الصلاة بالحذاء

من فتاوى السيد السيستاني -دام ظله- :

السؤال: هل يجوز الصلاة مع لبس الكفوف أو النعال ؟
الفتوى: يجوز, ولكن يشترط في النعال ان لا يمنع من وضع الابهام على الارض ولو مع الواسطة حين السجود, كالاحذية ذات البوز .

هذا هو معاوية

“بقلم الشيخ حسن بن فرحان المالكي”
الرياض

{ أعجبُ من أُناس -يدَّعون أنهم يحبون النبي- يمدحون أشخاصاً أفنوا أعمارهم في حرب رسول الله وأهل بيته وصحابته على مدى ثمانين عاما!

فقد ولد معاوية قبل البعثة بخمس سنين، ورضع بغض النبي منذ الصبا، فأبوه أبو سفيان، وأمه هند بنت عتبة آكلة كبد حمزة، وعمته حمالة الحطب .

لقد كان معاوية في أول العهد المكي من أولئك الصبية الذين كانت قريش تسلطهم على أذية رسول الله، وشارك شبابهم في بقية العهد المكي، ثم اشترك مع أبيه في حرب النبي في تلك الحروب، وكان فيها مقتل أخيه حنظلة ببدر ( قتله علي )، ومقتل جديه عتبة وشيبة وخاله الوليد! ثم أسلم نفاقاً يوم فتح مكة .

واشترك في غزوة حنين منافقاً، فقد كان ممن اعتزل مع أبيه فوق تلّ وقال معه ( بطل السحر اليوم ) !

ثم قام هو وأبوه يوم حنين بسرقة جمل لعجوز مسلمة فاشتكتهما إلى النبي، فأنكرا وحلفا، فأخبر الوحي النبي بالمكان الذي أخفيا فيه الجمل، فوبخهما وردّ الجمل على العجوز وتألفهما على الإسلام .

ثم كان معاوية في تبوك، وحاول مع أبيه اغتيال النبي ص في عقبة تبوك، ولكن الله سلم. وقصة الاغتيال تلك ذكرها الله في كتابه بقوله {وهموا بما لم ينالوا} وكان مع أبي سفيان ومعاوية آخرون بلغوا أربعة عشر رجلاً، فلعنهم، ثم بعد عودة النبي من غزوة تبوك، أخرج الذين حاولوا اغتياله من المسجد، ولعنهم، وكان منهم أبو سفيان وابناه معاوية وعتبة! والسند صحيح .

ثم في عهد عثمان اجتهد في كنز الأموال واضطهاد الصالحين والربا.

وفي عهد علي قتل ٢٥ بدريا ونحو ٢٠٠ من أصحاب بيعة الرضوان بصفين .

ثم في عهده، لعن علياً عليه السلام على المنابر، واضطهد الأنصار، ونبش قبر حمزة، وأمر أحد العمال بضرب قدم حمزة الذي قتل جده عتبة، فانبعث الدم من قدمه .

وأراد تخريب منبر النبي مرتين، فأظلمت السماء، فترك ذلك، وذهب إلى الأبواء لينبش قبر أم النبي، ويطرحه في بئر، فأصابه الله باللقوة، فتوقف .

ثم كانت خاتمته أنه تحقق فيه قول النبي ( يموت معاوية على غير ملتي ) والحديث صحيح على شرط مسلم، وقد صححت الحديث جامعة أم القرى .

وتحقق فيه الحديث الآخر ( حديث الدبيلة ) فأصابته الدبيلة ( قرحة كبيرة ) فانغرست في ظهره وخرجت من صدره، وبقي معذباً بها سنة كاملة ، وفي صحيح مسلم من حديث قيس بن عباد عن عمار ( ثمانية تكفيكهم الدبيلة : مرض يظهر في ظهورهم فينجم من صدورهم ) وكان لا يستنقذ كل رداء، حتى أنهم جعلوا له رداء من حواصل الطير، فاستثقله وآذاه، ولما طال مرضه وأعياه، نصحه طبيب بلبس الصليب، والبراءة من دين محمد، ففعل ومات .

هذا هو معاوية الذي ملأتم بمدحه الدنيا كذبا وزورا وبهتانا على الله ورسوله (ص) واسبغتم عليه من الصفات ما لم ينزل الله به من سلطان حتى اسميتموه افتراء خال المؤمنين . ولو لم يكن فيه إلا الحديث الصحيح ( يموت معاوية على غير ملتي ) لكفى بذلك ذماً .

وهذا الحديث يقطع كل جدل، ورجاله ثقات أثبات سمع بعضهم من بعض، وصححه مجموعة من أهل الحديث على شرط مسلم، منهم المحدث محمد عزوز المكي وابن عقيل .

“حسن بن فرحان المالكي”

اخوان الصفا

جماعة «إخوان الصفا» ؟

 

معلومات لا تعرفها عن جماعة «إخوان الصفا» ؟ – عادل العوا

ليس من الغلو أن يعدَّ البحث في موضوع إخوان الصفا بحثاً عن لغز، بل عن كنز ثقافي عربي إنساني النزعة، تود فئات من المفكرين والعقائديين الاعتزاء له، إن لم يسعفها ادعاء انتمائه إليها، كما حاول أنصار فرق إسلامية شتى، وما يزالون.

    فإذا اتجه النظر إلى البيئتين التاريخية والجغرافية التي يُفترض ظهور حركة إخوان الصفا فيهما، وهما القرن الرابع الهجري في ظل الدولة العباسية، بدءاً من البصرة، وفي حدود سنة 3733هـ، ظهر أن السيادة الدينية غالبة في التقويم السياسي والثقافي والاجتماعي. وقد عزف العباسيون عن العصبية العربية،واستعانوا بالفرس ثم بالترك. وما عتم أولو النفوذ من هذه الأقوام غير العربية أن أخذوا يستبدون بشؤون الملك، وباتت الخلافة البغدادية متهافتة يدب فيها الفساد والانحلال، ولاسيما عندما دخل أحمد بن بويه بغداد غازياً فاتحاً سنة 334هـ فقابله الخليفة المستكفي بالله، واحتفى به، وبايعه أحمد، وحلف كل منهما لصاحبه، هذا بالخلافة، وذاك بالسلطنة. وفي ذلك اليوم شرّف الخليفة بني بوية بالألقاب. وأضفى على أحمد لقب صاحب العمران، معز الدولة، وهو من الشيعة الزيدية فأضمر أن يزيل الخلافة لتولية خليفة من الشيعة العلوية.

    وقد كثرت في تلك الحقبة الثورات الانفصالية، وأسس العبيديون الدولة الفاطمية في مصر سنة 359هـ وازداد عبث القرمطية، وبلغت الحياة الاقتصادية والاجتماعية مبلغاً من السوء في العراق خاصة حتى أكل أهل بغداد الميتة والسنانير والكلاب. واشتد التفاوت الطبقي بين فئات الخاصة والعامة. وتميزت في صفوف الخاصة مراتب الخليفة وأهل الدولة وأرباب النفوذ من الأعيان وأتباع الخاصة من جندٍ وأعوانٍ وخدمٍ وطوائف العبيد والجواري والخصيان. كما تميزت من العامة فئات الأدباء والمثقفين الذين طمحوا إلى اللحاق بالخاصة وكذلك أرباب التجارات الثمينة والصناعات الراقية، وبقي بمعزل عن ذلك سواد سكان الريف وأهل المدن يعانون من الشطّار والعيارين.

    وقد واكب هذه الأوضاع صراع صريح اضطرم بين العرب المعتزين بمنزلتهم التليدة والشعوبية الداعية خاصة إلى المساواة الإسلامية.

    ولقيت حياة اللهو، بل المجون، مرتعاً خصباً إلى جانب ارتكاسات جد وتقشف،وزهد وتصوف. وانعكس ذلك كله في ازدهار خصومة «عقائدية» بين ملاحدة ومؤمنين،وزنادقة ومتكلمين وامتزجت في هذه المعارك ثقافات يونان وفارس والهند بالإبداع العربي الأصيل وبأطلال الثقافات الغابرة: زرادشتية وآشورية وثنوية ومجوسية.

    وبقول وجيز: «لم يعرف المسلمون عصراً كالقرن الرابع للهجرة تناقضت فيه حياتهم العامة أشد التناقض» كما يقول طه حسين. وما لبث جدل هذا التناقض أن تمخض عن حركة تعكس معطياته وترمي إلى تجاوزها نحو ما هو أليق بالحياة الإنسانية بوجه عام. وتلكم هي – بوجه من أوجه الاعتبار الأساسي – حركة إخوان الصفاء.

    إن نظرة أولى إلى أقدم إشارة علنية صحيحة وصلت عن هذه الحركة السرية، بل المكتومة تُشعر بالظرف الذي نشأت فيه، كما تُنبئ – بشيء كافٍ من الدقة – بالارتكاس الشديد الذي اكتنف ظهورها، وقابل دعوتها وإنتاجها الثقافي، وكان علامة تسويغ سريتها وكتمانها.

    نعت أبو حيان التوحيدي [ر] في كتابه «الإمتاع والمؤانسة» حياة الناس في زمنه بأنهم في «ظلمات البر والبحر، أعني الجهل وقلة الحياء». وأجاب في وصف زيد بن رفاعة بقوله:

    «هناك ذكاء غالب، وذهن وقاد، ويقظة حاضرة، وسوانح متناصرة، ومتسع في فنون النظم والنثر… وتبصر في الآراء والديانات، وتصرف في كل فن… وقد أقام بالبصرة زماناً طويلاً، وصادف بها جماعة جامعة لأصناف العلم، وأنواع الصناعة: منهم أبو سليمان محمد بن معشر البستي، ويعرف بالمقدسي، وأبو الحسن علي بن هارون الزنجاني، وأبو أحمد المهرجاني والعوفي، وغيرهم فصحبهم وخدمهم».

    وأضاف قائلاً: «وكانت هذه العصابة قد تآلفت بالعشرة،وتصافت بالصداقة، واجتمعت على القدس والطهارة والنصيحة، فوضعوا بينهم مذهباً زعموا أنهم قرّبوا به الطريق إلى الفوز برضوان الله،والمصير إلى جنته.وذلك أنهم قالوا: الشريعة قد دُنست بالجهالات،واختلطت بالضلالات، ولا سبيل إلى غسلها وتطهيرها إلا بالفلسفة. وذلك لأنها حاوية للحكمة الاعتقادية،والمصلحة الاجتهادية. وزعموا أنه متى انتظمت الفلسفة اليونانية والشريعة العربية، فقد حصل الكمال».

    ولما جهر أبو حيان بهذا التعريف «المعاصر العليم»، ثارت حفيظة سيد تلك الندوة الثقافية «المتحررة» نفسه، فأنكر محمد بن بهرام وهو أبو سليمان المنطقي السجستاني مسعى الإخوان قائلاً كما يذكر صاحب «الإمتاع والمؤانسة»: «إنهم ظنوا ما لا يكون، وما لا يمكن، ولا يستطاع. ظنوا أنهم يمكنهم أن يدسوا الفلسفة – التي هي علم النجوم والأفلاك والمجسطي والمقادير وآثار الطبيعة والموسيقى والمنطق…- في الشريعة،وأن يضموا الشريعة للفلسفة، وهذا مرام دونه حَدَد.. والله تعالى تمم الدين بنبيه، ولم يحوجه بعد البيان الوارد بالوحي إلى بيان موضوع بالرأي… وأين الشيء المأخوذ بالوحي النازل، من الشيء المأخوذ بالرأي الزائل.

    وبالجملة: النبي فوق الفيلسوف. والفيلسوف دون النبي..». وعندما أهاج الحريري غلام بن طرارة  يوماً في الوراقين (المقدسي)، وهو من إخوان الصفاء، اندفع مفصحاً عن بعض رأيه قائلاً: «الشريعة طب المرضى، والفلسفة طب الأصحاء والأنبياء يطبون للمرضى حتى لا يتزايد مرضهم، وحتى يزول المرض بالعافية فقط.

    أما الفلاسفة فإنهم يحفظون الصحة على أصحابها حتى لا يعتريهم مرض أصلاً… وإنما جمعنا بين الفلسفة والشريعة، لأن الفلسفة معترفة بالشريعة، وإن كانت الشريعة جاحدة بها، وإنما جمعنا أيضاً بينهما لأن الشريعة عامة، والفلسفة خاصة، والعامة قوامها بالخاصة».

    فحركة إخوان الصفاء تود جمع الفلسفة والشريعة،ولكنها ترجح – كما سيأتي – جانب العقل الانتقادي على الإيمان الاتباعي. وقد ضمّ تنظيمها نخبة من «الجادين»، كما يقول ستانلي لين – بول، الذين أخذوا يجتمعون في أماكن خاصة،ومواعيد دورية معينة، على اختلاف رتبهم. وأطلقوا على أنفسهم اسم:

    «إخوان الصفاء، وخلاّن الوفاء، أهل العدل، وأبناء الحمد». وقد أصبحت العبارة الأولى كافية للدلالة عليهم، يضاف إليها في الغالب العبارة الثانية. ولكن جلّ الباحثين، على الأقل لم يفطنوا إلى دلالة العبارتين الأخيرتين. وسنبين مقصدهما في نظر الإخوان.

    كتم إخوان الصفاء أسماءهم، وأسرّوا عددهم، وامتنعوا عن البوح بأسرار جماعتهم، ولم يصل من آثارهم المباشرة إلا نوعان من رسائل تنسب إليهم. النوع الأول يضم خمسين بل إحدى وخمسين رسالة وهبوها للناس عامة، وبثّوها في الوراقين، ولا تكاد تجتمع كلها لدى شخص واحد – وقد نشرت في بومباي سنة 1305هـ، ثم أعيدت طباعتها في القاهرة سنة 1928م بتصحيح خير الدين الزركلي.

    والنوع الآخر هو «الرسالة الجامعة» – وقد طبعت بدمشق بتحقيق الدكتور جميل صليبا سنة 1948م – ويرى عارف تامر أنه نشر ما يسميه «جامعة الجامعة» في بيروت سنة 1959م.

    مؤلفو الرسائل

    كثرت النظريات التي تحاول فك لغز إخوان الصفاء، وتعارضت وتناقضت. وبعضها يذكر أسماء أعلام وضعوا الرسائل، فرادى أو مجتمعين، وبعضها الآخر يعزوها إلى فرق أو تيارات معروفة، معاصرة أو سابقة، وربما لاحقة.

    فمن قائل إن الرسائل من وضع مسلمة المجريطي، أو تلميذه أبي الحكم الكرماني. ولدى الرجوع إلى المخطوطة المحفوظة في المكتبة الوطنية بباريس برقم 2303، وهي أساس هذه النظرية، وُجد اسم المجريطي مكتوباً على حرفها جرياً على العادة القديمة بكتابة اسم مالك النسخة على جملة أوراقها فيقرأ الاسم عند جمع جوانب صفحات النسخة بإغلاقها. وبذا تبدد وهم القول بأن المجريطي مؤلف الرسائل، أو الرسالة الجامعة، وصح عدّه، أو تلميذه، أول من حمل الرسائل إلى بلاد الأندلس.

    والنظرية الثانية تنسب الرسائل إلى بعض أئمة الإسماعيلية، وهو تارة الإمام جعفر الصادق، وأخرى الإمام أحمد بن عبد الله، ثاني أئمة دور الستر. ولكن النسبتين غير صحيحتين، يرفضهما باحثون كثر، ويدحضهما النظر الانتقادي. وفي هذا المنحى يرى عبد اللطيف الطيباوي أن هناك من ينسب الرسائل إلى صحابي، أو إلى علي بن أبي طالب أو إلى معتزلي لم يذكر اسمه، أو إلى جابر بن حيان، أو إلى الحلاج، أو إلى الغزالي،على الرغم من تناقض فحوى الرسائل مع مذاهب جلّ هؤلاء الأعلام.

    والنظرية الثالثة تأخذ بما دار في ندوة أبي سليمان السجستاني وترى أن الرسائل من وضع خمسة من الأعلام المذكورين فيها. ويؤكد مصطفى غالب أنه عثر بعد محاولات كثيرة على أسماء بعض مؤلفي الرسائل من بعض المخطوطات الإسماعيلية السرية، وهم: 1ـ أبو سليمان محمد بن معشر البستي، ويعرف بالمقدسي، 2ـ أبو الحسن علي بن هارون الزنجاني، 3ـ أبو أحمد المهرجاني، 4ـ أبوالحسن العوفي، 5ـ أبو حيان التوحيدي، 6ـ زيد بن رفاعة، 7ـ محمد أبو الفرج، 8ـ أبو سليمان محمد بن طاهر السجستاني، 9ـ أبو زكريا العامري، 10ـ عبد السلام بن الحسن البصري، 11ـ أبو سفيان، 12ـ الحلواني، وقد أشير إلى إنكار السجستاني وغيره من أعضاء الندوة آراء الإخوان.

    أما الذين يعزون تأليف الرسائل إلى فرق معينة فإنهم ينسبون جماعة الإخوان إلى القرمطية أو النصيرية أو الدرزية أو الإسماعيلية.

    من ذلك أن ماسينيون يعد إخوان الصفاء من القرامطة. ولكن نص الرسائل ينكر فعال القرامطة واقتلاعهم الحجر الأسود، ويتهم مزدك الخرَّمي الذي ترتبط به القرمطية بالتمويه والتزوير على قلوب العامة والجهال.

    وإذ يكتفي الغزالي [ر] في «المنقذ» بفضح إخوان الصفاء لاستدراجهم قلوب الحمقى إلى باطلهم، يقرر ابن تيمية في «فتاويه» تماثل مذهب الإخوان والعقيدة النصيرية. ولكن نصوص الرسائل لا تنمّ عن هذا الالتقاء إلا إذا قصد ابن تيمية تأثر النصيرية بالرسائل لقوله: إن أصحاب الرسائل من أئمتهم. وفي الرسائل ذكر لمحمد r على أنه مدينة العلم، وأن علياً بابها، لكن لا يذكر اسم سلمان الفارسي إلا مرة واحدة، وعلى أنه من الصحابة وحسب.

    وفي مجال آخر يرى مكدونالد أن انتقائية الإخوان هي المذهب الحقيقي للفاطميين والحشاشين والقرامطة والدروز. ولكن من الثابت أن الرسائل سبقت ظهور المذهب الدرزي المتصل باختفاء الحاكم بأمر الله سنة 411هـ ويؤكد عمر فروخ صلة الرسائل بالمذهب الدرزي، ولكن على أساس تأثره بها، ولا عكس.

    وتبقى النظرية الإسماعيلية الشهيرة التي قال بها كثيرون من الإسماعيليين خاصة، وقد أفادوا – عقائدياً وسياسياً – من غموض أسلوب الرسائل فنسبوها كما فعل الداعي إدريس عماد الدين إلى الأمام المستور أحمد بن عبد الله أو نسبوها إلى الدعوة الطيبية اليمنية كما فعل حسين همداني. والأرجح أن أول ذكرِ للرسائل في المؤلفات الإسماعيلية يرجع إلى سنة 557هـ، وهذا يعني أن صلة الإسماعيلية بالرسائل هي صلة استفادة جرت في اتجاه واحد لاحق بالزمن المرجح لوضع الرسائل. وقد حكم برنارد لويس بأن الرسائل ليست إسماعيلية، بل قريبة منها.

    والثابت أن هذا القرب هو متح الإسماعيلية (وفرقها الفرعية، ومنها ما في قلعة ألموت) من الرسائل، وذيوعها بينهم، وإجلالهم إياها.

    ويكفي أن نلمح إلى أن مذهب الإخوان، وهو إنساني عقلي انتقادي، ينكر الاتّباع والطاعة العمياء، ويرى أن الديانات كلها – وليس الإسلام وحده – تقع على صعيد واحد، يبذّه صعيد الفلسفات وما يكتشفه الباحثون في الكون وفي أنفسهم، أما الإسماعيلية فهي موقف ديني، وهي تُلزم «بآداب اتباع الأئمة» وطاعتهم دوماً، بالدرجة الأولى.

    وفي إثر هذه النظريات المتنوعة «المرفوضة» يعتقد أن معطيات الرسائل تبرهن على استقلال حركة إخوان الصفاء عن جميع الحركات المذكورة وتثبت مباينة غرضهم لأغراضها كافة.

    ومن الراجح القول بأن جماعة إخوان الصفا يمثلون مرحلة متقدمة من مراحل تطور الفكر الاعتزالي المتأخر، وأن مذهبهم مذهب أخلاقي إنساني وتعاوني اشتراكي مثالي: فاسم جماعة إخوان الصفا الكامل يشير هو ذاته في عبارتيه الأخيرتين إلى أنهم «أهل العدل، وأبناء الحمد».

    ولا يخفى أن «أهل العدل» من تسميات المعتزلة، وأن مبدأ العدل ركن أساسي من أركان الاعتزال، وأهله العقلانيون هم المحمودون في نظر الإخوان، لأن الناظم العقلي هو الرباط الإنساني الوحيد الذي يجعل إخوان الصفاء يتجاوزون كلامية المعتزلة السابقين إلى الشمولية الإنسانية للمعتزلة العقلانيين.

    مضمون الرسائل

    تصدت نصوص الرسائل والرسالة الجامعة لجميع فروع المعرفة والعمل، وألمت بالمعطيات العلمية والفلسفية والدينية الذائعة في عصر أصحابها، فبدت جملتها في إهاب موسوعة شاملة تضم فنون الأدب وغرائب العلوم وطرائف الحكم وقد جعلها المؤلفون في أربعة أقسام:

    القسم الأول يشتمل على الرسائل الرياضية التعليمية. وهي تتناول موضوعات العدد، والهندسة، والنجوم، والجغرافية، والموسيقى، والنسب العددية والصنائع العلمية النظرية، والصنائع العملية والأخلاق، كما تبحث موضوعات منطقية مثل ايساغوجي، والمقولات، والعبارة والقياس والبرهان.

    والقسم الثاني يشتمل على الرسائل الجسمانية الطبيعية. ويعالج موضوعات الهيولى والمادة، والسماء والعالم، والكون والفساد، والآثار العلوية، وتكوين المعادن، وأجناس النبات، وتكوين الحيوانات وأصنافها، وماهية الطبيعة، وتركيب الجسد، والحاس والمحسوس، ومسقط النطفة، وأن الإنسان عالم صغير، ونشوء الأنفس الجزئية، وطاقة الإنسان في المعارف، وحكمة الموت والحياة، وخاصية اللذات، وعلل اختلاف اللغات، ورسوم الخطوط والعبارات.

    والقسم الثالث يشتمل على الرسائل النفسانية العقلية. ويبحث في المبادئ العقلية على رأي الفيثاغوريين، والمبادئ العقلية على رأي إخوان الصفاء، ومعنى قول الحكماء أن العالم إنسان كبير، والعقل والمعقول، والأكوار والأدوار، وماهية العشق، وماهية العبث، وكمية أجناس الحركات، والعلل والمعلولات، والحدود والرسوم.

    والقسم الرابع يشتمل على الرسائل الناموسية الإلهية. وهي تتناول الآراء والمذاهب، وماهية الطريق إلى الله، وبيان اعتقاد إخوان الصفاء، وكيفية عشرتهم، وماهية الإيمان وخصال المؤمنين المحققين، وماهية الناموس الإلهي والوضع الشرعي، وكيفية الدعوة إلى الله، وكيفية أفعال الروحانيين، وكمية أنواع السياسات، وكيفية نضد العالم بأسره، وماهية السحر والعزائم.

    ولعل من أبرز ما ينبغي التنبه له هو أن ضروب المعارف المصوغة في الرسائل لا تقرر عَرْضاً موضوعياً لحقائق يؤمن بها الإخوان، بل هي سلاح دعاوة تحث القارئ والسامع، على الانضمام إلى الجماعة «ليرى كل واحد منهم، ويعلم، أنه لا يتم له ما يريد من صلاح معيشة الدنيا، ونيل الفوز والنجاة في الآخرة، إلا بمعاونة كل واحد منهم لصاحبه. وأما السبب الذي يحفظهم على تلك الحال فهو المحبة، والرحمة، والشفقة، والرفق من كل واحد منهم، والمساواة فيما يريد ويحب ويبغض ويكره لنفسه. وهذه الشرائط تتم وتدوم إذا علم كل واحد منهم أن أنفسهم نفس واحدة، وإن كانت أجسادهم متفرقة». ولذا توجد في كل منعطف رسالة، أو فصل، أو فقرة أحياناً، دعوة حارة لتلبية النداء، وحسن اختيار الأخ الجديد، ولا سيما من «الشباب السالمي الصدور، الراغبين في الآداب، المبتدئين بالنظر في العلوم، المريدين طريق الحق والدار الآخرة، التاركين الهوى والجدل، غير المتعصبين على المذاهب».

    وهذا النداء يخاطب الناس كافة لأن للجماعة «إخواناً وأصدقاء من كرام الناس وفضلائهم، متفرقين في البلاد: فمنم طائفة من أولاد الملوك والأمراء والوزراء والعمال والكتّاب، ومنهم طائفة من أولاد الأشراف والدهاقين والتجار والتُّنّاء. ومنهم طائفة من أولاد العلماء والأدباء والفقهاء وحملة الدين. ومنهم طائفة من أولاد الصناع والمتصرفين وأمناء الناس».

    وطبيعي أن يوجب هذا التنوع في النداء تنوعاً في أسلوب الرسائل من حيث استخدام الرمز والتأويل، والتبسيط والتعقيد، والاقتباس والتضمين، والإيجاز والإسهاب، أي مختلف سبل الترغيب خاصة، كل ذلك ينوس بين وضوح المعطيات العلمية والتعمية الهادفة في النصوص المذهبية، وبذا تختلف مخاطبة المتفلسفين الشاكين في أمر الشريعة، الغافلين عن أسرار الكتب النبوية، عن خطاب الشاكين في أمر النفس، المتحيرين في اختلاف أقاويل العلماء فيها، اختلافها عن مخاطبة العمال والكتّاب، ومخاطبة الملوك والسلاطين، ومخاطبة أهل العلم الغافلين عن أمر النفس، والمعرضين عن معرفة جوهرها، وكذلك عن مخاطبة المتشيعين. وإلى هؤلاء يقول مؤلفو الرسائل: «ومما يجمعنا وإياك أيها الأخ البار الرحيم محبة نبينا عليه السلام وأهل بيت نبيه [كذا] الطاهرين، وولاية أمير المؤمنين علي بن أبي طالب.. وحرمة الأدب والخروج من جملة العوام.. وقد أنفذنا إليك أخاً من إخواننا قد ارتضيناه في بصيرته.. فإذا سمعت أقاويلنا وفهمت معانيها.. أجبتنا بصدق القول..».

    وعلى هذا المنوال يتجه إخوان الصفاء إلى أصحاب العقائد والآراء، حتى إلى الشيعة،وهم ليسوا منهم، لحثهم على اعتناق مذهبهم الذي يجاوز سائر الآراء السائدة، ويتخطى الانحياز «الانعزالي» فيبرأ من التعصب لأي مذهب آخر علمي أو فلسفي أو ديني، فمذهبهم يضم المذاهب كلها، والحقيقة حقيقتهم. يقولون:

    «إن الحق هو ما اجتمعنا عليه الآن». ولذا فإن حقيقتهم لا تصدر عن سواهم، ولا تؤخذ تعليماً عن غيرهم، ولو كان إماماً. وإنما مصدرها رباعي، وطريقة نوالها عقلية. فهم يذكرون أن علومهم مأخوذة من كتب أربعة: أحدها الكتب المصنفة على ألسنة الحكماء والفلاسفة من الرياضيات والطبيعيات، والآخر الكتب المنزلة التي جاء بها الأنبياء عليهم السلام مثل التوراة والإنجيل والفرقان وغيرها، والثالث الكتب الطبيعية، وهي صور أشكال الموجودات بما هي عليه الآن من تركيب الأفلاك وأقسام البروج… وفنون الكائنات من المعادن والحيوان والنبات وأصناف المصنوعات على أيدي البشر، والرابع الكتب الإلهية التي لا يمسها إلا المطهرون الملائكة التي هي بأيدي سفرة كرام بررة، وهي جواهر النفوس وأجناسها وأنواعها.

    وبقول آخر،يجمع مفكرو الإخوان إلى معطيات الثقافة العلمية والفلسفية والدينية المتنوعة معاناة التجربة الكونية والنفسية ليصنعوا من ذلك كله، بأنفسهم، حقيقتهم الإنسانية التي تجعل مذهبهم يستغرق كل المذاهب، وأداتهم الوحيدة هي العقل السليم المعافى البريء من الآفات العارضة كالهوى الغالب نحو شيء ما، والعجب المفرط من المرء برأي نفسه، والكبر المانع عن قبول الحق، والحسد الدائم للأقران وأبناء الجنس، والحرص الشديد على طلب الشهوات، والعجلة وقلة التثبت في الأمور، والبغض والعداوة عند الحكومة والخصومات، وحب الرياسة من غير استحقاق.

    وبهذه الأداة «النوعية» المتميزة يعالج إخوان الصفاء كل ما تتناوله بحوثهم فيحكمون بصواب الآراء أو خلطها ولا يحجمون عن كشف النقاب عن مساوئها وأضرارها وفساد منتحلها. وهذا هو الجانب الانتقادي الذي حمل إخوان الصفاء على اعتماد التنظيم السري، وتمويه عرض ما يعرضون من جوانب مذهبهم كما فعلوا في كلامهم عن خصومة العجماوات وثورتها على البشر، إذ نجد المؤلفين يعبرون، بما لا يحبون الإفصاح عنه، بكلام صريح، ونقد مباشر يفضح آراء معاصريهم وسلوكهم سواء بسواء.

    فمن الآراء الفاسدة المؤلمة لنفوس أصحابها، مثلاً، اعتقاد من يرى أن روح القدس الذي قتلته اليهود، وصلبت ناسوته، ذهب لاهوته لما رأى ما نزل بناسوته من العذاب فتركه مخذولاً. ومنها من يعتقد أن الإمام الفاضل المنتظر الهادي مختف لا يظهر من خوف المخالفين.. فيبقى طوال عمره منتظراً لخروج إمامه، ثم يمضي عمره ويموت حسرة وغصة، لا يعرف إمامه، ولا شخصه. وإنما مسألة الإمامة من أمهات مسائل الخلاف التي كثر فيها القيل والقال، وبدت بين الخائضين فيها العداوة والبغضاء، وجرت بين طالبيها الحروب والقتال.. وهي باقية إلى يومنا هذا.

    إن نفوس الجهال كلها موتى بالقياس إلى نفوس العلماء… وإن حياة النفوس ويقظتها هي المعارف والعلوم. انظر يا أخي بعقلك، وميز ببصيرتك، واختر لنفسك، فالسبيل إلى الشفاء من الجهل والخطأ ماثل في أن «الله جعل في جبلّة الإنسان وطبيعته ألا يأتمر أحد من العقلاء لغيره، ولا يطيعه إلا رغبة أو رهبة». وإن أسوأ الناس مذهباً. وأشنعهم رأياً من يعتقد أمراً ويكون عقله منكراً عليه، ونفسه مرتابة.

    ومما ذهب إليه إخوان الصفاء مما لا يقره الفكر الديني المعاصر لهم عامة، وما يسوّغ لجوء الإخوان إلى الرمز والحكاية على ألسن العجماوات قول (زعيم الطيور) منتقداً: « إعلم أيها الإنسي أن الأنبياء عليهم السلام هم أطباء النفوس ومنجموها. ولا يحتاج إلى الطبيب إلا المرضى وصاحب العلة المزمنة، ولا يحتاج إلى المنجّم إلا المنحوسون الأشقياء والضالون عن نجم الهدى… ثم اعلم أن الغسل والطهارة إنما فُرضت عليكم من أجل ما يعرض لكم عند النكاح وشدة الشبق وشهوة الزنا.. وأما الصوم والصلاة فإنما فرضت عليكم ليكفر عنكم سيئاتكم من الغيبة والنميمة والقبح من الكلام واللعب واللهو والهذيان.. وأما الصدقات والزكاة فإنما فرضت عليكم من أجل أنكم تجمعون من فضول الأموال الحلال والحرام والغصب والسرقة واللصوصية، من البخس في الكيل والموازين وكثرة الجمع والذخائر والإمساك عن النفقة في الواجبات فضلاً عن المسنونات، والبخل والشح والاحتكار ومنع الحقوق». وأما (الببغاء) فيقول: «خذ الآن أيها الإنسي إزاء كل ما ذكرت وافتخرت به بقولك قولاً آخر معكوساً، وبدل كل حسن نسبت أصنافاً أخر قبيحة: وذلك أن عندكم الفراعنة، والنماردة، والجبابرة، والفسقة، والمشركين، والمنافقين، والملحدين، والمارقين، والناكثين، والخوارج، وقطاع الطرق، واللصوص، والعيارين، والطرارين. ومنكم أيضاً الدجالون، والباغون، والطاغون، والمرتابون.

    ومنكم أيضاً القوادون، والمخانيث، والمؤاجرون، واللواطة، والسحاقات، والبغايا. ومنكم أيضاً الغمازون،والكذابون،والنباشون. ومنكم أيضاً السفهاء، والجهال، والأغبياء، والناقصون، وما شاكل هذه الأوصاف والأصناف والطبقات المذمومة أخلاق أهلها، الردية طباعهم، القبيحة سيرتهم وأفعالهم، السيئة سيرهم وأعمالهم»… يستوي في هذا النقد الشعراء، والخطباء، والمتكلمون، والمنجمون، والراقون، والأطباء، والمهندسون، والتجار، والرؤساء، والدهاقين، والكتّاب، والعمال، والقرّاء والعبّاد، والفقهاء، والعلماء، والقضاة، والعدول، حتى الخلفاء «الذين تزعمون أنهم ورثة الأنبياء… الذين يسمون باسم الخلافة، ويسيرون بسيرة الجبابرة، وينهون عن منكرات الأمور، ويرتكبون هم منها كل محظور… اتخذوا عباد الله خولاً، وأيامهم دولاً، وأموالهم مغنماً، فبدّلوا نعمة الله كفراً، واستطالوا على الناس افتخاراً… إذا ولي أحد منهم ابتدأ أولاً بالقبض على من تقدمت له حرمة لآبائه وأسلافه وأزال نعمته، وربما قتل أعمامه وإخوانه وأبناء عمه وأقرباءه وربما كحلهم، أو حبسهم، ونفاهم، وتبرأ منهم..».

    أما مذهب إخوان الصفاء فإنه «ملذ لنفوس معتقديه، مفرح لقلوبهم، مبشر لأرواحهم. فهو سفينة النجاة، الموصلة للمدينة الفاضلة الروحانية» وهي مأوى الأرواح، وينبغي بعد الاجتماع على الشرائط من صفوة الإخوان التعاون لبنائها في مملكة صاحب الناموس الأكبر، فإذا دخلت أيها الأخ «مدينتنا الروحانية، وسرت بسيرتنا المَلَكية، وعملت بسنتنا الزكية، وتفقهت في شريعتنا العقلية فلعلك تؤيد بروح الحياة لتنظر إلى الملأ الأعلى، وتعيش عيش السعداء، فرحاناً مسروراً، ملتذاً مخلداً أبداً بنفسك الباقية الشريفة النيرة الخفية الشفافة لا بجثتك الدنية المظلمة الثقيلة المتغيرة المستحيلة الفاسدة الهالكة».

    وأصحاب هذا المذهب، أولياء الله، يتطلعون في الدنيا إلى تعاونية اشتراكية إنسانية متآخية. أفلا يتفاوت الناس في العلم والمال؟ إذن ينبغي على من رزق المال والعلم جميعاً أن يؤدي شكر ما أنعم الله عليه به بأن يضم إليه أخاً من إخوانه ممن قد حرمها جميعاً، ويواسيه من فضل ما آتاه الله تعالى من المال ليقيم به حياة جسده في دار الدنيا، ويرفده ويعلمه من علمه لتحيا به نفسه للبقاء في دار الآخرة…

    ولا يمنّ عليه بما ينفق عليه من المال، ولا يستحقره، ويعلم أن الذي حرم أخاه هو الذي أعطاه.

    ولكن المعاونة «بقوة الأجسام على أمور الدنيا من أبلغ ما يكون لأبناء الدنيا فيما يريدون، وأسهلها عليهم فيما يقصدون». أما المعاونة بين الإخوان بالعلوم والمعارف فهي أبلغ ما يقصدون؛ لأن أحداً لا يمكن أن يدخل مدينتهم متى لم يكن علمه مساوياً لعلمهم.

     ولقوة نفوس الإخوان في هذا الأمر أربع مراتب:

    أولها: صفاء جواهر نفوسهم، وجودة القبول، وسرعة التصور،وهي مرتبة أرباب الصنائع في مدينتهم. ويسمون في الرسائل: الإخوان الأبرار الرحماء. وفوق هذه المرتبة مرتبة الرؤساء ذوي السياسة وهي مراعاة الإخوان، وسخاء النفس، وإعطاء الفيض بالشفقة والرحمة والتحنن على الإخوان.. ويسمون في الرسائل: الإخوان الأخيار الفضلاء. والمرتبة الثالثة فوق هذه وهي مرتبة الملوك ذوي السلطان والأمر والنهي، والنصر والقيام بدفع العناد والخلاف، ويسمون في الرسائل: الإخوان الفضلاء الكرام. والرابعة فوق هذه وهي التي يدعى إليها الإخوان كافة في أي مرتبة كانوا، وهي مرتبة التسليم، وقبول التأييد، ومشاهدة الحق عياناً،وعليها ترد قوة المعراج، وبها تصعد إلى ملكوت السماء، وإلى هذه المرتبة أشار الله تعالى بقوله: )يا أيتها النفس المطمئنة ارجعي إلى ربك راضية مرضية(. وإليها أشار إبراهيم ويوسف والمسيح ومحمد وسقراط وفيثاغورس وبلوهر.وإليها يدعو الإخوان إخوانهم جميعاً،ويطلبون إليهم الإقرار باللسان،والتصور لهذا الأمر بضروب الأمثال للوضوح والبيان، والتصديق له بالضمير والاعتقاد له بالاجتهاد في الأعمال.

    ويعلن الإخوان أنهم بذلوا مجهودهم في هداية الضالين،وإرشاد التائهين، وتنبيه الغافلين، وخاطبوا كل قوم وصنف منهم بما هو أصلح أن يخاطبوهم به في رسائلهم. وفي الرسالة الخمسين فصل جامع يقولون فيه: «ونحن نأمرك أيها الأخ السعيد أن تتبع ما أمرناك به فإنك تنال السعادة العظمى ديناً ودنيا إن شاء الله تعالى،وإنما سميناه الفصل الجامع لأنه جمع أصل سعادات المنافع. واعلم أن منفعة الإنسان تكون من وجهتين لا ثالث لهما: دنيوية وأخروية، جسمانية ونفسانية. وإذا كملت للإنسان هاتان السياستان استحق اسم الإنسانية، وتهيأت نفسه لقبول الصور الملكية، والانتقال إلى مرتبة السماوية عند مفارقة الجسد بالحال التي تسمى الموت النازل عليه،والاضمحلال الواصل إليه».

    السياسة الجسمانية مطلب عافية ودفع سقم وأذى. «إنك إذا لم تحمل على جسمك من المآكل والمشارب والباءة والحركة إلا معتدلاً لازمتك العافية، وعدمت الأسقام». والسياسة النفسانية أن تكون «أخلاقك رضية، وعاداتك جميلة، وأفعالك مستقيمة، تؤدي الأمانة إلى أهلها، كائناً من كان، من ولي وعدو، .. وأن تعوّد نفسك عمل الخير لأنه خير، لا تريد بفعلك عوضاً، ولا يحملك على فعله خوف.

    فمتى فعلت لطلب المكافأة لم يكن خيراً، وإن لم تطلب المكافأة، وإن أردت الذكر والاسم كن أيضاً منافقاً،والمنافق لا يستأهل أن يكون في جوار الروحانيين. وأما سياسة الأصحاب فلا تكون إلا بعد المعرفة بهم،والاطلاع عليهم، ومعرفة أحوالهم: أن لا يخفى عليك من أمرهم صغيرة ولا كبيرة لتسوس كل واحد منهم السياسة التي تليق به دنيا وديناً.. فيجب أن تظهر لهم القرب بالبعد، واللين بالغلظة، والأنس بالوحشة والكرم بالشح، والموعظة بإلقاء العلم إليهم بمقدار ما يحتملونه، وبحسب ما يستوجبونه.. ولا تخص أصحاب النسب الجسداني بما لا تبديه لأهل النسب الروحاني».

    «إن كل صداقة تكون لسبب ما. فإذا انقطع ذلك السبب بطلت تلك الصداقة إلا صداقة إخوان الصفاء، فإن صداقتهم قرابة رحم، ورحمهم أن يعيش بعضهم لبعض، ويرث بعضهم بعضاً، وذلك أنهم يرون ويعتقدون أنهم نفس واحدة في أجساد متفرقة» ويلحق بهذه القرابة قرابة الولادة الروحانية بطريق التعليم. «اعلم أن المعلم والأستاذ أب لنفسك وسبب لنشوئها، وعلة حياتها، كما أن والدك أب لجسدك وكان سبباً لوجوده. وذلك أن المعلم يغذي نفسك بالعلوم، ويربيها بالمعارف، ويهديها طريق النعيم، واللذة، والسرور، والأبدية، والراحة السرمدية».

    وقوام هذه العلوم والمعارف في نظر الإخوان بناؤها على أصل واحد، وقياس واحد، وهو صورة الإنسان، «لأن صورة الإنسان أكبر حجة لله على خلقه، ولأنها أقرب إليهم، ودلائلها أوضح، وبراهينها أصح. وهي الكتاب الذي كتبه بيده وهي الهيكل الذي بناه بحكمته، وهي الميزان الذي وضعه بين خلقه، وهي المكيال الذي يكيل لهم به يوم الدين ما يستحقونه من الثواب والجزاء، وهي المجموع فيها صور العالمين جميعاً». وقد لخص إخوان الصفا بأنفسهم المثل الأعلى لمذهبهم الذي يستغرق المذاهب كافة، وهو يعكس في الوقت ذاته حال المعارف والعلوم في زمنهم وبيئتهم، ويمثل مفهومهم عن الإنسان بقولهم إنه «العالم، الخبير، الفاضل، الذكي، المستبصر: الفارسي النسبة، العربي الدين، الحنفي المذهب، العراقي الآداب، العبراني المخبر، المسيحي المنهج، الشامي النسك، اليوناني العلوم، الهندي البصيرة، الصوفي السيرة، الملكي الأخلاق، الرباني الرأي، الإلهي المعارف،الصمداني».

    تأثير إخوان الصفاء

    لا يخفى أن حركة إخوان الصفاء، وقد كانت تشكو دولة الشر، لم تحقق سياسياً وتاريخياً دولة الخير، بالمعنى المادي. ولكن تأثيرها الفكري والثقافي ظل نامياً باطراد لدى أفراد وجماعات. فقد ذكر حاجي خليفة في «كشف الظنون» أن رجلاً من الخراسانيين انتخب كتاباً أسماه «مجمل الحكمة» ألفه بالفارسية، بحذف الحشو وإيضاح الرموز من رسائل إخوان الصفاء. وذهب آ. برييه A.périer إلى أن الفيلسوف يحيى بن عدي كان على علاقة بإخوان الصفاء. ومن المتفق عليه كما يؤكد طه حسين في «ذكرى أبو العلاء» أن المعري قد لقي إخوان الصفاء في بغداد، أو فرعاً من فروع منظمتهم. وقد أشير إلى نقد الغزالي منهجية الإخوان على الرغم من أنه لم يلصق بهم سمة الباطنية. وأشار ابن سبعين إلى تأثر الغزالي برسائل الإخوان. وصرح ابن الهيثم كما ذكر ابن أبي أصيبعة في «عيون الأنباء» بأنه قرأ عدداً من الرسائل أطلعه عليها أحد سكان البصرة. وألمع المحبي في «خلاصة الأثر» إلى تساؤل المفكرين عن تحريم قراءة الرسائل. وعني ابن بشكوال وابن حجر المكي بموضوع الرسائل.

    واقتبس السيد محمد العيناتي وهو من أعلام القرن الحادي عشر الهجري فصولاً كثيرة من رسائل إخوان الصفاء ضمنها كتابه «آداب النفس» المنشور في طهران (1380هـ). ولم تخل «لُمع» الطوسي قديماً من إيراد صفحات من الرسائل.

    أما في الأندلس، فقد عنيت مدرسة المجريطي الكرماني بالرسائل كما ذكرنا. ويرى جرجي زيدان أن ذلك كان منطلق الحركة الفلسفية الإسلامية في بلاد المغرب. وقد اقتبس ابن عربي عبارة الإخوان الشهيرة: «أيدنا الله وإياك بروح منه»، ولاسيما في «الفتوحات المكية». وبرهن آسين بالاسيوس A. Palacios على تأثير الرسائل في القسيس انسلمو تورماداA.Turmeda الذي أسلم في تونس وعمل للسلطان عبد العباس أحمد الحفصي وابنه عبد العزيز. ويذكر عبد اللطيف الطيباوي أن يوسف بن صادق نقل إلى العبرية كتاباً باسم: إخوان الصفاء. وترجم كالونيموس بن كالونيموس Kalonymos fils De Kalonymos إحدى الرسائل في القرن الثالث عشر للميلاد. وأثبت دي ساسيDe Sacy تأثير الرسائل في اليهودي باهيا بن باكودا Bahya Iben Bakuda الذي عاش في القرن الحادي عشر.

    وقد سبقت الإشارة إلى تأثير حركة الإخوان ورسائلهم في فرق إسلامية كثيرة، ولكنه كان بوجه الدقة تأثيراً باتجاه واحد، ولا سيما في الإسماعيلية، وفي ماتفرع عنها، وخاصة الدرزية، وهذا التأثير يعكس آراء إخوان الصفا المصبوغة بالأفلاطونية – الجديدة. ويحكم كازانوفا Casamova.P بأن «مذهب الإخوان الشديد النقاء والسمو قد غدا بين يدي متعصبي الحشاشين الطموحين ينبوع فعال شنيعة». أما اهتمام العلماء الدارسين بموضوع إخوان الصفا ورسائلهم فما برح في الغرب ثم في الشرق آخذاً الاطراد منذ قرنين تقريباً. ولعل هذا الاهتمام الموصول يسوّغ قول مصطفى غالب في كتاب «فلاسفة من الشرق والغرب» إن هذا الموضوع «ملأ الدنيا، وشغل العلماء والمؤرخين، ولا يزال حتى الآن مثاراً للجدل والتخمين».

المصدر: الموسوعة العربية

على جمعة: اسم قطر نسبة إلى إمام الخوارج قطرى بن الفجاءة..ومن قاتلهم أصله إماراتى

  • خالد عادل

    28/06/2017 07:14

قال الدكتور على جمعة عضو هيئة كبار العلماء، إن اسم إمارة قطر يرجع لإمام الخوارج الأزارقة قطرى بن الفجاءة، وأكد خلال إجابته على أحد أسئلة طلابه، إن قطرى بن الفجاءة كان إمام الخوارج الأزارقة ونزل إلى قطر هاربًا من العراق، وعاش الخوارج فى قطر.

وتابع، الملفت أن المهلب ابن صفرة الذى قاتل الخوارج كان من الإمارات؛ حاجة غريبة كأنها جينات تتوارث والتاريخ يعيد نفسه، وآل الثانى يرجع أصلهم إلى إمام الخوارج.

وأضاف، مات قطرى سنة 79 هجرى، وبعده بسنتين قضى على الخوارج، وإحنا دلوقتى قدامنا سنتين، حين يذهب قطرى ابن الفجاءة ويروح فى داهية – فى إشارة إلى أمير قطر الحالى .

حول مقولة السيد كمال الحيدري بصحة جميع الأديان المذاهب

حول مقولة السيد كمال الحيدري بصحة جميع الأديان المذاهب

د. علي المؤمن

ali almomenابتداءً؛ أرى بأن كلام السيد كمال الحيدري الذي ينص على جواز التعبد بجميع المذاهب والاتجاهات الفكرية الإسلامية والدينية؛ كما ورد في مقطع الفيديو؛ يمثل جوهر فلسفة التعددية الدينية (Religious pluralism )، ونسبية الحقيقة الدينية، وتعدد القراءات الدينية؛ بمنهجيتها المعرفية الغربية التي ظهرت بعد عصر النهضة الاوربية، و التي بلورها ونظّر لها الفيلسوف والثيولوجي الانجليزي المعاصر “جون هيك”؛ مستنداً الى آراء من سبقوه من الفلاسفة الأوربيين.

وهو أيضاً موضوع قضية كلامية اسلامية موروثة عمرها مئات السنين. وقد قارب المفكرون والمثقفون الإيرانيون الجدد قضية التعددية الدينية بمزيد من العمق والشرح خلال عقدي الثمانينات والتسعينات من القرن الميلادي الماضي؛ عند تصاعد حمى الجدل الفكري الواسع في الساحة الفكرية الإيرانية حول بحوث فلسفة الدين والكلام الجديد، وحاولوا التوليف بينها وبين الموروث الكلامي الإسلامي، واسقطوا نتائجها على الواقع الفكري السياسي المعاصر. وفي المقابل كان للرافضين لفلسفة التعددية موقفهم الفكري والعقدي العميق أيضاً. وقد عقدت لهذا الغرض مئات الندوات والمؤتمرات في قم وطهران وغيرهما من الحواضر العلمية الإيرانية، وصدرت آلاف الكتب والدراسات. وكان من أبرز الأسماء التي ظهرت في هذه المعركة: عبد الكريم سروش ومحمد مجتهد شبستري ومحسن كديور ومصطفى ملكيان وعبد الله جوادي املي وصادق لاريجاني وجعفر سبحاني وأحد قراملكي. ولعل من أشهر المصطلحات التي ظهرت في تلك الفترة في موضوع التعددية الدينية هو مصطلح “الصراطات المستقيمة” الذي نحته المفكر الإيراني المعارض الدكتور سروش، ومضمونه أن صراط الله المستقيم واحد، ولكن القراءات البشرية المتعددة لهذا الصراط تجعل لكل قراءة صراطاً متبايناً عن صراط القراءة الأخرى، ولذلك فإن المنظور البشري ينطوي على صراطات مستقيمة متعددة، وليس صراطاً مستقيماً واحداً.

وأخطر ما في منهجية التعددية الدينية في مفهومها الغربي:

1- عدم نسخ الشرائع والأديان السماوية؛ أي أن الإسلام ليس خاتم الأديان، ولم تنسخ شريعته الشرائع السماوية التي سبقتها؛ فكل الأديان السماوية متساوية في الحجية، وأنها مجرد قراءات لحقيقة واحدة؛ في زمان واحد ومكان واحد.

2- المساواة الإصطلاحية بين الأديان السماوية والأديان الارضية؛ فالإلحاد دين، والشيوعية دين، والنازية دين، حالها حال البوذية والزرادشتية والنصرانية والإسلام.

٣- صحة التعبد بكل أنواع الآلهة؛ لأن الإله هو صناعة التصورات الذهنية والمنظومات الفكرية البشرية، وهو نتاج جداليات ايديولوجية انسانية؛ رغم استناد كنه الإله وصفاته الى نصوص دينية ( الوحي في الاديان السماوية)؛ أي أن الإنسان يستطيع أن يعبد أي إله يمكن أن يصنعه ذهنه؛ بناءً على فهمه وقراءته للنصوص الدينية التي يؤمن بها، أو بناء على تجربته الإيمانية الشخصية.

وبالتالي؛ فإن التعددية الدينية لاتعني تعدد الطرق للوصول الى الله الذي هو بعدد أنفاس الخلائق؛ بل هو تعدد (الله)؛ الذي يتعدد بعدد أنفاس الخلائق؛ فلكل مخلوق إله صنعه في ذهنه.

وبحكم وجود السيد كمال الحيدري في حاضرة قم العلمية، وعلى تماس مباشر مع المرجل الفكري الإيراني المستعر على مدار الساعة، وبحكم كونه قارئاً جيداً للفكر الغربي ولموروث الكلام الاسلامي؛ فإنه يقتبس ـ غالباً ـ نظريات فقهية وكلامية وفلسفية مطروحة بكثرة في التراث الإسلامي وفي النتاج الفقهي والكلامي والفلسفي والفكري الإيراني المعاصر، وفي النتاج الفلسفي الغربي؛ ليوظفها في مباحثه. وبالتالي لم يأت السيد كمال الحيدري في مقولته بشأن (صحة جميع الأديان والمذاهب) بمنهج فلسفي أو كلامي جديد أو رأي مميز؛ بل هو ترجمة لمقولات “هيك” و “سروش”؛ أي أنه ليس تجديداً دينياً أو إصلاحاً فكرياً؛ بل عودةٌ الى مقولات قديمة أو رجوعٌ الى مقولات مفصّلة على مقاسات الإجتماع الديني الغربي.

و قد يُفهم من كلام السيد كمال الحيدري أنه يعتقد شخصياً بصحة جميع الأديان السماوية والأرضية والمذاهب الإسلامية، وبجواز تعبد جميع البشر و المسلمين بأي دين و مذهب متى شاءوا ورغبوا؛ سواء كان ذلك عن قناعة وبرهان أو مجرد رغبة وميل نفسي؛ بالنظر لكونها صحيحة جميعاً في الزمان نفسه وفي حكم الموضوع نفسه، وبأن الإنسان يستطيع التنقل بين الأديان والمذاهب والأفكار وفقاً لرغبته، وهو عمل جائز وصحيح ومقبول عند الله تعالى، وينبغي أن يكون مقبولاً عند السلطة الدينية الإسلامية وعند الدولة التي تحكمها. وحين لايكون هناك أي معني لـ “الإرتداد” كموضوع لحكم شرعي، أو “الإستبصار” موضوع للتحول المذهبي.

ولا أعتقد أن السيد الحيدري يقصد معنى صحة جميع المذاهب والأديان عنده؛ بل أنه يفتي بصحة أتِّباع الأديان والمذاهب الآخرى بناءً على قناعات أتباعها بالأدلة والبراهين، وليس بناء على قناعاته هو (أي: السيد الحيدري) بهذه الأدلة والبراهين؛ وإلّا لو كان يعتقد بصحة أدلتها جميعاً في آن واحد، وأن التعبد بأي منها مبرء للذمة بناءً على تساويها في الصحة؛ لتحوّل هو شخصياً الى التسنن أو النصرانية أو البوذية. وسينطوي على هذا الإعتقاد تناقض منطقي؛ إذ يمتنع أن يكون الدليل صحيحاً وخاطئاً في الوقت نفسه من زاوية النظر الواحدة.

السيد الحيدري يتحدث هنا من زاوية نظر الآخر المختلف دينياً ومذهبياً وفكرياً، والذي لم يقتنع بأدلة الشيعة، وليس من زاوية قناعاته هو. ولعله يريد القول: أنا اقتنعت بأدلة ديني ومذهبي، وغيري اقتنع بغيرها؛ فكلانا على حق، وانا اقتنعت بدلالات الدليل الشرعي على حكم ما، وغيري دلّه الدليل الى حكم مختلف؛ فكلانا على حق، ويجوز لنا التبعد بالحكم الشرعي الذي توصلت اليه قناعات كل منّا. فالسني على حق من وجهة نظره هو، وهذا حجة عليه أمام الله، وهذه الحجة مقترنة بالحق من وجهة نظره كسني، وليس من وجهة نظر الشيعي؛ وإلّا لتحول الشيعي حينها الى سني لو كان يعتقد بصحة أدلة السني. والمنطلق هنا انعكاس حجية الدليل على شكل التكليف. وبالتالي يكون تكليف الجميع جائزاً؛ وأن تعددت أشكال التكليف.

وكان حرياً بالسيد الحيدري تفكيك زوايا النظر بوضوح، وأن يبيِّن بدقة بأن صحة اعتناق الإمامي لعقيدته وتعبّده بمذهبه؛ هي نتيجة قناعته بأدلة العقيدة الشيعية والمذهب الإمامي، و بخطإ الفرق والمذاهب الأخرى، ولايصح عندها أن يتعبّد بأي دين أو مذهب آخر. وهكذا بالنسبة لأتباع المذاهب الأخرى؛ فإنه لايجوز لهم التبعد بالمذهب الإمامي؛ لطالما لم يوصلهم الدليل الى ذلك.

وفضلاً عن الإبهام في الطرح؛ فإن السيد الحيدري عرض النتيجة بأسلوب صادم قبل ان يطرح المقدمات المنهجية والموضوعية. وإذا يرى السيد الحيدري بأن طرح مثل هذه الموضوعات في الحلقات العلمية الضيقة العالية المستوى؛ لا غبار عليه؛ فإن هذا المسوغ غير مقبول أيضاً؛ لأن مقولاته المخالفة للسائد والمشهور؛ تنتشر بسرعة ـ غالباً ـ في مواقع الانترنيت والصحافة ووسائل التواصل الإجتماعي، وتُستثمر فكرياً وسياسياُ؛ لمواجهة حجة المتدينين وإضعافهم؛ وهو مايتسبب في افتتان اجتماعي خطير.

التفسير النخبوي لفتوى السيد الحيدري الصادمة؛ لايلغي خطورة كلامه على الوحدة المجتمعية، وكونه يزعزع ثقة الشباب بعقيدتهم ومذهبهم، ويفتح الأبواب للانفلات. كان يمكن تقبل هذا الكلام من مثقف أو مفكر إسلامي؛ في إطار مناقشة مفهوم التعددية الدينية؛ ولكن أن يصدر من مرجع ديني يفترض أن يكون له مقلدون يلتزمون بفتاواه؛ فهو مستغرب؛ فكيف ينسجم لزوم رجوع مقلديه اليه مع جواز تعبدهم بفتاوى غيره؛ وإن كانوا من مذاهب أخرى؟!