أضواء على أدب ال facebook – ألدلالاتُ الكونية وحميمية الخطاب الأسَري لدى الشاعر عماد عبد اللطيف سالم -ليث الصندوق

– أضواء على أدب ال facebook –
ألدلالاتُ الكونية وحميمية الخطاب الأسَري لدى الشاعر عماد عبد اللطيف سالم
ليث الصندوق

لم تعد مواقع التواصل الإجتماعي منصات للثرثرة وصيد المغفلين وإشاعة الفتن ونشر الأكاذيب وإسقاط الخصوم فحسب ، فبالرغم من أنها لم تسلم من الثغرات التي تسهل نفاذ تلك العيوب إليها والتي صارت سمة أساسية ومؤسفة من سمات انتشارها وسهولة ارتيادها ، إلا أن تلك المواقع – وتلك حقيقة لا مناص من الإقرار بها – هي في الوقت ذاته منصات لمواهب تستحق التوقف ، بل ولمنتجي ثقافة حقيقيين ارتأوا أن يعدلوا اتجاه عجلة تلك المواقع واستخدامها للتعويض عن قلة دور النشر ، وارتفاع أسعارها ومحدودية انتشارها ، وكذلك للتعويض عن انحسار دور الثقافة الورقية . وبالرغم من أن متابعة النتاج الثقافي في كل المواقع الاجتماعية ، أو حتى متابعته في وأحد منها متابعة دقيقة ومتواصلة هو أمر لا يقل استحالة عن متابعته في كل المواقع الثقافية الالكترونية ، وفي كل وسائط الاتصال الأخرى ، إلا أن محدودية المتابعة لا تعدم أن تكشف نقاط الإضاءة التي تشيعها بعض الكتابات المميزة لمبدعين اختاروا هذا المنفذ للوصول إلى القراء .
أعترف بأني لست من متابعي مواقع التواصل الاجتماعي المزمنين ، وأن وجودي محدود جداً في موقع واحد بعينه هو ال ( facebook ) ، وحتى في هذا الموقع لا يتعدي دخولي بضع دقائق ما بين يوم وآخر ، لأسباب لا علاقة لها بمستوى الكتابات أو الموقف من الكتّاب ، وأنا هنا لا أبحث عن مسوغات تقيني عتب الأصدقاء الذي قد يرقى أحياناً إلى سوء الظن ، حسبي أن أقول أنها أسباب شخصية تماماً لا تُلزم أحداً سواي . وبعيداً عن هذه الذرائع فلطالما واتتني فرصة النشر والمتابعة والتفاعل مع كتاب الموقع على فترات متباعدة .
ومع اتسام علاقتي بالموقع في أحسن حالاتها بالبرود ، إلا أن ذلك البرود كثيراً ما تبدده أجواء من الصحو والدفء تشيعها كتابات تضطرني – بالرغم من طولها أحياناً ، والذي لا يتناسب مع موقع سريع وعابر – للتوقف والتمحيص ، ومن ثمّ الإعجاب ، وأعني بالكتابة هنا الكتابة الإبداعية في مجالات الأدب تحديداً . بعض تلك الكتابات لأدباء قرأت لهم ، وأعجبت بهم من قبل أن أتعرف على الموقع ، والبعض الآخر من تلك الكتابات لأدباء لم أقرأ لهم من قبل ، وجاء الموقع ليعرفني بهم ، ويسعدني – أو يُسعد القراء الآخرين – بإنجازهم .
في هذا المقال سأختار الكتابة عن أحد شعراء أو كتاب ال ( facebook ) وهو الشاعر والكاتب عماد عبد اللطيف سالم ، على أن أواصل الكتابة في مقالات أخرى عن أدباء آخرين . ولكن قبل الدخول إلى الموضوع لا بدّ من الإشارة إلى ملاحظتين :
– الأولى ، أنّ جميع نصوص الشاعر على الموقع غير معنونة ، وقد عمدت إلى ترقيمها لتيسير متابعتها مع الملاحق التي تتضمن نصوصاً مختارة له .
– ألثانية : إن الفصل ما بين عماد عبد اللطيف سالم الشاعر ، وعماد عبد اللطيف سالم الناثر أمر عسير ، وكذلك الفصل ما بين نصه الشعري ، ونصه النثري ، وذلك في ضوء تداخل الإجناس والأنواع ، وفي ضوء اتساع مساحة الانزياحات ، وشعرية اليومي والعادي ، بل وحتى المبتذل . ومع ذلك سأشير إليه ب ( الشاعر ) إنحيازاً لشعرية النص ، أكثر منها توصيفاً شخصياً .
تمتدّ معرفتي بالشاعر إلى أكثر من أربعين عاماً ، أي إلى زمن الدراسة الجامعية ، فقد كنا طلاب كلية واحدة مع اختلاف تخصصينا ، ومنذ ذلك الحين ، وحتى اليوم يمكنني وضع وصف عام للرجل ، أنه ببساطة نوع من الأدباء الذين يجوز تسميتهم بالأدباء غير الرسميين الذين لم يخرجوا من تحت معاطف المؤسسات الثقافية والإعلامية ، ولم يحصلوا على التزكية من إتحاد الأدباء ، ولم ينشروا كتاباتهم في الصحف أو الدوريات الورقية المتخصصة بالأدب ، بل ربما هم لا يطمحون بنشر مجاميعهم الشعرية الخاصة . ومع ذلك فقد استحق الرجل توصيف الشاعر مكتسباً شرعيته الإبداعية من اتساع مساحة انتشاره ما بين أعداد غفيرة من قراء المواقع الالكترونية الثقافية البارزة ، والمواقع الألكترونية الاجتماعية ، وتحديداً موقع ال facebook ، وجل قرائه من غير الأدباء ، لكنهم ينتمون إلى مثقفي الطبقة الوسطى من الطلبة والموظفين والمهنيين من مختلف الاختصاصات ، ولا تخلو قائمة قرائه والمعجبين به والمتفاعلين معه في الموقع المذكورمن أسماء أدبية معروفة ولامعة .
تتسم كتابات عماد عبد اللطيف سالم بالعفوية ، وتحاشي الحذلقة الشكلية ، والتراكيب اللغوية المعقدة ، والمواضيع الغريبة عن المجتمع العراقي ، بله والبغدادي في نسخته الشعبية . وإذا ما اضطر أن يتناصّ مع الموضوعات الأخرى فلكي يُعرّقها ، أي ينقلها من مجالها الدلالي إلى مجاله الخاص . وبمعنى آخر أن كتابات الشاعر تنتمي إلى إدب الشارع ، وهو أدب موجه لقاريء بكر ، يقرأ بحواسه وبذائقته ، ويقوّم ما يقرأ بموازينه العاطفية ، وهدفه من القراءة هو الإستمتاع وتهذيب الروح . أنه قاريء غير مُلم بأسرار اللغة والبلاغة ولا تهمه المدارس الأدبية ولا يتعاطى مع محددات الأجناس والأنواع ، ولم يشارك في سجالات الأدباء أو نزاعاتهم ومعاركهم مؤيداً أو معارضاً ، ولم يغير اتجاه بوصلته الروحية النقية تبعاً لبوصلات المؤيدين أو المعارضين .
يدخل عماد عبد اللطيف سالم عوالم الشعر من كل الأبواب ، باب القصّة ، باب المقالة ، باب التعليق والتعقيب ، باب الخبر الإعلامي السريع ، بل وحتى من باب الخبر العلمي الصرف ، كل المنافذ أمامه مفتوحة ، وكل مادة لغوية تتحول بقدرة سحرية إلى شعر . وإن كانت المنافذ الثلاثة الأولى من الأربعة تجمعها بالشعر أصرة اللغة ، إلا أن المنفذ الرابع لا علاقة له باللغة ولا بأدواتها البلاغية إلا من حيث أنها وسيلة للتعبير والتواصل . وبالتالي فأن النفاذ عبر موضوعية العلم إلى ذاتية الشعر مرهون بموهبة مدربة لخرق معياريته ، وتطويع منطقه لرغبات الذات ، وفتح بوابات نصه المغلق للقراءة والتأويل . وتتأتي كفاءة الدربة من المقدرة على جمع مجالين متناقضين معاً ، أي العلم والفن . ففي حين يلتقي المجالان في كونهما يمثلان شكلين من أشكال الوعي الإجتماعي ، إلا أنّ ( قوة المعرفة العلمية تكمن في طابعها العام ، وكليتها ، وضرورتها ، وصدقها الموضوعي ) ( 1 ) بينما يعدّ الفن ( تعبيراً خارجياً عما يحدث في النفس من بواعث وتأثيرات ) ( 2 ) . وإن كان الشاعر يقف عملياً في منطقة وسطى ما بين المجالين باعتباره أستاذاً جامعياً متخصصاً في الإقتصاد ، وهذه المنطقة أكثر مرونة من العلم ، وأقلّ مرونة من الفن ، واللعب على الأكثر والأقل يَسّر له النهل من المنبعين ، فهو من الفن يستقى حريته في الاختيار ، وفي وضع الحلول والبدائل ، وهو من الناحية التحليلية يستقي من العلم حياديته وموضوعيته . ومع كل تلك التداخلات المنهجية ، إلا أنّ الشاعر لا يسمح بتتبع أثر مصادره المعرفية ، بل هو يسعى من أجل أن يمنح لنفسه حرية تمويهها وخلط معطياتها خلطاً يمكنه من إعادة إنتاج دلالاتها من جديد في شكل مادة نهائية مقروءة لا تُحسب على أيّ من الدلالات الأم .
فمن أجل كشف مدى معاناته الخاصة منذ لحظة ولادته ، مروراً بموت أبيه ، ومن ثمّ معاناة اسرته في خوضها تجربة اليتم حتى نهايتها ، ومن أجل إقناع قارئه بفداحة تلك التجربة ، يُمعن الشاعر في المبالغة وذلك بتوظيف الخبر الذي هزّ الدوائر العلمية مقروناً بأول صورة تلسكوبية لثقب أسود ، مستدعياً دلالاته من الفضاء الكوني البعيد ، بل من أبعد مستودع دلالات في الكون ، ومن ثمّ عاكساً تلك الدلالات على واقع تجربته القريب ( ألنصّ الأول ) . وهذا النص مكون من مستويين صوتيين :
ألمستوى الأول : 
مخصص لصوت المتكلم / الشاعر ، وفيه يحدد لحظة ولادته كزمن لأول معرفته بالثقب الأسود ، وهذه المعرفة مبنية على معطيين أثنين :
– المعطى الأول : هو معطى دخول ، مرتبط بالشاعر نفسه ( دخلت أول ثقب أسود ) ، وهذا المعطى يجعل من المعرفة فعل بعدي اعقب الدخول بالرغم من ان الأولى جاءت قبل الثاني نصياً . وهذا الثقب هو الصيغة الاستعارية لمحنة الوليد في لحظة ولادته جراء معاناته من شحة الحليب .
– ألمعطى الثاني : هو معطى معرفي تحقق بصيغتين ، الأولى مقرونة بمعطى الدخول / المعطى الأول ( وقد سبقت الإشارة إليه ) ، والثاني تحقق عن طريق النظر ، أو الاكتشاف بالنظر ( رأيت ثقباً أسود في عينيه ، وجيبه الفارغ ) . والصيغتان مرتبطتان ببعضهما ارتباطاً جدلياً يجعل من الصعب فصل النظر عن المعرفة أو العكس .
ألمستوى الثاني : 
في السطر الأخير من النص تنتقل لغة الخطاب الى المستوى الصوتي الثاني الذي يتميز بتحوله من صوت المتكلم المفرد إلى صوت جماعة المتكلمين . ومن الواضح أن هذه الجماعة المتكلمة هم أخوة الشاعر الذين تحولوا بعد لحظة اليتم مباشرة إلى ثقوب سود ، تدل على ذلك مرجعية تملكهم ( عاطفياً ) إلى أمّ واحدة ، كما تدل على ذلك أيضاً صيغتي الفعلين ( تجمعنا ، وتحتفظ … بنا ) بفاعليهما المستترين اللذين هما فاعل واحد / الأم ، وبمفعوليهما اللذين يعودان لجماعة المتكلمين .
تتكرر عبارة الثقب الأسود ( بصيغة المفرد ) أو الثقوب السود ( بصيغة الجمع ) أو كلمة الثقب ( بصيغة ألمفرد المجرد من الصفة ) ، تتكرر خمس مرات ، أي مرة واحدة في كل سطر من السطور الخمسة التي هي عدد أسطر النص . والملاحظ أن دلالات الصيغ ليست ثابتة ، وأنها تغيرت ما بين السلب والإيجاب وكالتالي :
ألدلالات السلبية :
وهي التي تكشف عنها السطور الأربعة الأولى والتي تحيل إلى :
– ألسطرين الأول والثاني : قساوة معاناة الوليد لحظة الولادة ( شحة الحليب )
– ألسطر الثالث : معاناة الأب الذي كان هناك ثقب أسود في ( عينيه ، وجيبه الفارغ )
– ألسطر الرابع : معاناة الأم جراء ثقل التركة التي تحملتها بعد موت الأب ، واستثناء قلب الأم من الثقوب السود ( كانت لدى أمي ثقوب سود كثيرة ، إلا في القلب ) هو استثناء لمّاح أراد منه أن يوجه دلالة الثقوب السود تبعاً لموقعها من جسد الإنسان ، فحين تكون تلك الثقوب في القلب فهي دلالة على البغض والكراهية ، وحين تكون في موضع آخر سواه فهي دلالة على الهموم .
ألدلالة الإيجابية : 
لكنّ دلالات الثقوب السود السلبية تتحول في السطر الأخير إلى دلالة إيجابية – ولو بالنسبة للأم – التي كانت تجمع أبناءَها وتحتفظ بهم ( مثل ثقوب سود صغيرة ) إعتزازاً بهم ، وحباً لهم . أو يمكن قراءة هذه الدلالة من منظورين ، منظور جماعة المتكلمين ، وهو منظور سلبي في ضوء وصف الجماعة لنفسها بالسواد ، والمنظور الثاني النقيض للمنظور الأول ، وهو منظور الأم الذي يتسم بالإيجابية في ضوء جمعها واحتفاظها بالثقوب السود / الأبناء .
وبذلك فأن الانتقال منطقياً – وليس نصياً – عبر ثلاث مراحل من ( الدخول – المعرفة – الرؤية ) أفضى في النهاية إلى تحول الواحد / المتكلم إلى جماعة / المتكلمين ، وكفل لهم جميعاً أن يتحولوا بدورهم إلى ( ثقوب سود صغيرة ) هي من ممتلكات الأم ، أو هي أرثها الوحيد من الراحل / الأب ( تجمعها ، وتحفظها هناك ) من دون تحديد موقع الحفظ ، ولا زمنيته ( إلى ما بعد الأبد ) ، تاركاً افق التأويل مفتوحاً لتعدد القراءات .
وتوظيف دلالات الخبر العلمي ، أو تفكيكه إلى وحدات صغرى ( الثقوب ) واستثمار اللون ( الأسود ) والحجم ( الصغير ) ومن ثمّ إعادة بناء تلك العناصر لغوياً وبلاغياً من جديد ، وعكس دلالاتها من مجالها الكوني اللانهائي ، على مجال العائلة المحدود جداً ، أو على مجاله الشخصي الأكثر ضيقاً وتحديداً ، هي لعبة الشاعر ، ولكنها لعبة تبدأ في أبعد مستودع دلالات في العالم في الفضاء الكوني البعيد ، وتنتهي في حارة شعبية منسية ، وبيت صغير ، واسرة تعاني اليتم والعوز . وعدا تلك اللعبة الكونية ، فالشاعر قلما يغادران تلك الحارة ، وذلك البيت ، وتلك الأسرة ، ومن هذا الثلاثي المحزون تسربت إلى ذات الشاعر نبرة حزن شفيفة يتعاطى معها بسخرية وتفكه كما في ( النص الثالث ) .
يستند هذا النص على ركيزتين ذاتيتين ، الأولى هي الكسل ، والثانية هي الحزن ، وسرعان ما يغفل الشاعر عن الركيزة الأولى / الكسل ، مبقياً استناد النص حتى نهايته على ركيزة واحدة هي الثانية ، وسيكتشف القاريء أن اعتماد ركيزة لنص ، ومن ثمّ إغفالها مباشرة ليس سوى محاولة من الشاعر لاتخاذ تلك الركيزة وسيلة لتبديد كثافة أحزانه ، وتخفيف وطأتها على قارئه . ومع ذلك لا تعدم الركيزة الغفل أن تبث إيحاءاتها حتى بعد إغفالها في طيات النص .
وعلى العكس من ذلك يتمسك الشاعر بالركيزة الثانية كتمسك الحرّ ( بعدوّ له ما من صداقته بدّ ) ( 3 ) ، مقلباً مظاهرها وأسبابها التي قد تكون أحياناً لاشيء ( أنا أحزن أحياناً للاشيء ) ، أو قد تكون وراء أداء الشاعر لدور المحزون دوافع خبيثة ( أو قد أقوم بإعداده بخبث لاستدرار العطف على روحي ) مع ملاحظة عدم فعالية أو شعرية الفعل ( أقوم ) وأرى أن حذفه أجدى لتكون الجملة من دونه ( أو قد أعدّه بخبث … ) .
وهروباً من تلك ( العيوب الشنيعة ) ، أو الهروب من دائرة الحزن المرسومة بخبث ، ما على الشاعر إلا أن يحتال على نفسه وفق خطة تُلزمه بالعودة إلى تقنيته الإنعكاسية في نقل الدلالات من مجالها البعيد إلى مجاله الخاص . وبكل بساطة يستحضر من المجال السينمائي وجه الممثلة الإيطالية الحسناء ( مونيكا بيلوشي ) أو بالأحرى أن القرينة التي استدعت هذا التشبيه هو الجمال ، أو جمال وجه المرأة التي ارتطمت به مصادفة في الطريق .
والمقاربة الناجمة عن الشبه ستُبقي المشبه / إمرأة الطريق حاضرة ، وتستبعد المشبه به / مونيكا بيلوشي ، ولكن عمليتي الاستحضار والاستبعاد المقرونتين بالمقاربة أو المطابقة الناجمتين عن الشبه أو الحقيقة ستعيدان الشاعر بالزمن إلى الوراء ، إلى زمن نشأة الكون ، وتحديداً إلى زمن الانفجار العظيم قبل ما يقرب من أربعة عشر مليار سنة ، وذلك الإستدعاء الإنعكاسي المركب من مجالين بعيدين إولهما مجال السينما ، وثانيهما أكثر بعداً ، وهو مجال الفيزياء الكونية ليس سوى محاولة لإبقاء وجه إمرأة الطريق يحوم فوق سرير الشاعر ( منذ الانفجار العظيم وحتى هذه اللحظة ) ويلاحظ أن التزمين هو بعكس الحدث ، فهو يبدأ من قبل رؤية وجه إمرأة الطريق بمليارات السنين ، ويمتدّ ( إلى هذه اللحظة ) والتزمين الأخير مفتوح للتأويل ما بين لحظة الكتابة ولحظة القراءة .
وإن كانت خطة الاحتيال على الحزن ألزمت الشاعر العودة إلى تقنيته الإنعكاسية في نقل الدلالات من مجالين بعيدين ، مجال السينما في نسخته الإيطالية ، ومجال الفيزياء في نسخته الكونية / الإنفجار العظيم – ويمكن اعتبار هذا الأخير هو أبعد مستودع للدلالات الزمنية في العالم – إلا أن صياغة علاجات جديدة ونهائية بعد أن فشل علاجات أطباء ( القلب والعيون والنفس ) كانت توجب عليه العودة مجدداً إلى الآلية التي سبق اتباعها للاحتيال على الحزن ، أي استدعاء تقنيته الإنعكاسية ثانية من مجال بعيد عن موضوعة الحزن التي تنتمي إلى عوالم النفس ، والمجال الجديد الذي سيستجلب منه الدلالات الجديدة هو مجال مكانيّ . وبقدر ما أن مرجعية المكان الجديد بعيدة عن مرجعية عالم النفس ، إلا أنها قريبة من منطقة سكن الشاعر في منطقة ( الأربع شوارع ) أو هكذا يسميها سكنتها في حي اليرموك ببغداد . أي أن المجال الجديد ضمن مدى بصر الشاعر ، أي أنها من أقرب مستودع دلالات إليه ، لذلك كان استدعاؤه ميسوراً ، وممهداً لوضع نهاية لقصص الأحزان التي كانت ( غير قابلة للزوال ، إلا في نهاية اليوم الثاني ل – الفاتحة – التي سيحضرها بعض الرجال غصباً ، في جامع – البرّ الرحيم – في – الأربع شوارع – ) .
بيد أن تقنيات الشاعر الانعكاسية لا تستجلب دلالاتها من نظريات العلم وأخباره ، ولا من مجالات الفن والمكان والزمان فحسب ، بل أن كل مجالات الحياة مفتوحة أمام الشاعر ، ومن بينها المقولات الفكرية والفلسفية والمواقف المبدئية التي صارت علامات تحول وغيرت مجرى التاريخ ، كما في ( النص السابع ) حيث أنّ الشاعر لا يستدعي تلك المقولات والمواقف ليثبت صحتها كما يُفترض ، بل – وتلك مفارقة – ليثبت خطأها بعد تغير الظروف التي أملتها ، وبعد أن صارت لمن يبحثون عن نتائج مادية مجرد نظريات منتزعة من إطاريها الحياتي والمعرفي . مؤكداً أن نقيضها هو الأسلم والأصوب ، صائغاً خطابه النقيض بصيغة الأمر ( لا تفكّر / كن عنيفاً مع الآخرين / أترك أعداءك السابقين يلعقون حذاءك / مرّغ كرامتهم بالوحل / لا تتسامح / خذ فائض القيمة / راكم رأس المال / لا تمنح العامل أكثر من أجر الكفاف / لا تقلق ) .
ومن الواضح أن نقض الشاعر للمقولات ليس لخلل فيها ، أو لرغبة فوضوية في النقض ، أنما للتأكيد على تراجع القيم ، واختلال المفاهيم ما بين عالم المثال النقي والعظيم ، وعالم الواقع الزائف والمدنس . هذا الفارق الشاسع ما بين العالمين هو الذي جعل من الموازنة ما بين العنف والخنوع للمحتل البريطاني من جهة ، وما بين نضال غاندي السلمي من جهة أخرى تختلّ لصالح الطرف الأول ، وهذا الإختلال هو من أجل تحقيق هدف غاية في التفاهة مفاده عدم تكرار تجربة غاندي في العري والحفاء . وهذا الفارق ما بين المثال والواقع هو أيضاً الذي اختصر نضال مانديلا الطويل بابتسامة وبقميص مشجّر هما معاً الثمرة الوحيدة التي جناها مانديلا من سنوات السجن والنضال الطوال .
لكن النتيجة أحياناً لا تتوافق مع المقدمات ، أو أن ختام القصيدة لا علاقة له ببداياتها ، فقد ترك الشاعر المفكرين والفلاسفة والقادة الإجتماعيين والسياسيين الذين نقض مقولاتهم ومواقفهم في المقاطع الأولى من نصه ، وتبع خطى حبيبته ( بثوبها الأزرق المنقط بالأبيض ) الذي لبسته في أكثر من نص من دون أن يبلى أو يتسخ .
ولعل من علامات الإستدعاء الفارقة ، أنّ الشاعر لا يستدعي البعيد إلى القريب فحسب ، بل يكاد يكون مقيماً في القريب ، يتواصل معه تواصل العضو مع الجسد ، وأقرب القريب إليه هم أفراد أسرته والأقربين منها الذين كثيراً ما حضروا بتفاصيل شخصياتهم المميزة في نصوصه ، حتى ليصح أن نسميه شاعرَ الأسرة الشعبية العراقية بحق .
وفيما يلي عينة من بعض الشخصيات القريبة إلى الشاعر أسرياً الذين ورد ذكرهم في كتاباته :
– كتب الكثير عن أمه ، وعن صبرها وجلدها بعد وفاة ربّ اسرتها .
– كتب عن نفسه باعتباره ( رئيس السن ) في برلمان العائلة .
– ذكر إبنه الذي نصحه بعد تدخين السكائر
– ذكر أخيه الذي يسكن مع أمه .
– ذكر كنّات أمه واصفاً إحداهن بالعقرب والأخريات باللافقريات ، والوصفان يتسمان بالظرف أكثر من اتسامه بالبغض ، ويبدو أنهما تسللا إلى قاموس الشاعر من خارجه ، وتحديداً من الأم ( الحماة ) .
– ذكر وحيد إبن خالة أمه الذي دفن ثلاثة أرباع العائلة في الشيخ معروف
– ذكر شقيق جده غفوري الذي مات بقلب أخضر من فرط الخذلان
– ذكر خالته وفية
– ذكر إبنة خالته حسيبة
– ذكر عمّه محمد
– ذكر عمه حميد الذي لم يعد قادراً على صيد السمك
– ذكر إبن خالته خالد الذي لم يعد يصحح معه مجلة ( التربية الإسلامية ) .
– ذكر حفيده الزاحف تواً .
وخرج من دائرة الأسرة إلى الدائرة القريبة منها فذكر الكثيرين ، وفيما يلي عينة مما ذكر من تلك الدائرة :
– ألست سريّة معلمة الخيزران في حضانة الكرخ .
– القابلة ( الجدّة غزية )
– ألمدرس الأستاذ عبد الوهاب
– مهند ( أبو الخط )
– طلابه في الكلية الذين ليسوا في كامل قواهم العقلية
– جاسم ( أبو المولدة )
وما بين القريب والأقرب تكتسب الأماكن حميميتها وألفتها من حميمية وألفة الساكنين فيها في ترابط حيّ وفاعل ومتين ما بين الأسرة القريبة ، والدائرة الإجتماعية المتصلة بها ، والأماكن التي عاش فيها كل هؤلاء او اقترنوا بها بشكل ما . ومن الأماكن التي تردد ذكرها في نصوص الشاعر ( سوق حمادة و الرحمانية والشيخ معروف والحرية الأولى والعطيفية الثانية وشارع أبو نواس والسعدون والدورة ) . وبعد تلك الأماكن الشعبية جاء دور حيّ اليرموك ، والشوارع الأربعة أو ( الأربع شوارع ) ، وللانتقالة الأخيرة في المكان دلالة اجتماعية في حياة الشاعر والرجل العصامي والكادح ، وفي النصوص اكثر من تلميح وإشارة لتلك الدلالة .

ملحق ببعض كتابات الشاعر 
ألنص الأول :
أنا أعرفُ الثقوبَ السوداءَ منذُ الولادة.
دخلتُ أوّلَ ثُقْبٍ ، عندما كانَ الحليبُ شحيحاً.
وعندما ماتَ أبي ، رأيتُ ثقباً أسودَ في عينيهِ الدامعتينِ ، وجيبهِ الفارغ.
وكانَت لدى أُمّي ، ثقوبَ سوداءَ كثيرة .. إلاّ في القلب.
كانت تجمعنا ، مثل ثقوبَ سوداء صغيرة ، وتحتَفِظ الى مابعدَ الأبد .. بنا .. هناك.

ألنص الثاني :

أفضلُ شيءٍ يحدثُ لي ، هو أنْني أصحو على الفَورِ ، عندما تُداهمني الكوابيس
في كابوسٍ عاديٍّ .. اقتادني أشخاصٌ أعرفهم منذُ قرونٍ ، وربطوني الى نخلةٍ أُحبّها ، في بُستانٍ يعرفني ، وقالوا لي .. نحنُ آسفونَ لقتلكَ يا أخانا العزيز.
قلتُ لهم .. أنتم لا تستطيعونَ ذلكَ .. قالوا لماذا ؟ قلتُ لهم .. لأنّني سأصحو قبلَ ذلكَ بقليل.
و لهذا .. و قبلَ أنْ يثقبَ الرصاصُ نارنجةَ روحي .. صحوتُ .. وتركتهم هناكَ ، وحدهم .. يُطلِقونَ النارَ على القِدّاح.
في أفضلِ كابوسٍ لي .. أحببْتُ امرأةً لمدّةِ لحظاتٍ .. فجاءتْ في موعدها لتُقابِلُني رِفْقَةَ رجلٍ آخرَ .. فصحوتُ على الفورِ نكايةً بها ، وتركتها تتزوّجُ ذلكَ الرجلَ الأبلَهَ .. في الكابوس .
وفي أسوأ كابوسٍ لي ، طارَدَتْني كلابٌ عملاقةٌ .. فوصَلْتُ الى حافّةٍ جُرْفٍ .. وبدأتُ أعوي ، وأزحَفُ .. وعندما بدأتْ الكلابُ بنهشي .. صَحَوت.
في كابوسٍ آخرَ .. كنتُ أُراقِبُ حشداً من الناسِ صباحاً ، يُغَنّونَ أُغنيةً لفيروز.
فجأةً .. توقفوا عن الغناءِ ، وصاحوا : ماتَتْ فيروز .
صحوتً على الفورِ لأنّي .. لا أُريدُ أنْ أعرفَ ماذا سوف يحدثُ لي ، في الصباحِ التالي ، لموتِ فيروز.
وهكذا .. كنتُ أصحو دائماً في الوقتِ المُناسبِ ..
إلى أنْ جاءني يوماً كائنٌ يشبهُ حاكِماً أحمَقاً .. وأقتادني الى كهَفٍ رأيتُ فيهِ جميعَ الذينَ كنتُ أعرفهم سابقاً وهُم يسردونَ لبعضهم قصصَ القهرِ القصيرةِ جدّاً .. وكلبهُمْ وحدهُ صامتٌ ، يُحَدِّقُ في وجهي بعيونٍ دامعةٍ منَ الخوفِ ، ويسألني إنْ كان في جيبي “وَرِقٌ” يصلحُ للعشاءِ الأخيرِ .
فعرفتُ عندها ، أنَّني لن أصحو من الكوابيسِ في الوقتِ المناسبِ ، فيما سيأتي من الليلِ ..
وأنّني .. سأنامُ أخيراً ، نوماً يليقُ بقتيلٍ شارد الذهنِ ، تحتَ نخلةٍ في بستان أهلي .. و برجلٍ غادرتهُ امرأةٌ لم يتذوّق قمحها بعدُ .. وبفيروز التي كانت ما تزالُ تُغنّي ، وكنتُ ما أزالُ أسمعها ، بينما كانت الكلابُ أسفلَ الجُرْف ، تنهشُ قلبي.
كنتُ أعرفُ أنّني ..
سأبقى هناكَ طويلاً
في ذلكَ الكهَفِ الشاسعِ
وأنّني ..
سأجمعُ فيهِ ما تيسَّرَ لي
من بنادق أهلي
لأتعَلَّمَ إطلاقَ النارِعلى القِدّاح
في نارنجةِ روحي .
ألنص الثالث :
أنا كسولٌ حدَّ اللعنةِ .. و حزينٌ حدَّ الموت
لا علاجَ لحُزني .. وليسَ لهذا الحزنِ سببٌ مُحدّد.
أنا احزنُ أحياناً ، للاشيء .. ولا ينقصني سوى أنْ أخرجَ الى الناسِ ، شاهِراً أسايَ في وجوههم ، و”لاطِماً” دونَ معنى .
ولكنّني لا أبكي . لا أذرِفُ دمعةً واحدةً لا على نفسي ، ولا على أحدٍ سواي.
هذا يجعلُ حُزني ، حتّى بالنسبةِ لي ، مثاراً للريبةِ ، وقابلاً للنقض.
هذا الحزنُ قد يكونُ حُزناً مُلَفّقاً.
حُزنٌ أقومُ باعدادهِ بخُبث ، لاستدرار العطفِ على روحي.
ومع كلّ هذه العيوبِ الشنيعةِ .. فإنّني أبتسِمُ على الفور لأيّةٍ أمرأةٍ تُصادفني في أيّ مكان .. حتّى وإنْ كانَ وجهها المُلتَبِسْ ، يشبهُ دهراً منَ الهَجْرِ غيرِ المُبَرَّر.
وعندما اسمعُ جارتي البيضاءَ كالحليب ، بأصابعها الطويلةِ جدّاً ، وهي تشتمُ زوجها بصوتٍ عالٍ ، خمسَ مرّاتٍ في اليوم .. أعيشُ بسعادةٍ غامرة ، لمدّةِ خمسة أشهر.
أمّا اذا ارتطمَتْ بي امرأةٌ صُدفةً في الطريق ، مثل نجمة ، فإنّ رائحتها تبقى لصيقةً بي سنينَ طويلة .. وفستانها الأزرق المُنَقّطِ بالأبيض ، يبقى “مشروراً” لقرونٍ فوق قلبي.. ووجهها الذي يشبهُ دائماً وجهَ “مونيكا بيلوتشي” ، يبقى يحومُ فوق سريري ، منذ الانفجار العظيم ، والى هذه اللحظة.
ذهبتُ الى طبيبِ القلبِ ، وطبيبِ العيونِ ، وطبيب النفسِ .. فبكى ثلاثتهم على حالي بدمعٍ غزيرٍ ، وأوصوني بـ “التعايِشِ” مع الحالِ ، لأنّ هذه القصص القصيرةِ جدّاً ، غيرُ قابلةٍ للزوالِ ، إلاّ في نهاية اليوم الثاني لـ “الفاتحة” ، التي سيحضرها بعضُ الرجالِ غَصْباً ، في جامع “البرِّ الرحيمِ” ، في “الأربعِ شوارع”.
هذه “الفاتحةُ” لن تحضرَها (ولا أدري لماذا) أمرأةٌ واحدة من نساءِ “الشوارعِ الأربعِة” في جهات الكونِ الأربع ، اللواتي ارتطمنَ بي صُدْفةً في لحظةٍ ما ، مثل نيزك ، وماتزالُ رائحتهُنَّ لصيقةً بي ، منذُ الانفجار العظيم ، وإلى هذه اللحظة.
ألنص الرابع :
يحدثُ هذا في “أرْذَلِ” العُمْر .. في هذا الجزءِ من العالم ..
(ملاحظة تمهيديّة هامّة : لم يُكتَبْ هذا النصّ لـ “الشيّابِ” و الـ “الشايبات” ، المُتفائلينَ والمُكابرين ، الذينَ يَدّعونَ “زوراً وبُهتاناً” أنّ الشبابَ هو شبابُ الروح ، وأنّ التطلّعات المُريبة لـ “القلب الأخضرِ” ، لا تقفُ عند عُمْرٍ معين . قد يكونُ هذا صحيحاً في أماكنَ أخرى من هذا الكون ، ولكنّهُ هُنا، خطأٌ شنيع . لذا أنصَحُ هؤلاءِ “الفِتيةِ” الذين يؤمنون بقدراتهم الشبابية “الخارقة” ، بمنع أرواحهم”الخضراء” من الاطّلاعِ عليه).

(النصّ)

نزعتُ غطاءَ القلمِ “السوفت” بفمي ، وأبقيتهُ مُعَلَّقاً هّناك ، وبدأتُ الكتابة.
بعدما انتهيتُ من الكتابة ، بحثتُ لأكثرَ من نصفِ ساعةٍ عن غطاءِ القَلَمِ في “مساماتِ” البيتِ كافّة ، فلم أعثر عليه.
وبينما كنتُ راكِعاً بخشوع ، لعلّي أجدُ الغطاء تحتَ “القَنَفَة” ، جاء حفيدي الزاحفِ تَوّاً ، وبَحلَقَ في وجهي الأبله ، وسحَبَ الغطاء من فمي باحدى يديه ، مُتّكِئاً على الأخرى ، ثُمّ استأنفَ زحفهُ العظيم ..عليهِ اللعنة .
*
هذه “حادثةً” واحدة . وبطبيعة الحال فإنّ هناكَ “حوادث” أخرى ، كثيرةٍ ومؤسفة ، تحدثُ لمن هُم في أرذل العُمْر ، قد تكونُ أكثرُ أهميّةً وخطورةً وإحراجاً من هذه ، لا استطيعُ البوحَ بها هنا ، ويعرفها جيّداً ، من يعيشونَ “أرذَلَ العُمْرِ” مثلي.
أن تموتَ بكرامة ، ما أن تبلُغَ الستّينَ من العُمْر ، هو شيءٌ أفضلُ بكثيرٍ من أنْ تعيشَ “مرذولاً” بعد الستّين.
ولأنّ هذا أمرٌ يخصُّ ربّ العالمين وحده ، فأنا أبتَهِلً اليهِ ، بخضوعٍ تامٍّ لمشيئته ، أنْ يستعيدَ”أمانتهُ” التي أودعَها لدينا ، قبلَ أنْ نعود الى الزمنِ الذي كُنّا نرتدي فيه “الحفّاظاتَ” ، بكرامةٍ طفوليّةٍ كاملةٍ ، وغير منقوصة.
*
إنّ مُجتمعاتنا ، و “دُوَلنا” ، و حكوماتنا ، و”مؤسساتنا” التعليميّة ، لا تحتفي بكبار السنّ ، بما يليقُ بخبراتهم العلمية والمهنية ، أو بما يحافظ على الحد الأدنى من كرامتهم الشخصية (كبشرٍ عاديّين) ، ولم تضع اطاراً قانونياً ، شاملاً وكافياً ومُتكاملاً ، ينظّمُ كلّ ذلك.
و تاريخنا السياسي ، و”الأكاديمي” ، زاخرٌ بالعديدِ من القصص المؤسفة ،عن النهاية الكارثيّة لعقولٍ جميلةٍ طواها الأهمالُ والتهميشُ والنسيانُ ، وطالتها أدواتُ البطشِ والتنكيلِ للسلطات الحاكمة ، والبعضُ منها ظلّ هائماً في الشوارعِ ، مُلَطّخاً بفضلاتهِ ، إلى أنّ مات.
في هذا الجزء من العالم ، لا تتمُّ العناية ُ بكبار السنّ (سواء كانوا من الناس العاديّين ، أومن المُتمَرّسينَ في مُختلف الاختصاصات) إلاّ اذا كانوا يمُتّونَ بصلةٍ ما لسياسيّنَ “كبار” ، أو مُقرّبينَ من سماسرةٍ يُجيدونَ فنونَ”التخادُم” (الذي يُزاوِجُ ما بينَ السياسة والاقتصاد) ، أو تابعينَ لشيوخ عشائر مُتنفّذين ، أو أبواقَ مأجورة لأربابِ السُلطة ، وملوك الطوائفِ ، وتُجّار الحروب .
في هذا الجزء من العالم ، وفي أفضل الأحوال ، سيتمُّ استدعاء كبار السِنّ من المُختَصّينَ ، واستخدامهم كـ “ديكورٍ” حكوميّ .. وبعدها سيقولُ هؤلاء ما يودّون قوله ، للجهات التي قامتْ باستقدامهم .. وفي نهاية المطاف ، لنْ يُنصِتَ لهم أحد .. وسيسمحُ “النظامُ” المؤسسيّ القائم ، لصغار الموظّفين ، بالضحكِ عليهم.
أحياناً .. تسمعُ بعضُ الجهات الحكوميّةِ بموتِ هؤلاء . عندها ستمُدُّ يدَ المساعدة في تسويق لافتات نعيهم ، دونَ أن تُكَلّفَ نفسها عناء المشاركةِ في تشييعهم الى مثواهم الأخير ..
هذا اذا كان لمثل هؤلاء مثوى .. وكثيرون نعرفهم ، لم يكُنْ لهم مثوىً أخير ، في هذا الجزء من العالم
ألنص الخامس :
استيقظُ صباحاً ، وأنا أُحِبُّ كلّ شيءِ في هذا العالم ، بما في ذلكَ أولئكَ الذين كنتُ أكرههم في الليلة الفائتة.
وعندما أغادرُ البيت ، أكرهُ أشياءَ كثيرة ، تُصادفني في الشارعِ ..
بعضُ الناسِ ، السيّاراتُ ، المواشي ، الموظّفونَ والموظفاتِ الذين لا وظائف لهم ، الطلاّبُ والطالباتِ الذين يكرهونَ المدارسَ ، الغبارُ الأسنُ(الصديق “بول بريمر” يتساءلُ في مذكّراتهِ قائِلاً : من أينَ يأتي ، هذا الغبارُ اللعين ؟) ، الأشباحُ شاردةُ الذهنَ التي تعبرُ الشارعَ حيّةً بفعل المُصادفاتِ السعيدة ، الـ “الصَبّاتُ” الكئيبةُ التي تشبهُ العُزلة ، عربات الـ “هامفي” العاطلةُ ، التي تقفُ الآنَ في المحطّاتِ البائدةِ لباصاتِ “المصْلَحَةِ” ، حيثُ كان ينبغي أنْ تقفَ النساءُ القديماتُ ، اللواتي كانت تنانيرهنّ القصيرة تطيرُ عالياً كالحَمامِ ، فيجفلُ قلبي من شدّةِ الشَغَف.
أنا أيضاً ، أمشي في الشارعِ ، وأكرهُ نفسي.
لماذا يحدثُ هذا لي ؟
لماذا لم أعُدْ اتذكّرُ العراقَ في أناشيدنا “الوطنيّة” السابقة(حيثُ كانَ لنا مع كُلّ “قائدٍ” جديدٍ ، نشيدٌ وطنيٌّ جديدٌ)، و لم أَعُد أعشقُ الماءَ والنخلَ والرملَ ، و لَمْ أَعُدْ أُحِبُّ البطَّ الذي يسبحُ بالشطِّ، والسمكَ “المسكَوف” ، والصَمّونَ الحجريَّ ، وعبد الجبار عبد الله الذي كان صديقاً لـ “أنشتاينَ” ، و ماتَ من القَهرِ ، و (ناظم الغزالي) ، الذي مازالَ يبحثُ عن عيونها السودِ التي انطفأتْ قبل ستّين عاماً ، وخدَّها “القيمر” الذي أصبحَ مُرّاً منذُ زمانٍ بعيد ، و”العَمبَةُ الشريسيّةُ” الطائشة، و”العَرَقِ” الزحلاويّ العظيم.
تبدو أسبابُ الكُرْهِ ، لهذا الكَمِّ منَ الاشياءَ ،عميقة.
ومعَ كُرْهٍ راسخٍ مثلُ هذا .. ينبغي أن أموت .
لذا ، في المرّة القادمة ، التي سأغادِرُ فيها البيتَ صباحاً ، سأمشي في الشارعِ مثلَ “حَلاّجٍ” يائِس، يبحثُ في وجوهِ الناسِ عن الله .. وأشتمُ كُلّ من يُصادفني هناكَ طيلةَ الوقتِ .. وأُطاردُ المواشي ، وأركلُ أردافَ البنادق السائبة ، وأعَضُّ الأطارات النافقة لعربات “الهامفي” العاطلة .. إلى أنْ ينهمِرَ كُلُّ رصاصِ الكونِ على روحي.

ألنص السادس :
عضُ الناسِ ، لا يُمكِنُ نسيانهم
الجُندِيٌّ صديقي ، الذي كانَ يكرهُ الحربَ .. وماتَ فيها.
امرأةٌ أحببتها في زمنِ ما ، من أوّلِ نظرة .. ابتَسَمْتُ لها ذاتَ صباح ، في شارعٍ ما ، في مدينةٍ ما ، ولَمْ تَلْحَظ ذلك.
سيّدةٌ جميلة .. تبكي بشكلِ مُدهِش .. بينما أصابعها الطويلة ، تتقافزُ كالعصافير ، فوق فمها القصير.
عجوزٌ ضاحكةٌ ، تبيعُ اللبنَ الناشِفَ في “سوق حمادة” .. وتعودُ الى “الرحمانيّةِ” ، بعد الظُهر، بسبعينَ فِلساً .. تشتري بنصفها شعيراً ، لربِّ الحليب.
السِتْ “سِرِّيّة” .. مُعلّمةُ “الخيزرانِ” في “حَصّانةِ” الكرخِ .. التي كانتْ حتّى “طناطلُ” الدرابين تخافُ منها .. والتي كانت مع ذلك ، تغِضُّ الطَرْفَ عن أصابعي ، وهي تحِطُّ خِلْسَةً ، فوقَ أكُفِّ البنات.
“وحَيِّدْ” ، ابنُ خالةِ أُمّي .. الذي دفَنَ ثلاثةَ أرباع العائلة في “الشيخ معروف” .. وعندما مات ، لم يعرِف الرُبعُ الرابعُ بذلك .. إلاّ بعد انْ أخبرهُم “الشيخ معروف” بنفسه ، أنّ “وحَيِّدْ” الذي كان يدفنهم لوحده .. قد مات .
شقيقٌ جَدّي”غَفّوري” .. الذي ماتَ بقلبٍ أخضرَ ، من فرطِ الخُذلان.
خالتي “وَفِيّة”.. التي كانت وفيّةً حقّاً ، حتّى للريح .. وكانتْ تَئِنُّ في وجهِ السماواتِ ، وتَبْتَسِمْ لنا .. ومعَ ذلكَ خانَها الكُلُّ ، حتّى الحَمام ، الذي كانَ يلقُطُ قمحَ الشاحناتِ ،على امتدادِ الطريقِ، بين “الحُريّةِ الأولى” ، و “العطيفيّةِ الثانية”.
وأخيراً ، إبنةُ خالتي .. “حسيبة” ..
التي ظَلّتْ تُعاتِبُ اللهَ
إلى أنْ ماتَتْ
فلَمْ يَعُد بعدها للعِتابِ
أيُّ معنى
في التاريخِ اللاحقِ للعائلة.

ألنص السابع :
لا تُفكَّرْ
و ستكونُ موجوداً
أكثرُ بكثيرٍ مما كان يعتقدُ
السيّد ديكارت.
كُنْ عنيفاً مع الآخرين
و فَظّاً مع اخوانكَ “الهنود”
أو عبداً مُطيعاً للامبراطوريّة البريطانيّة
ولن تموتَ كـ غاندي
مُرتَدِيّاً قطعتينِ من الكِتّان الأبيض
وحافياً الى الأبد.
لا تتسامَحْ
حتّى مع الريح
وأترُكْ أعداءكَ السابقينَ
يلعقونَ حذاءكَ
و مَرِّغْ كرامتهم بالوحل
وأترُكْ ماندّيلا يبتسِمْ
بقميصِهِ المُشَجَّرْ
الذي لمْ يمتلِكْ غيرَهُ
إلى أنْ مات.
خُذْ “فائضَ القيمة”
و راكِمْ رأسَ المال
في جيبِكَ الشاسع
ولا تمنِحْ العاملَ أكثرَ من أجرِ الكفاف
ودَعْ كارل ماركس
يحلمُ بـ ثورةِ البروليتاريا
على دونالد ترامب.
الكونُ مُجْدٍ و جميل
ولا معنى للعَدَمْ
فلا تقلَق على شيء
ودَع سارتر
يُهاجِرُ من باريسَ التي لا قلَقَ فيها
الى مُدننا المُترَعة
بالقلق الوجوديّ العظيم.
هي موجودةٌ ..
وأنا غشيم
حبيبتي التي لا تكفُّ عن الغياب الذكيّ
و تتركني وحدي.
أنتَ تُحِبُّها
وهي ترتدي ثوبها الأزرقَ المُنَقّطَ بالأبيض
وتضَعُ مكياجاً خفيفاً
على وجهها الشاحب
وتفوحُ من أسفلِ عُنقها
رائحةُ السُنبُلة.
دَعْها تغيبْ
وبعدَ عشرةِ آلافِ عام
سيصِلُ ضوءها إليك
مثل نجمة.
ألنصّ الثامن :
أسبابُ الغيابِ عديدة ..
منها ، مثلاً ، أنْ تكونَ أباً
في وقتٍ لا يصلَحُ لليُتْم .
أنْ تكونَ اُمّاً
في زمنٍ لا يصلَحُ للحنين.
أن تكونَ “مُواطِناً”
في بلدٍ من أربعةِ حروفٍ (أو ثلاثة)
يخسَرُ دائماً في كرة القدم.
أن تكونَ حكيماً
في عشيرةٍ نافقة
مثل أمَل.
أنْ تكونَ مَلِكاً
في مزبَلَة.
أن تكونَ حيّاً
و تبحثُ عن امرأةٍ تقولُ .. أُحِبُّكَ
فتَجْفَلُ من الدهشة
في هذا الوقتِ منَ العُمْرِ
شحيح السيولة.
وأخيراً ..
انْ تغيب
فلا تجِدْ للغياب
سبَباً مُقْنِعاً
سوى أنَّ حذاءَكَ الوحيد
ضَيِّقُ جدّاً
في هذا العالَمِ الواسع.
( 1 ) ألموسوعة الفلسفية – روزنتال وبودين – دار الطليعة 1974 . ص / 275
( 2 ) معجم المصطلحات العربية في اللغة والأدب – مجدي وهبة و كامل المهندس – مكتبة لبنان / 1984 . ص / 278
( 3 ) ألمتنبي ( ومن نكد الدنيا على الحرّ أن يرى – عدواً لهُ ما من صداقته بُدّ )

النظريةالاقتصادية

سافرت ام التنانين لقضاء العمرة وتركت لنا كل شيء

يظن نسيبها انها اخذت البيت معها كما يقول المثل العراقي ولكني اعتقد انها تركت كل شيء فكل شيء في البيت ينطق باسمها ويتحدث عنها

انها مازالت بيننا نسمع صوتها وهمسها وانينها وشخيرها عندما تنام وهي متعبة وبعض اوامرها المطاعة واوامرها غير المطاعة وهدوءها وسكونها ورقتها وعذوبتها عندما تختلي بنفسها لتفكر باقتصاد العراق والنظريات التي تم اختيارها واختبارها منذ تاسيس الدولة العراقية واي هذي النظريات التي كانت ملائمة مع الوضع الاجتماعي الخاص وايها نجحت وايها التي فشلت وهل نجحت فعلا تجربة الفكر البعثي ابان السبعينيات عندما رفعوا شعار ( طريقنا خاص في بناء الاشتراكية ) في محاولة كما فهمناها في حينها لتطبيق الراسمالية ولكن بواجهة وشعارات اشتراكية ولكن لم يتحقق اي شيء مما كانوا يعدون به ولولا مشاريع مجلس الاعمار(1950 – 1958،الذي تمكن من إنجاز مشاريع تنموية وخدمية كبيرة لا يزال العراق يحتفظ بقسم كبير منها مثل: ( مشروع سد وبحيرة الثرثار، سدة الرمادي وبحيرة الحبانية، مشروعي سد دوكان و سد دربنديخان، جسور في  وبغداد والموصل  ومختلف مدن العراق–– معامل ومصانع للأسمنت والسكر والنسيج والنفط والغاز ومحطات للطاقة الكهربائية– إنشاء الطرق البرية وسكك الحديد ،إضافة الى مشاريع الإسكان …الخ) ابان العهد الملكي لما امكن او تسنى للانظمة التي جاءت بعد الملكية (1921 – 1958 ) ان تحقق شيئا مثلما فعل رجال العهد الملكي الذين خططوا لعشرات المشاريع المستقبلية الى جانب ما انجزوه فعلا من مشاريع تاريخية عظيمة لقد حقق النظام الملكي في العراق الكثير من المنجزات التي مازال المواطن العراقي يتساءل بحرقة والم عن السبب في عدم اعتماد الانظمة التي تعاقبت على حكم العراق نظرية اقتصادية معينة يرونها مناسبة لان تطبق في العراق سواء كانت هذه النظرية محلية او عربية او عالمية كما فعلت وتفعل دول العالم المتقدم واختيار واحدة منها بعد تحليلها ودراستها ومطابقتها مع الواقع الاقتصادي والاجتماعي في العراق ومازلنا نتساءل في العراق كيف ان كل الانظمة التي حكمت العراق منذ نهاية الاحتلال التركي للعراق (1534- 1920) لم تات ابدا بنظرية او تجربة اقتصادية حاولت او فكرت او قررت باعتمادها وتجربتها واختبارها في العراق اسوة ببعض دول الغرب التي ما ان تجد ان هذه النظرية لم تعد صالحة لها في ضوء المتغيرات التي قد يتعرض لها البلد بين الحين والاخر كالحروب والكوارث اوالتغييرات الاجتماعية الحاسمة التي ترى انها لم تعد تتلاءم او تنسجم مع النظرية المعتمدة لقد حاول لينين(1870 – 1924) بعد انتصار الثورة في روسيا وتمكن الحزب الشيوعي من السيطرة على الحكم (1917) واعلان الاتحاد السوفيتي(1922 -1991) حاول ان يطبق مباديء النظرية الماركسية( هي ممارسة سياسية ونظرية اجتماعية مبنية على أعمال كارل ماركس الفكرية، وهو فيلسوف من أصول ألمانية يهودية من القرن التاسع عشر. وكان عالم اقتصاد، وصحفي وثوري شاركه رفيقه فريدريك إنجلز في وضع الأسس واللبنات الأولى للنظرية الشيوعية، ومن بعدهم بدأ المفكرون الماركسيون في الإضافة والتطوير للنظرية بالاستناد إلى الأسس التي أرسى دعائمها ماركس، سميت بالماركسية نسبة إلى مؤسسها الأول كارل ماركس، لقد أسس ماركس نظرية الشيوعية العلمية بالاشتراك مع فريدريك إنجلز. فقد كان الاثنان اشتراكيين بالتفكير، لكن مع وجود الكثير من الأحزاب الاشتراكية، تفرد ماركس وأنجلس بالتوصل إلى فكرة الاشتراكية كتطور حتمي للبشرية وفق المنطق الجدلي وبأدوات ثورية. فكانت مجمل أعمالهما تحت اسم واحد وهو الماركسية أو الشيوعية العالمية. كانت أعمالهم تهتم في المقام الأول في تحسين أوضاع العمال المهضومة حقوقهم من قبل الرأسماليين، والقضاء على استغلال الرأسماليين للإنسان العامل.) بحذافيرها في روسيا الزراعية الفلاحية  المتخلفة لقد وجد لينين ان نظرية كارل ماركس (كارل هانريك ماركس، فيلسوف واقتصادي وعالم اجتماع ومؤرخ وصحفي واشتراكي ثوري الماني . لعبت أفكاره دورًا هامًا في تأسيس علم الاجتماع وفي تطوير الحركات الاشتراكية. واعتبر ماركس أحد أعظم الاقتصاديين في التاريخ. نشر العديد من الكتب خلال حياته، أهمُها بيان الحزب الشيوعي، و رأس المال.) لايمكن تطبيقها في روسيا باي شكل من الاشكال لان بعض مقومات هذه النظرية لايمكن لها ان تتحقق في بلد بعيد كل البعد عن تصورات ماركس بشان تطبيق نظريته التي اعتقد انه لايمكن الا في بلد مثل انكلترا التي اعتقد ماركس انها كانت تمتلك كل مقومات تطبيق الاشتراكية بيد ان لينين المثابر والمفكر الالمعي سرعان ما وجد الحل سريعا فلم يكن الامر يحتاج الا الى بعض التعديلات على افكار ماركس بشان تطبيق الاشتراكية وذلك باجراء بعض التعديلات على نظرية ماركس وهو ماحصل فعلا حيث اصبحت اشتراكية ماركس تحمل اسما جديدا في الاتحاد السوفيتي هو الماركسية اللينينية وفجاة وبدون استئذان سالتني حمامة الطابق الثاني التي كانت تتصنت الى افكاري : اكلك علاء شنو الفرق بين الاشتراكية والشيوعية ؟ وليش الشيوعية ماتحققت لحد الان ؟ وليش

انا – شوفي ام هديل قد يبدو التفسير صعبا وغامضا ولكن دعينا نبدا بهذا التفسير اولا وارجو ان يكون كافيا … في الاشتراكية اذا كان العاملون يشتركون في كل الصفات كالتحصيل العلمي والشهادة والاختصاص والخبرةويقومون بمزاولة نفس المهنة فان اجورهم ستكون على قدرة كل واحد منهم على القيام بهذا العمل ولذلك قالوا عن الاشتراكية  من كل حسب عمله لكل حسب مقدرته اما في الشيوعية فاذا كان كل العاملين يشتركون في كل الصفات ولكن بعضهم اعزب وبعضهم متزوج ولديه عدد كبير من الابناء واب وام واخوة واخوات الخ فان اجر هؤلاء لابد سيختلف عن الاعزب غير المسؤول عن عائلة مثلا لذلك قالوا في الشيوعية  من كل حسب عمله لكل حسب حاجته

ام هديل – كلشي ما افتهمت .. مو حقها ام التنانين من تكلك يكفر واحد يسالك

انا – ام هدوله اذا صدك ما افتهمتي فممكن احولج على صديقي الاقتصادي الدكتور عماد عبداللطيف سالم البروفيسور واستاذ الجامعة المتميز ربما بامكانه مساعدتنا وشرح الموضوع لك وتوضيحه اكثر مني بحكم اختصاصه وخبرته الطويلة في مجال التدريس.شنو رايج

ام هديل – بكيفك استاذ علاء.. خوش فكريته خاصة وانا بدات منذ فترة اقرا  لصاحبك الدكتور عماد منشوراته متنوعة وحلوه صدك مثقف متمكن جدا سواء في اختصاصه او في غيره يعجبني اسلوبه جدا واتابع كتاباته اول باول مو انه ماكتلك موش انه سويت صفحة جديدة في الفيسبوك وسميتها ام هديل حمامة الطابق الثاني وصاروا عندي متابعين هواية واغلبهم يسالوني عنك وعن ام التنانين  بالمناسبة شنو اخبار ام التنانين (شخصية خيالية من سلسلة روايات الخيالية  أغنية الجليد والنار للكاتب الأمريكي جورج ر. ر. مارتن والمسلسل التلفزيوني المستند عليها صراع العروش. هي شخصية بارزة في القصة واعتبرت أحد “أروع الإبداعات” والشخصية الأكثر شعبية للمؤلف من قبل صحيفة نيويورك تايمز.)؟

انا – الحمدلله كملت كل شعائر وطقوس العمرة التي اصبحت عمرتين عمرة رجب وعمرة شعبان وكما اخبرتني صباح هذا اليوم  يفترض بهم المغادرة اليوم الى عمان صباحا وينتظرون حتى العصر للتوجه الى لبنان التي سيبقون فيه حتى يوم االخميس11/4 حيث يتوجهون الى سوريا ويبقون هناك حتى يوم الاحد 14/4 حيث العودة الى بغداد باذن الله ادعيلها ام هديل ترجع بالسلامة الى وطنها وبيتها واهلها ولي لعلها تعيد لي ابتسامتي وفرحي وسروري وشغفي قبل ان تجف عروقي وتذبل عناقيد البهجة التي غادرت قلبي منذ رحيلها قبل ايام

ام هديل – لاباس عليك اخي ابا سيف فالفراق اهون علينا من اي شيء اخر اهون من المرض والحرمان والحزن .. اليس كذلك ؟ اسالني انه المكروده الماشفت راحه بحياتي وين ما الفي الكي جماعة المصايد الله لاينطيهم الدايحين بالشوارع الذين كبدوني الكثير من الخسائر ما ادري لحد الان كم رجال خسرت وكم فرخ وكم بيضة وكم عش ولهذا قررت بعد ما اتزوج ولا اخلف ولهذا تراني وحيدة دائما وهديلي حزين وما اوكر بس يم المقهورين المحزونين المحرومين امثالك انت وام التنانين اموت عليكم

الذهاب الى مكه

منذ ان قررت الذهاب الى بيت الله الحرام العام 1992 بعد سنة واحدة فقط من بلوغي الاربعين وانا في تفكير دائم وقلق مستمر وسؤال بلا اجابة , ماذا ساطلب من الله وانا في  حرمه المعظم ماذا ساقول له ؟ اية امنيات سالقيها عليه وارجو منه تحقيقها , كانت الامنيات والرغبات تتناقص يوما بعد يوم وتتلاشى مرة بعد مرة ليس لاني اخفقت في تحقيق رغبتي في الحج او العمرة وهو ماحدث بالفعل ولكن لاني ادركت ان من المخجل ان يقف السلم المؤمن امام الله ويساله ان يحقق امانيه ويلبي طلباته , واية طلبات تلك واية اماني, ان يطيل عمري مثلا وان يرزقني الصحة ويهبني العا فية وان وان الخ  , لقد انتبهت ان من المعيب وانا في حضرة الخالق عز وجل ان اطلب منه مثل هذه الطلبات السخيفة والامنيات التافهات , تلك لم تكن طلباتي ولا امنياتي انها امنيات وطلبات الاخرين ونحن نرددها ونعيدها كل مرة ولكن امنية واحدة وطلبا واحدا لا انفك اردده واتشبث به وهو العفو والتوبة  كما كان يفعل الانبياء وفي مقدمتهم نبينا صلى الله عليه واله وسلم الذي دأب على طلب العفو والمغفرة والتوبة , تخيل الامر نبي يطلب العفو ونبي عظيم يسال ربه التوبة والغفران رجل يفكر بالاخرة ولقاء الرب ونحن لانفكر الا في دنيانا الفانية ونتشبث باسبابها الواهية ونتهافت على صغائرها  تذركت هذا الامر بعد حوار صغير مع ام التنانين امس مساء عندما كانت تتحدث عن دعواتها لي وللاخرين حينما تصل الى مكه واعتقد انني سالتها مازحا ولماذا مكه ؟ لماذا لاتدعين هنا في بيتك ؟ قالت لا هناك اريد ادعو وجي بوجي ( وجها لوجه ) قلت ولكن الله سبحانه في كل مكان ولايحتاج الامر ان نكون في مكه لكي ندعوه قالت جاليش الوادم كلها كاتله نفسها على روحة مكه ؟ قلت وانا لا اكف عن المزاح الوادم تروح المكه علمود التجارة وقليل منهم يذهبون لغرض القيام بشعيرة الحج . ولم تجب كانت تفكر وعندما سالتها خير اشبيج قالت اليوم عندي ثواب اريد اوزع قبل ما اسافر قلت بيها الخير

علاء الاخر

استيقظ كل صباح وانا اقرر انني يجب ان التقي بعلاء اخر

حالما اغادر دار والدي في ساعة معينة من كل صباح

افكر بانني سالتقي بعلاء

يقول لي

صباح الخير علاوي

مشتاقلك

شلونك

بلهجة بغدادية اصيلة

شلونك

يشبهني تماما

يفكر مثلي

ام التنانين وحدها

لاتفكر ببيضاتها الثلاثاء

ربما تفكر بيك

روحلها

قبل ان يقتلوا البحر الميت

استغلها

قبل ان تذهب الى العمرة

الا ترى انها تخطط منذ الان لما بعد العمرة

وانت احد مخططاتها ياعلاء

يابعد روحي

استغلها جيدا

هذه الطيبة البريئة

روحك التي يحسدك الكل عليها

ام التنانين

التي ضحت كثيرا وصبرت كثيرا

استغلها الجميع مثل بندقية البرنو

الا انت

ياعلاء

اعطيتها الكثير

لانك مثلها تفكر بها اولا

يابعد روحي

عجوز

ماانت الا رجل عجوز

عجوز

سرعان ماستموت

اليوم او غدا او بعد غد

على فراشك البارد

او على اريكة خضراء قديمة مثل روحك

في بيت والدي

او في الشارع وامام طالبات المعهد التقني

امامها

او بعيدا عنها

ستصرخ ام التنين

صرختها التي كانت تطالب بها بالعرش قبل ولادة التنانين

علي

وهذه الصرخة ليس لانها قوية ومرعبة ولكن لان الصارخة هي ام التنانين

كفيلة باعادتك الى الحياة التي فقدتها في مول النخيل او مول زيونة

عندما كنت تفكر في فنجاة قهوة مثقف

قبل ان تدخل كوكبة من المتانقات المتجملات الفاتنات الى روحك المؤجرة منذ العصر الطباشيري

وتغمز لك شقراء لاتشبه اليسا ابدا

عجوز ولكن لطيف

لتعود الى ام التنانين كالطاووس

تفكر في اغرائها مرة اخرى في نفس اليوم

لعلها تقول لك

يالله

مقامة الحرب والغناء

مقامة

الحرب والغناء

علاء العبادي

والقصيدة التي اشرت اليها في بداية المقامة الهندية هي قصيدة الرجال الجوف او الرجال الفارغون او الخاوون كما ترجمها احسان عباس وقد نشرت في العام 1925 ومطلعها

نحن الرجال الجوف
نحن سقط المتاع
كتفا لكتف وعلى بعضنا نتكئ
وا حسرتاه
فخوذة الآمال يملآها الضياع
وحين الهمس يسرى بيننا
فصوتنا يباب
بلا معان نحن خامدون
كالريح تعوى فى يابس الحقول والفجاج
أو أقدام جرذان فوق مهشم الزجاج
ونحن فى قبونا السراب
شكل بلا جسد
ظل بلا ألوان
عزيمة مشلولة بلا عضد
إيماءة بلا شعور أو حنان
أؤلئك الذين هوموا وغادروا
بأعين مشرعة
نحو مملكة الموت الأخرى
فلتذكرونا
بأى طريقة ترون
ليس كأرواح عنيفة وضائعة
لكن كطووايس الرجال

We are the hollow men
We are the stuffed men
Leaning together
Headpiece filled with straw. Alas!
Our dried voice, when
We whisper together
Are quiet and meaningless
As wind in dry grass
Or rat’s feet over broken glass
In Our dry cellar
Shape without form, shade without colour,
Paralyzed force, gesture without motion;
Those who have crossed
With direct eyes, to death’s other Kingdom
Remember us–if at all–not as lost
Violent souls, but only
The stuffed men.

وهي من كبريات قصائدة التي اشتهر بها الى جانب عدد من القصائد المتميزة تأتي في مقدمتها قصيدته المدهشة الارض اليباب التي عدت وباجماع النقاد اروع اعماله الشعرية على الاطلاق والتي كانت السبب في شهرته الدولية ومطلعها

 April is the cruelest month, breeding

Lilacs out of the dead land, mixing

Memory and desire, stirring

Dull roots with spring rain.

Winter kept us warm, covering

Earth in forgetful snow, feeding

A little life with dried tubers.

 

ويقال ان اليوت حرص على ارسالها الى الشاعر الامريكي المغترب عزرا باوند(1885-1972) الذي اعتبر احد اهم شخصيات شعرالحداثة في الادب العالمي ومن المؤسف ان المثقفين العرب لم ينتبهوا الى هذا الشاعر الناقد الفذ وقد سمعت باسمه اول مرة عن طريق مؤلفات كولن ولسون الذي تطرق الى موضوع قصيدة اليوت اعلاه الارض اليباب The Waste Land التي ترجمها الدكتور عبد الواحد لؤلؤة  ومطلعها المترجم

نيسان أقسى الشهور، يخُرج
الليلك من الأرض الموات، يمزج
الذكرى بالرغبة، يحرك
خامل الجذور بغيث الربيع

ويقول كولن ولسون ان باوند اجرى عدة تعديلات على قصيدة اليوت الارض اليباب وحذف الكثير من ابياتها واذكر ان ولسون اكد ان باوند كان مفتونا جدا بها وانه اخبر اليوت ان ما حذفه من مقاطع جعلها متماسكة وانها الان تصلح للنشر والقصيدة طويلة جدا وهي تزخر بالكثير من الرموز والاشارات الميثولوجية والقصص وحيث انها كتبت في العام 1922 فانها تتحدث عن اهوال وماسي الحرب العالمية الاولى

 وتصور عالما مليئا بالمخاوف والذعر ومشحونا بالشهوات العقيمة  عالم ينتظر اشارة ما تؤذن بخلاصه او تعد به ,لقد اشتغل اليوت على هذه القصيدة الملحمة لسنوات طويلة حيث لم يترك اليوت شيئا الا وذكره فيها مابين توظيف اللغات اللاتينية والاغريقية والالمانية والسنسكريتة الهندية والاساطير والقصص اليونانية والرومانية  والاوربية الجرمانية والشرقية مما يذكر بملحمة الروائي الايرلندي جيمس جويس (1882-1941) يوليسيس (التي اعتبرت اضخم واقوى عمل ادبي على مر العصور)  اضافة الى عدد غير قليل من الاشارات المسيحية وهي بهذا العمق والاتساع تعكس ثقافة اليوت العالية التي عبر عنها في النقد والقصيدة ملات الدنيا وشغلت الناس حتى امتد تاثيرها الى العالم العربي فهي تتكون من خمسة فصول طويلة هي

دفن الموتى

ولعبة الشطرنج

وموعظة النار

الموت بالماء

ماقاله الرعد

كتبها اليوت عام 1922 بعد نهاية الحرب العالمية الاولى وبعد طلاقه من زوجته الاولى فكانت تمثل انهيار حلم ظن جيل كامل انه باق والقصيدة تعكس اجواء غياب اليقين والوهم والدمار والانحطاط الاخلاقي والانهيار النفسي الذي اصاب جيلا كاملا فالحرب كانت نهاية مرحلة هامة من الفكر الاوربي الذي تحطمت قيمه في شوارع مدن اوربا المدمرة ومن هنا نشات الكثير من المدارس الفكرية والفلسفية والادبية والفنية والشعرية التي كانت خروجا وتمردا على تلك المرحلة وفي القصيدة توظيف السخرية والرؤيا والسحر وهي اخيرا تمثل تاكيدا لمذهب اليوت النقدي في التراث والموهبة الفردية ومن اعمال اليوت الشعرية قصيدته الجميلة اغنية حب الى الفريد بروفروك 1915 وكتاب الجرذ العجوز 1939 والرباعيات الاربع 1941 والرجال الجوف 1925 واربعاء الرماد 1930 اضافة الى اعماله النقدية والمسرحية المهمة وقد كانت فترة مهمة في حياتي حين بدات الاهتمام بشعر اليوت مما دفعني الى حفظ الكثير من شعره وقد جعلت احد ابياته مخطوطا بخط انيق من قبل الخطاط العراقي حميد السعدي واطرتها باطار جميل ليتزين بها احد جدران غرفة الاستقبال في بيتي في بغداد منذ نهاية الثمانينيات والى ان تجرات وبعت البيت العام 2008  وقد كان بيت اليوت الرائع

WHERE IS THE LIFE WE HAVE LOST IN LIVING

وترجمته

اين هي الحياة التي ضيعناها بالعيش

وقد كان هذا البيت مرعبا عندما قراته اول مرة نهاية الستينيات ابان قراءاتي لكولن ولسون الذي كانت كل صفحة من صفحات كتبه بشيرا بمعلومة مهمة بل كانت كل كتبه من دراسات وروايات عبارة عن موسوعة للمعلومات الشعرية والادبية والتاريخية وقد قادني كولن ولسون وارشدني الى نوع الادب والشعر الذين ينسجمان وذائقتي ورغباتي فمن خلاله تعرفت على جان بول سارتر (1905 – 1980) الفيلسوف والروائي والناقد الادبي والكاتب السرحي وكاتب السيناريو والناشط السياسي الفرنسي الحاصل على جائزة نوبل ( رفضها ) الذي قرات كل كتبه تقريبا باستثاء عمله الفلسفي الضخم الوجود والعدم المترجم من قبل عبد الرحمن بدوي (1917 -2002) حيث لم اقرا منه في كل مرة اكثر من خمسين صفحة لاغير ليس بسبب صعوبته ولكن لان سارتر كان اكثر وضوحا في اعماله الادبية سواء في الروايات او الدراسات اضافة الى ان ولسون قام بشرح وتبسيط فلسفة سارتر في كتابه اللامنتمي وغيرها لذا فاني لم اشغل نفسي طويلا في قراءة كتاب الوجود والعدم الذي كان يمثل فلسفة سارتر باعتباره احد رواد الفلسفة الوجودية (تيار فلسفي يميل إلى الحرية التامة في التفكير بدون قيود ويؤكد على تفرد الإنسان، وأنه صاحب تفكير وحرية وإرادة واختيار ولا يحتاج إلى موجه. وهي جملة من الاتجاهات والأفكار المتباينة، وليست نظرية فلسفية واضحة المعالم، ونظراً لهذا الاضطراب والتذبذب لم تستطع إلى الآن أن تأخذ مكانها بين العقائد والأفكار. ) ومن اقوال سارتر الشهيرة : اذا لم تعجبك حياتك .. غيرها التي افادتني كثيرا خلال حياتي العملية والتي كانت ربما سببا في تركي للعمل في اكثر من موقع , ومن اعماله : الغثيان والوجود والعدم والوجودية مذهب انساني والجدار وكلمات وماالادب ودروب الحرية بثلاثة اجزاء وجلسة سرية …ومن رواد الوجودية الدانماركي سورين كيركيغارد (1813-1855)الذي يعتبر مؤسس الفلسفة الوجودية والاب الروحي لها وجبريل مارسيل(1889-1973) الذي اوجد ما اسماه الوجودية المسيحية اضافة الى عدد كبير من الفلاسفة الاوربيين الذين بحثوا وكتبوا في هذه الفلسفة التي كانوا يطلقون عليها اسماء شتى عدا الوجودية عدا سارتر الذي ارتضى اطلاق هذه التسمية على المذهب الذي يعتنقه وقد شغلت الوجودية الكثير من المثقفين والشباب واعتنقها الكثيرون كما اعتقد على الاقل في اوربا الغربية حيث تزامن ظهورها مع الحرب العالمية الثانية وشعور المواطن الاوربي الغربي بالياس والعدمية واللامبالاة حيث تجلى ذلك في ظهور عدة مدارس ادبية ومذاهب في الفن والرسم تميل الى التمرد على الواقع  والنظام بشكل عام حيث كان لتداعيات مابعد الحرب العالمية الثانية (1939-1945) التي كان من نتائجها تراجع القوى العظمى القديمة وصعود قوتين عظميين جديدين هما الاتحاد السوفيتي (1917-1989) والولايات المتحدة الامريكية (التي استقلت عن الاستعمار البريطاني بعد ثورة قامت بسبب فرض الضرائب والتي سميت على اسم المستكشف ورسام الخرائط اميريككو فسبوتشي )وانشغالها والاوربيين باعادة اعمار اوربا الغربية واليابان فيما عرف بخطة مارشال (خطة اقتصادية أُطلقت بمبادرة من وزير الخارجية الأميركي الأسبق جورج مارشال(1888-1959)، من أجل مساعدة البلدان الأوروبية على إعادة إعمار ما دمرته الحرب العالمية الثانية (1939-1945)وبناء اقتصاداتها من جديد، وذلك عبر تقديم هبات عينية ونقدية بالإضافة إلى حزمة من القروض الطويلة الأمد) , حولت الحرب العالمية الثانية العالم الى مكان مختلف تماما عما كان يعرفه العالم فقد مات مابين 40 الى 70 او مابين 50 الى 80 مليون نسمة وتسببت في دمار دول اوربا وادت الى تقسيم المانيا الى غربية وشرقية وظهرت فيها قوتان عظمييان هما الاتحاد السوفيتي والولايات المتحدة الامريكية حيث اتفقت هاتان الدولتان على محاربة المانيا النازية(حركة سياسية تأسست في ألمانيا بعد الحرب العالمية الأولى، حيث تمكن المنتمون للحزب القومي الاشتراكي العمالي الألماني تحت زعامة أدولف هتلر من الهيمنة عام 1933 على السلطة في ألمانيا وإنشاء ما سمي بدولة الزعيم والمملكة الثالثة) ولكن هذا التحالف لم يستمر طويلا ونشب بينهما صراع عرف بالحرب الباردة ولغرض منع قيام حروب جديدة اجتمعت 50 دولة في مدينة سان فرانسيسكو بالولايات المتحدة واتفقوا على  انشاء الامم المتحدة التي تاسست في الرابع والعشرين من شهر تشرين الاول 1945 وقد شملت الحرب كل العالم ولكن الاطراف الرئيسية فيها كانت دول المحور المكون من المانيا النازية وايطاليا الفاشية بزعامة موسوليني(1883-1945) حاكم ايطاليا مابين 1922 الى 1943 وقد بدات الحرب العالمية الثانية بعد هجوم المانيا على بولندا في الاول من شهر ايلول 1939 لغرض استعادة ميناء كدانسك الذي خسرته المانيا لصالح بولندا بعد الحرب العالمية الاولى ولم تنته الحرب الا بعد دخول القوات السوفياتية الى برلين والاستيلاء على بناية الرايخ (الرايخ الألماني هو الاسم الرسمي لألمانيا في الفترة من 1871 إلى 1945 باللغة الألمانية. ترجمته الحرفية هي “الامبراطورية الألمانية”، تخلت الإمبراطورية الألمانية بعد الحرب العالمية الأولى عن كلمة رايخ والتي تعني “الامبراطورية” وتحول الاسم الرسمي بصورة غير رسمية، ببساطة إلى ألمانيا.)مقر هتلرالذي كان قد انتحر هو وعشيقته ايفا براون(1912-1945) في وقت سابق مما ادى الى استسلام قادة الجيش الالماني الى الحلفاء الواحد تلو الاخر اما اليابان فبسبب كبريائها الاحمق فانها لم تقبل بانهاء الحرب واصرت على مواصلة القتال في جميع الجبهات ولكن قرار الولايات المتحدة بتفجير قنبلتين نوويتين فوق مدينتي هيروشيما وناكازاكي دفع الحكومة اليابانية الى الاستسلام بدون شروط ولم تنته حروب العالم ابدا فقد كان العالم عبارة عن ساحة حرب لاتعرف السلام والهدوء الا لسنوات قليلة حيث سرعان ماتنشب حرب هنا وحرب هناك دون ان يعرف الكثيرون السبب الحقيقي لنشوب هذه الحرب اوتلك ففي القرن العشرين نشبت المعارك والحروب بين دول العالم كافة ولم تجد دولة او كيان ما الا وكان له نصيب في نزاع ما او معركة ما او حرب ما ويمكن القول ان البشر كلهم اكتووا بنار الحروب منذ ان هبط ادم(واذ قال ربك للملائكة اني جاعل في الارض خليفة ) ابو البشر وحواء الى الارض فبعد ان انجبت حواء توأمها الثاني المكون من ذكر وانثى كما كان توامها الاول سمح الله عز وجل  ان يتزوج ذكر البطن الاول من انثى البطن الثاني وتتزوج انثى البطن الاول من ذكر البطن الثاني وذكر البطن الاول كان قابيل وذكر البطن الثاني كان هابيل وكانت انثى البطن الاول واسمها اقليميا جميلة جدا وكان عليها ان تتزوج من هابيل  فاعترض قابيل المفروض زواجه من انثى البطن الثاني التي لم تكن جميلة ويقال في احدى الروايات ان هذا كان سبب الخلاف بين الشقيقين الذي ادى الى قيام قابيل بقتل هابيل بخلاف ماورد في القران الكريم من ان السبب كان ان الله طلب منهما تقديم قرابين التقرب الى الله فقدم قابيل عشبا لانه كان مزارعا فنزلت صاعقة فاحرقته فيما قدم هابيل كبشا لانه كان راعيا فتقبل منه وهذه الرواية رواية زواج الذكر من شقيقته مرفوضة لدى مذهب الشيعة الذين يعتقدون ان حواء حبلت بقابيل وهابيل فلما بلغا مرحلة الشباب انزل الله لهما حوريتين من حوريات الجنة  وهم اي الشيعة لهم راي اخر ايضا فيما يتعلق بمسالة خلق حواء من ضلع ادم حيث يقولون ان حواء خلقت من فضلة الطين التي خلق منها ادم وحيث ان هذا الكلام لايعجب الكثير من العلمانيين الذين وجدت انهم لايعتقدون باي شيء وانهم يسفهون ويسخرون من كل مايتعلق  بالاديان والعبادات والفقه ومن الصعب ان تطرح بحضورهم او تناقش معهم مسالة اية تتعلق بالدين او المذهب او العبادات وفي رايي ان مثل هذا التصرف وهذا السلوك الذي يصل الى حد التعصب لايدل على الانفتاح والعلمانية والحداثة والتحرر بل لايعني شيئا من الثقافة والعلم ابدا , ليش؟ لان جانبا من الثقافة يعني ان يقبل المثقف بما يطرح امامه او عليه من معلومات واراء وافكار وان يبادر الى مناقشتها بدلا من الاستهزاء بها او السخرية ممن يطرحها  والمثقف كما يعتقد الاديب والمفكر والصحفي والشاعر المصري عباس محمود العقاد (1889-1962) هو: ان يعرف كل شيء عن شيء , وان يعرف شيئا عن كل شيء وللعقاد العديد من المؤلفات اشهرها عبقريات العقاد الاسلامية 1942 وعبقرية المسيح 1958 وعبقرية محمد 1942 ورواية سارة 1938 وفاطمة الزهراء والفاطميون وكتاب ابو نؤاس الحسن بن هاني وكتاب حياة قلم وكتاب افيون الشعوب الخ رغم انه لم يحصل الا على الشهادة الابتدائية التي اكتفى بها في مسيرته الاكاديمية حيث عكف على القراءة وثقف نفسه بنفسه وقد كانت للعقاد بعض الطرائف حيث عرف عنه انه كان كثيرالهجوم على امير الشعراء احمد شوقي ففي احدى المرات جاء شاعر ظريف يدعى محمد مصطفى حمام وقال للاستاذ العقاد سوف اسمعك شعرا لواحد من شعراء العراق لاعرف رايك فيه فاشار اليه العقاد ان يقول فقال انها قصيدة في رثاء الموسيقار فيردي(1813-1901) ( وفيردي هو مؤلف الاوبرا الشهيرة عايدة التي وضعها بمناسبة افتتاح قناة السويس والذي توفي سنة 1901 ومن بعض الابيات التي قالها في ذلك

فتى العقل والنغمة العالمية مضى ومحاسنه باقية

يكاد على الماس بعض النحاس اذا ضم الحانه الغالية

لقد شاب فردي وجاز المشيب وعند عايدة شبيهتها زاهية

فيا ال فيردي نعزيكم ونبكي مع الاسرة الباكيه

فاعجب بها العقاد واعجب ببنائها ومعانيها وترابطها وانسياقها واذا بالشاعر محمد مصطفى حمام ينفجر ضاحكا وهو يقول ولكنها من نظم امير الشعراء شوقي فغضب العقاد ونهض واقفا وصرخ به اخرج من هنا يا…واحمد شوقي (1868 – 1932) هو امير الشعراء المعروف الذي كتب اجمل واروع القصائد والمسرحيات مثل مجنون ليلى وكليوباترا واميرة الاندلس وقمبيز والست هدى وعلي بك الكبير وشريعة الغاب وعنترة اضافة الى ديوانه الضخم المعروف بالشوقيات ولا اخفي ان اول ديوان اطلع عليه كان ديوان الشوقيات الذي استعرته من مكتبة متوسطة ابن رشد عندما كنت في الاول متوسط وقد ساعد على انتشار قصائدة قيام عدد من الملحنين الكبار بتلحين عدد منها مثل سلوا كؤوس الطلا هل لامست فاها التي لحنها السنباطي (1906 – 1981 )الذي بلغت اعماله 539 في الاوبرا والاوبريت والاسكتش والديالوك والمونولوك والقصيدة السينمائية والدينية والطقطوقة والمواليا والتي غنتها السيدة ام كلثوم (1898 -1975) ويقول النقاد ان اعمال شوقي المغناة بلغت 47 عملا وان لعبد الوهاب (1902 -1991) وام كلثوم منها 46 عملا وقد كان شوقي معجبا بكبار مطربي عصره وقد عبر عن هذا الاعجاب بعدة قصائد نظمها في رثائهم او تكريمهم  ومنها قصيدته في عبده الحامولي(1841-1901) وقصيدة في عبد الحي حلمي (1858-1912) كما كتب شوقي في رثاء سلامة حجازي (1852-1917) وسيد درويش (1892-1923) ومما يذكر عن علاقة شوقي بعبد الوهاب القوية التي استمرت خلال السنوات الثمانية الاخيرة في حياة الشاعر الذي تخلى عن الفصحى وكتب لعبد الوهاب وحده بالعامية اغنيات ومواويل عدة وياتي شوقي في طليعة شعراء الفصحى الذين غنى لهم عبد الوهاب ويحتل شوقي المرتبة الرابعة بين المؤلفين الذين غنى لهم عبد الوهاب وهم بالترتيب حسين السيد(1916-1983) واحمد رامي(1892-1981) ومامون الشناوي(1914-1994).

المقامة الهندية – علاء العبادي

Image processed by CodeCarvings Piczard ### FREE Community Edition ### on 2014-12-25 16:06:44Z | | ÿ÷þÿÿ,þÿÿsýÿÿÞbÖYÔÐ

                                                                                                                             

ومن اجمل القصائد التي لم اكن امل من قراءتها في مرحلة الشباب المبكرة الى جانب عدد غير قليل من روائع الشعر والشعراء هي قصيدة الشاعر الكبير توماس ستيرنز اليوت (1888-1965) الذي تعرفت عليه اواخر ستينيات القرن الماضي ابان اكتشافي بالصدفة للاديب الانكليزي الراحل كولن ولسون (1931 -2013) والصدفة كانت كتابه الممتع اللامنتمي وكتابه التالي مابعد اللامنتمي وغيرها من الكتب والروايات والذي بواسطته اكتشفت عددا من الادباء الاجانب الى جانب عدد كبير من المدارس الفكرية والادبية والفنية , لقد كان لولسن رحمه الله الفضل في تعريفنا بهؤلاء الذين لم نكن قد سمعنا بهم بعد ليس بسبب عدم رغبتنا او تقصيرنا في البحث والاستقصاء ولكن بسبب قلة ما معروض في المكتبات ومحلات بيع المجلات والكتب وربما لقلة خبرتنا في اختيار مايجب ان نقرا بسبب عدم وجود من يدلنا ويرشدنا الى الاختيار الصحيح والسبب لان احدا من هؤلاء لم يكن موجودا معنا او حولنا لتساله ماذا اقرا واين ابحث لم يكن هناك مثل هذا الجنس من البشر وان  وجدوا فهم قلة لم اكن اعرف احدا منهم ولكن الى ان ظهر ولسون لم اكن اعرف ماذا اقرا ولمن اقرا وهذا هو فضل كولن ولسون الذي لاانساه ابدا انه كان مرشدا ودليلا وملهما للبحث والنظر والتدقيق في مامعروض من كتب ومجلات فمن خلال كتب كولن ولسون استطعت ان احصل على مايصدر من مطبوعات سواء على صعيد الرواية او على صعيد الدراسات والبحوث التي كان لها الدور الكبير في تحديد نوع الثقافة التي يجب ان تكون عندي وانا على وشك ان اغادرعقدي الثاني الذي كان مليئا بالاحداث والمفاجات حيث اكتشفت رغبتني الحثيثة والحاسمة في القراءة من جهة ومحاولة الكتاب والرسم والعزف على الة العود والحب من جهة اخرى ويبدو انني فشلت في كل المحاولات التي قضيت عليها الواحدة تلو الاخرى وحيث لم تنجو سوى رغبتي العارمة بالقراءة ومحاولات بسيطة في كتابة الشعر التي لم تكن واعدة ابدا لاني لم اكن راضيا عنها تماما ولكنني بقيت مستانسا بها كونها كانت متنفسا عفويا لمرحلة من عمري ازدحمت فيها الافكار والاراء والخيالات حيث اجد نفسا مرة فيلسوفا ومفكرا ومرة  متصوفا زاهدا غير راغب في كل شيء واي شيء ومرة ثالثة بائسا حزينا وحيدا مفكرا في التخلص من الحياة ورغبة شديدة في الانتحار حتى انقذني احدهم عندما قرات شيئا ما في احدى الصحف اليومية على ما اظن موجها حديثه لمن يحاول الانتحار ( ايها الاحمق , اتترك هذه الحياة الجميلة لهؤلاء الاغبياء ؟) وقد ارعبني هذا النص كثيرا ونبهني الى انني ساكون مهتما بنوع خاص جدا من الثقافة ربما ساتحدث عنها في مقالة اخرى في قادم الايام حينما يعن لي ان اكتب بهذا الصدد مرة اخرى حيث امل الا تكون هذه المقالة المقامة على غرار قول امير المؤمنين علي بن ابي طالب عليه السلام(599 – 661)  مخاطبا ابن عباس ( 619-687)  ( تلك شقشقة هدرت ثم قرت ) في خطبته الشهيرة المعروفة بالخطبة الشقشقية التي كاد ان يذكر فيها ما اصابه من غبن واجحاف فيما يتعلق بحقه في الخلافة وانه كان الاحق بخلافة النبي صلى الله عليه واله وسلم وكان على وشك ان يسمي من حال بينه وبين حقه لولا ان جاءه البريد فقطع خطبته لينظر فيه فلما انتهى من البريد ساله ابن عمه ابن عباس الاستمرار في حديثه السابق فكان جوابه عليه السلام ياابن عباس تلك شقشقة هدرت ثم قرت لتظل الامة بعد ذلك في صراع وتناحر وقتال  بعد ان انقسم المسلمون بين اقلية تناصر عليا  عليه السلام وترى انه الاحق بالخلافة هو وذريته من فاطمة بنت النبي  واكثرية ترى ان ماجرى هو واقع حال وان على المسلمين جميعا الرضا والقناعة به بما في ذلك القبول بالسلطان الجائر الظالم ليستغل بعض حكام وسلاطين وخلفاء المسلمين مثل هذه الاراء وينزلوا بالشيعة شتى صنوف التعذيب الجسدي والنفسي والملاحقة حتى اضطر الشيعة بعد بضع مئات من السنين الى القول (حاكم كافر عادل افضل من حاكم مسلم ظالم ) ومازالت المناكفات والمناوشات مستمرة بين جماعة اهل السنة وجماعة شيعة ال البيت حيث لاغلبة لاحد على احد حتى صار هذا الصراع الذي لايريد ان ينتهي يعرف محليا وعالميا بالصراع الطائفي الذي غالبا مايكون سببا مخفيا لكل فتنة بين هاتين الطائفتين اللتين تشبهان في صراعهما التاريخي الصراع شبه المستمر بين مسلمي الهند وهندوس الهند الذي بدا اثناء طرح فكرة استقلال الهند بعد ان قررت بريطانيا انهاء استعمارها للهند الذي استمر منذ بداية القرن التاسع عشر وانتهى منتصف القرن العشرين وما عرف في حينه بالراج البريطاني اي حكم بريطانيا للهند والتي يقال ان بريطانيا جنت من هذا الاحتلال اكثر من تسعة تريليون جنيه استرليني وذلك على مدى 173 عاما من الاحتلال الذي شمل الهند وباكستان وبنغلاديش ومينمار وقد وافقت بريطانيا على دعوات الهنود المستمرة بانهاء الاستعمار والمطالبة بالاستقلال الذي تحقق اخيرا في 15 اب 1947بعد نضال دؤوب وجهاد مستمر قاده المهاتما( مهاتما تعني الروح العظمى) غاندي(1869-1948) الذي كان الزعيم الروحي للهند ورائدا لما عرف بعد ذلك بالساتياغراها التي تعني مقاومة الاستبداد بالعصيان المدني الشامل التي تاسست عقب حركة (اهمسا) التي تعني اللاعنف وقد بدأ الصراع بين المسلمين الذين يقارب عددهم حوالي 172 مليون مسلم وحيث الاسلام يعتبر هناك ثاني اكبر ديانة حيث يعتنقه 14.2% حيث كان المسلمون يتطلعون الى انشاء وطن اخر غير الهند وقد قاد هذه الحملة الزعيم المسلم محمد علي جناح(1876-1948) الذي يعتبر مؤسس دولة باكستان وقد ادى ذلك الى ما يعرف تاريخيا باكبر هجرة بشرية حيث قام قرابة 11 مليون شخص بالانتقال من الهند والباكستان  حيث انتقل حوالي خمسة ملايين هندوسي من باكستان الى الهند وانتقل 6 ستة ملايين مسلم من الهند الى باكستان المعروفة رسميا بجمهورية باكستان الاسلامية حيث باكستان تعني ارض السلام وحيث كانت هذه الدولة عند تاسيسها تشمل مايعرف في حينه بباكستان الشرقية التي كانت عبارة عن ولاية تابعة لباكستان تشكلت بعد الاستقلال عن بريطانيا وبقيت تابعة لباكستان حتى العام 1971 عندما اعلنت انفصالها واستقلالها عن باكستان واصبحت تعرف ببنغلاديش والتي بدانا في العراق التعرف على بعض مواطنيها من الشباب الذين استمرؤا العمل في قطاعات كثيرة في العراق وذلك بعد السماح باستيراد العمالة الاجنبية  منذ بضع سنوات وقد سمعت بهم اول مرة بعد عودتي من سويسرا بداية العام 2017 حيث احتاجنا في حينه الى عدد من العمال لنقل بعض الاثاث فعرفت انهم متوفرون في العراق بكثرة وذلك من خلال مكاتب متخصصة تقوم بالاتفاق معهم ونقلهم الى العراق وعرضهم على من يحتاج اليهم من شركات اهلية وبيوت وغيرها وهم اي البنغلاديشيون طيبون جدا بل في منتهى الدماثة والادب والخلق ويعملون بلا كلل ويستجيبون لكل سؤال وكل نداء ولديهم رغبة وقدرة على تعلم اللهجة العراقية حيث لم يجدوا كما علمت اي صعوبة في التواصل مع العراقيين حيث وجدت ان بعضهم يتحدث الانكليزية بشكل جيد مما يؤهلهم ان يكونوا مترجمين لزملائهم الجدد  المتلهفين للتعرف على العراقيين من خلال لهجتهم واكلهم ومزاحهم الخ وهؤلاء الهنود سواء كانوا هنودا او باكستانيين او بنغلاديشيين مازالوا يثيرون انتباهي  بطيبتهم واخلاقهم ودماثتهم وفنهم وابداعهم في السينما حيث مازلنا انا وصاحبي الاديب الشاعر الدكتور عماد عبد اللطيف سالم مولعين بالموسيقى والغناء الهندي وقد  كتبنا انا وهو خلال السنوات السابقة بضع مقالات صغيرة عن بعض الممثلين الهنود والممثلات الهنديات ومازلت شخصيا مولعا ومهتما ومتونسا بالغناء الهندي فقد بقيت لسنوات طويلة متابعا لاغاني الاسطورةالراحل محمد رافي(1924-1980) الذي اكتشفنا منذ نهاية الستينيات ان كل ممثلي الدرجةالاولى في كل الافلام الهندية كانوا يغنون بصوته رحمه الله وقد تعرفنا نحن العراقيون على الهنود اول مرة عندما جاؤوا مع الجيش البريطاني خلال الحرب العالمية الاولى (1914-1918) والتي كانت لنا معهم مواقف طريفة ومضحكة بسبب عدم تمكنهم من التحدث بالعربية ناهيك عن محاولاتهم التحدث باللهجة العراقية ولعل من اشهر ما يقال بهذاالمجال المقولة العراقية على من لايتقن عمل شيء ما قولهم ايا هندي او قابل اني هندي وهذه الاخيرة كانت اشهرنكات عقد الستينيات ومفادها ان الرئيس العراقي انذاك عبد السلام عارف (1921-1966) كان في زيارة للهند واثناء الزيارة اخبره الرئيس الهندي عن العبارة التي يستعملها العراقيون اثناء حديثهم اليومي قابل اني هندي وطلب منه اي من الرئيس العراقي ان يتوقف العراقيون من استخدام هذه العبارةلانها تسيء الى الشعب الهندي فاكد له الرئيس العراقي انه حال وصوله للعراق سيصدر بيانا بهذا الخصوص ولما انتهت الزيارة واثناء مراسم التوديع التفت الرئيس الهندي الى الرئيس عبد السلام مذكرا اياه بطلبه فالتفت عبد السلام اليه مبتسما وقائلا : شلون انسى قابل اني هندي.

مثل عصفور

وحيدا

مثل عصفور كئيب

تائها

بين جدران السمنت

والشبابيك

تسألني حمامات الطابق الثاني

مالك 

مابك؟

اشبيك

كأنك ديك

قاطعته الدجاجات

ليلة الجمعة

بعد ان عز عليه النوم

وعز الشريك

بعد ان لوعته الهتافات

التي ضاق بها القلب

تعالي الى فراشي البارد

قبليني

اني ارتجف من السخونة

اريد ان اسمعها منك

تهمسين لي

بيه ولا بيك

حبيبي

ان همست بها

اروع ماتكون تحت اللحاف 

تشجعينني بالخوف

ولا اخاف

واسمعها وحدي

وتصرخين

حذار

بارد

جدار الغرفة

والسيراميك

يلسع

خذ البطانية

انها جديدة

لفها حولك

الان

قبلني في عنقي

قبل ان افيق

مثل دجاجة حمقاء

وانت مثل ديك

اه ياقلبي

اه
ياقلبي
العراقي البغدادي
الرصافي الكرخي
المسلم المسيحي الصابئي اليهودي الملحد
السني الشيعي المتنور
الرومانسي الصبور
البسيط المعقد
الباكي الشاكي
المجند للحزن المثبور
المشغول بالاغواء وبالقهر
المتردد مثل عصفور
الغاضب مثل فيل
الغارق بالهم
الحزين
منذ الف عام

علاء العبادي

مازلت على قيد الحياة

مازلت على قيد الحياة

لم يتغير شيء بعد

حتى بعد ان مر الف عام

مازال يغشمرني عصفور صغير

وتغريني حمامة في الطابق الثاني

وتعدني امراة بقبلة سريعة

تطبعها على صلعتي الكبيرة

وتعليق سريع

لم يمض سوف يوم واحد

انتظر حتى يمر اسبوع

وانا لا استطيع الانتظار

كانني ارملة مستثارة او مطلق مفجوع

صاخب مثل فيل

شبق مثل بعير

يحبطني السكري

 والضغط

يحرجني

والكولسترول يخطط لهزيمتي

قبل طلوع الفجر

يظن اني ضعيف

واني اخاف

لكنني صامد

يشجعني القلق

والتردد يجعلني

افكر في الكافيار الاسود

والكفيارالاحمر

والكاجو

والشتاء

احلم بليلة طويلة

وفراش عريض

ومخدة ناعمة

ولحاف

علاء العبادي