الأصدقاء .. لا يحضرون مجلس ” الفاتحة ” .. على الروح

الأصدقاء .. لا يحضرون مجلس ” الفاتحة ” .. على الروح
عماد عبداللطيف سالم
لماذا تكونُ مُجْبَراً على الأحتفاء بالمئات من ” الأصدقاء ” .. و مسايرة أمزجتهم  ، وهواجسهم  ، وأحتِمال نزق الكثيرين منهم .. أنتَ الذي ليس لديك سوى بضعةُ أصدقاءٍ في واقع الأمر .. لا يمُرّونَ عليك في السنةِ الواحدة .. ولا مَرّةً  واحدة ؟
لماذا تكونُ قريباً منهم إلى هذه الدرجة .. أنتَ الذي لا يدنو منكَ أحد ؟
لماذا تحْمِلُهُمْ دائِماً في عينيك  .. أنتَ الذي لا يراكَ منهُم أحد ؟
لماذا تُحِبُّهُمْ حقّاً .. أنتَ الذي لم تتصَفّحْ وجوههم يوماً ، وقد لا يحدثُ ذلك ابداً .. بينما تتكَوَّمُ أنت أمامَهُم ، مانِحاً إيّاهُمْ أفضلَ مالديك .. دون مُقابِلْ ؟
لقد أنفَقْتَ خمسينَ عاماً ، وأنتَ تنبشُ في متاهاتِ الأدبِ والفلسفةِ والسياسةِ والأقتصاد ، مثلُ نملة . ويبدو أنّكَ خرجتَ منها عارياً تماماً ، إلاّ منك . حامِلاً بيدكَ فانوساً صغيراً  .. لتتَعرّفَ على الناس ، وتعيش بينهُم ، ولَهُمْ .. بينما العالمُ من حولكَ أكثرُ ظُلْمَةً و وُحْشَةً مِمّا كنت تعرف ، أو تتوقَع .
لقد كنتَ ، و لخمسينَ عاماً  ” جُنديّ أشغالٍ ” في حروبهم التي لاتنتهي .. والكُلٌّ ” ضُبّاطٌ ”  ، والكُلُّ  ” آمرون ” .. وانتَ وحدكَ مَنْ يُطيعْ ، ويقولُ لهذا وذاكْ : نَعَمْ يا ” سيّدي ” .
والآن ..
 حيثُ يُداهمُ ” الأعداءُ ” أسوارَ  مدينتكَ ، و سياج بيتك ..
 فأنتَ الوحيد الذي ينبغي عليهِ أن يُقاتلَ دفاعاً عنها .. و عنْهُم .
وحينَ تموتُ ” قتيلاً ” من أجل لا شيء  ..
لن يحضرَ أكثرُ من ثلاثة  ” أصدقاء “
مجلس ” الفاتحة ” .

موجز تاريخ المحنة – 9 –

موجز تاريخ المحنة – 9 –
عماد عبداللطيف سالم
( 1 )
أيّها العراقيّون العُشّاق .
انتُمْ أسوأُ ” حاضنةٍ ” للحُبِّ في هذا العالم .
أنتُمْ مُحاربونَ سيِّئون .
لقد تَرَكْتُمْ الكثيرَ من مسافاتِ الشَغَفِ الجميل ، فارغةً بينكم ..
 فأحتَلَّها  ” العدوّ ” .
أين اختَفَتْ أسلحةُ الغرام ” الثقيلة ” ؟
أينَ راحَ  ” صِنْفُ ” العيونِ ، المُدَجَّجِ باللونِ 
و  ” صِنْفُ ” الوجوهِ ،  المُدَجَّجِ بالضوءِ
و  ” صِنْفُ ” الروحِ ،  المُدَجَّجِ بالحنينِ
و كُلّ ” صنوف ” الأماكنِ ، المُدَجّجَةِ بالرائحة ؟
كيف فرّتْ القصائد من ” ثكنات ” الروح .. دون اطلاق حُلْمٍ واحد ؟
كيف تمّ أسْرُ الكلمات .. دون اطلاقِ أمَلٍ واحد  ؟
لماذا كانت البنادقُ ، دائماً ، على حَقٍّ .. والأقلامُ ، دائماً ، على باطِلْ ؟
لماذا يجبُ على كائِنٍ مُهَدَّدٍ بالأنقراضِ ، أنْ يموتَ ” شهيداً ” رغماً عنه .. 
عندما تسقطُ غرناطة .
عندما تضيعُ القُدْسُ .
عندما يغمرُ الموصلَ الأسى ، وتشعرُ بالوحشة .
وعندما يُهاجرُ الناسُ  إلى الحبَشَة ؟
 
( 2 ) 
 
[  من تجربتي العظيمة والخالدة مع الضجر البليد ، 
والحزن اللجوجِ اللامنطقيّ .
إكتَشفْتُ  أنّ الأمرَ لهُ علاقةٌ  بـ  ” الإعداداتْ ”  .
نحنُ حَزانى  من ” المَصْنَع “.  ]
( عبد الر حمن الزراف )
 
( 3 )
حزيران .. رمضان .. آب 

و في العراق حُزن .
ما مرَّ شهرٌ والعراق 
ليس فيهِ حُزن .
ما مرَّ يومٌ والبيوتُ
لا تُقدِّمُ طَبَقاً من الأسى 
على مائدةِ العائلة .
حزيران .. رمضان .. آب 

و في العراق حَرب .
ما مَرَّ شهرٌ والعراقْ
ليس فيهِ حرب .
الحربُ التي يشرب الجنودُ فيها
حساء العَدَسِ الحزين
على مائدة الروح .
الروحُ التي يعْقِدُ الجنرالاتُ قرانها على الرملِ
بينما الحبيباتْ
 لا ينْتَظِرْنَ الغائبينَ
أكثرَ من ذلك .
 
( 4 ) 
 
 
” هنا كانت الجنّة ..
ذرةّ ، حنطةّ ، فاصولياء .
لم يكن ثمّة فاكهة محرّمة .
كانت الأفاعي خرساء ” .
[ أمبرتو أكابال Humberto Ak’ab’al ]
 
( 5 )
 
 
 
العراق الحديث : 1921 – 2014 .
الولايات المتحدة الأمريكيّة .. شكراً جزيلاً .
لقد تمَّ إنجاز المُهمّة .. 
بأفضل ما يُمْكِنْ .

موجز تاريخ المحنة

موجز تاريخ المحنة -8
عماد عبداللطيف سالم
( 1 )
 ليسَ لنا مكانٌ آخرَ ،  لنذهَبَ إليه . 
كُلّنا .. كلّنا .. كلّنا .
المنفى بالنسبة لنا .. ليس وطناً .
 وقد نصبرُ على التهجير .. ولكنّهُ لن يكونَ هجراً جميلا .
 والحربُ هي الحرب .
و منْ يعتقدْ أنّ لديهِ بديلاً عن وطنهِ في مكانٍ آخرَ .. فليذهبْ إليه ، ويتركُنا لهذا العراق ، ويتركُ هذا العراقَ لنا .
إنّهُ بلدُ حارٌّ ، ومُغْبّرٌ ، وحزين . 
و للروحِ فيهِ جروحٌ لا تندمل .
وفي قلوبِ أهلهِ ألفُ طعنةٍ ، و طعنة .
و لكنّنا لانملكُ غيره .
نحنُ نعرفُ أنّ الوطنيّةُ ليستْ محَلاًّ للسكن . وليستْ حَكْراً علينا .. نحنُ الذين نَعَضُّ على ترابنا ، بأسناننا ، الآن .
و نعرفُ أنّ هناك ، في المنافي ، من هو أكثر ُ وطنيّةً من ” حراميّة البيت ” المُقيمين هنا ، بين ظهرانينا .
ومعَ ذلك .. فأنّّ على من يعتقدْ أنّهُ يمتلكُ أوطاناً أخرى ، و منازل أخرى ، أنْ لا يفتحَ علينا أبواب جهنم ، ثمّ يعودُ في الوقت المناسب ،
 إلى حيثُ بنى أعشاشَهُ الآمنِةْ .. ليضعَ ” بيوضَهُ ”  الذهبيّة   ، ” و فراخَهُ ” المقدسّةُ  ” هناك ” ،
 و يتركنا ، ” هُنا ” ،  وحدنا 
 في الوقت بدل الضائعِ من التاريخ .
نحنُ الذينَ لا نملكُ بيتاً آخرَ .. لنذهبَ إليه .
( 2 )
أنْ تدخُلَ الموصلَ ” فاتِحاً ” ..
هذا لن  يجْعَلَ منكَ  ” موصِلِيّاً ” .
الموصلُ  .. مدينة .
أنْ تعيشَ في بغداد ..
هذا لن يجْعلَ منكَ  ” بغداديّاً  ” .
بغدادُ .. مدينة .
أن تأتي إلى البصرة ، بلا لونٍ ، ولا طَعْمٍ ، ولا رائِحةٍ  
 ، وتجعَلَ أهلَها غُرباءَ عنها  ،
هذا لن يجعلَ منكَ ” بَصْريّاً ” .
البصرةُ .. مدينة .
 إنّ للبصرةِ ، كما للموصل ، و بغداد
رائحةٌ ، ولونٌ ، وطَعْم . 
تَمَدْيَنوا ..
أو  .. 
عودوا إلى صحراء الروح الكبرى  .
( 3 )
”  الأنسانُ قد يُهْزَمْ ، ولكنّهُ لا يُدَمَّرْ ” .
هذه واحدةٌ من أكبر الأكاذيب التي صدّقْتها في حياتي .
والدليل على ذلك ، هو أنّ من كتَبَها لنا .. قد انتّحّرْ .
وضعَ ماسورة البندقية في فمه .. وأطلقَ الرصاصَ على عقلهِ ، الذي أطلق تلك الأكذوبة .
أتعرفونَ لماذا انتَحَرَ ” همنغواي ” ؟
لأنّهُ كان يعرفُ أنّ ” الأنسان ” هو أضعفُ الكائنات .. وانّ ” الوغْدَ ” هو أكثرها قُوّةً ، و تأثيراً ، و سُلْطَة .
لأنّهُ كان يعرفُ أنّنا خَسَرْنا .. وأنتهى الأمر .
لأنّهُ كان يعرفُ أنّنا هُزِمْنا .. وأنتهى الأمر .
لأنّهُ كانَ يعرفُ أنّ السمَكَةَ ، ليستْ هي التي ضاعَتْ .
وأنّ الذي ضاعَ .. هو البحر .

حطاب القلوب القديم

 
حطّابُ القلوبِ القديم
في قديمَ الزمان ..
عندما كان العميانُ يستطيعون الخياطة ،
وأُمّي تستطيعُ الفرح ،
وأنا أستطيعُ الحُب .
في قديم الزمان .. 
عندما كنتُ مَلِكاً ،
والكثير من العصافيرِ تحومُ حولي 
كأنّني الشجرةُ الوحيدةُ في هذا العالم .
عندما كُنتِ تهمسينَ لي ..
” أنا لنْ أكونَ .. بَعْدَكْ ” .
في قديمِ الزمانْ ..
عندما أخذوني إلى الحربِ ،
وأصدقائي كانوا يموتونَ ،
وأنا كنتُ اكتبُ لكِ رسائلَ الغرامِ
قُربَ جُثَثِهِمْ التي تُحَدِّقُ بي ،
وعيونهم الخائفةُ مفتوحةٌ على مصراعيها .
في قديمِ الزمانْ ..
عندما عُدْتُ إلى البيتِ ،
في الوقتِ الضائعِ من الحربْ
، كجُنديٍّ عاشقْ ،
وجدتُ سريري يابساً ،
مثلُ نخلةٍ مَيتّة .

 
***
لولا أنّكِ الانَ  بعيدةٌ جدّاً 
لكُنتِ الآنَ في الروحْ .
  أُعمَّدُ عينيكِ بالليلِ ،
وبشَعْركِ الذي يطفو على الماءِ 
مثلُ جُرْحٍ  قديم .
لقد هاجَرْتُ إلى حُزنكِ .. وحْدي .
و كنتُ أجوبُ بعينيكِ قاموسَ النومِ وأرضِ الريحِ .
 كأنّ وجهُكِ ، هذا الذي يشبهُ الأمنياتْ ،
قد جاءَ من أوّلِ أيامِ الضوءِ ،
ليمنَحني إسمي .
و لولا أنّكِ الانَ  بعيدةٌ جدّاً 
لما كانتْ ملائكةُ الغِيابِ 
، قد قطَفَتْ لي ،
ليلاً كاملاً من الأسماء البعيدةِ .
و لكنُتُ الآنَ قد شَمَمْتُ رائِحَتَكُم ..
  بيتاً بعد بيت 
  و وجهاً بعد وجه  
  و مسامَةً تِلْوَ مسامَة  .
ياه ..
أهذا هوَ ما يفعلَه الفأسُ المُقدّسُ للحنينِ
بحَطّابِ قُلوبٍ قديمٍ 
كقلبي .
عماد عبداللطيف سالم

اليومَ لها .. وغداً ليسّ لي .

 
اليومَ  لها  .. وغداً ليسّ لي
عماد عبد اللطيف سالم
 
لا تحدثُ النهاياتُ السعيدةُ ، إلاّ في الأفلام .
الأفلامُ التي تحتاجُ إلى سينما .
السينما التي تحتاجُ إلى مُدُن .
المُدُنُ التي لديها أحلام .
الأحلامُ التي تشبهُ بغداد .
بغدادُ التي بها ناس  .
بغدادُ التي ليس بها سينما .
بغدادُ التي تشبهُ العراق .
العراقُ الذي هو السينما  .
العراقُ الذي هو الناس .
 
***
عندما تنوءُ المرأةُ ، لدقائق ، بالحُزنِ الصافي ،
 و تشعرُ بالوحشةْ .
عندما تلوذُ المرأةُ  بلحظاتٍ من الصَمتْ
 ، لتُداري بعضاً من ذلك الأسى ،
 ، الذي يُزهرُ كلّ  ليلةٍ ،
في سَهْلِ الروح .
سيكونُ عليكَ أنْ تحبو ..
إلى انْ تبلُغَ  ” التيبتْ ” .
و هُناكَ في سقفِ العالَمْ ..
ربما تحظى بشيءِ من العُزلة ،
وتبتهلَ إلى ” الدالاي لاما “
من أجل ان تبتسمَ تلكَ المرأةُ لكْ ..
عندما تعودُ ، أنتَ ،
 إلى البيت .
 
***
لا ” سياسةَ ” هذا  اليوم ،
 ولا حُبَّ غداً .
اليومُ هيَ ،
و غداً لاشيء .
اليومُ لها ،
وغداً ليس لي .
اليومُ هو الماءُ ،
و غداً الهجير .
الهجيرُ العَذب .
الهجيرُ الذي يشبهُ الحُزنَ في الليل .
اليومُ رائحتها التي كانت تُغني ،
وغداً روحي التي ليس لها صوت .
اليوم جاءتْ ،
وغداً سوف تاتي .
 اليومَ  لها ،
وغداً ليسّ لي .

وضّاح العراق .. و وضّاح اليمن

وضّاح العراق .. و وضّاح اليمن
الدكتور عماد عبد اللطيف سالم
( الحلقة الأولى )
 
أنا  مُعجَبٌ جدّاً بـ عبد الرحمن بن اسماعيل بن عبد كلال ، من آل حِميَرَ ، فقحطان ، المعروف بـ  ” وضّاح اليمن ” ، الذي أحبَّ  زوجة الخليفة الوليد بن عبد الملك ، من دون خلقِ اللهِ كلّهُمُ . وأحلَمُ دائماً بنهايةٍ شبيهةٍ بنهايتهِ الجميلة .
وضّاح الوسيم هذا ، دخَلَ إلى غُرفة حبيبتهِ ” أُم البنين ” سِرّاً . فرآه أحد العبيد ، وأفشى سرّهُ إلى الخليفة . وعندما وصل الخليفة ، خبّأتْ أم البنين حبيبها في صندوقٍ في غرفتها ، وأغلقتُ عليه الصندوق ، وجلستْ فوقه ، وبداتْ تُمَشِّطُ شعرها الطويلِ .. حتّى الينابيع .
طلب الخليفة من زوجته الرائعة ، أن تعطيه الصندوق  .. فوافقتْ . فأخذه إلى مجلسهِ ، وأمَرَ بحفر بئرٍ في هذا المجلس ، وألقى الصندوق في البئر .. ثم دفن البئر بالتراب ،  وردّ البساط فوق البئر  .. واختفى وضّاحُ إلى الأبد .
أنا أيضاً .. أريدُ أنْ أموتَ بذات الطريقة .
لقد عِشتُ كلّ عمري ، عاقِلاً ، حَبّاباً ، مؤدَباً ، بل وحتّى ساذِجاً .. ولم أترك زوجة خليفةٍ ، أو زوجةَ عَبْدٍ ، دون أن أحبّها حُبّاً جَمّاً . وبعضهنّ أحببنني فعلاً .. غير أنّني لم أدخل غرفة أيّة امرأة  مِنْهنّ أبداً ، لا سِرّاً ، ولاعلانيّة .
الآن .. قرّرتُ انْ أضعَ نهايةً رومانسيّة لحياتي البائسة ، والخاليةِ من التشويقِ هذه .. وأقلِدُّ وضّاح اليمن ، وأصبحُ وضّاح العراق .. الجديد .
لذا سأذهبُ سِرّاً إلى غرفة حبيبتي .. وسأختبيءُ في خزانة ملابسها الحُلوَة ، المليئة بالأشياء الغريبة جدّاً . و إلى أن تاتي .. سأشُمُّ بالذات ثوبها الأسود ، المنقّطِ بالأبيضِ ذاك .. برائحتهِ تلك .. التي تشبهُ رائحةَ الليل .
وعندما سيكتشفُ الاخوةُ الأجلاف وجودي هناك .. سيخبرونَ أباهُم .. الذي سيخبرُ شيخَ العشيرة . عندها سيأتي أبناء العشيرة ، ويغلقونَ عليّ خزّانة الملابسِ .. ويحملون الصندوق الخشبيّ إلى النهر القريب من ” المضيف ” ، ويغرقونهُ هناك .. وينتهي كلّ شيء .
 
(  للحكاية بقيّة .. في الحلقة الثانية )
 
 
وضّاح العراق .. و وضّاح اليمن
 
( الحلقة الثانية )
 
طبعاً .. لم تنتهِ قصّة وضاح العراق ” الجديد ” عند ذلك الحدّ ، الذي وصلتم  اليه في الحلقة الأولى من هذه الحكاية . 
فعند الساعة الثالثة من بعد الظهر ، وصل أبناء العشيرة إلى النهر ، ورموا الصندوق فيه . وتزامن ذلك الحادث الرهيب ، مع أعلان النتائج ” النهائيّة ” للأنتخابات . ولأن شيخ العشيرة لم يفز في الأنتخابات .. فقد غادر أبناء العشيرة  النهر الذي أغرقوني فيه غاضبين . ولم ينتبهوا إلى أنّ الصندوقُ سيطفو فوق الماء .. وسيتمَكّنَ أحد الصيادين ” السورياليين ” ، من ” المُنتمين ”  لعشيرةٍ أخرى ” فائزة ”  ، من إنقاذي .
ولأنّني وضّاحُ جديد .. من عراقٍ جديد .. ولا أنتمي لا إلى قحطانَ ، ولا إلى حِمْيَرْ .. فأنّني سأتصّلُ على الفور بحبيبتي .. عِبرَ ” الفايبر”.
ولعدم اتِّخاذ حبيبتي إجراءات الحيطة والحذر .. فقد باغتها أباها الشيخُ  في وقت متأخر بعد منتصف الليل .. وضبطها وهي تتحدثُ مع ” الحبيب “.. الذى هو أنا .
وبحركةٍ لا إراديّة .. خبّأتني ” أمّ البنينِ ” ، التي لا بنين لها بعدُ ، تحت الوسادة . 
غير أن الأبَ – الشيخَ – السيّدَ ، تمكّنَ من انتزاعَ ” الموبايل ” من إبنته بفظاظة .. و سحَبَ ” الشريحة ” التي كنتُ أختبيءُ فيها .. وخرج غاضباً من الغرفة .
في صباح اليوم التالي  ، ذهبُ الأبُ – السيّدُ – الشيخُ .. وباعَ اللحظاتِ السعيدةِ في ” الشريحة ” .. إلى أقربِ مَحَلٍّ لبيعِ النسيانِ المُستَعْمَلْ .
طبعاً انا هربتُ من المدينةِ .. ومن ” الأقليم ِ ” .. ومن البلد ” الفيدراليّ ” كلّه .. و ذهبتُ إلى المنفى . 
أما حبيبتي فيقول عنها ” الأصفهاني ”  ،  في كتابهِ ” الأغاني ” .. أنّها بقيت صامتةً .. لا تتحدّثُ مع أحدٍ ليومين .. ولمْ تأكلَ شيئاً طيلة ثلاثة أيّام .
ويضيف ” الأصفهاني ” : وبعد اسبوعينِ .. قررّت العائلةُ ، بالأجماع ، وبـ ” الأغلبية النسبيّة ” ..  أن تشتري لـ  حبيبتي   ” موبايلاً ” جديداً ، من الجيل الثالث  .. بـ ” شريحةٍ  ” خاليَةٍ  منّي .
وهكذا تعرفّتْ حبيبتي ” أمُّ البنينِ ” إلى وضّاحٍ آخرَ، غيري ، عبر ” الواتساب “.
ومن يومها ، لم أسمع عن حبيبتي خَبَراً ، ولمْ تتّصِلْ هي بي أبداً .. و بدأتُ أشعرُ بأنّني مدفونٌ ، فعلاً ، في ” صندوق ” المنفى .
 وهكذا ضاعَ قلبي .. أنا وضّاحُ العراقِ ” القديمِ ”  .. هَدْرا .
 

ديموغرافيا انا لااموت

ديموغرافيّاً ..
أنا لا أموتْ .
يموتُ الأصغَرُ منّي سنّاً بكثير .
هذا شيءٌ .. غيرُعادلٍ جدّاً .
عاطفيّاً ..
أنا الذي يغمُرني الحُبُّ ،
واكتبُ عنهُ القصائد .
و هُمْ ..
الفِتيَةُ الذين آمنوا بقلبهِمْ
لا يجدونَ سبيلاً إلى لَمْسِ أصابعها الطويلة .
أصابعها التي تشبهُ الليل ،
في الجانبِ المُضيءِ من الروح .
هذا شيءٌ .. شائِنٌ جدّاً .
جُغرافِيّاً ..
أنا في البيت .
أعيشُ مثلُ حَلَزونٍ سعيد .
وكلّما أجْفَلَني الضوءُ ،
ذهبتُ إلى الليلِ ،
في قوقعتي اليابسةِ ..
و نِمْتُ .
بينما .. هُمْ
، الأصغرُ مِنّي سِنّاً بكثير ،
الذينَ أستطيعُ أنْ أكونَ جَدّهُمْ على الفور ،
يخرجونَ إلى دروبِ المدينةِ
، باحثينَ عن فَرَحٍ مُحْتَمَلْ ،
فتقتُلُهُم الأشباحُ
التي لا تُحِبُّ ” الموطّا ” .
تاريخيّاً ..
هذه الأشياءُ تحدثُ ، لَنا ، هُنا .
نحنُ الكومبارسُ الطيّبونَ
الذين أستأجرَتْنا الآلهة ،
، لنؤدي دورَ البطولة ،
في هذه الكوميديا الفجّة .
شخْصِيّاً ..
هذه الأشياءُ غريبةٌ جدّاً .
هي أشياءُ قد تجعلُ منّي فيلسوفاً ، أو حكيماً ، أو مجنوناً .
أو عاشِقاً بـ ” أثَرٍ رَجْعيّ ” .
أو طاعِناً في العَيْش ْ .
أو ” أُستاذاً ” شبيهاً بفَحلِ نخلة ..
، حيثُ اكونُ موجوداً دائماً ،
في تلك ” القاعةِ ” المُخيّبةِ للآمال ..
كأنّني لن اموتَ .. أبداً .
كأنّني نوحْ .
نوحُ العاجزُ عن الحُلْمِ بالطوفان القادِمِ ..
بينما الكثيرُ من تلاميذي
، الذين يشبهونَ الضوءَ ،
لن يحضروا غداً إلى ” الصَفِّ ” ،
لأنّهُمْ .. ماتوا .

عماد عبد اللطيف سالم

بلدٌ مكسور .. قلبٌ مكسور .. روحٌ كسيرة

بلدٌ مكسور .. قلبٌ مكسور .. روحٌ كسيرة
عماد عبداللطيف سالم
– أينَ انتِ سيدتي الصغيرة ؟
الوجهُ معي دائماً .. أبداً
غيرَ انّ أعتيادَ الغيابِ في هذا العُمْرِ الأضافيّ
مُرٌّ على القلبِ
مثلُ أغنيةٍ قديمة  .
– سنسافرُ ياسيدي إلى بلادٍ بعيدة .
– ومَنْ سيبقى بعدَكِ  ياسيّدة الماءِ
ليرعى في هذه الروحِ آخرَ غيمةٍ 
في هذا المساء الكسير ؟
من سيبقى لنا ،
نحنُ الذينَ نمشي ، وحدنا  ، 
في الممرّاتِ الكئيبةِ للعراق الوحيد .
– سنسافر ياسيدي إلى بلادٍ بعيدةٍ 
لكي يعتادَ الآخرونَ الغياب .
– وانا سأبقى سيدتي
لأعلّمَ التلاميذَ أبجدية الأسى
وكأنّكِ جالسةٌ بينهم .
كأنّكِ لم تذهبي أبداً ،
إلى تلك البلاد البعيدة .
وهلى عكس ” مباديء الأقتصاد “
سيفهمُ التلاميذُ سريعاً ..
أنّ وجع الغياب المُبَكّرِ
لن يكون سهلاً ،
كهذا الوجَعِ ” الحديّ ” .
 
***
في قاموس النومِ وأرضِ الريحْ ..
قطَفَتْ ملائكةُ الغِيابِ 
ليلاً كاملاً من الأسماء البعيدة .
في صحراء الروح الكبرى ..
شَمَمْتُ رائحتَكُم .
 بيتاً بعد بيت .
وجهاً بعد وجه .
مسامَةً تِلْوَ مسامَة  .
ياه ..
أهذا هوَ ما يفعلَهُ الحنينُ 
بحَطّابِ قُلوبِ قديمٍ ..
كقلبي .
 
***
كطفلٍ فعل شيئاً مُشيناً ..
ذهبتُ إلى غرفتي .. وأغلقتُ عليّ الباب ،
مُحاوٍلاً أن أكتب لكم شيئاً ما .. كعادتي كلّ مساء .
ومعَ أنّ باب الغرفةِ لا يزالُ موصَداً ،
وأنّ سيدة البيتِ تُعِدُّ عَشاءاً من الضجيج الذي لا ينتهي ،
كأنّهُ عشاء العائلةِ الأخير ، في هذا العالم .
غير أنّهُ لا يوجدُ في الحقيقةِ شيءُ ذو معنى ، يُمْكِنُ أنْ أكتبهُ لكم ..
غيرُ هذا الذي أكتبهُ الآن .
يالها من فضيحة ..
أنْ تَغلِقَ على روحكَ الباب ،
وأنْ تفعلَ أشياءَ شائنةٍ كهذه .
 
***
الجنودُ في الحربِ يموتون .
الأطفالُ في الحربِ يموتون .
الجنودُ يُحارِبونَ .. كالجنود .. و يموتونَ كالكِبار .
الأطفالُ يُحارِبونَ كالجنود .. ويموتونَ كالأطفال .
لماذا يموتُ الأطفالُ في الحربِ ، كالأطفالِ ، وليسّ كالجُنود ؟
لأنّهُم لا يُقَدِّرونَ مخاطرَ الحُروبِ كالكِبار .
لأنّهُمْ على عكسِ الجنودِ الذين يُحارِبونْ العَدوّ .. 
لا أعداءَ لَهُمْ .
لأنّهُمْ لا يلعبونْ .
لأنّهُمْ يعتَبِرونَ الحربَ .. لُعْبَة .
***
لكُلِّ مدينةٍ روح .
لكًلِّ روحٍ بيتْ .
لكُلِّ بيتٍ رائحة .
لكُلِّ رائحِةٍ وجوه .
لكُلِّ وَجْهٍ قلب .
في هذه ” المفرداتِ ” الجميلةِ ،
كانَ ينشأُ الحُبُّ .
في المدُنِ والبيوتِ والوجوهِ والرائحةِ والقلوب الصغيرةِ ..
و في ” تلفونٍ ” ، سماويٍّ، وحيد ، يترَبّعُ في المَمّر .
تراقبهُ الأُمُّ والأبُ والأخوةُ الشَرِسون .
وحينَ يدُقُّ .. تدورُ بنا الأرضُ من فرط الخوفِ ، وفرط البهجة .
الآنَ .. يبدأُ الحُبُّ .. بروحٍ مُستَعْمَلَة .
بـ ” رامٍ  RAM ” جديد .
بـ ” موبايلَ ” نشتريهِ بالتقسيطِ المُريح ..
ونستدينُ أقساطَهُ ،
مِمّا تبَقّى لنا .. 
من هذه العائلةِ الغريبة  .
 
بلَدٌ مكسور .
قلبٌ مكسور .
روحٌ كسيرة .
كُلُّ هذا ليسَ مُهِمّاً .
المُهِمُّ هُوَ ..
 أنْ يكونَ هُناكَ قطيع ..
وانْ يكونَ لهذا القطيعِ .. قائِدْ .
عليكُم اللعنةَ جميعاً ..
من هضباتِ ” فايدة ” الخضراء ،
إلى بحر  ” الفاو ” الأزرق .

أنت وحيدٌ .. أنتَ وحدَك

أنت وحيدٌ .. أنتَ وحدَك
 
عماد عبد اللطيف سالم
أُريدُ صباحاً بلا دَم .
وسأقبَلُ أن ْيكونَ بِلا ضَوءْ .
أمّا مساءاً ..
فلِقِنْديلِ روحي ،
رَبٌّ يحْميهْ .
 
**
إكرامُ الحنينُ ، دَفْنُهُ .. 
في قلبٍ مهجور .
في ثلج البلاد البعيدة .
في الروح التي تشبهُ الليل .
إكرامُ الحنينِ في  ..
 طَيِّهِ كورقٍ عتيق ،
تمضغُهُ الروحُ كالتبغ 
وتنفثُهُ في وجهها
الذي لايزالُ ينبضُ
في عروق الأيام .
 
***
أنتِ التي وجهُها يشبهُ الصُبْح ..
سأستيقظُ  فجرَ الغد .
وأُعِدُّ لكِ طعامَ الفُطورِ ، على غير العادة ،
وأُبْقيكِ غافيةً في السرير .
وحينَ تَفِزّينَ قائلةً ..
سنتأخرُ عن ” التصويت ” ،
سأُباغِتُكِ بِقُبْلَة .
وقُبْلَةً بعدَ قُبلَةٍ .. بعدَ قُبْلَة ،
سترفضين مغادرةَ البيتِ .
ومعَ كُلّ قُبْلَةٍ جديدةٍ .. جدّاً
ستعرفينني أكثر .
وتثقين بوعودي ، الصعبة التصديقِ ، أكثر .
وقبل إغلاقِ ” المحطّاتِ ” بقليلٍ ، ستقولين لي ..
 أنتَ ” تحالُفي ” الوحيد ، ياحبيبي الجميل .
وستُصوّتينَ لي .. بكثافة .
 
***
أنتِ صوتي الذي بَحَّ من الضَيْمِ .
ووجهي الذي سوّدَتْهُ الحروب .
وحَبّةُ الهَيْلِ التي سقطَتْ ..
في فوطة الطين اليابسِ على الروح .
أنتِ الليلُ الذي يحتسي فيهِ أبناؤكِ خمرَ مذاهبهِمْ الرخيص ،
ويمضغونَ فيهِ ” كافيارَ ” العقائدِ ،
الذي قايضوهُ برغيفِ ” تَنّورُكِ ” الأسمرِ ،
وأستبدلوهُ بدمعِ أساكِ الذي يشبهُ الفحم .
أنتِ التي لا أحدَ يرفعُ لها لافتةَ في دروبِ العراقِ المُقفَرةِ ،
إلاّ من وجوههم الكالحة ..
أولئكَ الذين سنمضي غداً لتتويجهم ،
ونتركُكِ وحيدةً
تبكين فوق قبورِ ، الذين لولاهُم ،
لَما كانَ هؤلاءِ اللصوص ..أبناؤكِ بالرضاعة .
و لَما كانَ أولئكَ القتَلَة ..
أبناؤكِ بالتبنّي .
 
***
أنتَ وحيدٌ .
أنتَ وحدَكْ .
مثلُ بيتٍ بلا صَوْت .
مثلُ بصرَةٍ بلا شَطْ .
مثلُ شَطٍ بلا نخل .
مثلُ بغدادَ وحيدة .
مثلُ بغْداداتَ وبصْراتَ يشْبَهْنَ نساءاً قديماتَ 
يبْحَثْنَ عنك .
أنتَ وحيدٌ ..
مِثْلُكَ أنتْ .

احزان المصادفات السعيده

أحزان المصادفات السعيدة
 
 
كانَ كُلُّ شيءٍ ..
 سَيِّئاً جدّاً ،
بإستثناءِ شَيْئَيْن :
أنا .. الذي كنتُ أُحِبُّكِ جِدّاً .
والموتُ .. الذي لَمْ يَكُنْ يحدثُ هكذا ،
 صُدْفَةً جِدّاً .
امّا الآنْ ..
فأنا ، والموتُ
شَيْئانِ سَيّئانِ
جِدّاً 
جِدّاً .
 
***
مثلُ  ” مُحاسِبٍ ”  مُصابٍ بالنَحْس ..
كثيراً ما تَسْقُطُ المُصادفاتُ السعيدةُ ، سَهْواً ،
مِنْ  ” يوميّةِ ”  عُمْري .
وحينَ يبدأُ  ” كَشْفُ الأرباحِ والخسائِرْ ” ،
تَرْفِضُ حياتي  ” حِسابيَ الختاميّ ” ،
وتُصادِرُ ما تَبَقّى من رَصيدِ الفَرَحِ  في ” الصندوق ” .
وتُعيدُ الوجوهُ التي أحِبُها ،
تدويرَ الحُزْنِ المُتراكِمِ في ” أوّلِ المُدّة ” .
والآن ..
في ” الرُبْع الخالي ” من العَيْش
حيثُ تقتربُ  ” القيمةُ الدفْتَرِيّةُ ” لهذا الجَسَدِ منَ الصِفْر 
على قلبي المكسورِ أنْ يتحَقّقَ
مِنْ انّ  ” الصرفَ السابقَ ”  للحُبْ
يتطابقُ مع ” الصرف اللاحقِ ”  للأسى
في سِجِلاّتِ روحي .
***
مثلُ ساعي البريد المُخادِع ،
أقرأُ الرسائلَ ..
ثُمَّ أُعيدُ إغلاق المظاريف .
منْ تحْمِلُ لهُ الرسالةُ أخباراً سيّئةً ، 
أطرُقُ البابَ
وأبتسمُ في وجهه .
أمّا الرسائلُ الأخرى ..
فلا أطرقُ من أجلِها أبوابَ أصحابها .
أنا وجهتُها الأخيرة .
أنا صاحبها الوحيد .
***
عندما يُجَفّفُ النهرُ .. 
نهرُ ” الفرات ” .
يكونُ العطَشُ سورياليّاً ،
والدولةُ .. سورياليّة .
 
***
عندما ” يحترقُ ” النهرُ ..
نهرُ ” دِجلة ” ،
يكونُ السَخامُ .. سورياليّاً ،
والدولةُ .. سورياليّة .

 
الأسماءُ .. وجوه .
تنظرُ الأمُّ في وجهِ وَليدِها .. وتُسَمِّيهْ .
أنظرُ إلى وجوهِكُنَّ الحُلْوَةَ ،
وأُطابِقُها مع أسمائِكُنَّ ، 
فلا أجِدْ ، على غيرِ ماهوَ شائِعْ ،
وجَهاً واحِداً غيرُ جميلٍ .. في العراق .
الأسماءُ توجِزُ لي ..
قِصَصَ الوجوهِ ، القصيرةِ جدّاً .
قصصُ الضَحِكاتِ التي تشبهُ الماء .
قِصَصُ الفَرَحِ النابتِ ، في جَسَدٍ سَيّدَةٍ .. تَنْمو للتَوّ .
قِصَصُ الأسى ، الذي يريدُ للروح .. أنْ تكونَ بغدادَ أُخرى .
آهِ .. كِمْ أنْتُنَّ عَذْباتْ ،
يانساءَ المُدُنِ التي لا تَصْلَحُ للسَكَن ْ .
***
 هُناكّ أغانٍ بعدد الأشخاص .
لكُلِّ شخصٍ أُغنية .
عندما يموتُ الشخص ،
تختفي أُغنيتُهُ إلى الأبد . *
عماد عبداللطيف سالم
 
*( من عقائد شعب الأبابوريس – الأمازون )