. لا أسمعُ جيّداً ، أشياءَ كثيرة .

و يزعجني الكثير من الطنين .

قالَ لي .. مع الأسف  ، لا يوجدُ علاجٌ .

وأستمِعْ إلى كُلّ شيءٍ ، دون إنتباه .

ذهبتُ إلى طبيب القلب .

قلتُ لهُ .. إنّ روحي ، ليستْ على ما يُرام .

قالَ لي .. مع الأسف ، لا يوجدُ علاجٌ .

خُذْ جُرعةً إضافيّةً من النسيان .

و تعايَشْ مع ذلك .

إرفَعْ صوتَ الراديو .

و تعايَشْ مع ذلك .

قلتُ لها .. هذا خرابٌ كثير .

أنا غائبةٌ ، وأنتَ وحيد .

قلتُ لها .. أنا مغموسٌ بالأسى ،

و تعايّشْ مع ذلك .

ذهبتُ إلى الدولة .

قالتْ لي .. مع الأسف .

تعايَشْ مع ذلك .

ذهبتُ إلى أمّي .

و خائبُ الرجا ،

و حزين .

قالتْ لي .. وأنا أيضاً .

مع الأسف .

لم يعُدْ حُضني يتّسِعُ لك .

افتَرِضْ حُضْناً إضافيّاً ..

أنا أعرفُ .. كيفَ أتعايشُ مع ذلك .

سألوذُ بعُزلتي الشاسعة .

و تعايَشْ مع ذلك .

و تنتهي  إلى الأبد ..

هذه الأخبارُ السيّئة .

طنينٌ في الأذن .. كعزلةٍ شاسعة

طنينٌ في الأذن .. كعزلةٍ  شاسعة

عماد عبد اللطيف سالم

النهارُ طويلٌ ..

كلحظةٍ مُلَفّقة .

لا أحدَ يعرفكَ في الضوءِ

ولا شيء .

أنتَ غريبٌ 

 كغرابٍ أبيض .

تَعايَشْ مع ذلك ..

وكأنّهُ طنينٌ في الأذن .

هذا هو الليل 

أيّها الحطّابُ المخذول .

هو الفأسُ المقدّسةُ 

لألفتكَ القديمة 

مع الرؤوس التي كنتَ تعتقِدْ

أنّكَ تُحِبّ .

جميلٌ هو الليل 

يتركنا وحدنا 

نتفرجُ على أحلامنا .

نبتسمُ مثل رضيعٍ

بعيونٍ مُغَمّضة 

وكأنّ أحداً ما

يسردُ لهُ قصصاً مُدهشة 

عن ماضيهِ السابق .

إنّها عزلتكَ الشاسعة 

تعايشْ معها 

كطنينٍ في الأذن .

الطبيبُ يقولُ لكَ ذلك 

عندما لا يكونُ هناك

علاجٌ للخُذلان .

الكتابة في الاقتصاد والكتابة عن الحب

المقالان مترابطان .
الثاني هو بمثابة ايضاحٍ للأوّل .
الأوّل .. ساخر .
والثاني .. جادٌّ .. قليلاً .
عماد عبد اللطيف سالم
 
الكتابة في الأقتصاد .. والكتابة عن الحب 
 

مرّة أخرى .. عن رواتب و مخصّصات الأساتذة الجامعيين

 
 

أنا أكتبُ .. أنا خائفٌ .. وأصابعي فوق قلبي

أنا أكتبُ .. أنا خائفٌ .. وأصابعي فوق قلبي

عماد عبد اللطيف سالم

منذ الساعة الثامنة مساءاً .. وأنا لا أفعلُ شيئاً سوى أن أضع أمامي بعض النصوص القصيرة الجاهزة للعرض ، كمنشوراتٍ ” أعتقدُ أنّها صالحة للتداولِ .. في ” بازار ” الـ Facebookالعجيب .
أضعُ النصّ هنا .. على هذا الجدار .. وقبل أن أضغط على الـ Post .. أعيد قراءتهُ .. فأتراجعُ عن عرضه عليكم .. و أقوم بحذفه .
ثمّ أضعُ نصّاً آخر .. وأقولُ لنفسي : هاي شنو يمعوّد . هاي مو وكتهه . إنته مخَبّل . الناس وين وإنته وين .. ثمّ أستعيدُ نصيحة الكثيرين الفتّاكة : يمعود لخاطر الله .. دير بالك على نفسك . إنته وين عايش .. و أواصلُ الحذف .
أنا أكتبُ عادةً .. لأنّني خائف .
أمّا الآن .. فأنا لا أستطيع أن أكتب ما أريد .. لأنّني خائفٌ جداً .
أنا لا أستطيع ان أكتب ما أريد .. لأنّني أعرفُ أين أعيشُ أنا الان .. وماهي مواصفات هذا العيش ، واشتراطاتهِ المُرّة .
أنا خائفٌ الآن .
و سأواصل الكتابة لكم .. عندما يزولُ هذا الخوف .
عندما أتمتعُ بالحدّ الأدنى من الشجاعة .. لكي أقول للكثيرين ما أودّ قولهُ لهم ، ولغيرهم ، دون خوف .
عندما أستطيعُ ان أقول للكثير من ” الأصدقاء ” ، ما أوّد قوله لهم ، بالقليل من الخوف .. العميق .. العتيق .
وعندما أمتلكُ تلك الشجاعة الشخصيّة المُتخَيّلَة .. سأقولُ لهم أشياءَ كثيرة مُدهشة ، لم يسمعوها منّي من قبل .
سأقولها .. وأنا خائفٌ منهم .. و أصابعي فوق قلبي .

عندما يبقى مكانكَ فارغاً .. في قلبِ روحي

عندما يبقى مكانكَ فارغاً .. في قلبِ روحي

عماد عبد اللطيف سالم

لا تكذِبْ ..

و تقولُ أنّكَ تكرهُ الصَخَبَ ، في هذه الأيام المُلَفّقة .

فحتّى للحزنِ هذا المساء ، مذاقٌ مُختَلِفٌ عن البارحة .

و تمْتَصّني كسيجارةٍ في آخر الليل ..عندما يضيقُ عليكَ الكونُ ، و تشعرُ أنّكَ وحيدٌ ..

وبينما يمتليءُ البيتُ بعشرات الكائنات ، يبقى مكانكَ فارغاً .. في قلبِ روحي .

أنتَ تتذَكّرني الأنَ ، بكثافة .

و تخافُ لأنّكَ كذلك .

أنأى بنفسي عن النسيانِ ، وأحتفِلُ معكَ ، وحدكَ .

أتبادلُ التهاني مع الوَهمِ ، وأنا شارِدُ الذهنِ ،

وأبتسِمُ في وجهِ لطخَةٍ على الحائطِ ، أحسبُها أنتَ ،

وأحدّقُ فيها ببرودٍ ..

مثلُ أبلهٍ حديث الولادة .

العيدُ نساءٌ .. و مُدُن

العيدُ نساءٌ .. و مُدُن

عماد عبد اللطيف سالم

في العيدِ أُغمِضُ عيني ، وكأنّني أغمضها لآخرِ مرّة ، على مُدُنٍ كالنساء ، و نساءٍ كالمُدُن .

في العيدِ تشتاقُ روحي .. والروحُ تشتاق .. الى تفاصيل تلك الوجوه التي لا يشبهها شيءٌ ، ولا يشبهها أحد .

في العيدِ أحِنُّ الى عذوبة ذلكَ الكونِ الذي أصبحَ بعيداً ، مثل عُشٍّ مهجور .. وأمتليءُ بتلكَ الأماكنِ ، و تلكَ

و هذهِ هي بعضٌ من أسماء تلك النساء .. و هذه هي بعضٌ من أسماءِ تلك المُدُن ..

بلقيس / لمياء / شام / نجران / … فرح / فيروز / منى / هاجر / أندلس / .. فينوس / صوفيا / وسْناء /

وهران / ليلى / … لاهاي / مريم / أغادير / سلمى / … سارة / شيراز / عفراء / بصرة / … ميسم / سبأ / نبأ

/ ميسم / ايلاف / … ميسان / ميس الريم / يريفان / عذبة / … سميراميس / أهراس / جوان / مروة / …

عطارد / دانية / روناك / آثار / نجوى / … قرطبة / هالة / سُوَيْس / سمرقند / … شمس / ملاذ / نجف /

تارا / … انتظار / ناهد / سيناء / طيبة / … سماء / لارسا / سلا / زبيدة / …

أنتِ التي تختزلُ الأسماءَ كُلّها .. والروائحَ .. والأمكنة .

في العيد .. في العيد

في العيد .. في العيد

عماد عبد اللطيف سالم

أنا مهمومٌ جداً ، بأشياء كثيرة .

و لكنّني أقْبَلُ التهاني في العيد .

و أتعاطفُ مع الخروف الذي سيذبحهُ الجيرانُ في الفجر .

الخروف الذي أسمعُ طيلة اليوم ، مأمأتهُ في الحديقة .

وأتبادلُ معهُ النظرات عبر السياج

عندما تقولُ لهُ ابنتهم الحلوة

وهي تمسكُ القليل من العشب ، بأطراف أصابعها الطويلة :

و عندما يطرُقُ جارنا باب البيت ، في أولّ أيام العيد

وأردُّ عليهِ : أيامكَ سعيدةُ أيضاً .

كُلْ .. كُلْ .. يا حياتي .

سأذهبُ اليهِ سعيداً.

و آخذُ منهُ كيسَ اللحم الدافيء ، و أوقدُ ” منقلَةَ ” الفحمِ ، وأبداُ طقوسي المفضلّة.

الأيتامُ ، والنازحونَ ، والمُهاجِرون ، والجنود .. ليس شرطاً أن يشعروا جميعاً بالحُزن.

أو أدخلوا الى الغرفة ، واغلقوا عليكم الباب .. وأبكوا بصمت .

دعوني اتصفّحُ الوجوهَ المغموسةِ بالعذوبةً ، لنساءٍ رائعاتٍ

اذا أردتُم النحيب .. اذهبوا الى المقبرة .

دعونا ” نُعَيّدُ ” مع الأطفال .

دعونا نقتربُ قليلاً من الفرح .

محفوظاتٍ في ” ملفّ ” قلبي العاشق

فأقولُ لكلّ امرأةٍ أراها ، ولا تراني : أيامّكِ سعيدةٌ

و هي لا تَرُدُّ ..

وأنا ابتَسِم .

بغداد .. كوليرا

بغداد .. كوليرا

عماد عبد اللطيف سالم

منظمة الصحة العالمية تقول

أنّ الكوليرا مرَضٌ ” فاشيّ ” .

وعندما يتأزّمُ استشراء ” الفاشيّات “

تحدثُ الكوليرا .

*

شيءٌ سعيد

أنْ تتعافى من الطاعون

و تصاب بالكوليرا .

*

الكوليرا تشعرُ بالدهشة

من كثرة الأقرباء

في المناطق ” المُحَصَّنة ” .

*

لأنّنا لا نُريدُ اسقاط ” النظام “

فإنّ الكوليرا

هي الحَلّ .

*

وجوهُ كثيرةٌ في بغداد

تمتطي السيارات المُصفّحة

و تشبهُ سحناتها كثيراً

بكتيريا الكوليرا .

*

نحتاجُ الى الكوليرا

في تظاهراتنا القادمة .

سنرفعُ الكثير من التوابيت

بدلَ اليافطات .

و ستَفِرُّ قواتُ مكافحة الشغَب

خوفاً من العدوى .

*

آخرُ حفيداتي

مصابةٌ بـ ” التوَحُّد ” .

اسمها ” أُمْنِية ” .

كلّما سألتها .. ما اسمُكِ يا جدّو

تقولُ .. كوليرا .

*

لا يُجيدُ غابرييل غارثيا ماركيز

اختيار العناوين

لرواياتهِ السيّئة .

*

كلّ النساء اللواتي أحببناهُنّ في بغداد

كُنّ مُصابات

بكوليرا الحواسّ السَبْع .

*

ستكونُ القُبَلُ ممنوعة

في ” حُزمةِ ” الإصلاح السابعة .

5 + 1 إيرانيّة .. و 5 +1 عراقيّة

5 + 1 إيرانيّة .. و 5 +1 عراقيّة


عماد عبد اللطيف سالم
الحوار المتمدن-العدد: 4867 – 2015 / 7 / 15 – 10:51
المحور: مواضيع وابحاث سياسية


ليس لدينا كهرباء .
حكومتنا تقوم بتجهيزنا بالكهرباء استناداً لإتفّاق 5+1 عراقي ( حيث كل خمس ساعات قطع ، مقابل ساعة تجهيز واحدة ) .
ونحن مشغولون إلى حد الجنون باتفاق 5+1 إيراني .. يسمح للدولة الأيرانيّة ومواطنيها ، بالعيش بكرامةٍ ورفاهٍ وأمنٍ وسلامٍ ، وتصالُحٍ مع نفسها ، ومع العالم ، لأطول مدة ممكنة .. وربما إلى الأبد .
نحن نعيش تحت وطأة ما لا يمكن العيش معه . نحن نعيش في العام 2015 ، ودرجة حرارة مدننا ( كلّها ) تزيد عن الخمسين مئوي ( في الظلّ ) . و .. و .. و .. ومع ذلك لسنا مشغولين الآن بغير ايران التي انتصرتْ .. واولئك الذين انتصروا معها .. واولئك الذين هُزِموا .. واولئك الذين هُزِموا معهم .. وابتسامة محمد جواد ظريف .. وتكشيرة بنيامين نتنياهو .. و .. و.. و .. وأشياء أخرى كثيرة .. هي بالنسبة لما نحنُ فيه ، مجرد عبثٍ ما بعدهُ عبَثْ .
ماهي أهم القضايا لديكم ؟ ماهي همومكم ؟ إلى اين انتم ماضون .. بل إلى اين يمضي بكم ، وببلدكم ، الآخرون ؟ .
اذا لم يحرّك فيكم 5+1 العراقي ساكناً .. فمتى تتحرّكون ؟
لماذا لم تهبّوا لنجدة فقراءكم ، و ” مكَروديكم ” ، وأنفسكم ، وتأخذكم الغيرة عليهم ، وعليكم .. بذات الحماسة التي دفعتكم طيلة يومين ( إلى الآن ) لدراسة وتحليل واستشراف اتفاق 5+1 الأيراني .. بينما 5+1 العراقية ، قد حوّلتكم إلى موتى .. وجعلت ” عراقكم ” هذا ، غير صالحٍ للسكَن ؟ .
إنّ من يستطيع العيش على زئير المولدات الهادر في شوارعنا على مدار الساعة .
من يقبلُ باتفاق حكومته معه ( قسراً ) على تجهيزه بـ 1 ساعة كهرباء ، مقابل 5 ساعات قطع .
من يقبل العيش في ظروف ” مناخيّة ” ( ولن نتحدث عن ظروفٍ أخرى ) ، لا يقبل ان يعيش تحت وطأتها انسانٌ بسيطٌ في تشاد ، و النيجر ، و مالي ، وبنغلاديش ، و زمبابوي ، والصومال ، والسودان ، دون ان يخرج على الناس شاهراً سيفه .. لا يحقّ له الحديث عن اتفاق 5+1 الأيراني .. ابداً .
لقد صعقتني الدهشة من قدراتكم التحليلية الهائلة .. يا معشر ” المثقفّين ” .
فأين انتم من المِحَن المركبّة التي تضرب بلدكم من كل جانب ؟
كيف فقدتم هكذا ” حسّ التناسب ” ، فلم يعُد بمقدوركم التمييز بين ” المُهِمّ ” وبين ” الأهَمّ ”
من الأشياء .
إمنحوا 5+1 العراقي اهتماماً مماثلاً لاهتمامكم بـ 5+1 الأيراني ..
وسوف يكون العراقُ ، والعراقيّون .. بخير .
أما ايران ، والأيرانيين ، فهم ليسوا بحاجة لكم . هم يعرفون كيف يقومون بترتيب اولوياتهم ، ومنح همومهم الأهميّة والتعبَ ، بل و حتّى ” الصراع ” الذي تستحقّهُ .. ليكونوا بخير .
وسيكونون بخير .
دائماً .. سيكونون بخير .
أمّا نحنُ .. فـ لا .
لن نكونَ .. أبداً .. بخير .