هكذا تم إسقاط نظام البعث 1963

من ذاكرة التاريخ: هكذا تم إسقاط نظام البعث 1963

حامد الحمداني

حامد الحمدانيلم يكن حزب البعث يضم عنصر التجانس بين أعضائه، فقد كان أعضاءه وقيادييه ينتمون لطبقات  مختلفة، قسم منهم من الطبقة البرجوازية، وقسم من البرجوازية الصغيرة، ونسبة قليلة من العمال والفلاحين والحرفيين ذوي الدخل المحدود، ووجود نسبة عالية من الطلاب الذين لا تتجاوز أعمارهم  على الأغلب 20 عاماً بين صفوفهم، وعدم نضوج هؤلاء فكرياً وسياسياً وتنظيمياً. 

وبسبب هذا التباين في التركيبة القومية والطائفية والطبقية، فقد كان من الطبيعي أن تكون هناك اختلافات في التطلعات والتوجهات والأفكار والعواطف، كما كان معظم ضباطهم الذين قادوا انقلاب 8 شباط ضد نظام عبد الكريم قاسم من الطائفة السنية، في حين كانت قيادتهم القطرية تضم خمسة من الشيعة، وثلاثة من الطائفة السنية، ويرجع معظم أعضاء البعث من المناطق الريفية المختلفة، وعدم نضوج هؤلاء فكرياً وسياسياً، وحتى قياديي الحزب كانوا من هذا الطراز، كما وصفهم مؤسس الحزب عندما قال:

{بعد الثورة ـ أي انقلاب 8 شباط ـ بدأت اشعر بالقلق من فرديتهم، وطريقتهم الطائشة في تصريف الأمور، واكتشفت أنهم ليسوا من عيار قيادة بلد، وشعب}. 

لقد كان الحزب عبارة عن تجمع لعناصر معادية للشيوعية التي لا يجمعها أي رابط أيديولوجي، وكان جُل همهم منصباً على حربهم الشعواء ضد الشيوعية، وظهرت بينهم تكتلات أساسها المنطقة أو العشيرة أو الطائفية، وهكذا كانت التناقضات والخلافات تبرز شيئاً فشيئاً على سطح الأحداث، والتي كان من أهمها:

1 ـ الموقف من عبد السلام عارف:

ففي 11 شباط 1963، حدث بين قيادة البعث وعبد السلام عارف، الذي نصبوه رئيساً للجمهورية صِدامٌ مكشوف، مما دفع علي صالح السعدي، أمين سر القيادة القطرية للحزب، إلى أن يطرح موضوع بقاء عبد السلام عارف، أو إزاحته من منصبه، قائلاً:

{إن عبد السلام عارف سوف يثير لنا الكثير من المتاعب، وربما يكون خطر علينا، إلا أن أغلبية القيادة لم تأخذ برأي السعدي، خلال اجتماع القيادة الذي جرى في دار حازم جواد، وقد هدد السعدي بالاستقالة إذا لم تأخذ القيادة برأيه، لكنه عدل عن ذلك بعد قليل، وبعد نهاية الاجتماع ذهب حازم جواد إلى عبد السلام عارف وأخبره بما دار في الاجتماع، وحذره من أن السعدي ينوي قتله والتخلص منه}.

2 ـ الموقف من قانون الأحوال المدنية:

الخلاف الثاني الذي حدث بين أعضاء القيادة القطرية حينما طُرح موضوع قانون الأحوال المدنية رقم 188 لسنة 1959الذي شرعه عبد الكريم قاسم، والذي اعتُبر ثورة اجتماعية أنجزتها ثورة 14 تموز فيما يخص حقوق المرأة وحريتها، وإطلاق سراح نصف المجتمع العراقي الذي تمثله المرأة من عبودية الرجل، وكان القانون قد ساوى المرأة بالرجل في الإرث، ومنع تعدد الزوجات إلا في حالات خاصة وضرورية، ومنع ما يعرف بالقتل غسلاً للعار، وغيرها من الأمور الأخرى، وقام عبد السلام عارف بإلغاء القانون في 18 آذار 1963، أثناء وجود علي صالح السعدي في القاهرة، وانقسم مجلس قيادة الثورة ذو الأغلبية البعثية وأعضاء القيادة القطرية حول مسألة الإلغاء، حيث أيده بعض الأعضاء وعارضه البعض الآخر، وفي نهاية المطاف فرض عبد السلام عارف أجراء تعديلات جوهرية على نص القانون أفرغته من محتواه فيما يخص حقوق المرأة .

3 ـ الموقف من الحركات السياسية القومية:

كان الخلاف الثالث بين أعضاء قيادة البعث ينصب حول الموقف من الحركات السياسية القومية [القوميون، والناصريون، والحركيون]، وقد أجرت قيادة الحزب نقاشات حادة حول الموقف منهم، و برز خلال النقاش فكرتان متعارضتان، الأولى تدعو إلى تحجيم القوى القومية، والأخرى تدعو للتعاون معها، لكن القيادة البعثية لم تستطع حسم الأمر، بل على العكس من  ذلك أدى الأمر إلى تعمق الخلافات والصراعات فيما بين أعضاء القيادة.

4 ـ الموقف من الحرس القومي:

في شهر حزيران 1963  ظهرت أسباب أخرى للخلافات بين أعضاء قيادة الحزب حول الحرس القومي، فقد وجهت القيادة العليا للقوات المسلحة في 4 تموز 1963 برقية إلى قيادة الحرس القومي تحذرها وتهددها بحل الحرس القومي إذا لم تتوقف هذه القوات عن الإجراءات المضرة بالأمن العام  وراحة المواطنين.

كانت روائح الجرائم التي يقترفها الحرس القومي ضد أبناء الشعب بشكل عام والشيوعيين منهم بوجه خاص قد أزكمت الأنوف، وضجت الجماهير الواسعة من الشعب من تصرفاتهم وإجرامهم.

إلا أن القائد العام لقوات الحرس القومي [منذر الونداوي] لم يكد يتسلم البرقية حتى أسرع إلى الطلب من القيادة العليا للقوات المسلحة سحب وإلغاء البرقية المذكورة في موقف يبدو منه التحدي، مدعياً أن الحرس القومي قوة شعبية ذات قيادة مستقلة، وأن الحق في إصدار أوامر من هذا النوع لا يعود إلى أي شخص كان، بل إلى السلطة المعتمدة شعبياً والتي هي في ظل ظروف الثورة الراهنة هي المجلس الوطني لقيادة الثورة ولا أحد غيره، وهكذا وصل التناقض والخلاف بين البعثيين وضباط الجيش، وعلى رأسهم عبد السلام عارف، إلى مرحلة عالية من التوتر، مما جعل عبد السلام عارف يصمم على قلب سلطة البعثيين بأسرع وقت ممكن.

5- الحرب في كردستان:

جاء تجدد الحرب في كردستان التي بدأها البعثيون في 10 حزيران1963  لتزيد وضعهم صعوبة، وتعمق الخلافات بينهم حتى أصبح حزب البعث في وضع لا يحسد عليه، فقد تألبت كل القوى السياسية والعسكرية ضدهم، وسئمت أعمالهم وتصرفاتهم .

حاول عبد السلام عارف، وأحمد حسن البكر، بالتعاون مع حازم جواد وطالب شبيب التخلص من علي صالح السعدي، وإخراجه من الحكومة، ومجلس قيادة الثورة، إلا أن الظروف لم تكن مؤاتية لمثل هذا العمل في ذلك الوقت.

ففي 13 أيلول عُقد المؤتمر القطري للحزب، وجرى فيه انتخاب ثلاث أعضاء جدد من مؤيدي علي صالح السعدي، وهم كل من: هاني الفكيكي، وحمدي عبد المجيد، ومحسن الشيخ راضي، فيما أُسقط طالب شبيب في الانتخابات، وبقي حازم جواد، كما فاز أحمد حسن البكر،  وصالح مهدي عماش، وكريم شنتاف بتلك الانتخابات.

وهكذا بدا الانقسام ظاهراً أكثر فأكثر  فجماعة السعدي تتهم جماعة حازم جواد باليمينية، بينما تتهم جماعة حازم جواد السعدي وجماعته باليسارية، ووصل الأمر بعلي صالح السعدي إلى الإدعاء بالماركسية، وحاول أن يبرئ نفسه من دماء آلاف الشيوعيين!.

وفي الفترة ما بين 5ـ23 تشرين الأول، عُقد المؤتمر القومي لحزب البعث، في دمشق، وجرى تعاون بين السعدي وحمود الشوفي، حيث ضمنا لهما أكثرية من أصوات المؤتمرين العراقيين، والسوريين، وسيطرا على المؤتمر وقراراته، وبلغ بهم الحال أن شنوا هجوماً عنيفاً على جناح مؤسس الحزب [ميشيل عفلق] وطرحوا أفكاراً راديكالية فيما يخص التخطيط الاشتراكي، وحول المزارع التعاونية للفلاحين.

ضاقت الدنيا بميشيل عفلق، حيث لم يتحمل الانقلاب الذي أحدثته كتلة [السعدي و الشوفي] داخل المؤتمر في تركيبة القيادة القومية مما افقده القدرة على التأثير في مجرى الأحداث وجعلته يصرح علناً [هذا لم يعد حزبي].

الخلافات بين الجناحين المدني والعسكري

بعد أن قوي مركز علي صالح داخل القيادتين القطرية والقومية و بدأ هو وكتلته يطرحون أفكاراً راديكالية، وتحولا نحو اليسار، بدأ الضباط البعثيون يشعرون بعدم الرضا من اتجاهات السعدي وكتلته، و أخذت مواقفهم تتباعد شيئاً فشيئاً عن مواقفه، وانقسم تبعاً لذلك الجناح المدني للحزب، فقد وقف منذر الونداوي وحمدي عبد المجيد ومحسن الشيخ راضي، بالإضافة إلى الحرس القومي، واتحاد العمال، واتحاد الطلاب، إلى جانب السعدي، فيما وقف حازم جواد، وطالب شبيب، ورئيس أركان الجيش وطاهر يحيى، وقائد القوة الجوية حردان عبد الغفار التكريتي، ووزير المواصلات عبد الستار عبد اللطيف، وقائد كتيبة الدبابات الثالثة محمد المهداوي إلى الجانب المعارض لجناح السعدي، بينما وقف أحمد حسن البكر، وصالح مهدي عماش على الحياد، لكن السعدي أتهمهما بأنهما يدفعان الحزب نحو اليمين، و يؤيدان معارضيه في الخفاء.

ثالثاً:الصراع بين البعث والضباط القوميين والناصريين والحركيين:

كان أحد العوامل الرئيسية للصراع داخل قيادة حزب البعث هو الموقف من القوى القومية والناصرية والحركية، فقد انقسمت القيادة القطرية في مواقفها إلى كتلتين، فكتلة حازم جواد وطالب شبيب كانت تطالب بقيام جبهة واسعة تضم حزب البعث وكل الفئات القومية والناصرية والحركية، فيما كانت كتلة السعدي تعارض هذا التوجه، وقد أدى ذلك إلى تأزم الموقف، واشتداد الصراع بين الجناحين وتصاعده حتى وصل الأمر إلى الموقف من السعدي نفسه عندما حاول جناح [ جواد و شبيب] إزاحة السعدي متهمين إياه بالتهور والتطرف، وتعاون احمد حسن البكر مع عبد السلام عارف على إزاحته، فكانت البداية قد تمثلت بإجراء تعديل وزاري في 11 أيار 1963، جرى بموجبه إعفاء السعدي من منصب وزير الداخلية وتعيينه وزيراً للإرشاد، فيما جرى تعيين غريمه حازم جواد مكانه وزيراً للداخلية.

كان ذلك الإجراء أول ضربة توجه إلى قيادة السعدي، ثم تطور الأمر إلى محاولة إخراجه من الوزارة ومجلس قيادة الثورة، والسيطرة على الحرس القومي الذي يقوده منذر الونداوي، والذي يعتمد عليه السعدي اعتماداً كلياً. 

عبد السلام عارف يعفي الونداوي من قيادة الحرس والونداوي يرفض

في 1 تشرين الثاني  صدر مرسوم جمهوري يقضي بإعفاء منذر الونداوي من قيادة الحرس القومي، وتعيين عبد الستار عبد اللطيف بدلاً عنه، غير أن الونداوي تحدى المرسوم، وأصرّ على البقاء في منصبه، في قيادة الحرس القومي، وقد أدى ذلك إلى تعقد الموقف، وتصاعد حمى الصراع الذي تفجر بعد عشرة أيام.

ففي11 تشرين الثاني عُقد مؤتمر قطري استثنائي لانتخاب ثمانية أعضاء جدد للقيادة القطرية لكي يصبح العدد 16 عضواً بموجب النظام الداخلي الذي تبناه المؤتمر القومي السادس [المادة 38 المعدلة من النظام الداخلي].

غير أن المؤتمر لم يكد يباشر بإجراء الانتخاب حتى داهم 15 ضابطاً مسلحاً قاعة الاجتماع بقيادة العقيد [محمد المهداوي] الذي بدأ يتحدث أمام المؤتمرين قائلاً :

{لقد اخبرني الرفيق ميشيل عفلق، فيلسوف الحزب، أن عصابة استبدت بالحزب في العراق، ومثلها في سوريا، وأن العصابتين وضعتا رأسيهما معاً، وسيطرتا على المؤتمر القومي السادس، ولذلك يجب القضاء عليهما}.

كما هاجم المهداوي قرارات المؤتمر القومي السادس واصفاً إياه بمؤامرة ضد الحزب، وطالب بانتخاب قيادة قطرية جديدة تحت تهديد أسلحة الضباط المرافقين له.

تظاهر المؤتمر باختيار قيادة جديدة، واشترك الضباط بالتصويت،علماً بان بعضهم لم يكن بعثياً على الإطلاق، وجاء على رأس القيادة الجديدة [حازم جواد] بالإضافة إلى فوز أنصاره.

غير أن المهزلة لم تنتهِ إلى هذا الحد، بل أسرع الضباط إلى اعتقال [علي صالح السعدي] و[محسن الشيخ راضي] و[حمدي عبد المجيد] و[هاني الفكيكي] و[أبو طالب الهاشمي] الذي كان يشغل منصب نائب القائد العام للحرس القومي، وجرى تسفير الجميع على متن طائرة عسكرية إلى مدريد.

امتداد الصراع إلى الشارع

أنفجر الوضع المتأزم في ذلك اليوم، وامتد الصراع إلى الشارع، ففي صباح يوم 13 تشرين الثاني اندفعت أعداد غفيرة من مؤيدي علي صالح السعدي ومن الحرس القومي إلى شوارع بغداد،  وأقاموا الحواجز في الطرق، واحتلوا مكاتب البريد والبرق والهاتف ودار الإذاعة، وهاجموا مراكز الشرطة واستولوا على الأسلحة فيها.

وفي الوقت نفسه أسرع منذر الونداوي إلى قاعدة الرشيد الجوية ومعه طيار آخر، وامتطيا طائرتين حربيتين، وقاما بقصف القاعدة المذكورة، ودمرا [5 طائرات] كانت جاثمة فيها.

وفي الساعة الحادية عشرة من صباح ذلك اليوم أذاع [صالح مهدي عماش] وزير الدفاع بياناً من دار الإذاعة حذر فيه [أحمد حسن البكر] من أن هناك محاولة لجعل البعثيين يقتلون بعضهم بعضاً، وهذا ما لا يفيد إلا أعداء الحزب، كما وجه نداءاً للعودة إلى العلاقات الرفاقية، وإلى التفاهم  والأخوة.

وفي تلك الأثناء فرضت قوات الحرس القومي سيطرتها على أغلب مناطق بغداد، ورفض البكر وعماش إعطاء الأمر إلى الجيش بالتدخل وأصبحت قيادة فرع بغداد للحزب هي التي تقود الحزب في تلك اللحظات الحرجة من تاريخ حكم البعث، وطالبت تلك القيادة بإعادة السعدي ورفاقه إلى العراق، وممارسة مهامهم الحزبية والرسمية،غير أنها لم تفلح في ذلك، واضطرت إلى الموافقة على إحالة القضية إلى القيادة القومية لتبت فيها.

عفلق وأمين الحافظ في بغداد لمحاولة حسم الصراع:

وفي مساء ذلك اليوم الثالث عشر من تشرين الثاني، وصل إلى بغداد مؤسس الحزب[ميشيل عفلق] والرئيس السوري [أمين الحافظ] بالإضافة إلى عدد آخر من أعضاء القيادة القومية للحزب.

غير أن عبد السلام عارف تجاهل وصولهما، ولم يجر لهما استقبالاً رسمياً  كما يقتضي البروتوكول والعرف الدبلوماسي، كما لم يحاول الالتقاء بالوفد، مما جعل الوفد يحس أن هناك جو غير طبيعي في بغداد، وأن لابد من أن يكون هناك أمراً يدبر ضد حكم البعث.

حاول ميشيل عفلق ورفاقه في الوفد التصرف بشؤون العراق، فقد أصدروا  قراراً بنفي [حازم جواد] وزير الداخلية، و[طالب شبيب] وزير الخارجية متهمين إياهما بأنهما أساس الفتنة، كما أصدر الوفد قراراً آخر بحل القيادة القطرية التي جرى انتخابها تحت تهديد الضباط الخمسة عشرة، وكذلك القيادة القطرية السابقة التي كان يقودها علي صالح السعدي، وأعلن عن تسلم القيادة القومية للمسؤولية لحين انتخاب قيادة قطرية جديدة.

هكذا إذاً كان تصرف عفلق والوفد الموافق له، تجاهلاً لعبد السلام عارف بصفته رئيساً للجمهورية، وتجاهلا لسيادة واستقلال العراق، والتدخل الفض في شؤونه الداخلية، حيث وصل الأمر إلى أن يعين عفلق أعضاء في الحكومة ويقيل أعضاءً آخرين، وقد أدى تصرفه هذا إلى استياء الضباط العراقيين الممسكين بزمام الجيش.

كما أن الرابطة التي كانت تجمع الضباط البعثيين بالقيادة المدنية قد تفككت، ودبت الخلافات العميقة بينهم، وسارع الجناح المدني في الحزب يتحدى من اسماهم أعداء الحزب، ودعا اتحاد العمال الذي يسيطر عليه الحزب إلى سحق رؤوس البرجوازيين الذين خانوا الحزب، وإعدام أصحاب رؤوس الأموال الذين هربوا أموالهم إلى الخارج.

كما دعوا إلى تأميم كافة المشاريع الصناعية في البلاد، وكانت تلك الاندفاعات لجناح الحزب المدني كلها تصب في خانة عبد السلام عارف الذي صمم على إزاحة حزب البعث عن السلطة، وأحكام قبضته على شؤون البلاد دون منازع أو شريك.

رابعاً: انقلاب عبد السلام عارف ضد البعث

بعد أن وصلت حالة الحزب إلى أقصى درجات التمزق والتناحر، وبعد أن عمت الفوضى أرجاء البلاد، وبلغ استياء ضباط الجيش الممسكين بالمراكز القيادية في الجهاز العسكري من تصرف القيادة البعثية مداه، قرر عبد السلام عارف بالتعاون مع تلك العناصر العسكرية توجيه ضربته القاضية لحكم البعث، وإنهاء سيطرتهم على مقدرات البلاد، فقد استغل عبد السلام تلك الظروف البالغة الصعوبة التي مرّ بها حزب البعث وبالتنسيق مع عدد من أولئك الضباط  وكان من بينهم :

1- الزعيم عبد الرحمن عارف قائد الفرقة الخامسة- شقيق عبد السلام.

2 – الزعيم الركن عبد الكريم فرحان، قائد الفرقة الأولى.

3 – العقيد سعيد صليبي، آمر الانضباط العسكري.

4 – الزعيم الركن الطيار حردان التكريتي، قائد القوة الجوية [ بعثي].

5 – اللواء الركن طاهر يحيى، رئيس أركان الجيش.

هذا بالإضافة إلى العديد من الضباط الآخرين ذوي الميول القومية.

وفي فجر يوم 18 تشرين الثاني 1963 ، قامت طائرات عسكرية بقصف مقر القيادة العامة  للحرس القومي في الأعظمية، ثم تقدمت الدبابات، والمصفحات لتستولي على كافة المرافق العامة في بغداد، ومقرات الحرس القومي.

وحاول البعثيون مقاومة الانقلاب في بادئ الأمر، إلا أن الأمر كان قد حسم في نهاية النهار، فلم يكن باستطاعة الحرس القومي، وهو يحمل الأسلحة الخفيفة أن يقاوم الدبابات والمصفحات والصواريخ والطائرات، وسارع أفراد الحرس  إلى إلقاء سلاحهم، والتخلص منه، برميه في الحقول والمزارع والمزابل بعد أن هددهم النظام العارفي الجديد بإنزال العقاب الصارم بهم إن هم استمروا على حمل السلاح أو إخفائه، وأجرى الجيش مداهمات لدور أفراد الحرس القومي بحثاً عن السلاح.

كما جرى إلقاء القبض على أعداد كبيرة من البعثيين لفترة محدودة من الزمن، حيث تمكن الجيش من إحكام سيطرته على البلاد، وأخذ النظام فيما بعد يطلق سراح البعثيين المعتقلين  في حين بقي السجناء والموقوفين الشيوعيين والديمقراطيين في السجون، وجرى تنفيذ أحكام بالإعدام، كانت قد أصدرتها المحاكم العرفية على عهد البعثيين، بعد تسلم عبد السلام عارف زمام الأمور في البلاد، فقد كان العداء للشيوعية هو الجامع الذي جمع البعثيين والقوميين دون استثناء، ربما شيء واحد قد تغير، هو تخفيف حملات التعذيب أثناء التحقيقات مع المعتقلين، واستمرت المحاكم العرفية تطحن بالوطنيين طيلة عهد عارف.

عبد السلام عارف يحكم سيطرته على البلاد

في مساء يوم الثامن عشر من تشرين الثاني 963 ، تلاشت مقاومة حزب البعث وحرسه القومي في أنحاء البلاد، وتم لعبد السلام عارف وقادته العسكريين السيطرة التامة على البلاد، وبدأ على الفور بترتيب البيت، مانحاً نفسه صلاحيات استثنائية واسعة لمدة سنة، تتجدد تلقائياً، إذا اقتضى الأمر ذلك، وعمد عبد السلام إلى الاعتماد على الروابط العشائرية، وخاصة عشيرة [الجميلات]،  فقد عين شقيقه [عبد الرحمن عارف] وكيلاً لرئيس أركان الجيش، رغم كونه ليس ضابط أركان. كما عين صديقه، وأبن عشيرته [سعيد صليبي] قائداً لحامية بغداد، فيما أعلن عارف نفسه قائداً عاماً للقوات المسلحة، ورئيساً لمجلس قيادة الثورة.

كما جاء عارف باللواء العشرين الذي كان يقود أحد أفواجه عند قيام ثورة 14 تموز، واتخذ منه الحرس الجمهوري الخاص به، واعتمد على العناصر المؤيدة له فيه من عشيرة الجميلات وغيرها من عشائر محافظة الأنبار.

بدأ عبد السلام عارف حكمه معتمداً على ائتلاف عسكري ضم الضباط القوميين والناصريين، والضباط البعثيين الذين انقلبوا على سلطة البعث فقد عيّن [طاهر يحيى] رئيساً للوزراء، و[حردان التكريتي] نائباً للقائد العام للقوات المسلحة، ووزيراً للدفاع، فيما عيّن [أحمد حسن البكر] نائباً لرئيس الجمهورية، والزعيم [رشيد مصلح ] وزيراً للداخلية، وحاكماً عسكرياً عاماً، ويلاحظ أن هؤلاء جميعاً من تكريت، ومن العناصر البعثية، أما العناصر القومية التي شاركت في الحكم فكان على رأسها الزعيم الركن [محمد مجيد] مدير التخطيط العسكري، والزعيم الركن [عبد الكريم فرحان] الذي عيين وزيراً للإرشاد، و[عارف عبد الرزاق] الذي عيين قائداً للقوة الجوية، والعقيد الركن [هادي خماس] الذي عيّن مديرا لجهاز الاستخبارات العسكرية، والمقدم [صبحي عبد الحميد] الذي عيين وزيراً للخارجية.

عبد السلام عارف يبعد العناصر البعثية عن الحكم:

رغم تعاون الضباط البعثيين مع عبد السلام عارف في انقلاب 18 تشرين الثاني 963 ضد قيادتهم المدنية، واشتراكهم في حكومته الانقلابية، إلا أن عارف لم يكن يطمأن لوجودهم في السلطة، ولم يكن إشراكهم في الحكم من قبله سوى كونه عمل تكتيكي من أجل نجاح انقلابه ضد سلطة البعث وتثبيت حكمه، لكنه كان في نفس الوقت يتحين الفرصة للتخلص منهم، وقد ساعده في ذلك الكره الشعبي الواسع النطاق للحكام البعثيين بسبب ما اقترفوه من جرائم بحق الوطنيين طيلة فترة حكمهم التي دامت تسعةاشهر، وهكذا بعد أن تسنى لعارف تثبيت أركان حكمه، بدأ بتوجيه الضربات للعناصر البعثية تلك.

ففي 4 كانون الأول 964 ،أعفى عارف المقدم [عبد الستار عبد اللطيف] من وزارة المواصلات، وفي 16 منه أزاح عارف [حردان التكريتي] من منصبه كقائد للقوة الجوية، وفي 4 كانون الثاني 64 ألغي عارف منصب نائب رئيس الجمهورية وتخلص من [احمد حسن البكر] الذي كان يشغل المنصب، وعينه سفيراً بديوان وزارة الخارجية. (7)

وفي 2 آذار 964، أعفى عارف [حردان التكريتي] من منصب وزير الدفاع وعين محله طاهر يحيى بالإضافة إلى منصبه كرئيس للوزراء، ولم يبقَ إلا رشيد مصلح التكريتي وزير الداخلية والحاكم العسكري العام الذي ربط مصيره بمصير عارف، مهاجماً أعمال البعثيين وجرائمهم، وبذلك أصبح عبد السلام عارف الحاكم المطلق في البلاد، وبرز الناصريون في مقدمة النظام، وبدأ النظام يقلد الجمهورية العربية المتحدة في أساليبها وخططها التنموية، حيث أقدمت الحكومة على تأميم المصارف،  وشركات التأمين، و 32 مؤسسة صناعية وتجارية كبيرة، وخصصت الدولة 25% من الأرباح للعمال والموظفين العاملين فيها، وقررت تمثيلهم في مجالس الإدارة.

كما أقدم النظام الجديد على تشكيل الاتحاد الاشتراكي العربي في 14 تموز 964، على غرار الاتحاد الاشتراكي في الجمهورية العربية المتحدة، ودُعيت القوى السياسية في البلاد إلى الانضواء تحت راية هذا الاتحاد، وقد استهوى هذا الإجراء وتلك التحولات الاقتصادية جانباً من قيادة الحزب الشيوعي، حيث برزت دعوة لحل الحزب والانضمام إلى الاتحاد المذكور، لكن هذا الاتجاه لم ينجح في جر الحزب إليه، بعد أن وقفت العناصر الحريصة على مصلحة الحزب ضد دعوة الحل والانضمام للاتحاد الاشتراكي .

حامد الحمداني

من العراقي فينا انت ام انا

بمناسبة مروراثنا عشر عاما على رحيله في تموز 1997 وبمناسبة طموح العفالقة بالعودة لحكم العراق
في ذكرى رحيل جواهري العراق وشاعر العرب الكبير، عملاق الشعر العربي، فخر العراق الذي انتفض ضد العنجهية العفلقية على خلفية مناسبة أدبية اقيمت في السعودية استدعي لها الشاعر العراقي العملاق محمد مهدي الجواهري مع الشاعر العراقي الفذ عبد الوهاب البياتي زمن حصار العراق، حيث قرر صدام التكريتي اسقاط جنسيتهما العراقية كعقوبة لهما، فارتجل شاعرنا الجواهري الكبير قصيدته “سلْ مضجعيك يا ابن الزنا” أو “سلْ مضاجع امك يا بن الزنا” ردا على هذا الإجــــراء الظالم وهو يقصد رئيس النظام العفلقي صدام :


ياغادرا إن رمت تسألنـــي أجيبك من أنـــــــــــــــــــا
فأنا العربي سيف عزمــــه لا ما أنثنــــــــــــــــــــــــى
وأنا الإباء وأنا العـــــــراق وسهله والمنحنــــــــــــــــى
وأنا البيان وأنا البديــــــــع به ترونق ضادنــــــــــــــا
أدب رفيع غزا الدنــــــــــا عطر يفوح كنخلنــــــــــــا
وأنا الوفاء وأنا المكـــــارم عرسها لي ديدنـــــــــــــــا
أنا أنا قحطان منــــــــــي والعراق كمالنــــــــــــــــا
أنا باسق رواه دجلــــــــــة والشموخ له أنحنــــــــــــى
من أنت حتى تدعــــــــــي وصلا فليلانا لنــــــــــــــا
أو أنت قاتل نخلتــــــــــي ذلا بمسموم القنـــــــــــــا
أو أنت هاتك حرمــــــــــة الشجر الكريم المجتنــــــى
أو أنت من خان العهـــــود لكي يدنسها الخنــــــــــــى
لولاك يا أبــــن الخيس ما حل الخراب بارضنـــــــا
لولاك ما ذبحوا الولـــــــود من الوريد بروضنـــــــــــا
لولاك ما عبث الطغـــــات بأرضنا وبعرضنــــــــــــا
أنا … من أنا
بلادنا
سل دجلة سل نخيل
أنا … من أنا
وتعلم من أنا سلْ أرضنا تدري
وسلْ الإباء لبناتـــــــــــــه من طيب أنفاسي بنــــــــا
أنا دومة من رامهـــــــــــا غير الفضيلة ما جنـــــــى
لكن من يرمو لك حصنــه الرذيلة والفنــــــــــــــــــى
أنا في النفوس وفي القلوب وفي العيون أنا السنـــــــــا
أنا بالقرون بذاتهـــــــــــــا بضميرها أبقى أنــــــــــــا
سأظل في ألق العيــــــون وبين أجفان المنــــــــــــى
ويظل شعري كالســـــراج ينير داجيه الدنــــــــــــــا
أنا إن مت فــــــــــالأرض واحدة هنا او هاهنـــــــــا
واذا سكنــــــــــت الأرض تربتها ستمنحني الهنـــــــا
أو عرفت يا ابن الطينــــة السوداء يا ابـــــــن الشينا
أنا وخيمتــــــــــــــــــــــي علم يوطـر درسنــــــــــــا
علم يحيي كل مــــــــــــــا قد مـــات فـــــــي وجداننا
أنا العروض أنا القوافـــي والقريض وما عــــــــــلا
سل مضاجع امك يا ابن الزنا
من العراقي فينا انت ام انا؟

التشابه بين البعث والنازية

أوجه التشابه بين النازية والبعثية العفلقية من حيث الفكر والممارسة *


صلاح كرميان
selah.germian@yahoo.com.au
الحوار المتمدن – العدد: 919 – 2004 / 8 / 8
المحور: اخر الاخبار, المقالات والبيانات
راسلوا الكاتب-ة  مباشرة حول الموضوع

كانت للافكار التي تبناها الحزب النازي الالماني بزعامة ادولف هتلر والتي كانت قد سيطرت على عقول جيل الشباب انذاك ليست في المانيا واوروبا بل في كثير من دول العالم ابلغ الاثر على تشكيل تجمعات شبابية وتشكيل الاحزاب السياسية قبل سيطرة هتلر واذبان الحكم النازي في المانيا وظلت تلك الافكار راسخة في اذهان الكثيريين من الناشطين في المجتمعات التي كانت قد تشعبت بالافكار القوموية حتى بعد انتهاء الحرب العالمية الثانية وهزيمة المانيا النازية. و في العالم العربي كان للفكر النازي انعكاسات واضحة على الافكار التي نادى بها شبلي شميل وساطع الحصري ومن ثم مشيل عفلق الذي تمكن من تجسيدها في تنظيم سياسي قومي التوجه متبنيا الاشتراكية القومية التي كان ينادي بها الحزب النازي الالماني، وهكذا ظهر البعث على الساحة السياسية.
وقد شهد العراق الحديث اسوأ مراحله التاريخية عندما هيأت القوى الرأسمالية الظروف اللازمة ودعمت العناصر البعثية للاستحواذ على السلطة في العراق في 8 شباط/1963، بغية القضاء على القوى التقدمية والتحريرية التي فتحت لها الافاق بعد سقوط النظام الملكي واعلان الجمهورية في 14 تموز1958. وباشرت عصابات الحرس القومي البعثية باقتراف ابشع الجرائم منذ بداية تسلطها على الحكم انذاك وكانت تلك خير دليل على الدور الخياني الذي اوكل به عفلق واعضاء حزبه من البعثيين. ولكن السلطة العارفية ابدت مرونة واضحة في تعاملها مع البعثيين ولم تتمكن من القضاء عليهم نهائيا بعد الانقلاب عليهم في 18/ تشرين الثاني من نفس السنة، بل تم اعفاءهم من التهم الموجهة اليهم واطلق سراحهم لاحقا مما اتيحت لهم الفرصة ثانية لتنظيم عناصرهم والتغلغل داخل قيادات الجيش والمراكزالحيوية، حيث تمكنوا من تقوية تنظيماتهم ثانية ونجحوا في الاقدام على القيام بانقلاب عسكري في 17/تموز عام1968 .(1)

تبني حزب البعث مفهوم الاشتراكية القومية مثلما تبناه الحزب النازي الالماني و ان البعث سمي بالبعث العربي الاشتراكي على غرار الحزب الاشتراكي القومي الالماني المعروف بالحزب النازي الالماني. واستند الحزب النازي الالماني على الافكار العنصرية وادعى تفوق الالمان والعنصر الاري بشكل عام ودأب على غسل ادمغة الشباب الالماني وزرع الافكار العنصرية على اساس ذلك. ورفع هتلر شعارات تمجد فيها الامة الالمانية ووحدتها ووحدة الاراضى الالمانية وقائدها الاوحد المتمثل في شخصه واطلق علي نفسه تسمية الفوهرر وكان ذلك نابع من شدة غروره وغطرسته واعجابه الشديد بنفسه مما ادى الى تبنيه الدكتاتورية المطلقة في الحكم واتخاذ القرارات الفردية وخنق كل الاصوات المعارضة لسياسته الفردية ونزواته الجنونية. وكذلك فعل حزب البعث ومن خلال ممارسات الطاغية صدام عندما اطلق شعارات مماثلة في تمجيد الامة ووحدتها ورسالتها الخالدة واطلق شتى انواع الصفات على نفسه كقائد الامة وباني مجدها وبطل تحريرها القومي وعكف على تطبيق الدكتاتورية الفردية في قراراته و ممارساته القمعية ضد المعارضين لسياساته الجنونية، وقد استمر في تقوية سلطته الشمولية وبناء الدولة البوليسية و نشر الرعب وممارسة القمع والاستبداد باعتماده على اجهزة الامن والمخابرات ومؤسسات الجيش ووسائل الاعلام التي اولتها الاهتمام البالغ لتمرير مآربه والتطبيل لانجازاته الواهية وسياساته العدوانية وانتصارته الموهومة.

هناك كثير من اوجه التشابه والتوافق بين السياسات التي اتبعها الحزب النازي الالماني وحزب العفالقة في العراق حيث يمكن الاشارة الى النقاط المشتركة التي تجمعهما على النحو التالي:

1- طرح الحزبان مبادئهما على اساس كونها مناهج ومبادئ مقدسة واتخذوا من الدين وسيلة لترسيخ توجهاتهما بل اردا الحزبان وضع مبادئهما موضع الدين وادعا كونها الطريق الصحيح لانبعاث الامة بتبنيهما الاشتراكية القومية و محاربتهما الافكار الاشتراكية والشيوعية. اتبع البعث الفاشي نفس الاسلوب الذي اتبعه النازيين بزعامة هتلر في تعامله مع الدين واستخدامه كوسيلة لتمريرسياساتها حيث دابت الفاشية في العراق على سحق الفكر الديني المعارض للنظام فيما راح النظام يشتري النفوس المريضة من رجال الدين ويستخدمهم ابواقا لدعاياته ولاسيما في المناسبات الدينية و خطب صلاة الجمعة و باشر في تغييرمناهج التعليم و جعل الدين من خلالها مجرد ارث حضاري يهدف البعث الى احياء قيمه بما يتلاءم مع اهدافه السياسية.

2- تبنى حزب البعث نفس الموقف الذي اتخذه الحزب النازي حول المراة ودورها في المجتمع. فمثلما اهمل الحزب النازي المراة وجعل منها مصدر للانجاب فقط وحصر دورها في رعاية البيت وتنشيئة الاطفال ورعاية المرضى والجرحى في المستشفيات ومنع نشاطاتها الاجتماعية والتنظيمية و مشاركتها بادوار بناءة في المجتمع، انتهج حزب البعث في العراق نفس الاساليب النازية بحق المراة و حصر نشاطاتها في تنظيم تابع لمؤسساته الحزبية بهدف الغاء دورها ومسخ توجهاتها في المساواة والحرية.

3- اتبع البعث الفاشي الاسلوب النازي في نظرته الدونية الى الشعوب الاخرى، فمثلما استخدمت السياسة النازية الوسائل الرهيبة وحملات الابادة الجماعية المعروفة بالهولوكوست ضد اليهود و وكذلك حملات الابادة ضد الغجر والشعوب السلافية اللذين اعتبرتهم النازية في مستويات ادنى من الشعب الالماني، باشر البعث العفلقي ببث دعاياته وافكاره العروبوية وراح يهيا الاجواء لمحاربة الشعب الايراني واطلق عليهم تسمية الفرس المجوس اثناء الحرب المدمرة ضد ايران كما واتبع سياسة الارض المحروقة والابادة الجماعية ضد الكورد في كوردستان و قام بتنظيم حملات الابادة الجماعية ضدهم على غرار الهولوكوست في عمليات الانفال الوحشية، واتبع اقسى الاساليب القمعية ضد سكان الجنوب الشيعي وراحت عشرات الالاف منهم ضحايا لتلك السياسات الفاشية وذلك تطبيقا لافكار مؤسس البعث الفاشي “ميشيل عفلق” القائلة (ان الكرد في العراق وسوريا والبربر في المغرب العربي يشكلون العرقلة امام مشروع الوحدة العربية ويجب افناءهم).

4- الحزب النازي اشعل الحرب العالمية الثانية عندما قامت الجوش النازية بغزوها للدول المجاورة تنفيذا لرغبات هتلر الجنونية، كذلك اشعل صدام ونظامه البعثي في العراق منذ مجيئه الى السلطة الحروب الجنونية ضد الشعب الكوردي داخل العراق وضد الجارة ايران ودفعت بالقوات العراقية الى غزو الكويت والتي جلبت جميعها المآسي والويلات على الشعوب في العراق و الدول التي تعرضت للعدوان البعثي وكانت حصيلتها الدمار الاقتصادي والاجتماعي وزعزعة الاستقرار السياسي واعطاء المبررات للتدخلات الاجنبية في المنطقة.

5- مثلما خصص الحزب النازي الالماني جل موارد المانيا لانشاء الالة الحربية الضخمة وبناء المؤسسات العسكرية واجهزته الامنية ووسائل الدعاية الحزبية والعسكرية، اقدم البعث الفاشي في العراق على اتباع نفس الاسلوب وسخر موارد الشعب العراقي لبناء المؤسسات العسكرية واجهزة الامن والمخابرات والدعاية والاعلام.

6- يشترك النازي الالماني والبعث العراقي بتركيزهما على المناهج التعليمية وتغيرها حسب ايديولوجيتهما لغسل ادمغة الجيل الناشئ من الطلبة والشباب وكذلك انشاء منظمات شبابية تشرف عليها اللجان الحزبية واتباع السياسات المركزية في هذا الاتجاه ومنع اية نشاطات جماهيرية مستقلة سواء للطلبة والشباب او للتنظيمات النقابية العمالية والاتحادات الفلاحية والنسائية وغيرها.

7- سيادة الفكر الشمولي عند النازية الالمانية والبعثية العراقية واشتراكهما في طغيان الدكتاتورية الفردية في ادارة البلاد، ونتيجة لذلك جرّت النازية الالمانية والفاشية البعثية البلدين المانيا والعراق الى الهزائم العسكرية والانهيار الشامل للدولتين وتسببت سياساتهما في خلق المناخ المناسب لاحتلال البلدين من قبل القوات الاجنبية .

8- كانت نسبة 80% من المدرسين الالمان من المنتمين الى الحزب النازي، وقد سار البعث الفاشي على نفس النهج في اعداد المدرسين والمعلمين من البعثيين و حصر القبول في كليات التربية ومعاهد المعلمين على المنتمين لحزب البعث وطرد المستقلين الين يرفضون الانتماء الى البعث من سلك التعليم.
يظهر فيما سبق ذكرها مدى توافق البعث الفاشي مع النازية الالمانية في الفكر والاسلوب والممارسة.

اجتثاث النازية

وقد انتبهت العالم الى خطورة الافكار النازية وخلصت الى ضرورة اجتثاثها عقب هزيمتها ورسمت لها البرامج والقرارات الخاصة تهدف الى ضمان قبرها الى الابد. وقد اقيمت لهذا الغرض محكمة دولية خاصة في نورينبرغ لمحاكمة مجرمي الحرب النازيين بدات محاكماتها في تشرين الاول 1945 واستمرت لغاية الاول من تشرين الثاني 1946. وقد شملت اجراءات اجتثاث النازية على حل جميع التنظيمات والتشكيلات التي كانت تابعة للحزب النازي و منعها من مزاولة نشاطاتها و مصادرة كل الممتلكات والمتعلقات التي تعود اليه، ازالة جميع اعضاء الحزب النازي و مؤيديهم و المتعونين معهم والعسكريين الذين خدموا اهداف النازيين من الخدمة العامة والقطاعات المدنية والاقتصادية والصناعية والتجارية والزراعية والتعليمية والاعلام والنشر والتنظيمات العمالية والمهنية الاخرى. وقد صنف المشمولين باجراءات اجتثاث النازية الى عدة مجموعات: المجرمين الذين قد يحاكمون بالسجن لمدة تصل الى عشر سنوات ويحرمون نهائيا من العمل في الخدمة المدنية- المجرمين الذين قد يتعرضون الى السجن او تضمينات مالية او الحرمان من العمل في الخدمة المدنية- الجرمين الذين يدانون بجرائم اقل الذين قل يتم تضمينهم ماليا- والمؤيدين والتابعين للقيادة النازية. وقد شملت المحاكمات 930000 شخصا ادانتهم المحاكمات بتهم مختلفة من بين عدة ملايين من الاشخاص ممن ادرجوا لشمولهم بالمحاكمات. وظهرت نتائج المحاكمات ان 1549 شخصا قاموا بارتكاب جرائم رئيسية و 21000 ساهموا في ارتكاب جرائم مختلفة و 104000 اتهموا بارتكاب جرائم اخف وعوقبوا باحكام السجن لمدد مختلفة و 475000 كمؤيدين للنازية. وكانت حصيلة الاحكام 9000 شخص حوكموا بالسجن باحكام مختلفة و 22000 طردوا من الخدمة العامة و تم مصادرة اموال 25000 شخص و تضمين 500000 شخص.(2)

اجتثاث البعث و المصالحة الوطنية

هناك تساؤلات تطرح نفسها في هذا الوقت بالذات: هل ان الطاغية صدام واركان نظامه الواردة اسماءهم في القائمة الامريكية هم المسؤولون المباشرين عن كل الجرائم البشعة للنظام؟. هل كان بمقدور النظام الاستمرار في تنفيذ سياساته الاجرامية دون الاعتماد على الدعم والمساندة من الجهات التي تورطت في تقوية سلطتها والتطبيل لسياساتها او السكوت عليها سواء من الداخل او الخارج؟. وهل يجب ان نترك عشرات الالاف من رجال الامن والمخابرات وتجار الدم والمرتزقة والمجرمين الذين تخرجوا من مدارس الارهاب البعثية احرارا طليقين امام اعين الجماهيرالعراقية واسر مئات الالاف من الضحايا المدفونيين في المقابر الجماعية؟
لابد من الاشارة الى ان عبارات ” عفا الله عما سلف ” و” العفو عند المقدرة” و”المصالحة الوطنية (3)”الذي يحلو للبعض اتخاذها شعارات في العهد الجديد في العراق للتعامل مع هؤلاء المتورطين بذرائع شتى ولاغراض ذاتية ضيقة لا تأتي الاّ من الذين كانوا يشاطرون النظام في وقت من الاوقات والذين لايراعون مشاعر الملايين من ابناء وبنات الشعب العراقي. اذا كانت الدعوة الى انهاء الوجود الاجنبي هو الهدف من المصالحة المزعومة مع البعثيين والدعوة الى اعادة دورهم و نسيان جرائمهم اللاانسانية فيجب ان لاننسى ان الاحتلال هو نتاج ممارسات البعث وخاتمة جرائمهم.

يجدر توجيهه اصابع الاتهام(4) الى كل الضالعين في دعم وتقوية النظام المقبور حيث لولاهم لما استمر النظام الجائر في غييه وما وصلت اليه العراق الى هذه النهاية البائسة، وعليه يجب محاكمة ومساءلة كل من شارك في خدمة الطاغية بعد مجيئه الى الحكم من:

* قادة الفيالق والفرق وامراء الوحدات العسكرية والطيارين وضباط التوجيه السياسي والاستخبارات العسكرية في الجيش ” العقائدي ” و رؤساء ومدراء وضباط اجهزة الامن والمخابرات ووكلاءهم في دوائر الدولة المدنية وقادة وامراء قواطع الجيش اللاشعبي وما سمي بجيش القدس وفدائيي صدام .

* مسؤولي الالة الاعلامية واصحاب الاقلام الرخيصة والمداحين والمنافقين من اشباه الكتاب والشعراء والطبالين من المطربين والملحنين من العراقيين والعرب اللذين مجدوا الطاغية بكتابتهم وقصائدهم وانشدوا لانتصاراته الموهومة في حروبه المدمرة.

* الذين تبوؤا المناصب الوزارية والمراكز العامة في المؤسسات الحكومية من درجة مدير عام فما فوق و الدرجات الخاصة ورؤساء الجامعات والاتحادات المهنية والنقابية.

* اللذين شاركوا في تنفيذ عمليات الابادة الجماعية في مذابح الانفال وتدمير القرى والقصبات في كردستان وعمليات تجفيف الاهوار و قمع الانتفاضة الجماهيرية سنة 1991 من المسؤولين العسكريين والمدنيين والمرتزقة المتجاريين بارواح الابرياء وكل البعثيين اللذين ساهموا في توريط المعارضين للنظام برفع تقارير حزبية وامنية.

* الذين قلّدوا الاوسمة والانواط ونياشين العار أو دعوا لحضرة الطاغية لمباركتهم على تفانيهم في خدمة النظام أومدّوا ايادهم لمصافحة يده الاثمة او انهالوا عليه بالتقبيل والمديح والاطراء اثناء الالتقاء به وخصوصا بعد اخماد الانتفاضة الجماهيرية في عام 1991.

* ادعياء الدين من ائمة وخطباء الجوامع اللذين ارتضوا لانفسهم ان يكونوا ابواقا رخيصة وكرسوا الدين لمناصرة ممارسات النظام.

يجب ان تكون لجماهير الشعب العراقي كلمتها بحق هؤلاء وان لا يحق لاحد ان يعطي لنفسه حق التصرف في اصدار القرارات والادلاء بتصريحات ضد رغبة الملايين من الناس التي عانت على ايدي عصابة القتل والارهاب ويجب على القائمين على ادارة شؤون العراق، العمل على استبعاد هؤلاء من اية وظيفة عامة واصدار القوانين التي من شأنها محاسبتهم قضائيا.

كما ويجب ان ننسى دورالمقامات والافراد من العرب والاجانب اللذين ربتوا على كتف الطاغية عندما اقحم العراق في حربه القذرة مع ايران في قادسيته السوداء وظلوا على علاقات اخوية معه ووفروا له كل الامكانيات من المال والسلاح لاسناد آلته الحربية وسكتوا عن جرائمه الوحشية بحق الشعب العراقي و اصحاب الشركات والمصانع التي زودت النظام بالاسلحة والمعدات الحربية وخاصة الكيمياوية منها والبايولوجية وساهمت في تدريب اجهزتها القمعية وكذلك السماسرة وتجار الحروب اللذين تورطو في ذلك ويجب مطالبتهم بتقديم الاعتذار للشعب العراقي و المساهمة في مساعدته على نسيان المعاناة التي سببتها سنوات القهر والحرمان بغية تمكينه من النهوض مجددا لبناء مستقبله.
كما وان القضاء على البعث لا يمكن تحقيقه بزوال رموزه او ابعادهم من الساحة السياسية او الخدمة العامة بل يجب العمل جاهدا على ازالة الايديولوجية الفاشية الشوفينية التي اقدم البعث الفاشي على زرعه في كيان المجتمع العراقي وذلك بالتركيزعلى اتباع الاساليب السليمة في خلق مناهج تعليمية والقيام بحملات التوعية الجماهيرية في كافة الميادين واقامة تجمعات ثقافية و فنية واعلامية مركزة. ولا يجب ان يغيب عن البال توخي الحذر من العناصر الانتهازية التي قد تظهر بمظاهر متعددة وتلبس ثوب الوطنية بينما لا تزال الايديولوجية البعثية معشعشة في كيانها. ان العمل على اقامة مؤسسات المجتمع المدني العصري و خلق اجواء الرحبة للجيل التواق الى الديموقراطية وخلق حالة الابداع لديه وتأهيله وتثقيفه بافكار عصرية من اجل نبذ ثقافة العنف والروح العدوانية التي رسخها البعث الفاشي في مخيلة الشباب خلال عقود تسلطه، من شانها الاسراع في عملية اجتثاث البعث. نقطة مهمة اخرى يجب الانتباه اليها هو المال العام الذي اغدقته سلطة البعث الفاشية على جلاوزته ومناصريه ووالذي يعتبر مصدرا مهما لنشاطاتهم وتحركاتهم الحالية وقد يكون عاملا مهما في اعادة تنظيمهم لذا يجب ان يسن لها القوانين التي من شأنها مصادرة الاموال التي حصل عليها البعثيون من جراء تقديم خدماتهم للنظام البعثي البائد

حزب البعث العربي الاشتراكي

حزب سياسي سوري يحكم البلاد منذ عام 1963. نشأ الحزب من اتحاد حزب البعث العربي (تأسس عام 1947) والحزب الاشتراكي العربي. واعتمد الحزب في انطلاقته طريق القومية العربية تحت شعار يلخص أهدافه الأساسية “وحدة، حرية، اشتراكية”. سرعان ما وجد البعث أعداداً كبيرة من المؤيدين في سوريا والعراق، وازداد نشاطه بشكل كبير في أواسط الخمسينات حيث لعب دوراً مهماً في السياسة السورية. في عام 1958، قام البعث مع الأحزاب السورية الأخرى بحل نفسه، وكان ذلك شرط الرئيس المصري جمال عبد الناصر للقبول بالوحدة، وعاد إلى نشاطه السياسي في صفوف المعارضة بعد الانفصال عن مصر في أيلول (سبتمبر) 1961. في شباط (فبراير) 1963 وصل البعث إلى السلطة في العراق وبعد ذلك بشهر واحد، في آذار (مارس) 1963 قام حزب البعث بانقلاب عسكري عُرف باسم ثورة الثامن من آذار. بدأ الحزب عهده بالتقارب مع مصر والعراق في محاولة إقامة وحدة ثلاثية عربية، إلا أن هذه المحاولات باءت بالفشل. تميزت فترة أواسط الستينات بخلافات شديدة بين زعامات الحزب، أدت إلى قيام حركة شباط (فبراير) 1966 التي أوقفت هذه الخلافات بشكل مؤقت، ولم يوضع حد للصراع داخل الحزبي إلا بعد الحركة التصحيحية التي قادها حافظ الأسد في 16 تشرين الثاني (نوفمبر) 1970، وانتخب بعدها الأسد أميناً عاماً للحزب ورئيساً للجمهورية. في عام 1973، نص الدستور السوري الجديد على أن “حزب البعث العربي الاشتراكي هو الحزب القائد للدولة والمجتمع”. وتشكلت في عام 1972 الجبهة الوطنية التقدمية، التي ضمت ائتلافاً من الأحزاب السورية الرئيسية تحت قيادة البعث. في حزيران (يونيو) 2000 توفي حافظ الأسد، وانتخب المؤتمر القطري التاسع ابنه بشار الأسد، أميناً عاماً، وانتخب بشار في وقت لاحق رئيساً للجمهورية. يقدر عدد أعضاء الحزب في سوريا بأكثر من مليون شخص.