من تشاوشيسكو إلى صدام ثم القذافي

من تشاوشيسكو إلى صدام ثم القذافي.. لقطة فيديو تثير رسالة استعطاف عرضية

أي شيء يمكن تزييفه في هذا العصر الرقمي لكن ذلك صعب بالنسبة لصورة التقطت بهذا القدر من السرعة

واشنطن: فيليب كينيكوت*
إذا كان ثمة ما قد يثير التعاطف تجاه القذافي، فربما يكون تلك المأساة التي سبقت وتلت مصرعه، والتي برزت عندما فاضت بصور الديكتاتور السابق مواقع شبكة الإنترنت والقنوات الإخبارية.

بدت المعلومة الأولية التي نقلت من سرت أشبه بصورة لشاشة هاتف جوال يعرض مقاطع فيديو مليئة بالشواهد التي توحي، لكنها لا تؤكد مصداقيتها، فلا يوجد تاريخ أو توقيت أو مؤشر مستوى البطارية أو شريط الوقت وزر التشغيل في الأسفل. كان القذافي في الصورة التي التقطت له بعد مقتله نصف مغمض العينين، وكأنه يحدق في الكاميرا، مغطى بالدماء لكنه شاحب اللون، يبدو مخيفا كما كان، لكن مع قناع مسرحي غريب لـ«فتاة جيشا» بيضاء الوجه. بدت الصورة حقيقية، لكن كانت هناك عاطفة غريبة ملحة.

مهما كان الشخص بغيضا، فإن منظر شخص لا حول له ينظر مباشرة إلى الكاميرا يجعله لا محالة مثيرا للتعاطف. وقد ذكرتنا صور القذافي بالصور التي التقطت للديكتاتور الروماني نيكولا تشاوشيسكو، والتي أخذت له بعد إعدامه السريع عام 1989. فقد بدا الطاغية ذو الشعر الرمادي في الصورة التي التقطت له بعينين نصف مغمضتين، أنيقا، يرتدي رابطة عنق زرقاء، ووسيما بدرجة غريبة محت على الأغلب ذكريات عقود من الحكم الوحشي. كانت تلك رسالة استعطاف عرضية غريبة بعد الموت.

من كان يعلم القصة يوم الخميس للمرة الأولى، مشاهدا صورة وجه القذافي الخالي من الحياة، وذكريات الصور المزيفة لموت أسامة بن لادن التي غزت شبكات المعلومات نفسها وزيفها، كان لديه من الأسباب ما يجعله متشككا. لكن كان هناك فيديو أيضا لما بدا أنه جسد القذافي مغطى بالدماء، والذي تم تصويره بأسلوب بدائي وقدر كبير من العفوية، من الكاميرا المهتزة، والتركيز السيئ، والجهود المتسارعة لالتقاط الصورة في الوقت الذي تتدفق فيه الجموع حول الحدث.

تتلخص المصداقية الكاملة للصورة في العصر الرقمي في الشعور بالصورة، والظروف التي التقطت فيها هذه الصورة. فأي شيء يمكن تزييفه في هذا العصر الرقمي، لكن ذلك صعب بالنسبة لصورة التقطت بهذا القدر من السرعة. تبدو الصورة حقيقية لا لأنها تبدو حقيقية (وهو سهل القيام به) بل لأنها التقطت بطريقة تبدو واقعية.

وربما تكون حاجة العراقيين إلى رؤية إعدام صدام حسين وراء التشكك في الصور غير الواضحة للفيلم الذي بدا واضحا أنه التقط أثناء تنفيذ عملية الإعدام. لكنه بدا واقعيا لأنه صور بطريقة مختلسة. وربما كان الوجه الدامي للإرهابي أبو مصعب الزرقاوي، التي عرضها الجيش الأميركي بعد مقتله عام 2006 مزهوا، تم إعداده بطريقة الفوتوشوب. لكن إدارة بوش الرعناء في الاحتفال بموت الزرقاوي كانتصار حربي، قامت بتكبير الصورة وصقلها وتأطيرها للمؤتمر الصحافي، مما جعلها تبدو أكثر مصداقية.

الكثرة والسرعة هما الأكثر أهمية في لعبة مصداقية الصورة الرقمية. فتزايد صور القذافي والفيديو أزاحا الشكوك لدى الكثيرين. وتحدثت المواقع الإخبارية والمحطات التلفزيونية عن تأكيد ذلك لمقتله، وخرجت عناوين الصفحات الأولى واثقة، فيما خلا شريط الأخبار من التشكيك في مصداقية الصورة.

لكن «الجزيرة» كانت تعرض القذافي حيا، في فيديو يبدو واضحا أنه التقط قبل مقتله أو مصرعه متأثرا بجراحه. ودائما ما كان طوفان المعلومات على شاشة التلفزيون يربك شعورنا بالتوتر، لكن هذا التزامن بين الموت والحياة قد غير كل شيء.

كانت لقطات مقتل القذافي دليلا على أن الرجل المتعطش للدماء قد قتل، ولم تعد هناك حاجة إلى استخدام الطب الشرعي، فصورة الجثة هي معطيات حقيقية. وصورة رجل حي ممتزجة بصورة جثته هي دراما، وكل ما بينهما ترك العنان للخيال. وفي هذه الفجوة الزمنية قد يبدو السفاح الذي دفعه هوسه إلى قتل أشخاص في أماكن نائية كقرية صغيرة في اسكوتلندا، وملهى ليلي في ألمانيا.. قد يبدو فجأة مثيرا للشفقة. ملأ تعدد الصور على شاشة التلفزيون هذه الفجوة، فتدافعت حشود الشباب تدفعهم نشوة الانتصار يمزقون العلم الأخضر للنظام الذي سقط بالسكين، ويلتقطون الصور ويطلقون النار في الهواء.

كيف مات القذافي؟ ليس من الصعب التخيل.

لكن الفجوة المتمثلة في الطريقة التي قتل بها القذافي ستشكل جزءا مضطربا في الأسطورة المؤسسة لليبيا الجديدة. هل ستكون دولة قانون أم دولة عاطفة؟ وهل ستكون دولة نظام أم دولة عقاب؟

السرعة التي كشف بها عن دراما مقتل القذافي، والسرعة التي عرضت بها صور الحياة والممات، وفوضى التقاط الصورة والسرعة الجامحة للحشود الغاضبة من الأفراد، عززت جميعها إحساسا دفينا بأن هناك حقيقة مفزعة لم نرها بعد. الحكم على الجموع الغاضبة التي أنهكها القمع وشهور من الثورة مثل الحكم على الطقس. فما حدث بين المشاهد التي عرضت القذافي حيا والقذافي ميتا حدث آلاف المرات في العالم، على مدار آلاف السنين. وري شجرة الحرية بدماء الطغاة جزء من تاريخ الولايات المتحدة بقدر ما هو جزء من دولة ليبيا الجديدة.

لقد تناسينا، على الأغلب، الكلمات القوية لجيفرسون، الذي كتب عن الطغاة والحرية في عصر سبق الصورة وقوتها، بشأن تغيير ماضي الرجل والحفاظ على أكثر لحظاته إثارة للشفقة إلى الأبد في الحاضر. لقد كانت تلك الأوقات، الفجوة في الذاكرة والآيديولوجية، هي التي ساعدت الدولة على نسيان الحكم الأقدم للسياسات، ففي البداية كان العنف، لكن ذلك كان قبل ديمومة وأبدية الصور الرقمية.

الشرق الاوسط

جنود ايلول – قصيدة عماد سالم

هذا أيلول آخر .
أيلول الأخير .
أيلول ما قبل الأخير .
لست أدري .
غير أن  أن قطارات العمر تقترب من محطاتها الأخيرة .
والآن فقط يقترن لديّ المنفى بالخريف .
خريفي ومنفاكم 
منفاي وخريفكم
لافرق
لافرق أبدا َ .
غير ان هذا المزيج الحزين لا يليق بنا .
لم نر شيئا بعد
ولم نعش كما ينبغي
ولم ننل ما نستحق
غير أن أقدارنا قد تشكلت رغما عنا 
على نحو لايليق بنا .. ولا نستحقه .
ركبنا الكثير من القطارات
وخضنا الكثير من الحروب الصغيرة والكبيرة
وترجلنا في الكثير من المحطات
ولم نلفظ انفاسنا الأخيرة بعد .
نحن في القطار الأخير 
في العربة الأخيرة
عربة الوقت بدل الضائع
التي نحاول فيها الهرب بنسياننا .. صوب العراق .
نحن في القطار الأخير
في العربة الأخيرة
نمضي صوب المدن – القرى .. الغائرة في الروح .
هذا النص لكم
فأتركوا الرحمة لي
وغادروا محطاتكم على عجل .


عماد عبد اللطيف سالم

جنود أيلول .. قطارات سبتمبر

 

 

 

ونحن قادمون من ” جلولاء “

صوب بغداد

/ في قطار ٍ خَرب ْ / .

وقبل أن ندخل َ بيت ” أبي سفيان “

بخمسة عقود ْ .

كان ملوكنا حالمين .

وكان ” ضباطنا الأحرار”

يغازلون في ثكناتهم المعتمة

بنادقهم الصامتة .

وكان الأمن مستتبا ً

كنخلة ْ .

 

 

***

 

 

لا أحدَ في تموز

يكتب ُ قصائد َ ذات معنى .

يقطع ُ الشعراءُ تذاكر َ صحوتهم

كالجنود ْ

ويركبون َ قطار َ أيلول

عائدين َ إلى سيرة ِ الدّب ِ

في الشتاء ِ المقدّس ْ .

 

 

***

 

 

 

لا ليل َ في أيلول .

ولا مطر ٌ غير ًُ معلن ْ .

لا شيءَ في بغداد َ

ولا أحد ْ

ولا ضوء َ في قطاراتِ الليل ِ

الخائضة ِ بالطين ِ

وزُرقة ِ الوشْم ِ

والدشاديش ِ الكالحة ِ

والدجاج النزق ْ .

 

 

لا نادل َ في المحطات ِ .

ولا نافذة يطل ّ ُمنها العابرون

على سنابل يوسف السبع

وحبّاتها المستحيلة ْ .

 

ثمة فقط ..

نسوة ٌ كالحات ْ

تفوح ُ من أثدائهّن َ المتهدّلة ْ

رائحة ُ اللبن ِ المضمّخ ِ

بزيت ِ الديزل ْ .

 

 

 

 

***

 

 

 

لماذا يكون ُ أيلول

شهرا ً صالحا ً للقتل ِ

وسبتمبر أفضل وقت ٍ

لشرب ِ القهوة ْ  ؟

 

لماذا الثلاثاء ُ يوم ٌُ جميل ْ

والسبت ُ ثقيل ٌ على القلب ِ

والجمعة ُ خانقة ْ ؟؟

 

 

 

 

***

 

 

في أيلول الفائت ِ

/ قبل َ عقود ْ /

وبينما الغيم ُ الأبيض ُ

يغطي قمَرَ الكرخ ِ البهيّ ْ

دَسسْتُ أول ّ َ قبلاتي

في شفتيها النديتين .

وشهقتُ من الحبور ِ

وكان العشق ُ أخضر َ داكنا ً

والقمر ُ أزرقا ً

وحبيبتي شاحبة  ٌ

كالندى

والحرب ُ العراقية ِ – الأيرانية ِ

لم ْ تبدأ بعد ْ .

 

 

 

 

***

 

 

كان أيلول ْ

يختبيءُ في الكراجات ْ .

ومن ” النهضة ِ “

إلى ” العلاوي “

لم يكن هناك جنديّ ٌ واحد

لا يحتسي شاي الغياب ِ

في الوجوه ِ المُطفأة ِ

لأمهات الخبز ِ و ” القيْمَر ِ “

والعسل ِ المغشوش ْ .

 

 

 

 

 

***

 

 

 

لا أحد َ في الأشهُر ِ الحُرُم ِ

يستقلّ ُ قطار َ البهجة ِ

ليذهب َ نحو أيلول

ويلعق َ كالكلب ِ حساء َ العَدَس ِ

ويقتل َ ” الفرْس َ المَجوس َ “

على ” الساتر ْ ” .

 

***

 

 

 

ونحن ُ في آخر ِ العربات ِ

يعلونا غبار ُ السكك ِ الضيّقة ِ

قادمين َ من عواصمنا المظفرّة ْ

إلى حيث يرجمنا صبية ُ القرى

بروث ِ البهائم ِ

ندرك ُ متأخرين ..

أن لا أحد بأنتظارنا

في المحطة ْ .

 

 

***

 

 

 

ونحن ُ نمضي ..

صوب َ آخر ِ عربة ٍ في القطار ْ

سندرك ُ كم كان الطريق ُ طويلا ً

نحو بغداد أخرى .

وأن آخر تمْرَة ٍ

في آخر عذق ٍ

في آخر نخلة ٍ

شاخصة ٍ على الشّط ِ

ستبحث ُ في البصرة ِ

عن أيلول آخر

غير ُ هذا الذي في العراق ْ .

 

 

 

***

 

 

 

كُلنا ركَبْنا قطاراتنا الشاردات ْ

دون سكك ٍ

أو محطات ْ

وذهبنا إلى التيه ِ وحيدين َ

كأنبياء مدججين بالليل ِ

في مدن ِ القيظ ِ

والشموس ِ التي لا تغيب ْ .

 

كلنا ذهبنا إلى معاركنا الكبرى

حفاة ً

كالقطا

تاركين أنبل َ خيلنا

في مكبّات ِ القمامة ْ .

 

 

كُلنا كان سائسا ً

لهذا المصير ِ الموارب ِ

  / كأبواب ِ المباغي /

 حيث ُ نلد ُ.. ثم نولد ُ

في أيلول آخر ..

وقطارات أخرى .

 

 

 

 

***

 

 

 

ونحن ُ نمضي ..

صوب آخر واحة ٍ

في روحنا المتعبة ْ

سندرك ُ أن ّ أزمنة ً كثيرة ً

/ لاتشبه ُ أيلول في شيء ٍ /

قد غادرت ْ أسفارَنا .

وأنّ بطوننا امتلأت ْ بثريد ِ الفتوحات ِ .

وإننا نعُد ّ ُعلى أصابعنا الآن

ما تبقى لنا من عربات ٍ وقت ٍ

ونهرب ُ بنسياننا

صوب َ ” مقبرة الكرخ ِ “

أو ” سراديب النجَف ِ ” الفسيحة ْ .

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

تأبين متأخر لمقهى البرازيلية – الشاعر عماد سالم

تأبين ٌ متأخرْ .. للمقهى البرازيليّة

عماد سالم

 

 

في مساء ٍ

شبه َ خال ْ

كان شاعر ٌ شاحب ٌ

/ فارعُ الطولْ /

يوميءُ للنادل ِ

أن لا يقف ْ بينه ُ

وبين الرصيف ْ

حيث تمّر ُ شاحنات ُ البهجة ِ

في شارع الرشيد

المكتّظِ بالبناطيل ِ الضيّقة ِ

والمؤخرات ِ الصغيرة ْ .

 

 

***

 

 

 

في تلكَ الرائحة ْ

كان شعراءُ الستيّنيات ِ

يكتبون بالعَرَق ِ الزحلاوي ّ

سيرتهم الظافرة ْ .

وشعراء السبعينيّات ِ

يكتبون معلقاتهمْ

 على أعقاب ِ السجائر ِ .

وشعراء الثمانينيّات ِ

لم يتعرّفوا على أعقاب ِ البنادق ِ بعد .

 

 

***

 

 

 

لا ” حسن عجمي “

ولا  ” الشابندر “

ولا ” البرلمان “

كانت مقاهي .

في ” البرازيليّة ” فقط

كان ” عوليس “

و ” أدونيس “

ينامان معا ً

على المصطبة .

 

 

***

 

 

 

لا صمت َ يشبه ُ ذلك َ الصمت ْ

حيث ُ الصوت ُ الوحيد ْ

رائحة ُ القهوة ِ

وشاعر ٌ دون ظل ٍ

ينهضُ دون إستئذان ٍ

ويذهب  ..ُ

ولا يعود ُ

أبدا ً .

 

 

***

 

 

 

كانت الطاولات ُ دائما ً

شاردة ُ الذهن ِ ..

كروادها .

و ” المخبرون “

يشعرون َ بالضجر

لأنّ ” موزارت “

لا يجيد ُ العزف َ على ” الربابة ْ “

ولأنّ ” سعد الحلي ّ “

كان يفضّل ُ قراءة َ قصائده ِ

في مكان ٍ آخر ْ .

 

 

 

***

 

 

 

لم تكن للوجوه ِ أسماء ْ .

كانت المقهى البرازيليّة ُ

 تعْرفنا ..

واحدا ً

واحدا ً

كأبناء ِ الزنا .

 

 

***

 

 

في الأوطان ِ القديمة ِ

كان َ القتَلة ُ أقليّة ٌ .

وكانت الأكاذيب ُ صغيرة ٌ .

وكان أخوة ُ يوسف ٍ

يبحثون َ عن أب ٍ

لم ْ يرَ يوما ً ذئابا ً

تجوب ُ العراق .

 

 

 

***

 

 

 

لا نسوة في السرير ِ

لا نسوة في الحُلم ِ .

الأناث ُ على الأرصفة ِ

والذكورُ في البارات ِ

والشعراء ُ في المقهى

يبحثون في محمّصة ِ البن ِّ

عن إمرأة ٍ مستحيلة ْ .

 

 

***

 

 

كان دجلة في المقهى

يذرعنا جيئة ً وذهابا ً

كقصب ٍ طاف ٍ

في أهوار ِ الروح ِ الموحشة ْ .

 

 

 

***

 

 

 

 

الآن …

في ذلك الفردوس الجاحد ْ

ثمّة ورشة للنجارة ْ

ومبولة ً

طافحةٌ ً

بقصائد َ

من نوع ٍ آخر ْ .

 

 

***

 

 

 

الموتى لا يجيئون ْ .

/ الموتى في العراق ِ كثيرون ْ / .

لذا ليس َ صعبا ً

أن أضع َ البرازيليّة َ في تابوت ٍ

وآتي بها اليكم ْ .

 

 

***

 

 

أيها الشعراءُ الموتى .

أيها المفخخون َ بالفجيعة ِ

 منذ ُ أمد ٍ بعيد ْ .

هذي بضاعتكم ْ ردّت ْ اليكم ْ

فتابعوا  تفجير أنفسكم ْ .

 

 

***

 

 

 

حتى القبور ْ ..

ضيّقة ٌ في المنافي .

فكيف َ ستدفنون َ مقهاكُم ْ

معكم ْ ؟

 

 

***

 

 

كيف َ يتقبّل ُ الشعراء ُ التعازي

على روح ِ مبْوَلة ٍ

في ورشة ٍ للنجارة ْ

في العراق ِ البعيد ْ ؟؟؟ .

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

قصيدة .. بغداد سينما – للشاعر عماد عبد اللطيف سالم

بغداد … سينما

رفض موقع ” الحوار المتمدن ” نشر المقطع الخاص بسينما سميراميس .. كما ورد في نصه الأصلي

وقام بنشره – بعد تعديله – كما في ادناه !!!
ارفق لكم النص الأصلي للمقارنة بين المقطعين .
هي سينما .. في كل الأحوال .
عماد
في سينما ( سميراميس ) ..
مات ( جيفارا ) .
من يومها
غادرت الأحلام الثورية أدغال الروح
وأصيب الثوّار
بالخرَفِ المبكرْ .
النص الخاص بسينما سميراميس بعد تعديله من قبل الحوار المتمدن

 

 

في سينما ( النصر ) ..

كانت ( سعاد حسني )

لم تزل ” صغيرة ً على الحبّ ِ “

 مثلي .

وكان ( رشدي أباظة )

يقبّلها كشيطان ٍ منفلت ْ .

 

منذ تلك اللحظة

شرعَتْ ” سينمات ” بغداد

بكتابة التاريخ اللاحق

لذهولي

وهزائمي .

 

 

***

 

 

في سينما ( بابل ) ..

سقطت ْ الأمبراطورية ُ الرومانية ْ .

وفور مغادرتي مُحبطا ً

مصاطب َ الأربعين فلسا ً

إقتادني جنود ُ الأنضباط ِ

بخوذاتهم الحمر

إلى الجبهة ْ .

 

 

***

 

 

في سينما ( غرناطة ) ..

كان ” الأخوة كرامازوف “

يستعيرون أسوأ كوابيسهم

من بارات العَرَق ِ الرخيص ِ

على ضفتيّ

نصْب ِ الحريّة ْ .

 

 

***

 

 

في سينما ( الخيّام ) ..

إنتصرت ْ  ” قبائل ُ الزولو “

على كتيبة ٍ حمقاء

للجيش البريطاني .

وعندما غادر قطيع ُ الجياع

الشارد الذهن

مصاطب َ السبعين فلسا ً

متوجها ً صوب ” فلافل أبو سمير “

بدأت ْ سيرة ُ الحروب ِ

التي لا تنتهي .

 

 

***

 

 

في سينما ( سميراميس ) ..

قتلوا  ( جيفارا ) .

وعندما غادر الرفاق ُ الأربعة ْ

مصاطب ” اللوج ” الجلدية ْ

تم طردهم من حزب البعث

ومن الحزب الشيوعي

ومن كتب الرفيق ( سارتر )

ومن متاهات الكتب ِ المقدسّة ْ.

 

 

***

 

 

في سينما ( أطلس ) ..

ولأربعين أسبوعا ً

كانت ( سعاد حسني )

تزعقُ كالملاك

/ في السحنة البلهاء ل ” حسين فهمي ” /

” خلي بالك ْ من زوزو ” .

وحين انتبه الكثيرون ل ” زوزو “

كنتُ الأبله َ الوحيدَ

الذي تسمّر َ على رصيف الملصقات

مبحلقا ً في صدر سُعاد

المُترع ِ بربيع السبعينيات ِ البهي ّ ْ .

وكانت ” زوزو “

بعيدة ً عني

كإناث البطريق الخائنة ْ.

 

 

***

 

 

في سينما ( روكسي ) ..

أصبحت ْ ” أم ّ ُ الهند ْ “

أ ُمّنا بالتبني .

ولم يعد ْ الفقر ُ مختبئا ً

في باحات ِ  ” الصرائف ِ “

” خلف السد ّة ْ ” .

 

 

***

 

 

في سينما بغداد ..

( قدري سابقا ً )

كان فخذها البهي ّ

( مقابل كراج الكاظم )

يوميء ُ لي .

وكان روْث ُ الأحصنة ْ

يختلط ُ برائحة ِ الكروش ِ المسلوقة ِ

المتّبلة ِ بالكركم ِ

في القدور ِ المبثوثة ِ

على الرصيفِ المحاذي .

 

 

***

 

 

 

في سينما ( زبيدة ) ..

ثمة من يزعق ُ في الوجه ِ المشدوه ِ ل ” معروف الكرخي ّ “

 / في ضريحه ِ الباذخ ِ /

وفي الوجه ِ الحالم ِ ل ” منصور الحّلاج ِ “

/ في قبره ِ المعتم ِ جوار مستشفى الكرامة ْ /  :

 

” مرحبا ً أيّها الحُبّ ُ “

مرحبا .

 

 

***

 

 

 

في سينما ( الوطني ّ ْ ) ..

كان ” أبي فوق الشجرة ْ “

لأن ّ ( ناديا لطفي )

كانت هناك ْ

تعِد ُ رجال َ الزمن ِ الجميل ْ

بما لم ْ تستطِع ْ إمرأة ٌ بعدها

أن ْ تَعِد ْ بِه ْ .

 

وحين َ مات َ أبي

/ من فرط ِ البهجَة ِ /

وبلغتْ ( ناديا )

من العمر ِ عتيّا

بقيت ْ شجرة ُ الوطن ِ

أمانة ً في عُنقي  !!

 

 

***

 

 

في الستين ِ من العُمر ِ

ما عاد َ أحَدٌ يمشي

متأبطا ً ذراع َ أحَد ْ .

ولم ْ تَعُد ْ الأنامل ُ تتلامس ُ خِلسة ً

في ظلمات ِ المصاطب ِ .

وسعاد ٌ ماتت ْ .

والأصدقاء ُ انتحروا .

وما عاد َ أحد ٌ يتذكر ُ ” زوزو “

عداي ْ .

 

 

***

 

 

 

في الستين ِ من العُمر ِ ..

 

بغداد ُ بلا  ” سينمات ْ ” .

 

بغداد ُ بلا سينما .

 

بغداد ُ هي السينما .

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

Tired woman from Iraq

إي والله يمّة 

جا هيّ وليّة 
وسأجلب شاحنة الدخان
وانقذك من هذا الوطن الوليّة
سأنقذك من ولياته 
واولياءه
ودجاليه
ومن بعوضه السمين
 .وذبابه المستهتر ..
لاتشعري بالملل ابدا يا اماه
 .فلقد داهمتنا وليّة .. ووليتان .. وثلاث وليات .. دون أن نشعر بالسأم .
جا هيّ وليّة ؟
نعم هي وليّة .. ولكن الى اين نمضي في هذا العمر هربا من عراق الوليات والويلات هذا ..
فاينما نولّي وجوهنا 
 ستكون هناك ثمة وليّة … فثمة وليات أدهى وامّر حتى في منافي العراقيين السعيدة  
  العراقي خلق لكي يكون وليّة.. ويحمل وليّة .. ويتحمل الكثير جدا من الوليات 
 سلاما يأمي .. وأرجو ان لا تشعري بالملل من البعوض والراتب التقاعدي .والأب المتعب الحزين .. في هذا الوطن المترع بالذباب والموارد 
سلاما ايتها الخائبة الحنونة 
سلاما
سلام
الدكتور عماد عبد اللطيف سالم

أحزانٌ مُسْتلة .. من الفرح القديم

أحزانٌ مُسْتلة .. من الفرح القديم

 

 

 

 

كلما مرّ ليلٌ

وكان الصباح عنها بعيدا ً

بحثت في وجهها ..

عن قمر ٍ لروحي

وعن جمْر ٍ لمملكة ِ القلب ِ المُطفأة ْ .

 

مَنْ الأجملُ منها .. بعد كل هذي الوجوه التي صادفتني في دفاتر القهر والحرب ِ .. والدروب البديلة  ؟

 

من هي الأحلى منها .. حين تفرّ من الأقبية الأبوية .. وتغفو فوق السطح معي .. في مواجهة الله ِ ..

وحيدَيْن ِ ..

نخاف من النجم العابر فوق عبير الأجساد الفائرة ِ الصخّابة ِ

مثل نبيذ العنب الخاثر في رقبتها الممتدة ِ نحو فمي …

كنهار ٍ بغداديّ ِ أبيض َ .. يشبه ُ هذا اللبن المسفوح على صدري

حتىّ اللحظة . .

مثل حزن ٍ مُستل ٍ

من دفاتر الفرح القديمة .

 

 

***

 

 

لماذا كلما طارت ْ خصلة ٌ في الممرات ِ

 طوّقَ شَعرها وجهي

فأرُدّهُ عن فمي

وأعيدهُ إلى ليلة ِ السطح ِ – حين هرَبْنا الى الليل ِ –

حيث بقينا هناك .. الى الآن

أنا

وهي

والفم المترع بالخمر

والعُنق ِ المستحيلة .

 

 

***

 

كان يطلعُ القمَرُ

فترسم ُ على الحيطان وجهي

وتطبعُ قبُلتهَا على غبار الجدار العتيق .

أليسَ هذا هو الليل ُ .. القابلُ للطيّ  ِ

مثلُ نهار ٍ رخيص ؟

أليس َ هذا هو الليل ُ ..

الذي بعدهُ صُبحٌ

ربما لايجيء ؟

مَنْ يرسمُ بعدها على الحيطان وجهي

ويغمرني بعبير الحنطة ِ في العروق النافرة ِ

كي لا أستفيق ؟؟

 

 

 

***

 

 

بَعدَها ..

سَطوْتُ على سطوح كثيرة

ونساءٌ كثيراتٌ مَددْنَ أناملهنّ الطويلة

ورَميْنَ بروحي على جدار ٍ من الطين ِ

بلا قَمر ٍ

أو تراب ٍ عتيق .

 

بعدها ..

مرّتْ نهاراتٌ من الليل ِ

وليال ٍ طويلة

وليال ٍ قصيرة

وليال ٍ بلا غبَش ٍ

وكانت ” المقهى البرازيلية ُ “

والبارات ُ الصوفيّة ُ

–        في بغداد البعيدة جدا ً –

مصطبة ٌ تستريح ُ على حصيرتها الرطبة ِ

شاحنات ُ الهموم .

 

 

***

 

قد ْ تمُرّ ُ الآن بي ..

صُدفة ً

فأجفل ُ من شيخوختها الصالحة

ومن شيْب ٍ كالفجيعة ِ

والعُنق ِ الطويلة مطوْية ٌ

على مرارات ٍ باهتة الطعْم ِ

كهذا الليل ِ

ككُل ِ ليل ٍ

أمدّ ُ يدي فيه فلا أجدْها

كأنها حفنة ٌ من غبار ٍ قديم .

 

 

لكن تلك المحبة غائرة ٌ في العظم ِ

لاتختفي هكذا فجأة ً

لأن من أحببتها يوما ً

غدَتْ جدَة ً

تقصّ ُ لأحفادها .. حكاية عشق ٍ على السطح ِ

ووجهٍ على الحائط ِ

وبقايا قبلة ٍ …

من جنون النسوة – في مقتبل العمر –

والحنين المديد .

 

 

 

***

 

 

لا شط ّ

ولا بط ّ

ولا خبز ٌ حار .

حتىّ  ” فيروز ” إنقرضَت ْ

وميسان بلا  طين ٍ

وطعم ُ النسوة ..

 كالسمك ِ الميّت ِ

في ” علوة ِ ” روحي .

 

 

***

 

 

 

كل ُ شيء ٍ رماد .

كيف تشيبُ الحبيبة ُ هكذا

وأنت ترَكْتهَا في العشرينيات من العُمر ِ

تركَبُ ” كرْبة ً ” في ” شريعة ” خضر الياس ِ

وترحل ُ وحدها صوب ” مسقط ” .

 

كيف تشيخ ُ الحبيبة ُ هكذا

وتصبح ُ جدة ً لأحفاد ٍ – غيرُ صغار ٍ –

ورائحة ٍ كرائحة ِ التيْس ِ

وحشرجة ٍ في الصدر ِ

شبيهة بالصرير الفاضح ِ

للسرير القديم .

 

***

 

 

نحنُ رسائل مختلسة

كالفرح ِ المُستلّ ِ من الضيم ِ

في أطروحة العشق العتيقة ِ ..

كشَعرَك ِ الأسْود ِ

وقامتك الكافرة .

فكيف يُجيدُ الكتابة على لوحك ِ السومري ّ

من لم ينم ْ على سطح المسرات ِ يوما ً ؟

من ذا الذي يستطيع ُ أن يُحبك ِ  – كل هذا الحبّّ-

دون أن يخترع صريرا ً خامدا ً كالصمتِ

للأسِرّة القادمة ِ

والعشاق الجُدد .

 

 

***

 

 

نساءٌ صغيرات ..

سيقرأن هذا .

هل أقول ُ لهُنّ أن ّ سيدتي

كانت أصغرُ منكُنّ

حين غفونا على السطح ِ

وحين صحَوتُ

مددْتُ يدي ..

فلم ْ أجد وجهها نائما ً قرب وجهي

وليس ثمة من عطر ٍ يغطي الوسادة

ولا عبق تفاحة ٍ في السرير .

 

هل أقولُ لهُنّ

أن صدرها كان رحبا ً

كالسماوات الصغيرة

في العراق القديم .

 

هل أقولُ لهُنّ

أن دهرا ً من العشق ِ قد مَرّ

– قبل هذي الولادات العقيمة –

دونما صَخَب ٍ ..

وبصمت ٍ مُطلَقِ ٍ

 كالحرير .

 

 

***

 

 

 

سأسكبُ بعض الحبر على الطرقات .

وحين تدوسُ قدميك ِ البهيتين ِ على الحبر ِ

ستمتليءُ الشاشاتُ بالأخبار العاجلة ِ

عن عودة الماء الى البصرة

وعن إحتمال تساقط زخّات من المطر

على صحراء ” الجبايش “

 

ساسكبُ شيئا ً من الخيبة ِ فوق الحبر ِ

وأحبو فوق الأحرف الضائعة للتلاميذ الجدد

وأنتظر ُ البشارة

من يدري ..

ربما يوما …

 قد تعشقني أمرأة مخبولة

فتصعد معي على سطح الروح

وتومض كالنجمة .

 

 

 

 

 

 

***

البيوت بعيدة ٌ

والأرائك فارغة ٌ

والباحات مُتربة

والنباتات ُ الظليلة ُ شاخَتْ

ولم يعد في الروح ِ متسع ٌ للسخافات البليدة .

ورغم ذلك ..

 لم يزل وجهها

مغروسا ً في وجهي

وعيناها النبويّة – اللوزية اللون –

تطالعني من بعيد .

 

الأنهارُ جَفتْ

وطيورُ الماء إستوطنت قصبا ً آخر

ولم يَعُدْ في القلب ِ مُتسَعٌ للقهر ِ

ورغم ذلك

أرقبُ مثل طفل ٍ دروب الأياب

لعلّ أولّ الأمهات تأتي

وتطبع ُ قبلتها

على بقايا الوجه النابت ِفي غبار الجدار

وتمضي بأحفادها بعيدا ً

عن الحبيب العتيق .

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

ميكانزم الحب الأخير

ميكانزم الحب الأخير

 

 

 

                                                  ( 1 )

 

 

 

قبل ان أشيخ تماما ً

 

سأنتبذ لروحي مكانا ً قصياً

 

هناك في اّخر الارض

 

سأبحث في الستين من العمر

 

عن ” وطن ٍ ثالث ٍ ” لايشبه العراق … حتى قليلا .

 

هناك .. هناك ..

 

هناك في اّخر العمر

 

سأمحو من ذاكرتي تفاصيل المدن التي حاربت فيها طويلاً

 

ولم أنتصر فيها الا على نفسي

 

كفانوس ٍ شاحب ٍ

 

في نهار ٍ شاحب ٍ

 

وليل ٍ مضيء .

 

 

 

 

 

                                                ( 2 )

 

 

هناك في ظلمات الكرخ

 

أو حين ينعطف النهر

 

قبل أن أبصر وجها ً واحدا ً كالحا ً بعد

 

في الدروب المتربة بالعشب اليابس .

 

هناك في اول العمر

 

حيث ” المقهى البرازيلية “

 

و ” الجامعة المستنصرية “

 

وبارات الكأس الاولى على نهر المسرات

 

والطالبات الملائكة

 

والطلاب النبيلون

 

هناك .. حيث ” نواب العرفاء “

 

والبيريات

 

والبساطيل

 

والذباب

 

وغائط الجنود في ممرات ” كورك “

 

وهنا في اّخر العمر

 

سأرفض أن أستعيد وجه أمي

 

                          ورائحتها

 

وسأصرخ في الراحلين من أخوتي

 

                                  مرحى

 

                                  مرحى

 

كيف عرفتم ان هذا سيحدث

 

وذهبتم باكرا الى كهفكم / قبل ان يدلهّم العراق /

 

ولم تشتروا من السوق شيئا ً

 

وكان كلبكم اقرب الناس الى القلب

 

قبل ان يصبح الناس كلاباً … بزمان ٍ بعيد .

 

 

 

هناك .. هناك .. في اّخر العمر

 

  سأستعيد وجه أبي ( مرةواحدة لاغير )

 

وأسكب في أذنيه رصاص أسئلتي البكر ( كالمومسات )

 

لماذا ياأبي …

 

” لماذا تركت ألحصان وحيداً ” …

 

                                        وهربت ْ ؟

 

 

 

 

 

 

                                            ( 3 )

 

                                               

هناك .. في اّخر الارض

 

لن أتصفح وجهاً واحداً صادفني خلسة ً في ممر القراءة .

 

هناك .. حيث يجف الحبر وترفع المصاحف

 

سأهجر الكلمات التي ضاجعتني طويلاً

 

وأغسل تلافيف مخّي بحامض الكبريتيك / غير المخفف /

 

وأصرخ في وجه أمرأة تلتصق بي منذ ألف عام / على ماأعتقد/

 

لماذا لانرتب لنا موعداً أولاً في خبايا مدينة ٍ لاتشبه بغداد أبداً ؟

 

 

                                     ( 4 )       

 

 

 

هناك ….

 

       ( لاأدري الى الاّن أين )

 

سيكون صعبا ً علي

 

أن اتهجى كل اسمائهم

 

وان أنحني باحترام

 

لمن كانوا طويلا ً اّلهة القراطيس

 

                 والكتب المنهجية .

 

 

سيكون صعبا علي

 

 ادراك هذي السهولة في أمتطاء الأحصنة

 

                               ورفع البيارق

 

                                       بيرقا ً تلو اّخر .

 

لقد عشت عمري هنا .. لاهناك

 

دون بيرق ٍ أو عشيرة ٍ أو مضيف

 

دون شيخ ٍ وحصان ٍ وقائد

 

دونما شيءٍ .. أي شيء

 

غير اسمي الخالي من الوجاهة .

 

 

 

                                          ( 5 )

 

 

كيف يمكن لي

 

وانا على مشارف الستين من العمر

 

ان اكون سيداً .. او اماماً .. او شيخ جامع ؟

 

كيف يمكن لي ان أقول لأجمل امرأة تصادفني كل يوم ٍ :

 

أحبك مذ كنت في العاشرة من العمر / لكنني لم التقيك من قبل / فأغفري لي

 

غفوتي/ وصحوتي / وشيبي / وعيوبي الكثيرات جداً عليك / وانت في العشرينيات

 

 من العمر/ وانا في خمسينيات ” القهر الوطني ” الموروث منذ عصر المشيمة .؟

 

 

كيف أدخل الصّف واعلّم طلابي الضحك على مصائرهم المستحيلة

 

وأدعوهم الى حب أرض تنبذهم , وتزدريهم , ولاتصلح ان تكون قبرا ً لصبواتهم ,

 

 وفتوتهم , وغمز زميلاتهم بعيون نصف مغمضة ٍ ونصف مفتوحة ٍ ولكنها متسعة

 

 ٌ كأي حب ّ اول ٍ في الصف الأول من بكالوريوس العبث . ؟

 

 

                                        ( 6 )

 

 

 

كيف يتسنى لرضيع ٍ ارتكاب احلام ٍ مخلة ٍ بالشرف ؟

 

 

كيف يسرق البعض ” عربات الوقت ” و “يهربون بالنسيان “

 

 

كيف يسمى العراق عراقا ً

 

دون ماء ٍ ورماد ٍ وغبار ٍ وأغان ٍ وخمر ٍ وحزن ٍ وسواد ٍ عميم ؟

 

 

                                             ( 7 )

 

 

 

كيف لاأفر من المتاهة .. وكلهم فرّوا

 

وأوكلوا لي سقاية اشجار أنسابهم التي يأكلها العث , وتعشعش فيها الفضيحة .

 

كيف لاأفر بعد ستين عاما ًمن القيظ الدائم والعطش المستدام ؟

 

لماذا لايتنكر نوح لسفينته المكتظة بالاوغاد ؟

 

لماذا اتربع وحدي وسط الغائط

 

 ملتصقا ًبالزرائب المعلقة لنبوخذنصّر .. وأخلافه المبجّلون ؟

 

 

 

                                             ( 8 )

 

 

 

” الناس نيام , فاذا ماتوا انتبهوا “

 

لماذا لاأنتبه قبل ان أموت ؟

 

لماذا لم أنم أبدا ً .. ولم أنتبه أبدا ً

 

والعراق ميتٌ منذ خمسة اّلاف عام ؟

 

 

                                          ( 9 )

 

 

 

سأذهب الى  ” هناك “

 

               ف ” هنا “

 

لاأستطيع ممارسة الحرف السائدة .

 

و ” نظام الطوائف الحرفية “

 

 أقفل باب الانتساب ,

 

منذ العصر الماركنتيلي .

 

 

 

 

                                             ( 10 )

 

 

 

من هنا … الى … هناك

 

وفي الستين من العمر

 

سأستجدي الأستجارة من أقوام ٍ أخرى .. في أرض ٍ أخرى

 

                   لعل وعسى

 

ان لاأموت كالكلاب الشاردة

 

في الدروب المغبّرة

 

                 للعراق العظيم .

مملكة العراق السعيدة – قصيدة

مملكة العراق السعيدة

 

 

 

في بلد ٍ مَر ِح ٍ كالعراق ْ

نتراشق ُبالضحك ِ المجانيّ

ونكشّرُ عن أسنان ٍ باسمة ٍ

كأنياب ِ الفراشات ْ .

 

 

***

 

 

العراقيون أجمل ُ المخلوقات ْ

يموت ُ أحدُهُم

على أحِدِهم ْ

من الحُب ْ .

ويقيمونَ في أعشاش ٍ سماوية ٍ

كالعصافير .

 

 

***

 

 

الماء ُ مُشاع ٌ في العراق

والنفط ُ مُشاعٌْ

والأرض ُ مُشاعة ْ .

إشرَب ْ كما تريد ْ

وأستخرج ْ ما تريد ْ

وأستوطِن البيت َ الذي تريد ْ

فالمملكة ُ رحبة ٌ جدا ً

كسهول البلقان ِ البهيّةِ

والشعب ُ سعيد ٌ جدا ً

كأبقار ِ الدنمارك ْ .

 

 

 

 

 

***

 

 

العراقيّون َ أرّق ُ الكائنات ْ

فأن كنت َ فضّا ً غليظ َ القلب ِ

إنفضّوا من حولِك ْ .

 

 

 

***

 

 

العراقيّون َ لا يحتملون َ الأستبداد

لحظة ً واحدة ْ

رغم َ أن ّ دجلة َ

/ كما الفرات ْ /

يغور ُ فيهم عميقا ً

من العظم ِ

الى العظم ْ .

العراقيّون َ لايُصَفِقوّن َ دون َ سبب ْ

ولا يهزجون َ دون َ سبب ْ

ولا يرفعون َ بيارقهم ْ دون َ سبب ْ

ولا يرمون َ ” عقالهم ْ ” على الأرض ِ دون سبب ْ

ويعشقون الملك آرثر

ويصغون َ له ُ بخشوع ْ

كفرسان ِ المائدة ِ المستديرة ْ .

 

 

***

 

 

العراقيّون َ جدليّون ْ

لأن ّ كارل ماركس

كان َ يعمل ُ حوذيّا ً

في منزل ِ العائلة ِ القديم ْ .

العراقيّون َ

قادمون َ من اليوتيبيا

يقاتلون َ كعنترة َ العبسي ّ

ويعشقون َ كقيس بن الملوّح ْ

ويعيشون َ كعرْوة َ بن الورد ْ

ويفكّرون َ كنيتشة ْ .

 

 

***

 

 

العراقيّون َ إشتراكيّون َ –  طوباويّون

يتقاسمون َ الفائض الأقتصاديّ َ

والخبزَ الأسْوَد َ

والماء َ الآسِن َ

وطفح َ المجاري

وأبخرة َ المزابل ِ

بالعدْل ِ

ويستضيفون َ قبائل َ  ” الهوتو “

وعشائرَ ” التوتسي “

في مضاربهم العامرة ْ

وينحرون َ لهُم ْ

أفضَل َ أحصنتهم ْ .

 

 

***

 

 

العراقيّون َ يقفون َ بإجلال ٍ

على خط ّ ِ الفقر ِ الوطني ّ ِ

واحدا ً تلو َ الآخر ْ

مؤمنين َ إيمانا ً راسخا ً

بالخطة ِ الخمسيّة ِ

والتنمية ِ المكانيّة ِ

وبأن ّ من يعيش َ الآن َ في ” القطاع صفر “

في ” مدينة الصدر “

وفي مزابل َ ” سبع ِ البور ْ “

سيتزلج ُ بعد أربع ِ سنوات ٍ

على سفوح جبال الألب ْ الديناريّة ْ

وسوف يمتلكُ شقّة ً في لندن ْ

وكوخا ً في جُزُر ِ المالديف ْ

ويختا ً في مرسيليا .

 

 

***

 

 

العراقيّون َ دائما ً

حليقوا الوجوه ْ

رائِحتهم ْ زكيّة ْ

وأينما تلتفِت ْ

ستجِد ْ يابانيا ً مُستنسخا ً

يهز ّ ُ رأسَه ُ بوداعة ِ بوذا

وحكمة ِ زرادشت ْ

وصبْر ِ الساموراي ْ النبيل ْ .

 

 

***

 

 

العراقيّ ُ الذي يبدو ..

/ كرَجُل ٍ يعيش ُ في مقبرة ٍ

حوله ُ عشرة ُ أطفال ٍ واجمين

وفيالق ُ من الذباب

وأمرأة ٌ حامل ٌ

يتدلى من صدرها رضيع ٌ

دامع ُ الأنف ِ

عمرُه ُ ستة ُ أشهر ٍ /

ليس َ عراقيا ً .

 

 

***

 

 

كل ّ ُ إمرأة ٍ في العراق ْ ..

سندريلا ّ .

حتى ّ جدتي ..

سندريلا ّ .

سندريلاّت سافرات ْ

وسندريلاّت محجبّات ْ

وسندريلاّت مُنقبّات ْ

وفردات ُ الأحذية ِ

 / المستعارة ِ من الجنيّات ِْ /

تتطاير ُ في كلّ ِ مكان ٍ .

والأمراء ُ – الشباب ُ

مشغولون بجرّ ِ العربات ِ

/ كثيران ٍ غير ُ مجنحّة ٍ /

في ” شورجات ” العراق ِ

المتحدّة ْ .

 

 

***

 

 

العراقيّون َ ديموقراطيّون َ بالولادة ْ

ومن أبوين ِ ديموقراطيين بالولادة ْ .

ومنذ ُ خمسة ِ آلاف ِ عام ْ

وهُم ْ ينتخبون َ قادتهم

ونوّابهم

ووزراءهم

ومدراءهم العّامين

/ ومن هم بدرجتهم /

مرّة ً كل أربع ِ سنوات ٍ

بتوقيت غرينتش .

وحين تم ّ إغتيال يوليوس قيصر

قطع َ البرلمانُ العراقي ّ ُ

علاقاته ُالتاريخيّة

بمجلس ِ الشيوخ ِ الرومانيّ  .

 

 

***

 

 

العراقيّون َ لايحزنون َ

ولا ينتحبون َ

ولا يعانون َ من الكآبة ْ .

العراقيّون َ يمشون َ دائما ً

يمشون َ أبدا ً

ولا يعرفون َ إلى أين ْ .

فباصات ُ ” مصلحة نقل الركّاب “

الحمراء ُ اللون

/ ماركة لييلاند ْ /

إنقرضت ْ منذ ُ عصور ٍ سحيقة ٍ

كديناصور ٍ سومريّ ٍ

طيّب القلب ْ .

 

 

***

 

 

العراقي ّ ُ يولد ُ بكرامة

ويعيش ُ بكرامة

ويموت بكرامة

وأبتسامته ُ البلهاء

لاتفارق ُ شفتيه .

وحين يحشرونه ُ  في حفرته ِ الأخيرة

 / كعراقي ّ ٍ صالح ْ /

يودّعونه ُ قائلين ْ ..

مبروك ٌ عليك

لقد ْ تخلّصْت َ من التعَب ْ !!!

 

 

***

 

 

جميعنا عراقيّون أقحاح ْ .

جميعنا قادة ْ .

جميعنا أفذاذ ْ .

جميعنا ضرورات ْ .

جميعنا رُسُل ْ

وكل ّ ٌ مناّ يتأبّط ُ رسالته ُ

كخير ٍ مُطلق ْ .

ورغم َ ذلك َ فأن ّ الرسائل َ لاتصل ْ إلى عتبات ِ  العراق ِ

المفتوحة ٍ أبدا ً .

 

 

***

 

 

لاتقل ْ لعراقي ّ ٍ مُعتّق ٍ ..

–        غادِرْ جلدك َ

فقد ْ تغضّن َ

ولم ْ يعُدْ أحد ٌ هنا

يتعرّف ْ عليك ْ .

سيرّدُ عليك َ ..

– “بلادي وإن جارت ْ علي ّ عزيزة ٌ/ وأهلي وإن شحوّا علي ّ كرام ُ”.

عندها سوف تعوي

عو

عو

عو .

عوعو عليك .

وعوعو على أهلك َ الكرام ْ .

وعوعو على مملكة ِ العراق ِ

 السعيدة  جدا ً

بهذا الخراب ْ .

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

القراءة الخلدونية -قصيدة

القراءة الخلدونية

(حكايات جديدة لأطفال ٍ في الستين من العمر )

/ دار .. دور .. دود
دادا .. دادا .. دود /
الديدان ُ تطاردُني
/ وبدران زار َ رباب ْ /
وأنا ..
لم ْ يزُرْني أحد ٌ بعد .

***

/ بدري بدين .
نوري رزين .
زادي زبيب ./
وثمةُ بوم ٍ يصْدَحُ في الأرجاء ْ .
و / نديم ٌ نام ْ /
ولم / يرزمْ نوري بريدي / أبدا ً .

***

/ مانام َ نديم /
لأنّ َ / بوق َ مرزوق
وقبقاب َ دينا /
يأكلان الصمتَ الجاثِمَ في الغرفة ْ .

***

/ قدري قاد َ بَقرَنا /
لاأحدَ يدري الى أين .
ومن يومها
غادَرَنا العُشبُ
ورَضَعْنا من أثداء ِ ” نيدو ”
غبارَ الحليب ِ المُجفَفْ .

***

/ قدّوري قزّاز .
قدري ربّانا .
نوري بزّاز .
رزّوق دقّ َ بابَنا /
فلم ْ يفتح ْ له ُ الباب َ أحَدْ .

***

/ قدْري قاد َ بَقرَنا .
رامز قَدِمَ من دارنا .
مر ّ مازن من دربنا .
وقادر درّب َ بازي /
وجميعُهم راحوا
لم يبق منهم أحَد ْ .

***

/ مناف ندّاف ٌ فقير ْ .
في زنبيل نبيل فول .
فول
فول /
وخبز ٌ أسود ْ
ولاشيء آخر .

***

/ أبي أمرَني أن أقرأ .
إزارُ أمّي أزرَق ْ .
في إناء ِ مُنيب ماء .
قرأ َ أديب ..
بدأنا نقرأ . /
كان ذلك قبل ألف ِ عام ٍ من الآن ْ .

***
/ ماء ُ بئرنا باردْ .
مائي في إنائي قليل ْ .
زادُنا قليل ٌ .
دربُنا قريب ٌ .
أمامنا باب ٌ / مُغلق ْ .

***

/ بوق ُ مولود من ورَق ْ .
البوّابُ قادم .. الوَلدُ نائم .
القائد قدير .. البقاّل أمين .
طار َ البلبل ُ والباز ْ
وفرَّ الأرنب ُ من دار ِ الأمير ْ . /

***

/ تل ٌ .
تل ٌ من تراب ْ .
تمر ٌ وزيتون ٌ وتين ٌ
وزيتنا قليل ٌ
وبتول ُ بنت ُ تمّام تقول :
أما رأيتما بيتنا ؟ /

***
/ الزيتون ُ مُرّ
والدينارُ رقيق ٌ
والطالب ُ يقرأ ُ
والتل ّ ُ قريب ْ /

***

/ قناع ْ .
وداع .
البيّاع ُ باع .. الولد ُ أطاع ْ
والراعي منع َ مرور القطيع ْ
والزارع ُ يزرَعُ في الأسبوع القادم ْ /

***

/ إلى متى يبقى البعير ُ على التل ِّ ؟
يبقى البعيرُ على التل ِّ إلى المساء ِ /ِ .
يبقى البعيرُ على التل ِّ إلى الأبد ْ .
/ من طوى ردائي ؟ /
لا أحد َ يجروءُ على طي ِّ ردائي .
سلمى / وحدها /
طوَت ْ ردائي . /

***

/ الفرّاش ُ فرَشَ الفراش ْ .
النقاّشُ نقشَ القماش ْ .
النقش ُ نفيس ٌ .
تعيش ُ يدُ النقاّش .
يعيش .. تعيش .. يانقاّش ْ . /

***

/ في مسكني كبش ٌ
وكرسي ٌّ مكسور .
شكرا ً لك َ ياكمال ..
كتبتَ المكتوبَ كما قلت ُ لك ْ . /

***

/هذا هِرٌ .
هذا ديك ٌ.
ذلك َ فيل ٌ .
ذلك َ مُهرٌ .
هؤلاء ِ من العشيرة ِ ..
ماشاءَ الله . /

***

/ بغداد ُ عاصمة ُ العراق ِ .
صندوق ٌ من حديد
منديل ٌ من حرير ٍ
حديقة ٌ واسعَة ٌ
الغرفة ُ ضيقة ٌ
والماء ُ يغلي . /

***

/ الدرَجُ أعوَج ُ .
الحلاّق ُ أعرَج ُ .
هذا إسفنج ٌ
هذا جسَد ٌ جديد ٌ .
الدجاجة ُ باضت ْ
الزجاجة ُ ضاعَت ْ
وجميلة ُ جاعَت ْ . /

***

/ هذا خباّزُنا ..
لكّنَ الجراد َ يأكل ُ الزَرع َ
والثعلب ُ مثل ُ الكلب ِ
والثورُ يجّر ُ المحراث َ
وخادمُنا أخرَس ٌ
وأمّي تقلِم ُ أظفاري . /

***

/ قال َ المعلم ُ لتلاميذه ِ:
إقرأوا .. فقرأوا
أكتبوا .. فكتبوا
إرسموا .. فرَسَموا .
قرأوا
كتبوا
رسَموا /
وماذا بعد ؟ .

• تم إعداد النص بتصرف من الكاتب نقلا عن :
• ساطع الحصري . مباديء القراءة الخلدونية ( الألفباء ) . الطبعة السابعة . شركة دار الجمهورية
• للطباعة والنشر . بغداد / 1965 .
• إن جميع النصوص المحصورة بين خطين مائلين / / منقولة حرفيا عن مباديء القراءة الخلدونية المشار اليها أعلاه .

العراق والكويت والولايات المتحدة الأمريكية… مأزق الملفات العالقة

أساتذتي المحترمون 

أصدقائي الأعزاء
عذرا لأزعاجكم في هذه الجمعة المباركة عليكم جميعا
أعرف أنكم لا تملكون الوقت ولا الرغبة لقراءة موضوعات كئيبة كهذه
فأي عاقل مستعد لأن يقرأ : إتفاقية الأطار الستراتيجي ” .. ومن ثم يقوم بالتعليق عليها .. في يوم الجمعة ؟
إنه أنا فقط .. واولئك الذين يعانون من التهاب مزمن في المفاصل .
وأي عاقل سيقرأ القرارات الأممية 1956 و 1957 و 1958 , الشبيهة بتواريخ ميلاد جنود الحرب العراقية – الايرانية ؟ 
لاأحد طبعا .. عداي 
فحتى وزراءنا الأفذاذ لايفعلون ذلك .
ولكنه وطني 
وقد رأيت بلدا ميكروسكوبيا ً , كالكويت , يتطاول عليه .. بينما يتكالب قادتنا الأشاوس على ما تبقى من السلطة والثروة في العراق المستباح … حتى وهم نائمون .
فقررت الرد !!!
تصوروا ذلك .. أنا من قرر الرد !!! وفي يوم الجمعة المبارك هذا .
وها أنذا أتجاسر عليكم .. وأرسل اليكم جزءا من هذا الرد
كشيء من الوفاء
وشيء من الموقف .
سلاما 
وأمنا

ومحبة .

الدكتور عماد سالم

العراق والكويت والولايات المتحدة الأمريكية

مأزق الملفات العالقة

          ( الديون , التعويضات , ترسيم الحدود البرية والبحرية )

 

 

 

 

تمهيد :

إذا كان بالأمكان دراسة علاقة العراق بالكويت بوصفها ” حالة مرَضيّة ” , فأن أفضل تشخيص طبي لها هو بعدّها نوع من أنواع ” التناشز السلوكي ” , أو بكونها تعاني على الدوام  من  ” إنفصام الشخصية المزمن ” .

وهذا التناشز يجد أفضل تجسيد له في سلوك دولتي الكويت والعراق ( إحداهما إزاء الأخرى ) بعد العام 2003 , حيث يتم تبادل الزيارات والقبل , والأفصاح عن أعلى مديات العلاقات الأخوية ,وكرم الضيافة , وحسن الجوار , بين أرفع المستويات الحكومية والقيادية في البلدين , من جانب … بينما تتآكل بين الدولتين عناصر الثقة ( الهشّة أصلا ً ) , وتتضارب المصالح الوطنية , ويتعاظم الأيذاء , ويتحول الأستفزاز والتطاول على المصالح والكرامة الوطنية ,إلى سياسة ثابتة ومستدامة , من جانب آخر .

وبينما يتسلل الفشل الى ” كل شيء ” في العلاقات العراقية الكويتية , ويمتد هذا الفشل من الماضي إلى الحاضر , ليؤسس لفصل جديد من ” صناعة الكراهية ” بين البلدين , تتخبط الولايات المتحدة الأمريكية في سلوك مرَضي مماثل .

ولأن هذه الدولة العظمى تعد بمثابة حليف للكويت , وراع ٍ وصديق وضامن لديمومة النظام السياسي الجديد في العراق , فأن سلوكها  ” التناشزي ” في علاقتها بالطرفين , يبدو شائنا ً وعبثيا ً , ويفتقر حتى إلى منطق المصلحة في العلاقات الدولية .

إن هدف هذه الورقة هو إيضاح ملابسات هذا المأزق ( الثنائي – الوطني ) , من خلال البحث في إشكاليات الملفات العالقة بين العراق والكويت , وأهمها : الديون والتعويضات وترسيم الحدود البرية والبحرية .

أما مأزق الولايات المتحدة الأمريكية بهذا الشأن , فهو الأعمق والأكثر غموضا ً    ودلالة . وينصرف البحث في هذا المأزق الى الأشكاليات المتعلقة بوضع العراق تحت طائلة عقوبات الفصل السابع من ميثاق الأمم المتحدة ( بقدر تعلق الأمر بالحالة مع الكويت ) , وبكيفية إيفاء الولايات المتحدة بتعهداتها المنصوص عليها في ” إتفاقية الأطار الأستراتيجي ” بينها وبين العراق ( وهي إتفاقية للتعاون طويل الأمد في المجالات كافة ) .

ويتشعب هذا المأزق ليفصح عن عجز تام عن فعل أي شيء ٍ, متوازن ٍ وفاعل , يمكن له أن يسهم ( ولو قليلا ً ) في بناء الثقة بين البلدين , ويضع علاقتهما ببعضهما في المسار الصحيح .

 

أولا ً : إتفاقية الأطار الأستراتيجي لعلاقة الصداقة والتعاون بين العراق والولايات المتحدة الأمريكية .

تقدم هذه الاتفاقية أول الأدلة على وجود تناشز واضح في علاقات الولايات المتحدة بكل من العراق والكويت . ويمكن إيضاح ذلك من خلال عرض الأقسام الرئيسة لهذه الأتفاقية , وكما يأتي :

            

                 تم التوقيع على هذه الأتفاقية في 17 / تشرين الثاني / نوفمبر / 2008 , على ان تدخل حيز التنفيذ في الأول من كانون الثاني / يناير / 2009 . وتبقى هذه الأتفاقية سارية المفعول ما لم يقدم أي من الطرفين إخطارا خطيا للطرف الآخر بنيته على إنهاء العمل بهذه الأتفاقية . ويسري مفعول الأنتهاء بعد عام واحد من تاريخ تقديم مثل هذا الأخطار .

ولاتختلف ديباجة هذه الأتفاقية عن ديباجة إتفاقية سحب القوات الأجنبية من العراق , بل وتكاد ان تكون نسخة طبق الأصل عنها , وبالذات ما يتعلق منها بزوال الخطر الذي كانت تشكله حكومة العراق على السلام والأمن الدوليين , وبأن على العراق أن يعود بحلول 31 / كانون الأول / ديسمبر / 2008 إلى مكانته القانونية والدولية التي كان يتمتع بها قبل صدور قرار مجلس الأمن رقم 661 لعام 1990 .

وتتكون هذه الأتفاقية من ( 11 ) قسما , سنقوم بعرض ما نعتقد أنه ضروري لهذا البحث منها , من خلال طرح النص الوارد فيها كما هو , والتعليق عليه كلما كان ذلك ضروريا . أما بصدد معيار الأقتباس فسنحتكم إلى مضمون النص بقدر تعلقه بمضمون البحث الرئيس , وكما يأتي :

–         بموجب القسم الأول / مباديء التعاون / فأن هذه الأتفاقية  ” تقوم على عدد من المباديء العامة لرسم مسار العلاقة المستقبلية بين الدولتين ” أهمها ” أن وجود عراق قوي قادر عن الدفاع عن نفسه أمر ضروري لتحقيق الأستقرار في المنطقة . “

–         بموجب القسم الثاني / التعاون السياسي والدبلوماسي / فأن ” على الولايات المتحدة أن تبذل أقصى جهودها للعمل , ومن خلال حكومة العراق المنتخبة ديموقراطيا ,من أجل ” :- ” دعم جهود حكومة العراق في إقامتها علاقات إيجابية مع دول المنطقة قائمة عللى أساس الأحترام المتبادل ومباديء عدم التدخل والحوار الأيجابي بين الدول والحل السلمي للخلافات ,بما في ذلك ممارسات النظام السابق التي لازالت تلحق الضرر بالعراق , بدون إستخدام القوة أو العنف , بما يعزز أمن وأستقرار المنطقة ورفاهية شعوبها . “

–         بموجب القسم الخامس / التعاون في مجالي الأقتصاد والطاقة / فأن الأتفاقية تنص على :- ” أن بناء إقتصاد مزدهر ومتنوع ومتنام في العراق , ومندمج في النظام الأقتصادي العالمي , وقادر على توفير الخدمات الأساسية للشعب العراقي , والترحيب بعودة المواطنين العراقيين الذين يعيشون خارج البلاد في الوقت الحالي , سوف يتطلب إستثمار رأسمال غير مسبوق في إعادة البناء وتنمية موارد العراق الطبيعية والبشرية المتميزة , ودمج العراق في الأقتصاد العالمي ومؤسساته “

وتحقيقا لهذه الغاية يتفق الطرفان على التعاون من أجل :-

–         ” دعم جهود العراق من أجل إستثمار موارده من أجل التنمية الأقتصادية والتنمية المستدامة والأستثمار في مشروعات تحسّن الخدمات الاساسية للشعب العراقي . “

–         ” حث كل الأطراف على الأمتثال للألتزامات التي قدمت بمقتضى العهد الدولي مع العراق بهدف إعادة تأهيل مؤسسات العراق الأقتصادية وزيادة النمو الأقتصادي من خلال تنفيذ إصلاحات تضع الأساس لتنمية القطاع الخاص وإيجاد الوظائف  . “

–         تشجيع التنمية في مجال النقل الجوي والبري والبحري , وكذلك تأهيل الموانيء العراقية وتعزيز التجارة البحرية بين الطرفين . “

 

وبمراجعة بسيطة لما ورد في أقسام هذه الأتفاقية سنجد تناقضات صارخة ومفارقات مذهلة بين ما ورد في نص هذه الأتفاقية وبين المواقف الفعلية للولايات المتحدة الأمريكية على أرض الواقع , ومن ذلك (على سبيل المثال لا الحصر) ما يأتي :-

1-    كيف سيكون العراق قويا وقادرا عن الدفاع عن نفسه ( بكفالة ودعم الولايات المتحدة ) , وبما يحقق الأستقرار في المنطقة , مع إستمرار بعض دول المنطقة ( ومنها الكويت وإيران تحديدا ) بأنتهاك سيادته على أرضه وموارده وحدوده الأقليمية , والتدخل في شؤونه الداخلية ,.. والأولى صديقة وحليفة للولايات المتحدة , وتحظى بدعمها اللامحدود سياسيا وعسكريا .. والثانية تقف على الطرف النقيض من ذلك , دون أن تحرّك الولايات المتحدة ساكنا لردع الكثير من ممارساتها الضارة في العراق .(راجع القسم الول من الأتفاقية ) .

2-    كيف يستطيع العراق إقامة علاقات إيجابية مع دول المنطقة , قائمة على أساس الأحترام المتبادل ومباديء عدم التدخل والحوار الأيجابي بين الدول والحل السلمي للخلافات بدون إستخدام القوة أو العنف .. وموقف الولايات المتحدة الأمريكية هو على الشكل الذي عرضناه في (1) آنفا ( راجع القسم الثاني من الأتفاقية )

3-    لماذا تحتكر الكويت وحدها حق إستخدام القوة أو العنف للدفاع عما يفترض أنها حدودها ومواردها ( بموجب القرارات الأممية ذات الصلة , وجميعها صادرة بعد 2 /8 /1990 ) ولايحق للعراق حتى مجرد الأعتراض على هذه الممارسات , رغم أن العراقيين يعتقدون أن هذه هي أرضهم وحدودهم ومواردهم منذ مئات السنين , وأن القرارات التي اقتطعتها منهم هي قرارات باطلة وتعسفية وشائنة .. لأنها صدرت وطبقت في ظل سياقات ونظم وممارسات وانماط للعلاقات الدولية لم تعد قائمة الآن .

4-    كيف يمكن للعراق إستثمار موارده من أجل التنمية الأقتصادية والتنمية المستدامة وزيادة النمو الأقتصادي , في ظل التهديد الحالي ( والمستقبلي ) لهذه الموارد بالحجز والمصادرة والأقتطاع ومطالبات الدائنين ( وبعضهم من المتواطئين مع النظام السابق , والداعمين الأساسيين لحروبه آنذاك , أو من المتسببين المباشرين في الضرر الناتج عنها ,لأصرارهم على إستمرارها سنين طويلة ) … ( راجع القسم الخامس من الأتفاقية ) .

5-    كيف يمكن تشجيع التنمية في مجال النقل الجوي والبري والبحري , وتأهيل الموانيء العراقية , وتعزيز التجارة بين العراق والولايات المتحدة الأمريكية ( راجع القسم الخامس من الأتفاقية ) .. بينما تصرّ الكويت ( بدعم وضغط  سياسي ودبلوماسي أمريكي , معلن ومباشر) , على تنفيذ أحكام القرار 833 لعام 1993 حرفيا ؟

                  ولمن لايعرف شيئا عن العواقب الوخيمة لهذا القرار على الأمن الوطني للعراق , ومصالحه الأقتصادية والأستراتيجية العليا .. فأننا سنكتفي بعرض أهمها . وأكثرها خطورة وضررا , وكما يأتي :-

آ –  ان ” لجنة الأمم المتحدة لتخطيط الحدود بين العراق والكويت ” (على وفق أحكام القرار 833 لعام 1993 ) ” لم تقم  بأعادة توزيع الأراضي بين الكويت والعراق , بل بمجرد إنجاز المهمة التقنية الضرورية للقيام ,لأول مرّة , بوضع تحديد دقيق لأحداثيات الحدود في المحضر المتفق عليه بين دولة الكويت وجمهورية العراق بشأن إعادة علاقات الصداقة والأعتراف والمسائل ذات الصلة , الموقع عليه من الطرفين في 4 تشرين الأول / اكتوبر / 1963  ” ( انتهى النص )

وهذا يعني أن ” بروتوكول العام 1963  , الذي لم يلتزم به العراق , ولم يقم بتنفيذه طيلة أربعين عاما ( لرفضه من قبل جميع العراقيين , ومن قبل جميع الأنظمة التي تعاقبت على حكمهم خلال هذه المدة ) , قد أصبح هو الأساس الذي تم على وفقه ترسيم الحدود بين العراق والكويت ( على وفق أحكام القرار 833 لعام 1993 ) .

كما يعني هذا أن مجلس الأمن لم يجد توقيتا أفضل من العام 1993 ليقوم  ” ولأول مرّة ” بما لم يكن يجرؤ أحد على القيام به سابقا , وهو ” وضع تحديد دقيق لأحداثيات الحدود بين العراق والكويت ” … وهذه ” المرّة ” كانت في ظل حراب الفصل السابع من ميثاق الأمم المتحدة .

وهذا يعني أيضا ,وبالضرورة,ان الكويت لم تكن  لتتجرأ على الشروع بتنفيذ ممارساتها , وإسباغ سيادتها ,على ” أراضيها الجديدة ” إلا بعد العام 2003 ( لأسباب وعوامل ذات صلة بطبيعة وبنية النظام الجديد في العراق ) .

ورغم الفشل الذريع للّجان الثنائية المشكلة بهدف حل الملفات العالقة بين البلدين , ورفض الكويت لأية تسوية خارج أحكام قرارات مجلس الأمن ذات الصلة , فأن ثمة من يعتقد بأن الكويت على إستعداد لتقديم تنازلات كبيرة للجانب العراقي , مقابل اعلان الأخير التزامه التام وغير المشروط بتنفيذ أحكام القرار 833 لعام 1993  .

ب – على وفق تفسير الكويت لمسار خط الحدود جنوبي صفوان  , تم تحريك مواقع التنقيب , وثكنات قوات الحدود ومراكزها,لأكثر من سبعين كيلومترا داخل الأراضي العراقية. وحدث كل ذلك رغم أعتراض العراق المطلق على ” الأدلّة المساحية ” , وأحداثيات خطوط الطول والعرض التي تم أعتمادها لدعم التفسير الكويتي لمسار خط الحدود المشار اليه  .

ج – لم يعد للعراق منفذ بحري حقيقي يسمح بتسيير خطوطه التجارية والملاحية المتصلة بموانئه التجارية المحتجزة بين مينائي أم قصر وخور الزبير . وفي حزيران / يونيو / من العام 1993 قام وزير خارجية العراق بتوجيه رسالة الى الأمين العام للأمم المتحدة طالبه فيها بمنفذ بحري ” وحيد ” للعراق , وذلك لأن منطقة خور عبد الله لايصدق عليها وصف  ” البحر الأقليمي ” وفقا لقانون البحار , ولأن الترسيم الحدودي الجديد يحرم العراق من امتلاك السواحل البحرية .

ولابد من الأشارة هنا الى ان العراق لايمتلك حاليا سوى 29 ميلا ساحليا , محصورة في منطقة طينية ضحلة وضيقة وغير صالحة للملاحة .

د – بموجب الترسيم الجديد للحدود أصبحت الكويت تهيمن على مياه خور عبد الله برمتها . كما اصبحت القناة الملاحية كلها من ضمن المياه الأقليمية الكويتية . وعلى وفق هذا الترسيم أصبحت الحدود الكويتية محاذية لساحل الفاو ,مما جعل الكويت تستحوذ على الشريان الملاحي الوحيد الذي يغذي ميناء أم قصر .

ه ان الترسيم الحدودي الجديد لم يأخذ بنظر الأعتبار مسارات ” خط الثالوك ” في خور عبد الله , ولم يعتمد على النقاط العميقة للمجرى الملاحي المشترك بين البلدين . وبهذا باتت الممرات العميقة كلها من حصة الكويت وحدها . ويمكن التحقق من ذلك بالرجوع الى ” الخرائط الأدميرالية – الملاحية ” للتأكد من وجود مثل هذه التجاوزات .

و – أعلنت الكويت في نيسان/ ابريل/ 2011 عن البدء بتنفيذ ” ميناء مبارك الكبير ” في جزيرة بوبيان غير المأهولة,والقريبة من شبه جزيرة الفاو. ويأتي هذا الأعلان ليقطع الطريق على قيام العراق بأنشاء” ميناء الفاو الكبير” الذي وضعت الحكومة العراقية حجر الأساس له منذ أكثر من عام , وبدأت بدراسته مع الشركات العالمية المتخصصة , دون ان تباشر بتنفيذه . وكان من المؤمّل ان يكون ميناء الفاو الكبير منفذا للعراق على البحر , وبوابة لشرق آسيا على اوروبا ودول حوض البحر الأبيض المتوسط .

وفي حال انشاء ميناء مبارك الكبير سيصبح ميناء الفاو الكبير أقل أهمية منه بكثير , وسيكون من الصعب استخدامه لتحقيق الأهداف الرئيسة التي حددت لأنشائه اصلا .

ان جميع هذه التفاصيل تقدم الدليل على ان مجرد عقد الاتفاقات مع الجانب الأمريكي , لن يسهم في حل مشاكل العراق المستعصية ( في الداخل والخارج ) . ومشكلة العراق الأساسية في هذا الصدد هو غياب المؤسسات والسياسات والأستراتيجيات الوطنية الكفيلة بالتصدي لهذه المشكلات .

ان العراق يفتقر أيضا لما هو أهم :حيث لاتوجد لدى القيادات العراقية الحالية رؤى مشتركة بصدد مصالح العراق العليا , ولاتصورات مشتركة حول السبل الكفيلة بحمايتها ,بل ولايوجد اتفاق أو تحديد دقيق لهذه المصالح بين الكتل السياسية المتصارعة , هي ذاتها , على حصتها من السلطة والثروة في العراق المستباح .

ان الهدف الرئيس من عقد هذه الأتفاقات هو جزء من سعي الولايات المتحدة الأمريكية الحثيث لخلق شرق أوسط جديد , وفق معايير محددة ( ومتجددة ) بدقة . وهذه المعايير هي غير المعايير الحكومية العراقية بالتاكيد , وستتم صياغتها في نهاية المطاف بما يخدم المصالح الاستراتيجية للولايات المتحدة الامريكية ، وتامين متطلبات أمنها القومي على امتداد العالم، وليس في العراق وحده.

ويمكن التحقق من مدى صواب هذه البديهية بالرجوع الى ” بيان الحقائق ” الذي أصدره البيت الأبيض في 4 كانون الأول/ ديسمبر/2008 حول اتفاقية الأطار الأستراتيجي , وأتفاقية وضع القوات ( اتفاقية سحب القوات الأجنبية من العراق ), والذي ورد فيه ما نصه: “ان الأتفاقيتين تعملان على حماية مصالح الولايات المتحدة في الشرق الأوسط ” .

  • ·        لهذا لم يتقدم العراق خطوة واحدة باتجاه الخروج من احكام الفصل السابع من الميثاق (بعد دخول هذه الاتفاقية حيز التطبيق).
  • ·        ولا زالت عملية تنمية الاقتصاد صعبة ومتعثرة.
  • ·        ولا يزال العراق يدفع تعويضات حرب الخليج الثانية. وربما سيدفع مستقبلا ً تعويضات حروب الخليج الاخرى ، والاولى منها تحديدا ً، (وهذه الاحتمالية ليست واردة فقط بل وقائمة أيضا ً استنادا ً لمطالبة ايران للعراق بدفع تعويضات عن أضرار الحرب العراقية الايرانية، وعلى وفق التفاصيل التي سبق ذكرها في هذا البحث).
  • ·        وان العراق في نهاية هذه الأنفاق كلها، لم يعد يشكل “خطرا ً لا يزول على السلام والامن الدوليين” ، ولم يعد قادرا ً على تهديد جيرانه ، (بل لم يعد قادرا ً حتى على الرد على تهديداتهم السياسية والاقتصادية والعسكرية) … وانما أصبح (مع تعثر أداءه الاقتصادي ، وحجم الفساد المستثري فيه، وعدم توفر الارادة السياسية  اللازمة لاعادة بناء الاطر المؤسسية – القانونية لدولته ، واستدامة ازمته السياسية، وتخبط وعدم فاعلية حكوماته المتعاقبة، وتمزق نسيجه المجتمعي) يشكل فقط خطرا ً داهما ً على ذاته ووجوده، وليس على أي “ذوات” اخرى.
  • ·        ان جميع هذه المعطيات (السياسية – الاقتصادية – الجيوستراتيجية) قد تدفعنا الى الاعتقاد بوجود أجندات دولية – اقليمية تدفع باتجاه تحويل العراق من “دولة مارقة” قبل الاحتلال ، الى “دولة هشة” بعده.
  • ·        وهذه الهشاشة المرتبطة اساساً باشتراطات وخصائص المراحل الانتقالية (خاصة اذا كان هذا الانتقال قسرياً) , جعلت الدولة العراقية الجديدة تتخبط في سيل جارف من المشاكل الاقتصادية والاجتماعية والسياسية , بكل ما يتضمنه هذا التخبط من فشل في ايجاد الحلول المناسبة لمشكلاتها (المزمنة والمستعصية هذه) في الداخل – ومع الخارج.
  • ·        وواحدة من اسوأ كوابيس الحكومات العراقية المتعاقبة (بعد الاحتلال الامريكي) هو اجبار او قسر “الدولة الهشة الجديدة” على احترام التزامات وديون “الدولة المارقة” السابقة عليها (رغم كل ما فيها من جور وتعسف) .. وعلى نحو يُرضي المجتمع الدولي (الدائن لها) .. و ذلك مادامت (هذه الدولة الجديدة) مصّرة على كونها “دولة ذات سيادة”.
  • ·        وحتى الآن لم تتمكن حكومات العراق المتعاقبة من كسر اشتراطات واستدامة هذه الحلقة المفرغة ; ان لم تكن تؤسس احيانا ً (وعن وعي او دون وعي) لديمومتها العبثية , وما ينتج عن ذلك من خراب عميم.

              

ثانيا ً : قرارات مجلس الأمن 19561957 1958  لعام 2010

            وإشكالية الخروج ” الجزئي ” و ” الكامل ” من أحكام الفصل السابع .

 

         بموجب القرار 1956 الذي أتخذه مجلس الأمن الدولي في جلسته 6450 في 15 كانون الأول / ديسمبر 2010 , تم التشديد على ضرورة إنتهاء العراق من الأنتقال الى ” ترتيبات الخَلَفْ ” لكل من صندوق تنمية العراق , والمجلس الدولي للمشورة والمراقبة .

وإذ يتصرف مجلس الأمن وفقا للفصل السابع من ميثاق الأمم المتحدة , فأنه يقرر مايأتي :

1-    يقرر أن ينهي في 30 حزيران / يونيو / 2011  الترتيبات ذات الصلة بأيداع العائدات المتأتية من صادرات النفط والمنتجات النفطية والغاز الطبيعي في صندوق تنمية العراق , والترتيبات ذات الصلة بشأن قيام المجلس الدولي للمشورة والمراقبة برصد صندوق تنمية العراق .

2-    يرحّب بقرار حكومة العراق ألاّ تطلب أي تمديد آخر لترتيبات صندوق تنمية العراق . ويقرر كذلك أن هذا التمديد هو التمديد الأخير .

3-    يقرر أن يتوقف بعد 20 حزيران / يونيو 2011  إيداع جميع العائدات المتأتية من صادرات النفط  والمنتجات النفطية والغاز الطبيعي في صندوق تنمية العراق . مع التأكيد على إستمرار العراق في إيداع نسبة %5 من هذه العائدات في صندوق التعويضات المُنشأ وفقا للقرار 687 ( 1991 ) والقرارات اللاحقة ذات الصلة .

4-    يهيب بحكومة العراق التعاون الوثيق مع الأمين العام من أجل كفالة الأنتقال الكامل والفعّال , في موعد أقصاه 30 حزيران / يونيو 2011 إلى آلية لاحقة لصندوق تنمية العراق , تراعي شروط الترتيب البديل لصندوق النقد الدولي . وهذه الشروط تشمل ترتيبات مراجعة خارجية للحسابات , وتمكّن العراق من مواصلة الوفاء بالتزاماته , على النحو المنصوص عليه في أحكام الفقرة 21 من القرار 1483 ) 2003 ( .

5-    قيام حكومة العراق بتقديم تقرير خطي الى مجلس الأمن في موعد لايتجاوز 1 آيار2011 يتضمن تفاصيل عن التقدم المحرز صوب الأنتقال الى آلية ما بعد صندوق تنمية العراق .

6-    نقل جميع العائدات من صندوق تنمية العراق الى حساب ,أو حسابات الترتيبات الخَلَفْ , التي تنشئها حكومة العراق ,وأقفال صندوق تنمية العراق في موعد لايتجاوز  30حزيران / يونيو 2011 , وتقديم إثبات خطي الى مجلس الأمن بمجرد الأنتهاء من نقل العائدات , وأقفال صندوق تنمية العراق .

وبموجب القرار 1957 في 15  كانون الأول / ديسمبر /2010 ,قرر مجلس الأمن الدولي ( وهو يتصرف بموجب الفصل السابع من الميثاق ) إنهاء التدابير المتعلقة بأسلحة الدمار الشامل والأسلحة النووية المفروضة بموجب أحكام القرار 687 ( 1991 ) , والقرار ) 707 1991 ) .

وبموجب القرار 1958 في 15 كانون الأول / ديسمبر /2010 , طلب مجلس الأمن ( الذي يتصرف بموجب الفصل السابع من الميثاق ) من الأمين العام للأمم المتحدة ,أن يتخذ جميع الأجراءات الضرورية لأنهاء جميع الأنشطة المتبقية في إطار ” برنامج النفط مقابل الغذاء ” .

وسنحاول الآن تحليل مضمون هذه القرارات الثلاثة ( وبالذات القرارين 1956 و 1958 ) وذلك بقدر تعلّق الأمر بموضوع البحث الرئيس , وكما يأتي :

1-    لم يرد في نصوص هذه القرارات مايشير الى خروج العراق من طائلة أحكام الفصل السابع من ميثاق الأمم المتحدة , بل أن جميعها تشير الى ان مجلس الأمن قد أصدرها وهو ” يتصرف بموجب الفصل السابع من ميثاق الأمم المتحدة ” ( راجع نص القرارات الثلاثة . )

2-    فور صدور القرارات الثلاثة ,أعلنت وزارة الخارجية العراقية ( وبعض الأوساط الحكومية ) ,عن النجاح في أخراج العراق من أحكام الفصل السابع من الميثاق.وبعد بضعة أيام بدأ إستعمال عبارة (الخروج الجزئي ) , بهدف تقديم مقاربة أكثر دقة ( لهذا الأنجاز الناقص ) .

             ورحّب الأمين العام للأمم المتحدة في تقريره الى مجلس الأمن , في نيسان / أبريل 2011  بما أطلق عليه  ” إخراج العراق جزئيا من أحكام الفصل السابع من الميثاق ”  … وبذلك ترسخت القناعة لدى جميع المعنيين بهذا الملف بأن العراق قد خرج ” جزئيا ” وليس ” كليّا ” من أحكام الفصل السابع من ميثاق الأمم المتحدة .

وإذ يدفع الباحث بعدم الأختصاص ( لكي لايقرر شيئا بعيدا عن الدقة ) , فأنه يدعو خبراء القانون الدولي لتقديم تفسيرهم لما تعنيه هذه القرارات بالضبط , هل هي تتضمن خروجا ” جزئيا ” أم ” كاملا ” .. وهل يوجد ” خروج جزئي ” و ” خروج كامل ” من أحكام الفصل السابع .. وما الذي يعنيه الخروج الجزئي , وليس الكامل , بالنسبة لدولة ذات سيادة ,تعاني من ظروف صعبة , كالظروف التي تعيشها الدولة العراقية حاليا .

3 – لا تشير قرارات مجلس الأمن 195619571958 الى تسوية الملفات العالقة بين العراق والكويت .وبذلك فهي تفسح المجال ( كما يقول وزير الخارجية العراقي ) للجان مشتركة من الطرفين للقيام بهذه المهمة .

ومع ذلك , فأن القرار 1956 يشير ضمنا إلى ان العراق قد خرج من طائلة أحكام الفصل السابع , بالنسبة لجميع القضايا ذات الصلة بتهديده للسلام والأمن الدوليين , بأستثناء ما يسمى ” بالحالة مع الكويت ” . وهذا يعني ( بعبارة أكثر دقة ووضوحا ) بأن العراق لن يخرج من طائلة عقوبات الفصل السابع إلا إذا أوفى بألتزاماته إزاء الكويت , كاملة غير منقوصة ( وعلى وفق تفسير دولة الكويت المتعسف لقرارات مجلس الأمن  ذات الصلة بهذا الموضوع ) .. وأن العراق لن يخرج من طائلة عقوبات الفصل السابع , وسيبقى دولة ناقصة السيادة , بل وسيبقى يشكل تهديدا للسلام والأمن الدوليين , إلا اذا قررت الكويت عكس ذلك , أو طالبت ( هي وليس العراق ) بذلك .

4- تحظى الكويت بدعم مطلق من الولايات المتحدة الامريكية , ومن المجتمع الدولي ( من خلال مجلس الأمن الدولي) , وتستخدم جميع أوراق الضغط لفرض شروطها على الجانب العراقي , و أرغامه على الالتزام بتنفيذ أحكام القرار 833 ( 1993 ) سيئ الصيت , رغم جميع ما يمكن ان يترتب على تنفيذه من عواقب وخيمة بالنسبة لعلاقات المواطنين العراقيين والكويتيين المستقبلية , وليس ما يترتب على تنفيذه من مكاسب سياسية آنية للحكومة الكويتية الحالية .

 و في تقريره الى مجلس الأمن الدولي المشار اليه آنفاً (نيسان /ابريل 2011 ) جدد الأمين العام للأمم المتحدة دعوته للحكومة العراقية الى إعادة تأكيد التزامها بقرار مجلس الأمن 833  ( 1993 ) المتعلق برسم الحدود البرية والبحرية مع الكويت في اقرب وقت ممكن , واتخاذ خطوات عاجلة لاستئناف أعمال صيانة العلامات الحدودية , بما في ذلك إعادة تحديد موقع المزارعين العراقيين بعيداً عن خط الحدود مع الكويت . وشدد على أن أحراز تقدم ملموس في هذا الشأن يعد شرطاً أساسياً لتطبيع مكانة العراق الدولية المساوية لما كان عليه قبل تبني القرار 661  .. أي أن قبول وتعهد العراق بتنفيذ أحكام القرار 833 بالكامل هو القرار الوحيد الذي على العراق أتخاذه للخروج من طائلة أحكام الفصل السابع من ميثاق الأمم المتحدة … وبعكسه فأن العراق ورغم كل ما حدث فيه من تغيير جوهري في طبيعة وتوجهات النظام السياسي منذ العام  2003 وحتى الآن سيبقى – من وجهة نظر الكويت ومجلس الأمن والولايات المتحدة الأمريكية (التي قادت هذا التغيير)-هو عراق 2/8 / 1990 الخاضع لأحكام القرار 660 في /8/1990 .

أنه عراق جديد .. نعم .. لم تعد فيه أسلحة دمار شامل (القرار 1957 ) ولم يعد يدعم الإرهاب الدولي  , و لم يعد يشكل خطراً على الأمن والسلم الدوليين (القرارات 1956 و 1957 و 1958 ) … ولكنه عراق لم تعلن حكومته بعد إعادة التزامها بالقرار 833 (1993) .. ولهذا السبب بالذات فأنه سيبقى خاضعاً لأحكام الفصل السابع من ميثاق الأمم المتحدة , بكل مايعنيه ذلك من وصاية على أمواله وحرمة أراضيه ومياهه وحدوده وحقوقه كدولة ذات سيادة .

5 – لعل واحدة من أكثر المواقف دلالةً بهذا الصدد هو ما أقترحه الأمين العام للأمم المتحدة في تقريره الى مجلس الأمن (نيسان /ابريل2011) على رئيس الوزراء العراقي ” بأن يقوم بإعادة التأكيد- خطيا- على الألتزام بقرار مجلس الأمن 833 (1993) … وهو أقتراح لم تتجرأ حتى الكويت على طرحه على رئيس الوزراء العراقي .

6 – لا يمكن أنكار ما بذلته الدبلوماسية العراقية من جهود بهذا الصدد . غير أن موقف وزارة الخارجية العراقية المعلن من هذا الملف , ومطالبتها صراحةً بالألتزام بأحكام القرار 833 وتنفيذه بأسرع وقت ممكن بهدف تسوية كافة الملفات العالقة مع الكويت لايمكن أن  ينّم أبداً عن دور فاعل لهذه الدبلوماسية في إيجاد تسويات عادلة لهذه الملفات . أن الخارجية العراقية انطلاقاً من إدراكها العميق لطبيعة العلاقات التي تربط  أطراف المشكلة مع الولايات المتحدة الأمريكية تميل نحو غلق الملفات العالقة من خلال أقل الأجراءات جهداً وكلفة بالنسبة لها , وهو قبول العراق بالقرار 833 دون أبطاء ودون شروط مسبقة … وهنا نتساءل .. كيف يمكن أن يكون الجهد الدبلوماسي العراقي فاعلاً وحاسماً وناجحاً أن لم يبحث عن مخارج بديلة لغلق الملفات (عدا الاذعان للقرارات الأممية ) بأقل كلفة ممكنة .. وبأكبر عائد ممكن .

7 – لا توجد أية أشارة في هذه القرارات الثلاث (1956و 1957 و 1958 ) الى أية أجراءات أو تعهدات بحماية أموال العراق في الخارج من مطالبات الدول والدائنين التجاريين بعد 30 / 6 / 2011 . ولأن المال العراقي لا زال سائباً (في الداخل والخارج ) فأن القرار 1958 ينطوي على جملة أجراءات لا يمكن تفسيرها الا بكونها تلحق أفدح الضرر بجزء من الاموال العراقية في الخارج , وهي الأموال ذات الصلة ببرنامج النفط مقابل الغذاء (الذي ألغي بموجب القرار المذكور) .. ويمكن إيضاح ذلك كما يأتي :

1- يشير نص الفقرة (1) من القرار إلى ” الطلب من الأمين العام أن يتخذ جميع الأجراءات الضرورية لأنهاء جميع الأنشطة المتبقية في إطار البرنامج … وذلك دون مساس بأي حقوق أو مطالبات بالدفع أو بخلافه قد تكون للموردين الذين لهم ازاء حكومة العراق مطالبات تتعلق بالتسليم بموجب ما بينهم وبين تلك الحكومة من عقود تجارية ” .

2 – يشير نص الفقرة (3) من القرار ألى أن مجلس الأمن ” يأذن للأمين العام أن ينشئ حساب ضمان تحقيقاً لأغراض الفقرتين 1 و5 من هذا القرار , وأن يعين محاسبين عامين قانونيين مستقلين لمراجعة حساباته , ويبقي حكومة العراق على علم تام بالمستجدات ” .

3 – بموجب الفقرة (4) من القرار يأذن مجلس الأمن للأمين العام ” أن يكفل الأحتفاظ بمبلغ 20 مليون دولار أمريكي من حساب العراق ضمن حساب الضمان حتى 31 كانون الأول / ديسمبر / 2016 , ليستعمل حصراً في تغطية نفقات الأمم المتحدة المتعلقة بالأنهاء المنظم للانشطة المتبقية في أطار البرنامج .. فضلاً عن نفقات مكتب المنسق الرفيع المستوى المنشأ بموجب القرار 1284 , ويطلب كذلك أن يجري تحويل جميع الأموال المتبقية الى حكومة العراق بحلول 31 كانون الاول /ديسمبر/2016 .

4 – بموجب الفقرة (5) من القرار يأذن مجلس الأمن للأمين العام ” أن يكفل الاحتفاظ بمبلغ يصل الى 131 مليون دولار امريكي من حساب العراق ضمن حساب الضمان , لغرض توفير تعويضات للأمم المتحدة وممثليها ووكلائها والشركات المستقلة المتعاقدة معها لمدة ست سنوات , فيما يتعلق بجميع الأنشطة ذات الصلة بالبرنامج منذ انشائه … وأن يجري تحويل جميع الأموال المتبقية الى حكومة العراق بحلول 31 كانون الأول /ديسمبر/2016 .

5 –  بموجب الفقرة 7- ب من القرار يطلب مجلس الأمن من الأمين العام أن يعقد في أقرب وقت ممكن مع حكومة العراق جميع الترتيبات أو الاتفاقات التنفيذية اللازمة … للتنازل عن أي مطالبات قد تكون لحكومة العراق في المستقبل ازاء الأمم المتحدة وممثليها ووكلائها والشركات المستقلة المتعاقدة معها بشأن جميع الأنشطة ذات الصلة بالبرنامج منذ أنشائه ” .

 ومع جميع ما شاب هذا البرنامج من شبهات الفساد والتبديد …. هل يمكن عد هذا القرار إنهاءاً للبرنامج .. أم غلقاً نهائياً لملفات الفساد العالقة به .

وهل في هذا القرار حماية لما تبقى من أموال العراق ذات الصلة بهذا البرنامج … أم اصراراً على تبديد ما تبقى منها .. وما سيتبقى من كل أوجه التبديد العائمة هذه , ستتم إعادته الى حكومة العراق بعد 31 كانون الاول/ديسمبر/ 2016 “. ؟؟

 أن الإجابة على هذه الاسئلة لا تحتاج الى تحليل معمق .

 إن نص فقرات القرار التسعة , فيها من الوضوح ما يكفي ويزيد , والآليات المعتمدة فيها (بهدف أنهاء البرنامج) تؤكد على أن العراق لا زال موضع شك , ولا يحظى بالثقة … على الأقل فيما يتعلق بنمط تصرفه بأمواله .. أو ما تبقى منها في أفضل الأحوال .

 وما يؤكد ذلك  هو قرار الرئيس الأمريكي ( باراك أوباما ) تمديد الحماية الأمريكية لعائدات صندوق تنمية العراق لسنة واحدة تنتهي في 30 حزيران / يونيو /2012 . وبموجب بيان رئاسي , صادر عن البيت الأبيض , قرر الرئيس الأمريكي ” إستمرار حالة الطواريء الخاصة بحماية صندوق التنمية في العراق , وممتلكات أخرى لمدة سنة واحدة . “

  والسبب الرئيس وراء هذا التمديد هو ” العقبات التي تعترض سبيل إعادة الأعمار بشكل منظم في العراق ,وإستعادة السلم والأمن في البلاد وصيانته , وتطوير المؤسسات السياسية والأدارية والأقتصادية في العراق ” خاصة وان تلك العقبات ” مازالت تشكل تهديدا استثنائيا وغير إعتيادي للأمن القومي والسياسة الخارجية للولايات المتحدة الأمريكية ” ( إنتهى النص ) .

ويعتقد الباحث أن مصادقة العراق على إتفاقية تسوية المطالبات مع الولايات المتحدة قد مارست دورا أيجابيا في إتخاذ هذا القرار . ومع ذلك فإن الكثير من الأسئلة ستبقى دون إجابة في الوقت الراهن ومنها : ماذا عن ترتيبات الخلَفْ لصندوق تنمية العراق , والتي كان من المفترض ألعمل بها ابتداءا من 172011  ؟ وهل كان الدافع لهذا القرار الرئاسي هو قناعة الولايات المتحدة بعدم قدرة العراق على حماية أمواله بعد 3062011 ؟ وماذا عن قرارات مجلس الأمن ذات الصلة بهذا الموضوع ؟ وما الذي ستفعله ” لجنة حماية الأموال العراقية في الخارج ” بعد صدور هذا القرار الرئاسي ؟ , وهل كان لتقريرها الذي تم تقديمه الى مجلس الأمن دور في إتخاذ هذا القرار ؟ ولماذا يقر الرئيس الأمريكي بوجود عقبات تعترض عملية تطوير المؤسسات السياسية والأدارية والأقتصادية في العراق , ولاتعترف القيادات السياسية العراقية بذلك ؟

يتضح مما تقدم ان نمط ادارة الموارد والتنمية والدين من خلال  ترتيبات الخلَف  ْلصندوق تنمية العراق  بعد 3o/6/2011 ( والتي مددها القرار الرئاسي الأمريكي الى 30 /6 /2012 ) يواجه الكثير من الأشكاليات السياسية والأدارية والقانونية , ويكتنفه الكثير من الغموض .

فأنتقال ادارة الصندوق الى الحكومة العراقية , لايعني بالضرورة ( وقد لايعني ابدا ) خروج العراق من طائلة عقوبات الفصل السابع من الميثاق . كما ان هذا الأنتقال قد يؤدي تلقائيا الى رفع الحصانة (أو الحماية ) عن الأموال العراقية من مطالبات التعويض التي تكفلها قوانين جميع الدول . ومطالبة العراق بالأدارة والأشراف المباشر على عائدات الصندوق , مع أستمرار حماية هذه العائدات , لايمكن القبول بها أو الدفاع عنها , دون اشتراطات وتطمينات وتعهدات وتحديات وخطة عمل , ينبغي ان تتصدى لها حكومة عراقية فاعلة , ومسلحة بخبرات متعددة , وقادرة على التعامل مع ملفاتها الشائكة ( في الداخل والخارج ) بدراية وحنكة .

أن خلق الأعداء سهل جدا … ولكن أعادة الصلة والثقة مع الأصدقاء والأشقاء السابقين , وكسب أصدقاء جدد , هي عملية غاية في التعقيد في العلاقات الأقتصادية والسياسية الدولية .

غير ان العراق لم يتمكن من تشكيل حكومته الجديدة إلا بعد مايقرب من تسعة أشهر من أنتخابات مجلس النواب التي جرت في 7/3/2010 . ولاتتوفر لدينا حتى الآن أية مؤشرات على انها ستكون حكومة منسجمة , ومتماسكة , وقوية , وقادرة على مواجهة استحقاقاتها , وملفاتها المصيرية في الداخل والخارج ( ومنها ملفات الديون والتعويضات والتنمية والأمن والعلاقات العربية والأقليمية ) .

ووسط سيل جارف من الأبتذال السياسي , وتبادل التهم , ودعاوى التشهير بالخصوم , وإستخدام كل الوسائل المشينة بهدف التسقيط  وتلويث السمعة , تمضي الكتل السياسية العراقية الرئيسية في مسار خطير , لايمكن أن يفضي إلا لتدمير العراق , والأجهاز على بصيص الأمل المتبقي ,لدى ماتبقى من مواطنيه .

فمن سيمنع العراق ( مع هذا كله ) من ان يشكل تهديدا لذاته ووجوده ؟ وتحت اي بند من بنود ميثاق الأمم المتحدة , او الصكوك الدولية النافذة , يمكن ادراج هذه الحالة الفريدة في التاريخ السياسي الدولي ؟

نتمنى ان يتمكن احد ما , في يوم ما , من الأجابة على هذه التساؤلات المرة .

غير اننا نستطيع الجزم ( وبثقة مطلقة ) من اننا قد لانحصل , ابدا , على اية اجابة وافية من الآخرين , حين يعجز العراقيون انفسهم عن الأجابة عن الأسئلة التي تتعلق بمصيرهم بين الأمم والدول والأوطان . فمثل هذه الأسئلة ينبغي الأجابة عنها بأسرع وقت ممكن , وقبل فوات الآوان .. هذا اذا لم يكن اوان الأجابة عنها .. قد فات العراقيين فعلا .

 

ثالثاً : سيناريوهات الخروج من المأزق

(استدامة الاشكاليات وامكانيات تفكيكها)

تأسيسا على ماتقدم .. هل ثمة مايمكن عمله من الجانب العراقي لمواجهة هذه الملفات , وتبعاتها السلبية , والمفتوحة على كل الأحتمالات ؟

ان النجاحات في التعامل مع ملفات التعويضات , تصنف الى صنفين : نجاحات قضائية ( قانونية ) , ونجاحات دبلوماسية .

وبقدر تعلق الأمر بالعراق , فأنه بحاجة الى فريق خبراء على مستوى عال من الكفاءة والمهنية في الشؤون القانونية والمالية , ليتمكن ( على الأقل ) من دفع مجلس الأمن ( أو أي لجنة من لجانه المتخصصة ) الى أعادة التحقق من مدى دقة ومشروعية ماتم دفعه من موارد العراق الى لجنة التعويضات ( والى المستفيدين من قراراتها خلال مدة عملها ) , ورفع مطالبات مضادة بأستعادة مايمكن أستعادته من مبالغ التعويضات التي تم دفعها (للحكومات والشركات والأفراد) خلافا للأسس والمعايير التي تشكلت اللجنة ( أو مارست عملها ) على أساسها , والعمل على أبطال ماتبقى منها , أو تخفيض مبالغها .

أما على صعيد الملفات الأخرى , فلم يحقق العراق أي نجاح يذكر , بأستثناء تطمين الحكومة الكويتية بصدد التزام العراق التام بقرارات مجلس الأمن ذات الصلة , ودعوتها للتعاون من أجل تسوية ملف الحدود المشتركة , والسعي الى التوصل الى تفاهمات بصدد مقايضة الديون ( وماتبقى من التعويضات ) بمنح المستثمرين الكويتيين تسهيلات أستثمارية مغرية .

غير ان الجهد الدبلوماسي , ( وبغض النظر عن تقديرنا للنتائج المرجوة منه ) لاينبغي ان يعمل بمعزل عن الجهد القضائي . فعدالة أي قضية تتطلب وجود السند القانوني الداعم لها , والموثق لعدم عدالة القضايا المناقضة لها .

 لقد دفع العراقيون ثمنا باهضا لقضايا خسرها قادتهم ( بأعتبارها قضايا شخصية  , وليست قضايا وطنية . ولست ضليعا في القانون الدولي , العام والخاص , وبما يؤهلني لتسمية هذه الأشياء بمسمياتها , ومرادفاتها القانونية الصحيحة  , ولكنني ضليع بالثمن الفادح والمر الذي دفعه العراقيون جميعا من اجل تسديد فواتير الطغاة , والتعويض عن الخسائر الناجمة عن حروبهم العبثية . واعتقد ان افضل مدخل للدبلوماسية هو الأفصاح عن ضخامة الخسائر التي تكبدها العراقيون (والعراق ) جراء حروب لم يتسببوا بها أصلا , وكانوا , هم , وليس غيرهم , ضحيتها الوحيدة .

   ان الكويت تواصل نجاحاتها القانونية والدبلوماسية في ملفاتها الشائكة مع العراق ( ومنها ملف التعويضات ) . فأضافة الى حصولها على حكم قضائي بالحجز على طائرات الخطوط الجوية العراقية , ومنع ماتبقى منها من القيام برحلات جوية حول العالم , فقد تمكنت أيضا من زيادة مبلغ التعويض عن الطائرات المدنية التي استولى عليها النظام السابق من 150  الى 500 مليون دولار .

ان على الحكومة العراقية أدراك حقيقة مفادها أن سعي الكويت الحثيث ( والمحموم حتى هذه اللحظة ) الى تضخيم  ملف التعويضات ( ماليا وسياسيا وقانونيا ) وتأطيره دستوريا , وربطه ربطا وثيقا بحقوق للشعب الكويتي , لايمكن (بل ولاتتجرأ  أية حكومة ) عن التنازل عنه ( كلا او جزءا ) , وتكريس المطالبات الخاصة به بقوة القانون , وشرعنة هذه المطالبات داخليا , واستمرار الاعتراف بها ( والتعاطف معها ) دوليا … وأن قيام الكويت بدفع القرار 833  لعام 1993 الى الواجهة بمجرد تراجع أهمية ملف التعويضات ..  ان هذه المعطيات كلها لاتترك للعراق أية فرصة للخروج من طائلة عقوبات الفصل السابع من الميثاق , الا اذا قرر (وبأرادة سياسية قوية ) أعادة فتح هذه الملفات من جديد ( وبمطالبات عراقية هذه المرة ) , مدعوما بالمتغيرات الجديدة في الحالة العراقية ( وهي عنصر نقض للقرارات الأممية السابقة , لم تتم الأستفادة منه في نقض أي قرار أممي سابق حتى الآن ) , وعدم الركون الى النيات الطيبة , ودعوات الصفح والتسامح ( عن أخطاء ارتكبتها حكومات سابقة , وحكام سابقون , قبل عشرين عاما من الآن) .

ان مباديء الأقتصاد السياسي , ومباديء السياسة الدولية (معا ) , لايتضمنان في قاموسهما , مفردات ساذجة كهذه , لانها تنطوي على مفارقات تناقض المنطق السليم لأدارة الملفات العالقة بين الدول والحكومات ( حتى وان كانت دول جارة .. وحكومات شقيقة ) . ومنطلقات كهذه لن تترتب عليها أية نتائج منطقية , او منافع ملموسة للجانب العراقي مهما طال الزمن . وهذا هو ماافرزته تجربة العراق مع هذا الملف ( ومع غيره من الملفات العالقة مع الآخرين ) طيلة العشرين عاما الماضية .

ونعيد التأكيد هنا على ان قيام العراق برفع دعاوى مضادة تطعن في صحة المطالبات السابقة بالتعويضات , وفي صحة ومشروعية جميع القرارات الأممية ذات الصلة بغزو العراق للكويت ( وأهمها وأخطرها هو القرار 833 لعام 1993 ) , وتوثيق هذه الطعون بحرفية عالية , وحشد التأييد الشعبي لها , والألتزام بوحدة الموقف السياسي منها ( من قبل جميع القوى السياسية العراقية الفاعلة حاليا ) , لايتعارض مع السعي لأقامة أفضل العلاقات مع الكويت في المجالات كافة .

 لقد تضرر العراق كله , باكثر مما تضرر اي بلد أوشعب  أومجتمع اخر, من تلك الحروب , وتلك التعويضات , وتلك القرارات الأممية الجائرة.

 وسيكون من السهل جدا تأطير هذه الدعاوي المضادة بمطالبات شعبية , لن تستطيع , ولن تتجرأ , اية حكومة منتخبة على تجاهلها , مهما كانت طبيعة علاقتها بالدول ذات العلاقة بهذه الملفات . فالكويت ذاتها تعمل على هذين المسارين معا : علاقات دبلوماسية وسياسية وأقتصادية جيدة مع النظام الجديد في العراق , والعمل في ذات الوقت على عدم ابداء اية مرونة , قد تؤدي , الى عدم حصولها على حقوقها ( وحقوق مواطنيها  ) في التعويضات,والديون , والأراضي , والمياه , كاملة , غير منقوصة .

ان المساران متكاملان , ووثيقا الصلة ببعضهما البعض . وتحقيق التقدم فيهما معا , هو الذي سيحدد قوة الموقف التفاوضي من الملف الأهم التالي , وهو : اخراج العراق من طائلة عقوبات الفصل السابع من ميثاق الأمم المتحدة .

 

ويواجه العراق الاحتمالات الآتية فور انتهاء مدة نفاد القرارات والترتيبات ذات الصلة بهذا الموضوع (والتي تم التطرق اليها آنفا ً).

1-    احتمالية خروج العراق من طائلة احكام وعقوبات الفصل السابع من ميثاق الامم المتحدة , ورفع الحماية القانونية عن امواله واصوله . وبهذا يتم وضعه وجها ً لوجه (كدولة ذات سيادة ) امام حجم هائل من مطالبات التعويض والمصادرة .

2-    احتمالية خروج العراق من الفصل السابع مع ابقاء الحماية على ممتلكاته واصوله من مطالبات التعويض والمصادرة (وهذا هو أفضل الاحتمالات الممكنة).

3-    احتمالية بقاء العراق تحت أحكام الفصل السابع , مع رفع الحصانة عن ممتلكاته وامواله من مطالبات التعويض والمصادرة. وهذا هو اسوأ سيناريو يمكن تصوره من بين السيناريوهات الثلاثة هذه .

واذا اردنا ترجيح اي من هذه الاحتمالات الثلاثة , فأن مقاربة الترجيح ينبغي ان تبتعد عن التسطيح الذي تتسم به ادبيات الاقتصاد السياسي (وخاصة الاقتصاد السياسي الدولي) .

ان ترجيح اي من هذه الاحتمالات يقع في صلب بنية العلاقات الدولية الراهنة , وفي صلب التحليل السياسي – الاقتصادي لمنطقة الشرق الاوسط  و “مشروعها الكبير”, وتسوية المشكلات الاقليمية العالقة فيها .

واذا تعاملنا مع افضل الأحتمالات الثلاثة المذكورة آنفا ً (اي احتمالية خروج العراق من الفصل السابع مع ابقاء الحصانة الدولية الضامنة لأمواله وممتلكاته من مطالبات التعويض والمصادرة) كاستراتيجية خروج مثلى من اشكالية الخضوع لاحكام الفصل السابع من الميثاق( مع الاحتفاظ بالضمانات المرتبطة به) , فأن هذه الاحتمالية لايمكن ترجيحها دون الاقرار بالحقائق (والاشتراطات) الآتية :

1-    لاينبغي التعويل على دعم الولايات المتحدة الامريكية كدولة صديقة . فالصداقة في العلاقات الدولية تمليها علاقات المصالح بين طرفيها. وحين تتآكل مصالح الولايات المتحدة في العراق , او حين يفقد العراق أهميته الاستراتيجية بالنسبة للمصالح الحيوية للولايات المتحدة الامريكية , فان احتمال دعم الولايات المتحدة للخيار الثاني سيكون ضئيلا ً للغاية , ان لم يكن غير مبرر (أو وارد) بالنسبة لها.

         ونود التذكير هنا بأن الرئيس الأمريكي حين قرر تمديد الحماية الأمريكية لعائدات صندوق تنمية العراق والأصول الأخرى لغاية 30 /6 /2012 ,فإنه لم يفعل ذلك إلا بسبب عجز القيادات العراقية عن تذليل العقبات التي تعترض سبيل أعادة الأعمار بشكل منظم , وفشلها في إستعادة السلم والأمن في البلاد ,وصيانته ,وعدم قدرتها على تطوير المؤسسات السياسة والأدارية والأقتصادية في العراق , وأن الرئيس الأمريكي ما كان ليتخذ مثل هذا القرار , لولا إدراكه لمخاطر هذا التقصير , وماتشكله من تهديد إستثنائي , وغير إعتيادي للأمن القومي والسياسة الخارجية للولايات المتحدة الأمريكية ( كما ورد في نص القرار الرئاسي ) .

 

2-    على العراق ان يكون جزءا ً فاعلا ً في المنظومة الاقليمية الشرق الاوسطية (على وفق الادراك الاستراتيجي الامريكي لها). وبخلاف ذلك سيكون مستقبل العراق (ككيان موحد) عرضة للتهديد بالاستباحة والتقسيم.

3-    ينطوي الادراك الاستراتيجي الامريكي لدور ووظيفة الشرق الاوسط الكبير على شرط معلن هو تطبيع العلاقات مع اسرائيل . واذا لم يحظ هذا التوجه بدعم دول الجوار الكبرى , فأن العراق سيجد نفسه ساحة لصراعات لاتنتهي من اجل تصفية الحسابات بين الاطراف الرافضة والمؤيدة لهذا التوجه في المحيط الاقليمي للعراق.

4-    إن الكويت ستمارس دورها المحدد لها في الترتيبات الجديدة للشرق الأوسط الجديد . إنه دور المحرك لملفات تتورط من خلالها دول الأقليم في صراعات محلية – أقليمية , تبرر التدخل الخارجي , كمدخل لوضع الترتيبات الشرق اوسطية الجديدة موضع التطبيق .

 وتكمن اهمية ( وخطورة ) هذا الطرح , في ضرورة ادراك العراق لما تشكله اسرائيل من اهمية في الادراك الاستراتيجي الامريكي . وعلى وفق هذا الادراك , فأن الولايات المتحدة الامريكية لن تقبل ,بل ولن تسمح ابدا , بعودة العراق كقوة أقليمية فاعلة , وعدوة , لحليفتها الاستراتيجية الاساسية في هذه المنطقة من العالم , وستسعى بكل مالديها من قوة ونفوذ للحصول على ضمانات بوجود واستدامة نظام حكم في العراق لايمكن ان يشكل ابدا , وتحت اي ظرف كان , تهديدا لأمن اسرائيل , ووجودها ,لا الآن , ولا في المستقبل .

ان هذا يتطلب التحسب , والشجاعة ,وصياغة بدائل يتم التفاوض حولها , في حال مواجهة اوراق حساسة , قد ترميها الولايات المتحدة في وجوهنا في أية لحظة , كجزء من الثمن الفادح الذي علينا دفعه , لتسديد فاتورة الاحتلال ( أو مايطلق عليه البعض فاتورة الخلاص من النظام السابق ) , أو فاتورة الخلاص من العقوبات ذات الصلة بأحكام الفصل السابع من ميثاق الامم المتحدة . ودون تحسب وادراك كهذا , فأن صناع القرار في العراق , أما ان تشلهم المفاجأة ( اي مفاجأة نقل الاوراق الحساسة من مكانها  الذي هو تحت الطاولة حاليا , الى ماهو على سطحها لاحقا ) , او ان تدفعهم الى رد فعل ساذج ( وربما صادم ) لكل من يعنيهم الامر , سرا او علنا , وبشكل مباشر اوغير مباشر .

 وكما تعلمنا من تجارب سابقة, فأن ردات فعلنا غير المحسوبة , على الفعل المحسوب بدقة من قبل الاخرين ,قد يكبدنا خسائر فادحة , وقد تكون عواقبه وخيمة . وفي حينه لن تكون التعويضات فقط هي  الثمن الذي يتعين علينا دفعه , بل مستقبل العراق بأسره .

5-    تتوقف مديات التنازل عن الديون والتعويضات المترتبة على العراق , او تخفيضها (من قبل المجتمع الدولي , بما في ذلك الكثير من الدول العربية) , على مدى قدرة العراق ومدى استعداده للاعلان عن تبنيه الكامل وغير المشروط للترتيبات والتصورات الامريكية ذات الصلة بدور ووظيفة ونمط العلاقات بين دول الشرق الاوسط الكبير , وعلى وفق ادراك الولايات المتحدة لمصالحها الاستراتيجية في هذه المنطقة , بعيدا ً عن نفوذ وتأثير وتدخل اي قوة دولية او اقليمية اخرى.

      وفي هذا السياق فان على العراق ان يدرك , ويتفهم , تبعات كونه جزءا من الترتيبات الاقتصادية الشرق اوسطية , بما في ذلك النمط الخاص لتقسيم العمل في مشروع الشرق الاوسط الكبير ,والذي بموجبه سيتحدد الدور الاقتصادي لكل دولة من دول الاقليم .

 ونود التذكير هنا بان نمط تقسيم العمل المشار اليه , يتضمن في جوهره , كما في اطاره العام , تقسيما جائرا للقوة الاقتصادية , يفضي بالضرورة الى حصول اسرائيل على مكاسب استراتيجية هائلة ,ويضمن تفوقها على جميع اطراف المشروع الشرق اوسطي على المدى البعيد . وتكفي الاشارة هنا الى ان الخصائص الاساسية لهذا التقسيم تقوم على تخصص اسرائيل ( وتفردها ) في انتاج المعرفة والتكنولوجيا , بينما يتخصص الاخرون في مجالات تجهيز الطاقة الرخيصة ( النفط والغاز تحديدا ) والمياه , والمال , والايدي العاملة .

وربما كانت إدامة الفوضى في العراق , وأستنزافه من خلال العمل على رفع وتيرة العنف والصراعات المحلية , والتصعيد المستمر لمظاهر عدم الأستقرار السياسي والأقتصادي والمجتمعي , وأجهاض محاولاته المتواضعة لتحقيق مستوى مقبول من التنمية الأقتصادية والأجتماعية , ربما كان كل ذلك جزءا أساسيا من مهمة إبقاء العراق ضعيفا , وهامشيا ,وتابعا للمراكز الأقليمية القائدة للشرق الأوسط الجديد ( ومنها تركيا وأسرائيل , على سبيل المثال لا الحصر . ) .

6-    تحويل العلاقة غير المتكافئة بين العراق والولايات المتحدة والقائمة على التطفل والرعاية والعرفان بالجميل والابوية والقسر الى شراكة ستراتيجية بين حليفين حقيقيين (كما هو حال العلاقة بين اسرائيل والولايات المتحدة , او الولايات  المتحدة وتايوان , او الولايات المتحدة وكوريا الجنوبية, او الولايات المتحدة وتركيا , كخيار اخير).

7-    اعادة بناء الثقة في علاقات العراق مع الكويت والمملكة العربية السعودية من خلال قرار عراقي وطني ملزم ومستدام، ومدعوم بإطار تشريعي يصادق عليه مجلس النواب العراقي. وينبغي ان يدرك هذان البلدان بالذات بأن اقامة افضل العلاقات معهما هو خيار شعبي  وحكومي حر , وليس توجها ً تمليه على الحكومة العراقية ضغوط أمريكية مرحلية.

8-    ارساء أسس جديدة للتعامل مع ايران كقوة اقتصادية وسياسية وعسكرية كبرى في المنطقة ، وعدم الركون الى متانة العلاقات السياسية والايديولوجية والشخصية، القائمة حاليا ,ً كإطار دائم ومستقبلي للتعاون معها. ان هذه الدولة ملزمة بالدفاع عن مصالحها بضراوة , ولا ينبغي ان تشعر, ولو للحظة واحدة , بأن علاقاتها بالعراق محكومة بإشتراطات ومعطيات معينة ، في مرحلة تاريخية معينة, ولا باستغلال سريع لفرصة تاريخية عابرة… وبأن العراق لن يكون (الآن وفي المستقبل) طرفا ً في اية ترتيبات يمكن أن تلحق بها أضرارا ً مباشرة او غير مباشرة، وعلى جميع الصعد.

9-    ارساء وتعزيز افضل مستويات التنسيق مع الدول النفطية المجاورة للعراق في مجال صنع السياسات وصياغة الاستراتيجيات النفطية ذات الصلة بالاحتياطي والانتاج وحصص التصدير وحسم ملفات الحقول المشتركة , وانتهاج سلوك تعاوني وشفاف لتطويرها بما يخدم المصالح الوطنية لهذه الدول على المدى البعيد.

10-                        انتهاج سلوك حكومي حذر ورصين ياخذ على عاتقه تطمين دول الجوار النفطية بأن مصالحها الستراتيجية لن تكون عرضة للتهديد في حال تحول العراق الى دولة نفطية كبرى في المنطقة. وان هذا التحول (ان حدث) سيكون في مصلحة هذه الدول قبل غيرها . وإن صنع ورسم السياسات والستراتيجيات النفطية العراقية سيبقى قرارا ً وطنيا ً عراقيا صرفا , ً وانه لن يوضع تحت تصرف أية مصالح اخرى , وتحت اي ظرف كان.

    تأسيسا ً على ما تقدم , فان امكانية الخروج من احكام الفصل السابع , لا تتوقف على قوة الحجة , ولا على طبيعة العلاقات الاقتصادية الدولية القائمة , ولا على استدرار تعاطف المجتمع الدولي , كما انها لن تتوقف قطعا ً على دعوة الدائنين , والمتضررين المفترضين (والعرب منهم على وجه الخصوص) لأنصاف النظام الجديد في العراق.

   ان على الحكومة العراقية أن تعمل اولا ً (وقبل كل شيء) على حل مشاكلها المالية والقانونية العالقة مع الاسرة الدولية من خلال الحوار وتقديم التنازلات والقبول (ولو مرحليا ً) بأنصاف الحلول.

ان بعضا ً من التهور لازال يطبع علاقات العراق بجيرانه (او بمحيطه الاقليمي ككل) في وقت هو احوج مايكون فيه الى اعادة بناء الثقة في علاقاته مع هؤلاء.

ان الحراك السلبي والانغلاق , وعدم صياغة التحالفات وبناء المصالح (بدقة وثقة) على أسس وطنية خالصة , ستعيد العراق من جديد الى اجواء عزلته المقيتة عن العالم والتي استمرت لعدة عقود .

                     وليس بوسعي الاجابة عما اذا كان النظام السياسي القائم في العراق حاليا قادرا ً على الاستجابة  

                   لجميع هذه التحديات ام لا , ولكنه , وعلى نحو اكيد , لا يملك خيارات اخرى بديلة عن

                    الخيارات (المصيرية) المرة التي تم الاشارة اليها عرضا ً في متن هذه الورقة .