هكذا تم إسقاط نظام البعث 1963

من ذاكرة التاريخ: هكذا تم إسقاط نظام البعث 1963

حامد الحمداني

حامد الحمدانيلم يكن حزب البعث يضم عنصر التجانس بين أعضائه، فقد كان أعضاءه وقيادييه ينتمون لطبقات  مختلفة، قسم منهم من الطبقة البرجوازية، وقسم من البرجوازية الصغيرة، ونسبة قليلة من العمال والفلاحين والحرفيين ذوي الدخل المحدود، ووجود نسبة عالية من الطلاب الذين لا تتجاوز أعمارهم  على الأغلب 20 عاماً بين صفوفهم، وعدم نضوج هؤلاء فكرياً وسياسياً وتنظيمياً. 

وبسبب هذا التباين في التركيبة القومية والطائفية والطبقية، فقد كان من الطبيعي أن تكون هناك اختلافات في التطلعات والتوجهات والأفكار والعواطف، كما كان معظم ضباطهم الذين قادوا انقلاب 8 شباط ضد نظام عبد الكريم قاسم من الطائفة السنية، في حين كانت قيادتهم القطرية تضم خمسة من الشيعة، وثلاثة من الطائفة السنية، ويرجع معظم أعضاء البعث من المناطق الريفية المختلفة، وعدم نضوج هؤلاء فكرياً وسياسياً، وحتى قياديي الحزب كانوا من هذا الطراز، كما وصفهم مؤسس الحزب عندما قال:

{بعد الثورة ـ أي انقلاب 8 شباط ـ بدأت اشعر بالقلق من فرديتهم، وطريقتهم الطائشة في تصريف الأمور، واكتشفت أنهم ليسوا من عيار قيادة بلد، وشعب}. 

لقد كان الحزب عبارة عن تجمع لعناصر معادية للشيوعية التي لا يجمعها أي رابط أيديولوجي، وكان جُل همهم منصباً على حربهم الشعواء ضد الشيوعية، وظهرت بينهم تكتلات أساسها المنطقة أو العشيرة أو الطائفية، وهكذا كانت التناقضات والخلافات تبرز شيئاً فشيئاً على سطح الأحداث، والتي كان من أهمها:

1 ـ الموقف من عبد السلام عارف:

ففي 11 شباط 1963، حدث بين قيادة البعث وعبد السلام عارف، الذي نصبوه رئيساً للجمهورية صِدامٌ مكشوف، مما دفع علي صالح السعدي، أمين سر القيادة القطرية للحزب، إلى أن يطرح موضوع بقاء عبد السلام عارف، أو إزاحته من منصبه، قائلاً:

{إن عبد السلام عارف سوف يثير لنا الكثير من المتاعب، وربما يكون خطر علينا، إلا أن أغلبية القيادة لم تأخذ برأي السعدي، خلال اجتماع القيادة الذي جرى في دار حازم جواد، وقد هدد السعدي بالاستقالة إذا لم تأخذ القيادة برأيه، لكنه عدل عن ذلك بعد قليل، وبعد نهاية الاجتماع ذهب حازم جواد إلى عبد السلام عارف وأخبره بما دار في الاجتماع، وحذره من أن السعدي ينوي قتله والتخلص منه}.

2 ـ الموقف من قانون الأحوال المدنية:

الخلاف الثاني الذي حدث بين أعضاء القيادة القطرية حينما طُرح موضوع قانون الأحوال المدنية رقم 188 لسنة 1959الذي شرعه عبد الكريم قاسم، والذي اعتُبر ثورة اجتماعية أنجزتها ثورة 14 تموز فيما يخص حقوق المرأة وحريتها، وإطلاق سراح نصف المجتمع العراقي الذي تمثله المرأة من عبودية الرجل، وكان القانون قد ساوى المرأة بالرجل في الإرث، ومنع تعدد الزوجات إلا في حالات خاصة وضرورية، ومنع ما يعرف بالقتل غسلاً للعار، وغيرها من الأمور الأخرى، وقام عبد السلام عارف بإلغاء القانون في 18 آذار 1963، أثناء وجود علي صالح السعدي في القاهرة، وانقسم مجلس قيادة الثورة ذو الأغلبية البعثية وأعضاء القيادة القطرية حول مسألة الإلغاء، حيث أيده بعض الأعضاء وعارضه البعض الآخر، وفي نهاية المطاف فرض عبد السلام عارف أجراء تعديلات جوهرية على نص القانون أفرغته من محتواه فيما يخص حقوق المرأة .

3 ـ الموقف من الحركات السياسية القومية:

كان الخلاف الثالث بين أعضاء قيادة البعث ينصب حول الموقف من الحركات السياسية القومية [القوميون، والناصريون، والحركيون]، وقد أجرت قيادة الحزب نقاشات حادة حول الموقف منهم، و برز خلال النقاش فكرتان متعارضتان، الأولى تدعو إلى تحجيم القوى القومية، والأخرى تدعو للتعاون معها، لكن القيادة البعثية لم تستطع حسم الأمر، بل على العكس من  ذلك أدى الأمر إلى تعمق الخلافات والصراعات فيما بين أعضاء القيادة.

4 ـ الموقف من الحرس القومي:

في شهر حزيران 1963  ظهرت أسباب أخرى للخلافات بين أعضاء قيادة الحزب حول الحرس القومي، فقد وجهت القيادة العليا للقوات المسلحة في 4 تموز 1963 برقية إلى قيادة الحرس القومي تحذرها وتهددها بحل الحرس القومي إذا لم تتوقف هذه القوات عن الإجراءات المضرة بالأمن العام  وراحة المواطنين.

كانت روائح الجرائم التي يقترفها الحرس القومي ضد أبناء الشعب بشكل عام والشيوعيين منهم بوجه خاص قد أزكمت الأنوف، وضجت الجماهير الواسعة من الشعب من تصرفاتهم وإجرامهم.

إلا أن القائد العام لقوات الحرس القومي [منذر الونداوي] لم يكد يتسلم البرقية حتى أسرع إلى الطلب من القيادة العليا للقوات المسلحة سحب وإلغاء البرقية المذكورة في موقف يبدو منه التحدي، مدعياً أن الحرس القومي قوة شعبية ذات قيادة مستقلة، وأن الحق في إصدار أوامر من هذا النوع لا يعود إلى أي شخص كان، بل إلى السلطة المعتمدة شعبياً والتي هي في ظل ظروف الثورة الراهنة هي المجلس الوطني لقيادة الثورة ولا أحد غيره، وهكذا وصل التناقض والخلاف بين البعثيين وضباط الجيش، وعلى رأسهم عبد السلام عارف، إلى مرحلة عالية من التوتر، مما جعل عبد السلام عارف يصمم على قلب سلطة البعثيين بأسرع وقت ممكن.

5- الحرب في كردستان:

جاء تجدد الحرب في كردستان التي بدأها البعثيون في 10 حزيران1963  لتزيد وضعهم صعوبة، وتعمق الخلافات بينهم حتى أصبح حزب البعث في وضع لا يحسد عليه، فقد تألبت كل القوى السياسية والعسكرية ضدهم، وسئمت أعمالهم وتصرفاتهم .

حاول عبد السلام عارف، وأحمد حسن البكر، بالتعاون مع حازم جواد وطالب شبيب التخلص من علي صالح السعدي، وإخراجه من الحكومة، ومجلس قيادة الثورة، إلا أن الظروف لم تكن مؤاتية لمثل هذا العمل في ذلك الوقت.

ففي 13 أيلول عُقد المؤتمر القطري للحزب، وجرى فيه انتخاب ثلاث أعضاء جدد من مؤيدي علي صالح السعدي، وهم كل من: هاني الفكيكي، وحمدي عبد المجيد، ومحسن الشيخ راضي، فيما أُسقط طالب شبيب في الانتخابات، وبقي حازم جواد، كما فاز أحمد حسن البكر،  وصالح مهدي عماش، وكريم شنتاف بتلك الانتخابات.

وهكذا بدا الانقسام ظاهراً أكثر فأكثر  فجماعة السعدي تتهم جماعة حازم جواد باليمينية، بينما تتهم جماعة حازم جواد السعدي وجماعته باليسارية، ووصل الأمر بعلي صالح السعدي إلى الإدعاء بالماركسية، وحاول أن يبرئ نفسه من دماء آلاف الشيوعيين!.

وفي الفترة ما بين 5ـ23 تشرين الأول، عُقد المؤتمر القومي لحزب البعث، في دمشق، وجرى تعاون بين السعدي وحمود الشوفي، حيث ضمنا لهما أكثرية من أصوات المؤتمرين العراقيين، والسوريين، وسيطرا على المؤتمر وقراراته، وبلغ بهم الحال أن شنوا هجوماً عنيفاً على جناح مؤسس الحزب [ميشيل عفلق] وطرحوا أفكاراً راديكالية فيما يخص التخطيط الاشتراكي، وحول المزارع التعاونية للفلاحين.

ضاقت الدنيا بميشيل عفلق، حيث لم يتحمل الانقلاب الذي أحدثته كتلة [السعدي و الشوفي] داخل المؤتمر في تركيبة القيادة القومية مما افقده القدرة على التأثير في مجرى الأحداث وجعلته يصرح علناً [هذا لم يعد حزبي].

الخلافات بين الجناحين المدني والعسكري

بعد أن قوي مركز علي صالح داخل القيادتين القطرية والقومية و بدأ هو وكتلته يطرحون أفكاراً راديكالية، وتحولا نحو اليسار، بدأ الضباط البعثيون يشعرون بعدم الرضا من اتجاهات السعدي وكتلته، و أخذت مواقفهم تتباعد شيئاً فشيئاً عن مواقفه، وانقسم تبعاً لذلك الجناح المدني للحزب، فقد وقف منذر الونداوي وحمدي عبد المجيد ومحسن الشيخ راضي، بالإضافة إلى الحرس القومي، واتحاد العمال، واتحاد الطلاب، إلى جانب السعدي، فيما وقف حازم جواد، وطالب شبيب، ورئيس أركان الجيش وطاهر يحيى، وقائد القوة الجوية حردان عبد الغفار التكريتي، ووزير المواصلات عبد الستار عبد اللطيف، وقائد كتيبة الدبابات الثالثة محمد المهداوي إلى الجانب المعارض لجناح السعدي، بينما وقف أحمد حسن البكر، وصالح مهدي عماش على الحياد، لكن السعدي أتهمهما بأنهما يدفعان الحزب نحو اليمين، و يؤيدان معارضيه في الخفاء.

ثالثاً:الصراع بين البعث والضباط القوميين والناصريين والحركيين:

كان أحد العوامل الرئيسية للصراع داخل قيادة حزب البعث هو الموقف من القوى القومية والناصرية والحركية، فقد انقسمت القيادة القطرية في مواقفها إلى كتلتين، فكتلة حازم جواد وطالب شبيب كانت تطالب بقيام جبهة واسعة تضم حزب البعث وكل الفئات القومية والناصرية والحركية، فيما كانت كتلة السعدي تعارض هذا التوجه، وقد أدى ذلك إلى تأزم الموقف، واشتداد الصراع بين الجناحين وتصاعده حتى وصل الأمر إلى الموقف من السعدي نفسه عندما حاول جناح [ جواد و شبيب] إزاحة السعدي متهمين إياه بالتهور والتطرف، وتعاون احمد حسن البكر مع عبد السلام عارف على إزاحته، فكانت البداية قد تمثلت بإجراء تعديل وزاري في 11 أيار 1963، جرى بموجبه إعفاء السعدي من منصب وزير الداخلية وتعيينه وزيراً للإرشاد، فيما جرى تعيين غريمه حازم جواد مكانه وزيراً للداخلية.

كان ذلك الإجراء أول ضربة توجه إلى قيادة السعدي، ثم تطور الأمر إلى محاولة إخراجه من الوزارة ومجلس قيادة الثورة، والسيطرة على الحرس القومي الذي يقوده منذر الونداوي، والذي يعتمد عليه السعدي اعتماداً كلياً. 

عبد السلام عارف يعفي الونداوي من قيادة الحرس والونداوي يرفض

في 1 تشرين الثاني  صدر مرسوم جمهوري يقضي بإعفاء منذر الونداوي من قيادة الحرس القومي، وتعيين عبد الستار عبد اللطيف بدلاً عنه، غير أن الونداوي تحدى المرسوم، وأصرّ على البقاء في منصبه، في قيادة الحرس القومي، وقد أدى ذلك إلى تعقد الموقف، وتصاعد حمى الصراع الذي تفجر بعد عشرة أيام.

ففي11 تشرين الثاني عُقد مؤتمر قطري استثنائي لانتخاب ثمانية أعضاء جدد للقيادة القطرية لكي يصبح العدد 16 عضواً بموجب النظام الداخلي الذي تبناه المؤتمر القومي السادس [المادة 38 المعدلة من النظام الداخلي].

غير أن المؤتمر لم يكد يباشر بإجراء الانتخاب حتى داهم 15 ضابطاً مسلحاً قاعة الاجتماع بقيادة العقيد [محمد المهداوي] الذي بدأ يتحدث أمام المؤتمرين قائلاً :

{لقد اخبرني الرفيق ميشيل عفلق، فيلسوف الحزب، أن عصابة استبدت بالحزب في العراق، ومثلها في سوريا، وأن العصابتين وضعتا رأسيهما معاً، وسيطرتا على المؤتمر القومي السادس، ولذلك يجب القضاء عليهما}.

كما هاجم المهداوي قرارات المؤتمر القومي السادس واصفاً إياه بمؤامرة ضد الحزب، وطالب بانتخاب قيادة قطرية جديدة تحت تهديد أسلحة الضباط المرافقين له.

تظاهر المؤتمر باختيار قيادة جديدة، واشترك الضباط بالتصويت،علماً بان بعضهم لم يكن بعثياً على الإطلاق، وجاء على رأس القيادة الجديدة [حازم جواد] بالإضافة إلى فوز أنصاره.

غير أن المهزلة لم تنتهِ إلى هذا الحد، بل أسرع الضباط إلى اعتقال [علي صالح السعدي] و[محسن الشيخ راضي] و[حمدي عبد المجيد] و[هاني الفكيكي] و[أبو طالب الهاشمي] الذي كان يشغل منصب نائب القائد العام للحرس القومي، وجرى تسفير الجميع على متن طائرة عسكرية إلى مدريد.

امتداد الصراع إلى الشارع

أنفجر الوضع المتأزم في ذلك اليوم، وامتد الصراع إلى الشارع، ففي صباح يوم 13 تشرين الثاني اندفعت أعداد غفيرة من مؤيدي علي صالح السعدي ومن الحرس القومي إلى شوارع بغداد،  وأقاموا الحواجز في الطرق، واحتلوا مكاتب البريد والبرق والهاتف ودار الإذاعة، وهاجموا مراكز الشرطة واستولوا على الأسلحة فيها.

وفي الوقت نفسه أسرع منذر الونداوي إلى قاعدة الرشيد الجوية ومعه طيار آخر، وامتطيا طائرتين حربيتين، وقاما بقصف القاعدة المذكورة، ودمرا [5 طائرات] كانت جاثمة فيها.

وفي الساعة الحادية عشرة من صباح ذلك اليوم أذاع [صالح مهدي عماش] وزير الدفاع بياناً من دار الإذاعة حذر فيه [أحمد حسن البكر] من أن هناك محاولة لجعل البعثيين يقتلون بعضهم بعضاً، وهذا ما لا يفيد إلا أعداء الحزب، كما وجه نداءاً للعودة إلى العلاقات الرفاقية، وإلى التفاهم  والأخوة.

وفي تلك الأثناء فرضت قوات الحرس القومي سيطرتها على أغلب مناطق بغداد، ورفض البكر وعماش إعطاء الأمر إلى الجيش بالتدخل وأصبحت قيادة فرع بغداد للحزب هي التي تقود الحزب في تلك اللحظات الحرجة من تاريخ حكم البعث، وطالبت تلك القيادة بإعادة السعدي ورفاقه إلى العراق، وممارسة مهامهم الحزبية والرسمية،غير أنها لم تفلح في ذلك، واضطرت إلى الموافقة على إحالة القضية إلى القيادة القومية لتبت فيها.

عفلق وأمين الحافظ في بغداد لمحاولة حسم الصراع:

وفي مساء ذلك اليوم الثالث عشر من تشرين الثاني، وصل إلى بغداد مؤسس الحزب[ميشيل عفلق] والرئيس السوري [أمين الحافظ] بالإضافة إلى عدد آخر من أعضاء القيادة القومية للحزب.

غير أن عبد السلام عارف تجاهل وصولهما، ولم يجر لهما استقبالاً رسمياً  كما يقتضي البروتوكول والعرف الدبلوماسي، كما لم يحاول الالتقاء بالوفد، مما جعل الوفد يحس أن هناك جو غير طبيعي في بغداد، وأن لابد من أن يكون هناك أمراً يدبر ضد حكم البعث.

حاول ميشيل عفلق ورفاقه في الوفد التصرف بشؤون العراق، فقد أصدروا  قراراً بنفي [حازم جواد] وزير الداخلية، و[طالب شبيب] وزير الخارجية متهمين إياهما بأنهما أساس الفتنة، كما أصدر الوفد قراراً آخر بحل القيادة القطرية التي جرى انتخابها تحت تهديد الضباط الخمسة عشرة، وكذلك القيادة القطرية السابقة التي كان يقودها علي صالح السعدي، وأعلن عن تسلم القيادة القومية للمسؤولية لحين انتخاب قيادة قطرية جديدة.

هكذا إذاً كان تصرف عفلق والوفد الموافق له، تجاهلاً لعبد السلام عارف بصفته رئيساً للجمهورية، وتجاهلا لسيادة واستقلال العراق، والتدخل الفض في شؤونه الداخلية، حيث وصل الأمر إلى أن يعين عفلق أعضاء في الحكومة ويقيل أعضاءً آخرين، وقد أدى تصرفه هذا إلى استياء الضباط العراقيين الممسكين بزمام الجيش.

كما أن الرابطة التي كانت تجمع الضباط البعثيين بالقيادة المدنية قد تفككت، ودبت الخلافات العميقة بينهم، وسارع الجناح المدني في الحزب يتحدى من اسماهم أعداء الحزب، ودعا اتحاد العمال الذي يسيطر عليه الحزب إلى سحق رؤوس البرجوازيين الذين خانوا الحزب، وإعدام أصحاب رؤوس الأموال الذين هربوا أموالهم إلى الخارج.

كما دعوا إلى تأميم كافة المشاريع الصناعية في البلاد، وكانت تلك الاندفاعات لجناح الحزب المدني كلها تصب في خانة عبد السلام عارف الذي صمم على إزاحة حزب البعث عن السلطة، وأحكام قبضته على شؤون البلاد دون منازع أو شريك.

رابعاً: انقلاب عبد السلام عارف ضد البعث

بعد أن وصلت حالة الحزب إلى أقصى درجات التمزق والتناحر، وبعد أن عمت الفوضى أرجاء البلاد، وبلغ استياء ضباط الجيش الممسكين بالمراكز القيادية في الجهاز العسكري من تصرف القيادة البعثية مداه، قرر عبد السلام عارف بالتعاون مع تلك العناصر العسكرية توجيه ضربته القاضية لحكم البعث، وإنهاء سيطرتهم على مقدرات البلاد، فقد استغل عبد السلام تلك الظروف البالغة الصعوبة التي مرّ بها حزب البعث وبالتنسيق مع عدد من أولئك الضباط  وكان من بينهم :

1- الزعيم عبد الرحمن عارف قائد الفرقة الخامسة- شقيق عبد السلام.

2 – الزعيم الركن عبد الكريم فرحان، قائد الفرقة الأولى.

3 – العقيد سعيد صليبي، آمر الانضباط العسكري.

4 – الزعيم الركن الطيار حردان التكريتي، قائد القوة الجوية [ بعثي].

5 – اللواء الركن طاهر يحيى، رئيس أركان الجيش.

هذا بالإضافة إلى العديد من الضباط الآخرين ذوي الميول القومية.

وفي فجر يوم 18 تشرين الثاني 1963 ، قامت طائرات عسكرية بقصف مقر القيادة العامة  للحرس القومي في الأعظمية، ثم تقدمت الدبابات، والمصفحات لتستولي على كافة المرافق العامة في بغداد، ومقرات الحرس القومي.

وحاول البعثيون مقاومة الانقلاب في بادئ الأمر، إلا أن الأمر كان قد حسم في نهاية النهار، فلم يكن باستطاعة الحرس القومي، وهو يحمل الأسلحة الخفيفة أن يقاوم الدبابات والمصفحات والصواريخ والطائرات، وسارع أفراد الحرس  إلى إلقاء سلاحهم، والتخلص منه، برميه في الحقول والمزارع والمزابل بعد أن هددهم النظام العارفي الجديد بإنزال العقاب الصارم بهم إن هم استمروا على حمل السلاح أو إخفائه، وأجرى الجيش مداهمات لدور أفراد الحرس القومي بحثاً عن السلاح.

كما جرى إلقاء القبض على أعداد كبيرة من البعثيين لفترة محدودة من الزمن، حيث تمكن الجيش من إحكام سيطرته على البلاد، وأخذ النظام فيما بعد يطلق سراح البعثيين المعتقلين  في حين بقي السجناء والموقوفين الشيوعيين والديمقراطيين في السجون، وجرى تنفيذ أحكام بالإعدام، كانت قد أصدرتها المحاكم العرفية على عهد البعثيين، بعد تسلم عبد السلام عارف زمام الأمور في البلاد، فقد كان العداء للشيوعية هو الجامع الذي جمع البعثيين والقوميين دون استثناء، ربما شيء واحد قد تغير، هو تخفيف حملات التعذيب أثناء التحقيقات مع المعتقلين، واستمرت المحاكم العرفية تطحن بالوطنيين طيلة عهد عارف.

عبد السلام عارف يحكم سيطرته على البلاد

في مساء يوم الثامن عشر من تشرين الثاني 963 ، تلاشت مقاومة حزب البعث وحرسه القومي في أنحاء البلاد، وتم لعبد السلام عارف وقادته العسكريين السيطرة التامة على البلاد، وبدأ على الفور بترتيب البيت، مانحاً نفسه صلاحيات استثنائية واسعة لمدة سنة، تتجدد تلقائياً، إذا اقتضى الأمر ذلك، وعمد عبد السلام إلى الاعتماد على الروابط العشائرية، وخاصة عشيرة [الجميلات]،  فقد عين شقيقه [عبد الرحمن عارف] وكيلاً لرئيس أركان الجيش، رغم كونه ليس ضابط أركان. كما عين صديقه، وأبن عشيرته [سعيد صليبي] قائداً لحامية بغداد، فيما أعلن عارف نفسه قائداً عاماً للقوات المسلحة، ورئيساً لمجلس قيادة الثورة.

كما جاء عارف باللواء العشرين الذي كان يقود أحد أفواجه عند قيام ثورة 14 تموز، واتخذ منه الحرس الجمهوري الخاص به، واعتمد على العناصر المؤيدة له فيه من عشيرة الجميلات وغيرها من عشائر محافظة الأنبار.

بدأ عبد السلام عارف حكمه معتمداً على ائتلاف عسكري ضم الضباط القوميين والناصريين، والضباط البعثيين الذين انقلبوا على سلطة البعث فقد عيّن [طاهر يحيى] رئيساً للوزراء، و[حردان التكريتي] نائباً للقائد العام للقوات المسلحة، ووزيراً للدفاع، فيما عيّن [أحمد حسن البكر] نائباً لرئيس الجمهورية، والزعيم [رشيد مصلح ] وزيراً للداخلية، وحاكماً عسكرياً عاماً، ويلاحظ أن هؤلاء جميعاً من تكريت، ومن العناصر البعثية، أما العناصر القومية التي شاركت في الحكم فكان على رأسها الزعيم الركن [محمد مجيد] مدير التخطيط العسكري، والزعيم الركن [عبد الكريم فرحان] الذي عيين وزيراً للإرشاد، و[عارف عبد الرزاق] الذي عيين قائداً للقوة الجوية، والعقيد الركن [هادي خماس] الذي عيّن مديرا لجهاز الاستخبارات العسكرية، والمقدم [صبحي عبد الحميد] الذي عيين وزيراً للخارجية.

عبد السلام عارف يبعد العناصر البعثية عن الحكم:

رغم تعاون الضباط البعثيين مع عبد السلام عارف في انقلاب 18 تشرين الثاني 963 ضد قيادتهم المدنية، واشتراكهم في حكومته الانقلابية، إلا أن عارف لم يكن يطمأن لوجودهم في السلطة، ولم يكن إشراكهم في الحكم من قبله سوى كونه عمل تكتيكي من أجل نجاح انقلابه ضد سلطة البعث وتثبيت حكمه، لكنه كان في نفس الوقت يتحين الفرصة للتخلص منهم، وقد ساعده في ذلك الكره الشعبي الواسع النطاق للحكام البعثيين بسبب ما اقترفوه من جرائم بحق الوطنيين طيلة فترة حكمهم التي دامت تسعةاشهر، وهكذا بعد أن تسنى لعارف تثبيت أركان حكمه، بدأ بتوجيه الضربات للعناصر البعثية تلك.

ففي 4 كانون الأول 964 ،أعفى عارف المقدم [عبد الستار عبد اللطيف] من وزارة المواصلات، وفي 16 منه أزاح عارف [حردان التكريتي] من منصبه كقائد للقوة الجوية، وفي 4 كانون الثاني 64 ألغي عارف منصب نائب رئيس الجمهورية وتخلص من [احمد حسن البكر] الذي كان يشغل المنصب، وعينه سفيراً بديوان وزارة الخارجية. (7)

وفي 2 آذار 964، أعفى عارف [حردان التكريتي] من منصب وزير الدفاع وعين محله طاهر يحيى بالإضافة إلى منصبه كرئيس للوزراء، ولم يبقَ إلا رشيد مصلح التكريتي وزير الداخلية والحاكم العسكري العام الذي ربط مصيره بمصير عارف، مهاجماً أعمال البعثيين وجرائمهم، وبذلك أصبح عبد السلام عارف الحاكم المطلق في البلاد، وبرز الناصريون في مقدمة النظام، وبدأ النظام يقلد الجمهورية العربية المتحدة في أساليبها وخططها التنموية، حيث أقدمت الحكومة على تأميم المصارف،  وشركات التأمين، و 32 مؤسسة صناعية وتجارية كبيرة، وخصصت الدولة 25% من الأرباح للعمال والموظفين العاملين فيها، وقررت تمثيلهم في مجالس الإدارة.

كما أقدم النظام الجديد على تشكيل الاتحاد الاشتراكي العربي في 14 تموز 964، على غرار الاتحاد الاشتراكي في الجمهورية العربية المتحدة، ودُعيت القوى السياسية في البلاد إلى الانضواء تحت راية هذا الاتحاد، وقد استهوى هذا الإجراء وتلك التحولات الاقتصادية جانباً من قيادة الحزب الشيوعي، حيث برزت دعوة لحل الحزب والانضمام إلى الاتحاد المذكور، لكن هذا الاتجاه لم ينجح في جر الحزب إليه، بعد أن وقفت العناصر الحريصة على مصلحة الحزب ضد دعوة الحل والانضمام للاتحاد الاشتراكي .

حامد الحمداني

التحَرُّشُ والمُتَحَرِّشونَ والمُتَحَرَّشُ بهم .. في العراق “العظيم”

هناك ضجّةٌ في الولايات المتحدة الأمريكية الآن ، حول اتهامات بالتحرّش الجنسي ، أثارتها ثلاث سيدات ، ضد مرشح الرئيس دونالد ترامب لعضوية المحكمة العليا ، بريت كافانا.

السيدات الآن طاعنات في السنّ ، وكذلك السيّد كافانا ، ولكنّ تهم التحرّش الجنسي لا تسقط في أمريكا بالتقادم ، مقارنةً بالتهم الشنيعةِ ، التي لا تُغتفَر ، و التي تسقط لدينا ، بعد ثلاثة دقائق فقط .

ليس هذا الحدّث غريبا ولا مُدهشاً في السياق العام لنمط الحياة الأمريكية ، خاصةً مع وجود اطار قانوني يُتيح امكانية التعاطي مع قضايا كهذه.
ولكنّ الغرابة (بالنسبة لنا على الأقلّ) ، هي إنّ احدى السيدات تتهمُّ السيّد كافانا بالتحرّش بها ، قبل ثلاثين عاماً !!!.
لا تبدو هذه السيدة على حقٍّ بالنسبة لنا . ولا يبدو سلوكها معقولاً او مقبولاً لدينا ايضاً.
إنّ لدينا “تاريخاً” مُمتدّاً من السلوكيات ، وإرثاً هائلاً من القِيَم ، والنصوص ، والسرديّات والسُنَن ، التي تسمحُ بالتحرّش ، وتعملُ بشراسةٍ على تبريره ، بل وتَحُضُّ عليه أحياناً.
إنّ “ثقافتنا”(على افتراض أنّ لدينا “ثقافة”) ، تقومُ على مباديء راسخةٍ كالجبال ، ومنها : أنّ من لا “يتَحَرّشُ” ليس “رَجُلاً” ، ومَن ليس “رَجُلاً ” لا يَصْلَحُ أن يكونَ مسؤولاً “رفيعاً”.
لا يبدو سلوك السيدات الثلاث معقولاً ، أو مفهوماً ، بالنسبة لي أيضاً ، لأنّني أعرفُ شخصاً كانَ قبل ثلاثين عاماً ، يتحَرّشُ جنسيّاً ، ليس بالنساء فقط ، بل بكلّ شيءٍ يقع عليهِ نظره .. من بقرةٍ شاردة الذهن ، الى دجاجةٍ ساذجةٍ جداً ، الى حمارٍ سارحٍ وبغلٍ كادحٍ و كلبٍ شارد.. بل أنّهُ كان يتحرّشُ جنسياً حتّى بالحشرات الطائرة والقافزة والطنّانة.
والآن .. وبعد ثلاثين عاماً .. فإنّ هذا الشخص، لم يعُد يستطيعُ التحرّشَ جنسيّاً، حتّى بنفسه.
ومع ذلك ، فإنّنا لا يُمكِنُ أن نتصوّرَ أنّهُ قد يُرَشَّحُ لمنصبٍ كبير ، ثُمّ يمثلُ امام مجلس النوّاب ، لاستجوابهِ حول ادّعاءِ بعض البقرات المُسِنّات في قريتهِ السابقةِ ، بأنّهُ قد قام برفع ذيلَهُنّ “عُنْوَةً” ، قبل ثلاثين عاماً من الآن !!!!.
والأغرب من ذلك كُلّه أنّ الرئيس ترامب ، الذي “يقولونَ” إنّهُ كان يعيشُ (وما يزال) في عالَمٍ يتشكّلُ من النساء فقط ، والذي لم يقابل امرأةً في حياته الباذخة ، دون أن يتحرّشْ بها(بطريقةٍ أو بأخرى) ، قد صرّحَ يوم أمس بأن كافانا يتعرَّضُ لاتّهاماتٍ زائفةٍ ومشينة “كتلكَ التي تعرّضَ لها هو شخصيّاً “، ولكنهُ “قد يُغيِّرُ رأيهُ بترشيحهِ لعضوية المحكمة العليا ، اذا اقتنعَ بأنّهُ قد تحرّشَ بإحداهُنّ فعلاً “، ولو كان ذلك قبل ثلاثينَ عاماً من الآن!.
الطريف في الأمر ، أنّ مجلس “الشيوخ” الأمريكي ، هو الذي يُحقِّق في اتهامات التحرُّش الموجهة للمرشحين لتولّي مناصِبَ عُليا في البلاد.
وهكذا يقفُ “الشيخُ” الحاليَّ ، ليُبَرِّرَ ما حدث بينهُ وبين امرأةٍ ما (في حانةٍ ، أو جامعةٍ ، أو حديقة ، أو في موقع العمل) قبل ثلاثينَ عاماً من الآن ، وفي مُجتمعٍ مُنفتِح ، كالمُجتمع الأمريكي.
والآن .. نحنُ كُلّنا .. رجالاً و نساءاً .. أطفالاً وكُهولاً .. شيباً وشُبّاناً و “شائبات” .. و أرضاً ومياهً و وجوداً .. يتمُّ “التحرُشُّ” بنا عَلَناً ، وفي الهواءِ الطَلِقِ ، وعلى رؤوس الأشهاد ، ومنذُ ستّينَ عاماً ، وعلى مدار الساعة .. ولا أحدَ منّا يتّهِمُ “المُتَحَرِّشينَ” بانتهاك الحُرُمات ، و “مُلامَسة” الجسد المستباح ، للكرامة الشخصية أو الوطنيّة.
الآن .. هناكَ عددٌ كبيرٌ ، وكبيرٌ جدّاً من هؤلاء “المُتَحَرِّشينَ” بالعراق والعراقيينَ(جنسيّاً ونفسيّاً وسياسيّاً واقتصاديّاً واجتماعيّاً) .. يأخذونَ بزمامِنا ، ويتحَكّمونَ بمصائرنا ، بل و “يـتحرّشون” بالشيوخَ أنفسهم ، دونَ أن يتجرّأ “شيخٌ” واحدٌ منهم على رفع “عِقالِهِ” في وجه “ذكوريتهم” الطافحة ، تحت “دشاشيش” الديموقراطيّةِ الشفّافةِ جدّاً ، في هذا البلدِ “الشَفيفِ” جدّاً.. الذي باتَ يُغري كُلّ من هَبّ و دَبّ ، على التَحَرُّشِ به .

شؤون النفط ، وهموم العراق ، وشجون العالم

http://www.ahewar.org/debat/show.art.asp?aid=612751

ارتفع سعر خام برنت يوم أمس (24-9-2018) الى أكثر من 80 دولار للبرميل ، وهو أعلى معدل سعر عالمي للنفط منذ تشرين الأول 2014 . وتشير التوقعات الى أنّ السعر العالمي للنفط ، سيبقى يتراوح في حدود معدلاته الحالية (بين 70 الى 80 دولار للبرميل) لأمدٍ غير معلوم بدقة . وبهذا الصدد ، أودُّ الإشارة لما يأتي :
– سيكون رئيس مجلس وزراءنا القادم محظوظاً أكثر من رئيس وزراءنا السابق ، وذلك لأن سَلَفَهُ كان قد استلم زمام الأمور في نهاية عام 2014 بسعر للنفط لا يزيد عن 20 دولار للبرميل ، مع خزينة خاوية ، واحتياطي نقدي متآكل ، و عدم وجود موازنة عامة للدولة أصلاً (في سابقة هي الأولى من نوعها في تاريخ العراق الاقتصادي الحديث) .. وذلك في ذات الوقت الذي كانت فيه “داعش” على أبواب بغداد .
– سيتجاوز سقف الموازنة العامة للدولة للسنة المالية 2019 حاجز الـ 100 مليار دولار .
– ستزداد المشاكل العالقة بين الحكومة الاتحادية وحكومة اقليم كردستان تعقيداً ، حول قضايا خلافية كثيرة ، مثل تفسير مواد الدستور ذات الصلة باستغلال الموارد النفطية ، و كركوك ، والمناطق المتنازَع عليها ، وقانون النفط والغاز ، وحصة الاقليم من الموازنة العامة للدولة.
– يمكن أن تكون خلافات “البيت الكردي” حول منصب رئيس الجمهورية ، انعكاساً غير مباشر لارتفاع سعر النفط . فمن يُمثّل الحزبين الكرديّين الرئيسيين في قلب بغداد ، يستطيعُ أن يكون أكثر قُرباً وتأثيراً عندما يتم الشروع بـ “تقاسم” نفط كركوك ، وتخصيص “حصص” الريع في الموازنة العامة للدولة.
– كلّما ارتفع سعر النفط ، كلما ازدادت تعقيدات تشكيل الحكومة القادمة. والأمر هنا لا يتعلق بإدارة التنمية ، وإعادة الاعمار ، والحد من الفقر ، بل بالصراع على “الكعكعة” ، والتكالُب على “الفُتات” .
– من المفارقات المؤسفة في العراق ، أنّ لعاب الفاسدين يسيل على مشاريع الموازنة الاستثمارية ، وليس على تخصيصات الموازنة التشغيلية . وهكذا ستكون التنمية دالّة لحجم الفساد في تنفيذ مشاريع الموازنة الاستثمارية، وليست دالّة لحجم العائدات النفطية.
– قد تزداد تعقيدات الوضع الاقتصادي السيّء في تركيا ، لأنّها مستوردٌ صافٍ للنفط والغاز من الخارج ، مما يشكّل عبئاً اضافياً على اقتصادٍ مُثقلٍ أصلاً بالديونِ الخارجية والداخلية.
– قد تفشل العقوبات “النفطية” التي من المُحتمَل أن تفرضها الولايات المتحدة على ايران(في 4-11-2018) فشلاً تاماً.
– إذا لم تفشل العقوبات على ايران فإنّ هناك احتمالاً بأن يرتفع سعر النفط الى ما يقرب من 100 دولار للبرميل. ذلك أنّ لا أحد من المنتجين( خارج وداخل أوبك) يمتلك طاقة انتاجية فائضة تتيح له تعويض النقص في الامدادات . فجميع المنتجين(بما فيهم روسيا والسعودية) ينتجون بأقصى طاقاتهم حالياً. وفي هذه الحالة ستكون الكلف الاقتصادية (المباشرة) التي ستتحملها الولايات المتحدة الأمريكية ، والدول ألأوروبية ، ودول الاقتصادات الصاعدة في العالم (على حدٍ سواء) ، أكبر بكثير من تكاليف العقوبات النفطية(المباشرة وغير المباشرة)على ايران ذاتها.
– أحد الأسباب الرئيسة لفشل العقوبات “النفطية” الأمريكية على ايران ، هو أنّ ادارة الرئيس دونالد ترامب تستمر في فرض عقوبات اقتصادية(وسياسية) ، وقيود تجارية ومالية ، على دول صديقة لإيران ، او ترتبط بعلاقات اقتصادية وسياسية وثيقة معها .. في ذات الوقت الذي تطلب فيه هذه الادارة ، من هذه الدول ذاتها ، الالتزام بعقوباتها “هي” ضد ايران .
– ستزداد البلدان “الكبرى” المنتجة للنفط (كالسعودية وروسيا) قوةً وجرأة ، على الصعيدين العسكري و الجيوسياسي (مع مراعاة الفوارق بين البلدين في جوانب كثيرة أخرى).
– أتمنى أن يكون العراق في وضع أفضل بكثيرٍ ممّا سبق . ولكن هذا قد لا يحدث .. و ربما لن يحدث أبداً .
– فالوجوه هي ذات الوجوه ، والفساد هو ذات الفساد ، و “الطاقم” هو ذات “الطاقم” .. و “سيستم” الخراب المُستدام يُعادُ تدويره وانتاجه ، مع كلّ ما يصاحبهُ من روائح كريهة .. والفشل هو ذات الفشل اللصيق والقرين بدولةٍ و “اُمّةٍ” لا تملكُ من اشتراطات وجودها ، غير سمات وخصائص بائسة كهذه ، للإدارة والقيادة.
– أتمنى أن يكون العراق في وضع أفضل بكثيرٍ ممّا سبق . ولكن هذا قد لا يحدث .. و ربما لن يحدث أبداً . فـ “هُم” ذاتهم من يُقرّرون شكل “الديموقراطيّة” ، و يُنَظّمونَ الانتخابات ، و “هُم” ذاتهم من يفوزُ فيها .. و”هُم” ذاتهم من يتحالَفونَ ، و يشكّلون الرئاسات الثلاث العتيدة ، رئاسةً تلو أخرى(برعاية خارجية خالصة ، ومباشرة) .
– و “هُم” ذاتهم من يتحاصصونَ ، ويتقاسمونَ المغانمَ والمناصب ، ويعقدون الصفقات ، ويوزّعون مناطق النفوذ وحدود جباية “الأتاوات”(كالمافيات المستقِرّة) .
– و “هُم” ذاتهم من ينهبون “الدكاكين” ، ويسرقون البيوت ، ويحرقون “المخازن” ، (كالعصابات الجوّالة).
– “هُم” ذاتهم من يختلفونَ ، و يتخاصمونَ علَناً ، و يتعايشونَ سِرّاً بـ “توافقٍ” و سلامٍ تامٍّ ودائم .. ويتبادلونَ الابتسامات .. و “ينتصرون” أبداً .. و يهزموننا دائماً.. ويضحكونَ علينا.

لا تتَبَرَّعوا للبصرة بقناني الماءِ .. بل أعيدوا لها الشَطَّ والضوءَ والأمل

لا تتَبَرَّعوا للبصرة بقناني الماءِ .. بل أعيدوا لها الشَطَّ والضوءَ والأمل

تَبَرَّعوا للبصرة بقناني الماءِ ..
البصرة هذه .. بصرة آدمَ و حوّاءَ ، وأرض الجنّةِ البديلة ، ومدينةُ السواقي التي لا تُعَدُّ ، و موطنَ النهرِ العظيم.
(تُرى كَمْ متراً مُكَعّباً من الماءِ ستحمِلُ الشاحنةُ الكبيرة الى البصرة ، قادمةً اليها من مدن الفقر والعطش الأخرى ، والغارقة بدورها في الخراب ؟).
تَبَرَّعوا بحبّاتِ التمرِ الى البصرة ..
البصرةُ هذه ، التي كان فيها 10.6مليون نخلة في عام 1968 ، وانخفض العدد الان ليصل الى 2.9 مليون نخلة (استناداً لأكثر المسوحِ تفاؤلاً) .
البصرة هذه .. بلد الألف نوعٍ من التمرِ ، الذي تحلمُ بأنْ تَتَذَوَّقَهُ الملائكةُ .. ولا تستطيع.
تَبَرَّعوا للبصرة بالشبِّ والكلور ، لتشربَ وتغتَسِلَ بماءٍ غير آسن ، دونَ أنْ تُلَوّثَ سُمْرَتَها ، بنفاياتكم السامّة.
تَبَرَّعوا للبصرة بالسَمَك . السمَك الذي لم تكُنْ ساقية بالبصرةِ تخلو منه .. من “الزوري” الكادِحِ ، الى “الشَبّوطِ” الارستقراطيّ .. يوم كانت البصرةُ بلاد السواقي التي لا تَجِفّ .
تَبَرَّعوا للبصرة بمن يعزِفُ الموسيقى .. و يُغَنّي .. فقد شَبَعَتْ من العويل .
تَبَرَّعوا للبصرة بمن يرفعُ الأزبالَ عن شوارعها ، وأزّقتها ، و شناشيلها ، وانهارها ، التي تنبتُ عذوبتها في القلب.. هذه البصرةُ التي كان اثرياءُ الخليجِ يحلمونَ في يومٍ ما ، بأنْ يبيتونَ فيها ، ليلةً واحدة.
تَبَرَّعوا للبصرة بسحر العيون .. فأنتُم تفطرون قلوبَ نساءها الباسقات ، بحُزنٍ ليسَ لهُ آخر.
تَبَرَّعوا للبصرة بـ ابن الهيثم ، و الجاحظ ، وسيبويه ، والخليل الفراهيديّ ، والماورديّ ، و السيّاب ، و سعدي يوسف ، ومحمد خضيّر ، و كاظم الحجّاج ، و محمود البريكان ، ومحمود عبد الوهاب ، و قاماتٍ أخرى كثيرةٍ عصيّةٍ على العَدِّ (إنْ استطعتُم) .. ليُعيدَ هؤلاء التذكيرَ بماضيها ، و تشكيلَ حاضرها من جديد.
تَبَرَّعوا للبصرة بكُلِّ شيءٍ .. ولكن ..
ماذا لو فقَدَتْ البصرةُ طيبةَ أهلِها ، ولو الى حين ؟
في أيَّ مدينةٍ عراقيّةٍ أخرى ، سنجدُ للبصرة طيبةً مُماثِلةً ، قابلةً للتصدير؟
لا تتَبَرَّعوا للبصرة . البصرةَ لا تحتاجكُم ..
بل أعيدوا لها ماءها ، ونخلَها ، و طيشَ اسماكها وطيورها ، وأضواءها التي لا تنطفيء ، من شطِّ القُرنَةِ الى بحر الفاو .
أعيدوا لها أفَراحها التي تورِقُ في الروح ، وبهاء أحياءها ، و تحَضُّرَ سكّانها .. و شيئاً ، ولو قليلاً ، من الأمل.
فالويلُ لكم ، اذا زَعَلَتْ البصرةُ عليكم .
الويلُ لكُم .. اذا زَعَلَ عليكُم الشطُّ والسَمَكُ والنخلُ .. و الأهلُ الطيّبون.