في الوقت المناسب

في الوقت المناسب

عماد عبد اللطيف سالم

عندما تكونُ محظوظاً 

، تحدث كلّ الأشياء لكَ ، 

في الوقت المناسب .

الولادةُ والحبّ والحرب والحبّ ..

ثمّ تموتُ سعيداً ، في الوقت المناسب .

لكنّ الأشياء لم تحدث لك ، في الوقت المناسب .

مات أبوك قبل خمسين عاماً ،
في وقتٍ غير مناسب .

وأنتَ عشتَ بعدهُ كثيراً ،

عيشاً غير مناسب .
حتّى الحروب التي خضتها ، إلى الآن ،

لم تكنْ حروباً مناسبةً ، لموتٍ مناسب .

و ها هي تأتي اليكَ

، و تطرق باب روحكَ ،

فتفتحُ لها الباب .

وحين ترى وجهها الحلوَ 

ستُدركُ أنّ الوقت الذي ستحبّها فيه ..

غير مناسب .

ستغلق دونها الباب
وتبقى وحيداً .

أن تكونَ وحدكَ ، الآن ،

هو الشيءُ الوحيدُ الذي يحدثُ لك

في الوقت المناسب .

عيدسعيد – عماد عبد اللطيف سالم

عيدٌ سعيد 

عماد عبد اللطيف سالم

http://www.ahewar.org/debat/show.art.asp?aid=435703

 

تقع المقبرة في منطقة مضطربة أمنيّاً . منطقة ” عمليات عسكرية ” كما  تقولُ الجيوش . والوصولُ اليها صعبُ جداً ، وشاق . 

اتصلتُ بمن يُعيننا على ادخال السيارة إلى المقبرة لزيارة المرحوم ، فقال أنّ بأمكانه القيام بذلك مقابل مائة ألف دينار .

في يوم ” عرفة ” أبلغتُ النساء بذلك .. وأوصيتهنّ أن يكنّ على أُهبة الأستعداد .

في ليلة العيد زارني المرحومُ في المنام ، فشرحتُ لهُ ترتيبات الزيارة . قال لي غاضباً : لا تدفع فلساً واحداً لهذا ” النذل ” . وأضاف .. أنهُ لا يعتقدُ أنّ من الضروري زيارتهُ في ظروفٍ كهذه ، كما ان لديهِ في محل إقامته الجديد ، الكثير من الأصدقاء . 

في فجر العيد ، وكان الظلامُ لايزالُ دامساً ، شعرتُ بانّ الكثير من الأذرع تخضّني خضّاً .

فتحتُ عيني ، واذا بالغرفة مليئةٌ بالنساء المتّشحات بالسواد حول سريري .
قلتُ لهُنّ وانا مرعوب : ها ؟ ماهذا ؟ هل أنا ميّتْ ؟

أجابتْ إحداهُنّ ، واعتقدُ أنها زوجتي ، بصوتٍ فيه الكثير من خيبة الأمل : لا .. لم تمُتْ بعد .. ولكن حان وقت الذهاب إلى المقبرة .

أخبرتُ النسوةَ ” الحزينات – المنكوبات ” بما قالهُ المرحوم لي ليلة البارحة .. فاذا بهنّ يغادرنَ الغرفة بسرعة الضوء ، مثل أشباحٍ سعيدة .

بعد نصف ساعة كُنّ جميعاً مُزركشاتْ ، فرِحاتْ ، وشَعرَهُنَ مُسْدَلٌ ولامع ، ووجوهنَ قمحيّةٌ ومستديرة ، وكلهنّ يشبهن ” مونيكا بيلوتشي ” .

كانت رائحة التوأمين السياميّين ، ” الكاهي و القيمر ” ، تملأُ البيت ، والضحكاتْ ترُجّهُ رَجّاً .

الغريب أنّني لم اسمع ، ابداً ، زقزقة العصافير صباح هذا اليوم .

كانت الخرفان ، وحدها ، ” تُمعمِعُ ” في الحديقة .. ويتردّدُ صداها الحزين ، في كافة أرجاء المدينة .

بُلبُلَ الحُلْمِ .. في ” نارِنْجَةِ ” أيّامي .

 بُلبُلَ الحُلْمِ .. في ” نارِنْجَةِ ” أيّامي .
عماد عبداللطيف سالم
 
 لم  يَعُدْ  في  ” سامراء ”  شيءٌ 
 غيرُ مَسقَطِ  الرأسِ ،
وبقايا عِظامٍ لأبٍ 
كان يعشَقُ العَزْفَ على  ” قانون ”  العَبَث .
لم يعد في ” سامراء ” شيءٌ  
غيرُ  ” مَلْوِيّةٍ ”  أيّامي
، المقطوعةِ الرأسِ ،
وحيثُ تُقَدّمُني إبنةُ العَمِّ  ”  قُرباناً  ” 
 لهذه الريحِ 
وحدي .
لم يعد في ” سامراء ” شيءٌ  

غيرُ أضْرِحةٍ من حنينٍ
هاربةٌ إلى شيءٍ من الأسى
حيث لاشمسَ تتكَسّرُ على ذَهَبِ القِبابْ
وتُبلّلُ  روحي .
لم يعد في  ” سامراء ”  شيءٌ
ماعدا رائحةٍ  قديمةٍ ، لنساءٍ  قديماتٍ
توزّعْنَ على أسرّةِ عُشّاقٍ  مُفتَرضينْ
و عَبَرْنَ  ذات مرّةٍ  ” طريقَ الحريرِ ” ،
عائداتَ  إلى  قلبي .

لم يعد في ” سامراء ” .. غيرُ رائحةِ المواجِعِ ،
ونُتَفٌ من الغيمِ مَكْسُوّةٌ  بالوجوهِ التي أنكَرَتْني ،
و ” شارع البنكِ ” الذي تهجرُهُ الدكاكينُ
وأبناءُ العشيرةِ  الحالمونَ ..
 ببغدادَ أخرى  .
لم يعد في ” سامراء ” شيءٌ سِواي .
 أنا الذي ينتظرُ القُبُلاتَ  المستحيلةَ
في دروبها المُطفأةْ .

***
.
لمْ يكُنْ في ” العطيفيّةِ ” غيرُ رائحةِ النارِنْجِ ،
و عَمّي ” مُحمَّدَ ” الذي يزرعُ الأسى ،
و ” أبو دَلَفٍ ” الذي يزرعُ  ” الخَسَّ ” ،
 و ” فردوسُ ” التي تزرعُ الحُلْمَ ،
و عمّي ” حميد ” الذي يصطادُ كُلّ ألفِ عامٍ ، سمَكَةً واحدةً ،
من نهرِ دجلة .
كُلُّ الذينَ ذَكَرْتُهُم .. ماتوا ،
إلاّ ما كانَ يزرعَهُ عمّي ” مُحَمّدَ ” ،
وها نحنُ نحصُدُهُ الآنَ .
كُلُّ الذينَ ذكرتُهُمْ .. راحوا ،
و كأنَّ وجه ” فردوسَ” لمْ يبتَسِمْ لي 
 ، إلاّ قبل ساعاتٍ ،
عندما ذهبتُ إلى حيثُ كانتِ الروحُ تحبو
ولَمْ أجِدْ مَمرّاً إلى النهرِ ،
و حيثُ لَمْ يَعُد الأنتظارُ
 يُشاكِسُ عمّي ” حميد “
الذي يصطادُ سمَكَةَ كُلّ ألفِ عامٍ
ويعودُ مُمْتَنّاً إلى دجلةَ
الذي لم يخذُلْهُ يوماً
 أمامَ خيباتنا المستطيلة .
لم يكُنْ في ” العطيفيّةِ ” شيءٌ
غيرُ رائحةِ  الطَلْعِ
و ” السَدّةُ ” التي ينبتُ التوتُ فيها
و ” فردوسُ ” التي أصطادتْ لي بُلبُلَ الحُلْمِ
في ” نارِنْجَةِ ” أيّامي .

الاشياء تاتي وحدها

الأشياءُ تأتي وحدَها .
أنتَ لا تَسْتَدْعيها .
أنتَ لا تفرحُ  دونَ سبَبْ ،
ولكنّكَ تحزنُ دون سَبَبْ .
هي لا تأتي دون سَبَبْ ،
ولكنها تذهبُ دون سبَبْ .
أنت تحزنُ دون سبَبْ ،
ولكنّكَ لا تبكي دون سبَبْ .
الأشياءُ مثلُ النساءْ ،
وأنتَ تهدُرُ وقتكَ على قلوبهنّ الصغيرة .
أنتَ تهدرُ وقتكَ على الأحلام .
الأحلام العَصِيّة .
والنساءُ بعيداتٌ عنك .
أنتَ تعرفُ ذلك .
تعرفُ أنّكَ وحيدٌ ، وحزينٌ ،
وبائِسْ ،
مثل موناليزا مُسْتَنْسَخَة ،
على حائطِ  روحِكَ
الباردِ الضوء .
 
***
 
بعيداً عن هذا العّبَثْ ،
حيثُ لاشيءَ .. أبَداً ،
سأنتَخِبُ حبيبي .
سأُصَوِّتُ لعينيهِ الضاحِكَتينِ ، المُشاكِسَتَينْ .
وأغْمِسُ إصبَعي في نبيذِ حَنيني إليهْ .
وأمنَحَهُ كُلّ المَقاعِدِ  في باحَةِ قلبي .
وعلى عَكْسِ الوجوهِ العابِسَةِ في اللافتاتِ الهَشّةِ ،
تتوَرّدُ وجْنَتاهُ في الريح ،
ويفوحُ عِطْرُها على شَفَتي .
وهكذا سيَمْنَحني الحبيبُ حُزْنَهُ الحُلْوَ دون ” عُمولَة ” .
فما دام ” البرنامجُ ” هو العيشُ مَعاً .. كعُصفورَينِ نَزِقَينِ ،
في عُشٍ مُسْتَأجَرٍ من عائِلَةٍ هَجّرَها التاريخ ..
سيحكُمُ إئتلافُ روحَيْنا ،
هذا الجُزْءَ البائَسَ من العالَمِ 
إلى الأبّدْ .
 
 ***
ليستْ الكوابيسُ سيّئةً كلُّها .
فبعضها أحلامٌ لمْ تتحقّقْ بعد .
ليستْ الكوابيسُ كلُّها كوابيس .
فالكثير منها .. لقَطاتٌ بطيئة 
بالأبيضِ والأسوَدْ ،
لهذا الذي يحدثُ الآن .
 
***
لا تَواصُل .
 هذا ليسَ تَواصُلاً .
أنتَ لا تَلْمَسُ شيئاً .
أنتَ لا تَشُمُّ أحداً .
أنتَ لا تَرى غيرَ حُروفٍ باردةٍ  ، ووجوهٍ يابسةٍ
على شاشةِ مَنْفاك .
ثمّةُ من يخدَعُنا .
البيوتُ قبورُ الأحياء .
الغرفةُ تابوت .
وأنتَ وَحْدَك .
أمامكَ شيءٌ واحدٌ مُضيء  ..
تبحثُ فيهِ عن صديقٍ  وحيدٍ ،
وحزينٍ ،
مِثْلَكْ .
عماد عبداللطيف سالم

الطلبةُ ، والعشائرُ .. وسَخامِ الحروب السخيفة – عماد عبد اللطيف سالم

نحنُ الذينَ .. في العراق .
طلبةً واساتذة .
بعد حينٍ سنعودُ إلى قاعات الدَرْس .
ماذا سنقولُ للطَلَبَة الواجمين المذهولين ، الذين شاخوا قبل الأوان ، وهاهُم  ينوئون بتبعاتِ مِحَنٍ لايعرفونَ لها سبباً ، ولا يجدون لها تفسيراً  ؟
ماذا لو طرحوا علينا اسئلة الأيام الصعبة هذه ؟ وكيف سنُجيب ؟
ماذا سنسألهم ؟ 
– هل تتذكرون شيئاً ما ، عن آخر محاضرةٍ أُلقيتْ عليكم قبل قرون ؟
– ماهو وضعُ أقربائكم الجنود في ” جبهة ” الحرب ؟ ومَنْ مِنْ أقاربكم  لايزالُ هُناك ، ولم يَعُدْ إلى البيتِ بعد ؟
– إلى أي العشائرِ تنتمون ؟ هل عشائركم من الصحوات القديمة ، أم من الصحوات الجديدة ؟ 
– هل عشائركم مع داعش ، أم ضدّها ؟
– من منكُم على إستعدادٍ للقتال مع عشيرته ضد الأرهاب ؟
– أين أحتفلتُم بعيد الحُبّ .. وكيف ؟
– ماهو أجملُ نشيدٍ للمعركةِ في هذه الحربِ ، وفي الحرب التي سبَقَتْها .. وفي الحربِ التي تليها ؟
– هل تعتقدون أنّ الأسوأ قد مضى ، وأنّ الأفضلَ قادمٌ لامحالَة ، وإنّ علينا أن نبدأ المحاضرة كأنّ شيئاً لم يكن ، وأن نَسْتَعَّدَ للأمتحان ، وأن نُراجِعَ الأسئلة ؟
سيكون الطلبةُ مُتعبينَ جداً ، وسينامُ بعضهم بعد أن تبدأ المحاضرة الأولى ، في الزمن الذي ينتمي إلى ما قبل التاريخ  .
وحين تحاولُ إيقاظَهُم بسؤالٍ مًباغتٍ عن العائد والكلفة في هذا البلد ، سيقولُونَ لك بثقة ٍ زائدةٍ عن الحدّ :
عن أي شيءٍ تتحدثُ يا أستاذنا الفاضل ؟ أيّةُ كلفةٍ ، وأيُّ عائد ؟ ألا تعيشُ في هذا البلد ، أم أنّكَ قادمٌ من كوكبٍ آخر ؟  ثُمّ يَعودُون  إلى ” غُربَتِهِم ” عن كلِّ شيءٍ  .. لينامَون من جديد .
ستلوذُ بالصمت ، لأنّ لا معنى لما تقوم بتدريسه . وانتَ تعرفُ ذلك ، وتعرفُ أنّ الكثير قد ماتَ فيكَ منذ زمنٍ طويل .
لكن أن يموتَ ، ” كلُّ شيءٍ ” ، في شبابٍ لم يتجاوزوا أوائل العشرينيات من أعمارهم بعد ، فهذا ما يفوق حدود إحتمالك .
ستذهبُ إلى عمادة الكليّة ، وتقدّم نماذج أسئلتكَ ” الفارغة ” ، وتعود إلى البيت .
إنّ ” غداً” ، قد يكون توقيتاً لحرب ٍجديدة . وهو يومُ للموتِ على أيّة حال .
وقد نخوضُ بعدهُ حروباً أخرى ، تتطَلّبُ أسئلةً أخرى ،
لايستطيعُ لا الطلبةُ ولا الأساتذةُ ، ولا الوطن ، الأجابة عنها الآن .

عماد عبد اللطيف سالم- كيف يُمكنُ لي

كيف يُمكنُ لي
وأنا في آخرِ هذا العُمرِ السيءِ الصيتْ
أن أكونَ دَجّالاً ؟
كيف يُمكن لي أن أقول لأجملِ امرأة تُصادفني كُلَّ يوم ٍ ..
أحبّكِ سيدتي مُذ كنتُ في العاشرةِ من العُمر / لكننّي لم ألتقيكِ من قبل / فأغفري لي غفوتي/ وصحوتي / وشَيبي / وعيوبي الكثيرات جداً عليك / وأنتِ في العشرينيات ِمن العمر/ وأنا في ستينيّات ” الأسى الوطنيّ ” الموروث منذُ عصرِ المشيمة ؟
كيفَ أدخلُ الصَفَّ وأُعلّمُ طلابي شيئاً عن الحزنِ والخوفِ والأمنياتِ الجميلةِ ..
في الصفِّ الأوّلِ من بكالوريوس العَبَثْ ؟
كيف يُمكنُ لي أنْ أخُطَّ على سبّورةِ الوقتِ أسئلتي
عن كيفيّة إرتكاب الرُضَّعِ لأحلام ٍ مُخِلّة ٍ بالشَرفْ
وقلوبُهُمُ الغضّةُ تتَدَلّى
من الأشكال البيانيّة لتاريخ الأجدادِ المُلَطّخِ بالهستيريا .

الشوفینية الشيعية المستحدثة: نشأتها، ملامحها، توجهاتها

ارجو قراءة هذه الورقة  بالكثير من التأني ، كي نفهم بعضا مما يحصل ( أو بعضا مما يحصل )  في العراق الآن ، في ظل قيادته الحالية . وبطبيعة الحال ستكون هناك الكثير من التحفظات ، والرؤى ، ووجهات النظر المختلفة مع طرح الكاتب . غير ان كل هذا لن ينتقص في نهاية المطاف من اهمية هذه الورقة ، وعلى أكثر من مستوى من مستويات التحليل .‏
عماد عبد اللطيف
الشوفینية الشيعية المستحدثة: نشأتها، ملامحها، توجهاتها
4/25/2012
نبراس الكاظمي
“انصروا مختار العصر”…هذا ما صدحت به احدى اللافتات المرفوعة في مراسيم اربعينية الحسين التي مضت، في شهر يناير. كما اظهرت اللافتة صورة لرئيس مجلس الوزراء العراقي السيد نوري المالكي، قاصدة به “مختار العصر”، الى جانب صورة للممثل الايراني فريبورز آربنيا، الذي جسّد دور المختار بين ابي عبيدة الثقفي، في مسلسل من اربعون حلقة تم عرضه على تلفزيون الجمهورية الاسلامية الايرانية لاول مرة في عام 2010.
والمختار الثقفي، في نظرة الشيعة إليه، هو من قاد ثورة التوابين في عام 686 ميلادية ليأخذ بثأر الحسين بن علي، واستطاع جند المختار ان يقتلوا عددا ممن ساهم في قتال الحسين في معركة كربلاء، مثل الشمر بن ذي الجوشن، ثاني اكره شخصية في التاريخ من بعد يزيد بن معاوية في المنظور الشيعي. وكان المختار يناصر محمد بن الحنفية ويداعي بإمامته، وابن الحنفية هو ابن الامام علي من غير فاطمة، كما يدل اسمه على ذلك. ولكن هناك اشارات، في مصادر شيعية وسنية، تفيد بأن المختار كان شخصا غير مرحّب به لا من قبل ابن الحنفية ولا من قبل الامام علي زين العابدين، ولكن هذه الامور التاريخية وحيثياتها كلها ليست مدار بحثنا.
ولا ادري ان كانت هذه اللافتة قد رفعت في العراق او في احدى المنافي، اذ انها منسوبة الى اهالي بلدة زرباطية، وهي بلدة الى جنوب شرق بغداد ذات اغلبية فيلية. وكان الكورد الفيليون الشيعة قد شهدوا تمييزا مضاعفا ضدهم، قومي ومذهبي، في سنوات حكم حزب البعث، الذي سفّر مئات الآلاف منهم الى ايران بحجة التبعية الفارسية، وغيّب عشرات الالوف من شبابهم في السجون والمعتقلات والمقابر الجماعية.
فما هي الرسالة التي اراد موكب اهالي زرباطية، ان كانوا في العراق او خارجه، ان يوصلوها بهذه اللافتة؟
ان اختيار لقب “مختار العصر” لوصف نوري المالكي من قبل انصاره، والذي يفضّل اعلامه الرسمي ان ينعته بلقب “قائد المرحلة”، يدعونا الى التساؤل عن طبيعة هذا “العصر” او ملامح هذه “المرحلة” التي تتطلب “مختارا” جديدا ليقودها؟
وعند استرجاع الشخصيات والرموز من الماضي الشيعي وادخالها الى معجم السياسة الحالي، لماذا تم اختيار شخصية “المختار” بالتحديد؟
العراق يشهد ظاهرة سياسية جديدة، وهي الشوفينية الشيعية المستحدثة، وهذه اللافتة اعلاه وشعارها “انصروا مختار العصر” تختزل الكثير من بوادر الظاهرة: فقائدها وراعيها هو نوري المالكي، ومسعاها هو الانتقام من اعداء التشيّع، وظرفها جاء متزامنا مع خروج القوات الامريكية، وقضية طارق الهاشمي. ومن ابرز سماتها استرجاع الرمزيات التاريخية للتشيع، وكأن هذه الظاهرة تسعى الى تصفية الحسابات ليس مع الهاشمي فحسب، بل مع اعداء الشيعة على مر التاريخ. ولها ملامح بدأت تتبلور، وبعضها امتزج مع الشوفينية القومية ليصّب ناره على الكورد بالإضافة الى السنة. ومن ملامحها الاخرى هو التفاعل مع المحيط وكأن هناك مؤامرة اقليمية ضد الشيعة، مما يتوجب على شيعة العراق التصدي لها عسكريا. وتحوي في طياتها صراعا شيعيا-شيعيا مؤجلا، يمايز بين الشيعة انفسهم على اساس المناطقية والطبقية. واراها، اي هذه الشوفينية، ستتسبب بتمزّق العراق من بعد حرب طاحنة وبشعة بين الطوائف والقوميات، لينزوي الشيعة في بلد جديد من بقايا العراق يديرون فيه شأنهم من دون الالتفات الى شريك سني او كردي. وفي نهاية المطاف، ستشّوه هذه الظاهرة جوهر التشيّع، لتجعل من المذهب اداةً في صراعٍ سلطوي على القوة والمال، وليس صراعا قيمي ووجداني ضد الظلم والطغيان، خصوصا بعد ان يصبح الشيعة هم الظالمون.
الفرق بين المغالاة و”الشوفينية”
لم اسميتها بـ “الشوفينية الشيعية المستحدثة”؟ الشوفينية مصطلح سياسي، امسى دليلا على الغلو والتطرف في العقيدة والهوية. ولكن التاريخ الشيعي حافل بالغلو، ولهذا علينا ان نميّز بين الغلو التقليدي النابع من صلب التشيّع، وبين الشوفينية.
المغالاة الشيعية كانت دوما تنطلق، عبر التاريخ، من الروح الثورية لدى الشيعة، وهي في اساسها ثورية سياسية معبأة ضد زمرة حاكمة، ظالمة ومتسلطة، مغتصبة للملك والمال. ولكن هذه النزعة الثورية كانت تتطلب تحشيدا شعبويا سريعاً، وقد وجد القائمون عليها ان التمادي في اضفاء هالة من القدسية والكرامات على اولياء الشيعة وخواص المذهب سيشجّع المستضعفين في الارض على تجاوز مخاوفهم المنطقية عند خروجهم ثائرين ضد حاكم قوي ومتسلط. فإذا كان قادة الثورة مصطافين من قبل السبحان، فهذا التكريم الإلهي سيعوض الثوار ضعف حالهم العسكري والمادي في مواجهة سلطة الدولة، ويرفد صفوفهم بأفواج من الملائكة يقاتلون تحت راية الثورة. وفي مرحلة من مراحل هذه السّمة المغالية، امتزجت هذه الروح الثورية بالعقيدة المهدوية، الغيبية، الباطنية، ليشهد عالم التشيع فرقا مغالية متعددة، مثل الكيسانية، والاسماعيلية (وكل إرثها المتشعب مثل الدعوة الفاطمية، وحركة حسن الصبّاح، والقرامطة، والدروز)، والنّصيرية. ومن ثم امتزجت بعقائد قوميات اخرى، غير عربية، لتخرِّج لنا معتقدات مثل الخرميّة والقزلباشية والكاكية، وما إليه. وكدلالة على عنفوان هذا الغلو، فقد استطاعت الكثير من هذه الفرق ان تصمد وتحافظ على كيانها الى يومنا هذا، حتى من بعد انكسار راياتها وتعرضها للقمع والابادة على يد اعدائها، من داخل الفلك الشيعي ومن خارجه.
ولكن التشيع الاثنا عشري، الذي يتمتع اليوم بالغلبة العددية على باقي الفرق الشيعية، تكوّن وتجسد واخذ قالبه من بعد انتصار الصفويين (العائلة الكردية المتصّوفة والمغالية، والمدعومة بجندها الاتراك) في الحيازة على مقاليد السلطة في ايران، وانشاء سلالة حاكمة ذات نيّة توسعية امبريالية. وقام الصفويين بتعزيز موقعهم في السلطة عن طريق قمعهم للروح الثورية والمهدوية الشيعية داخلياً، بالرغم من استمرارهم في توظيفها خارجياً في توسيع رقعة دولتهم والاستيلاء على ممالك اعدائهم. فالثورية الشيعية تهدد الحاكم الشيعي، ولكنه ما زال يحتاج الى قدرتها على تحشيد العوام لخوض حروبه التوسعية، ولتصفية خصومه. وفي هذا المسعى قام الشاه عباس الاول بقمع الحركة النقطوية المغالية، التي باتت تهدد سلطته، وجاء مَن بعده و”استورد” العلماء العامليين، الذين لحقهم العلامة المجلسي وتابع مساعيهم في تشذيب وتنقيح التشيع من غيبياته المغالية، مع تدجين واخراج للعقيدة المهدوية وتحييدها كعامل قلق او تهديد ضد الحاكم الشيعي الصفوي. فكانت النتيجة الحتمية، من بعد قرون، وفي الفترة القاجارية اللاحقة، عندما استعاد المذهب الاثني عشري انفاسه من بعد انكسار شوكة الصفويين ومحاولة احياء التسنن في ايران على يد من تعاقب على الحكم من بعدهم، ان يتم قمع الاخباريين، واحتواء الحركة البابية، آخر الحركات المهدوية المقلقة الكبرى، وتعزيز حكم ونفوذ الحاكم، الذي بات، وفي تنسيق مع كبار علماء الفقه الإثنا عشري، الوكيل السياسي للإمام المهدي في غيبته.
اي ان الاثنا عشرية امست اقرب الفرق الى السلطة الشيعية، وحين مارست الحكم، ابتعدت عن المغالاة الثورية والعقائدية والغيبية، وسعت الى توظيف وتطويع المذهب، بعواطفه وبرمزياته وبعنفوانه، من اجل غايات سياسية وسلطوية واستراتيجية، حينما يكون الحاكم شيعياً. ما يعني ان امتزاج التشيع المتطرف بالسياسة يخرج لنا شوفينية شيعية متطرفة، تتمايز عن السمة المغالية التقليدية في التشيع.
واذا كان الحاكم شيعيا، يتم سوق مبدأ الحفاظ على المذهب ونصرته لتبرير قسوة وغلاظة هذا الحاكم، الموكّل من قبل الامام الحجّة كي يحافظ على التشيع من اعداء المذهب الداخليين والخارجيين على حد سواء، ولكن النتيجة الحتمية لتبريرات كهذه تكمن في انها تضع من هو عدو الشاه الحاكم ومن هو عدو المذهب في بوتقة واحدة، فتختزل المذهب بالحاكم. فالعدو الخارجي لدى شوفينية الصفويين كانت الدولة العثمانية، التوسعية هي الاخرى، والعدو الداخلي كان يتمثل بالحركات الشيعية المغالية المقلقة (مثل الاسماعيليين في ايران)، وكذلك بالبؤر السنية الصامدة داخل رقعة الدولة. فأتبع الصفويين، والقاجاريين من بعدهم، سياسية تهدف الى تحجيم اعداء الداخل عن طريق القمع تارة، او عن طريق دفعها لاعتناق التشيع الاثنا عشري تارة اخرى. وهذه السياسة لم تطال الشيعة المغالين والسنة فحسب، بل انجرت على اديان وطوائف اخرى، مما حدى بالزردشتيين الى الهجرة الى الهند، مثلا، وفي مثال آخر تم تسليط هذه الشوفينية على الطائفة اليهودية في مدينة مشهد، وخصوصا بأنها طائفة “نجسة” في المفهوم الشيعي في حين انها تسكن في احدى المدن الاقدس في ايران، لذلك تم اصدار فرمان شاهنشاهي بإجبارهم جميعا على اعتناق الدين الاسلامي، بمذهبه الشيعي، في عام 1839.
ما يدل على ان الشوفينية الشيعية، المسخّرة لخدمة الحاكم الشيعي، لن تتوانى عن ظلم طرف ضعيف يقبع تحت سلطتها في سبيل تحقيق مصالح المذهب، ومصالح الحاكم، في آن واحد، حسب هذه السوابق التاريخية.
“الريفانشية” او النزعة الانتقامية في السياسة
وفي علم السياسة يوجد مصطلح آخر، وهو “الريفانشية” ليدل على النزعة الانتقامية لدى طرف سياسي معبئ خصيصا لتحقيق هذا الانتقام. والريفانشية مرادفة للشوفينية، بل تعززها، وهي ايضا مرتبطة بحالة ظرفية الا وهي الحيازة على شيء من القوة، وتوظيف هذه القوة في الصراع السياسي بين هويات متنازعة على السلطة. فالقوي لديه خيار المغفرة عند المقدرة، والصفح عمن اساء اليه في الماضي. او له ان ينتقم، وفي ذلك تعزيز لقوته، لأن الانتقام السياسي يوفر تعبئة سياسية، ونجاح هذا الانتقام سيخلي الساحة من المنافسين.
وللمهدوية الشيعية بُعد انتقامي في اساس عقيدتها، كان يعبئ الشيعة على مدى العصور للثورة ضد اعداء التشيع، فعندما ينادي الشيعي “يا قائم ادركنا” فإنه بذلك يتطلع الى ظهور المهدي كي ينصره ضد من يظلمه وينتقم له، ليملأ “الارض عدلا وقسطا بعد ما مُلئت جورا وظلما”.
والريفانشية، في المفهوم الشيعي، هي المهدوية ببُعدها الانتقامي من دون الحاجة لظهور المهدي، وبالتالي تقع مسؤولية الانتقام على عاتق من يدعي الوكالة عنه، ومن هم في مرتبة خواص الشيعة الحاكمين والاقوياء، الذين تناوبوا على هذه الخاصية والمنزلة في القرون الخمسة المنصرمة، وهم: الصفويين، ومن ثم القاجاريين، ومن ثم الولي الفقيه بـ “بدعة” الخميني، والآن قد آلت الراية الى الزعامات الشيعية في سدة الحكم في العراق.
وكانت الريفانشية هي السّمة السياسية الطاغية في السجال السياسي العراقي، بدأً من الهستيرية الجماعية السنية التي تصورت بأن الشيعة (والاكراد كذلك) قد انتصروا في يوم 9 نيسان 2003 كي يدشنوا حقبة انتقامية ضد السنة، بالرغم من الرسائل التطمينية الكثيرة من الاحزاب السياسية الشيعية والكردية، ومن الطرف الراعي الامريكي، بأن حقبة ما بعد صدام لن تكون حقبة انتقامية، بل هي حقبة شهدت الكثير من المحاولات لإشراك السنة في العملية السياسية وفي العراق الجديد.
ولكن مؤخرا، وبعد ان قام السنة بتجاوز هستيريتهم، والانخراط بشكل حقيقي في العملية السياسية منذ عام 2009، ونبذهم لأدوات العصيان والتمرد في معرض رد فعلهم على ما حدث في يوم 9 نيسان، فإننا نشهد في يومنا هذا ظاهرة ريفانشية شيعية قوية ومتشددة، تطالب بالانتقام من السنة (ومن الاكراد كذلك)، بل قامت بتفويض “مختار العصر” السيد المالكي لتحقيق هذا الانتقام. فكيف حصل ذلك؟
كيف وصلنا الى هذه اللحظة؟
تحديد المسؤولية التاريخية والمعنوية لمن اوصلنا الى هذه اللحظة ليس من غايات هذا المقال. فمن ألقم الآخر بالحجر الاول، ومن اطلق دوامة العين بالعين، ومن يتحمل وزر لحظة الخطيئة الاولى، وبالتالي يبرر الحاضر بمفهوم “البادئ هو الاظلم”، كلها تشخيصات ستكون من اختصاص المؤرخين في المستقبل في مساعيهم لفك طلاسم الماضي. ولعل مناظرتي الحوارية مع الدكتور ظافر العاني، وهو من يشار اليه بأنه “منظّر السنة”، والتي جرت على صفحات الفايسبوك مؤخرا (وتم اعادة نشرها في هذه المدونة)، تعد المسّودة الاولى الساعية للإجابة على سؤالنا اعلاه، “كيف وصلنا الى هذه اللحظة؟”
واقتباسا من نهايات الحوار، والذي دام لثمانية ايام متتالية، اجد بأن الحدث الاهم الذي اطلق الشوفينية الشيعية المستحدثة، بنزعتها الانتقامية الريفانشية، كان قضية السيد نائب رئيس الجمهورية طارق الهاشمي.
وقضية الهاشمي، في حيثياتها وتفاصيلها والغايات منها، ليس مبحثنا هنا ايضا، ولكن لنا وقفة على تأثيرها على الرأي العام الشيعي وكيف تسببت في اطلاق هذه الشوفينية الانتقامية لدى الشيعة عموماً.
فالسؤال الذي يخصنا هنا هو “لماذا هذا الوقت بالتحديد؟”
لما لم نشهد انطلاقها في الاعوام 2003 (…في شهر آب، عند اغتيال الرمز السياسي الشيعي محمد باقر الحكيم في الحضرة العلوية)، او 2004 (…في شهر آذار، عندما وقعت تفجيرات يوم عاشوراء، واحداهما داخل العتبة المقدسة في الكاظمية)، او 2005 (…في شهر آب، حادثة جسر الائمة)، او 2006 (…في شهر شباط، عندما تم تسوية الحضرة العسكرية في سامراء بالأرض)؟
نعم، ظهر شيء من الريفانشية الشيعية من بعد حادثة سامراء، متمثلا بإطلاق يد جيش المهدي في استهدافه لعوام السنة في بغداد والحلة وديالى، بالرغم من ان سياسة المرجعية العليا، المتمثلة بالسيد علي السيستاني، كانت دوماً تدعو الى ضبط النفس وعدم الانجرار وراء النزعة الانتقامية عند كل حدث استفزازيٍ جمّ وكبير، والذي شأنه كان ينذر بانطلاق حرب اهلية شاملة بين السنة والشيعة.
ولكن حتى هذه الريفانشية في عام 2006 تم تحجيمها من بعد حين، وقامت الدولة العراقية، بقيادة نوري المالكي، بقمعها في عملية صولة الفرسان في آذار 2008، بعد ان اصبح جيش المهدي عبئا على الجسد السياسي والمجتمعي الشيعي، وبعد ان تم حسم معركة بغداد ضد متطرفي السنة في عام 2007. وواكبتها سياسة امريكية جديدة تهدف الى زيادة عدد قواتها المقاتلة في العراق، ووضع مساحات فاصلة بين الشيعة والسنة في بغداد ومناطق اخرى من خلف الحواجز الكونكريتية.
ولعل قيام الامريكان بقتل ابو مصعب الزرقاوي في شهر حزيران من عام 2006، في بلدة هبهب، كان عاملا مهماً ساعد بإشفاء بعض الغليل الشيعي.
وهنا يواجهنا سؤال لا يسهل الاجابة عليه: هل كان الانتقام مؤجلا الى حين خروج الرادع الامريكي؟ هل كان هذا هو السبب وراء تحفظ المالكي على معلومات لديه تخص “اجرام” طارق الهاشمي المزعوم لثلاثة اعوام، حسبما صرح به؟
قضية الهاشمي، في المنظور الشيعي العام، دقّت المسمار الاخير في نعش فكرة التعايش المشترك بين السنة والشيعة في العراق، اذ انها اسقطت ورقة التوت، في العقل الجماعي الشيعي، عن العملية السياسية، وفندّت فكرة وجود “الشريك السني المعتدل والمقبول”، وان كان مقبولا على مضض.
بالطبع، هناك سنة مقبولين شيعيا، ولكن لم يكن هؤلاء مختارين من قبل الناخبين السنة. مثلا، السيد مثال الآلوسي، السني المعتدل والليبرالي، والمنادي بالهوية العراقية وبـ “الامة” العراقية، وصاحب الموقف الواضح ضد البعث وضد الارهاب، ومن دفع ضريبة مؤلمة مقابل هذا الموقف بمقتل ولديه، هو الشريك السني المثالي في اعين الشيعة، الذين احبوه، ولكن في المحصلة لم يكن لديه اصوات سنية كبيرة ولم يستطع ان يتكلم نيابة عن السنة، في حين ان الهاشمي، الذي ينفر منه الشيعة لتصريحاته النارية ضدهم، كان حائزا بمفرده على ربع مليون صوت في محافظة بغداد في الانتخابات الماضية.
وعلى الاقل، ايضا في المنظور الشيعي، كان الهاشمي اهون وافضل من باقي خيارات السنة ورموزهم، اذا ما قيس بشخص مكروه شيعياً، مثل الدكتور صالح المطلگ، وهتافات الاخير الاستفزازية في نصرة البعث وتبييض ماضي البعث، بالرغم من ان المطلگ كان متزوجا من شيعية، والناطق بإسمه، السيد حيدر الملا، كان شيعيا ايضا.
فالهاشمي خرج من بيئة سياسية سنية غير متلوثة بالبعث (الاخوان المسلمين)، وكان مشاركا، بصفته احد اركان الحزب الاسلامي، في العملية السياسية منذ ايام مجلس الحكم. وهو سليل عائلة سنية بغدادية معتبرة، ارفدت تاريخ العراق المعاصر بالكثير من الرجالات.
ولكن، إن شُبّه لهم، اي للرأي العام الشيعي، من خلال الاعلام الرسمي، ومن خلال التهم التي اطلقها المالكي والقضاء من خلفه، ان حتى هذا الرمز القيادي السني، المقبول نسبيا، اي طارق الهاشمي، كان يقتل ويغتال ويفخخ، وبدوافع طائفية بحتة، فتلك كانت صدمة كبيرة للشيعة، ومن الصعوبة تجاوزها، اذ انها اسقطت الحل المتمثل بالعمل والتوافق مع “الشريك السني” في سبيل “مستقبل عراقي مشترك”.
وفي حين ان اسطورة عثمان العبيدي، الذي توفي غرقا وهو يحاول انتشال الضحايا الشيعة الواقعين في نهر دجلة اثناء واقعة جسر الائمة في عام 2004، قد طيبّت الخواطر بعض الشيء في حينها، وخصوصا مع تركيز الاعلام الرسمي على تضحيته بنفسه من اجل العيش المشترك، فإن اسطورة نزهان الجبوري، الذي عانق الانتحاري العازم على استهداف الزائرين الشيعة في البطحاء اثناء الاربعينية الماضية، نفس الاربعينية حين رفعت لافتة “انصروا مختار العصر”، لم يكن لها نفس الوقع في اعادة الريفانشية الى قمقمها ولو مؤقتا.
بل ان الرأي العام الشيعي، وبتحفيز وتوجيه من الاعلام الرسمي والحزبي، بات ينظر الى طارق الهاشمي بأنه شخصية تختزل في طياتها كافة اعداء الشيعة عبر التاريخ، من عمر بن الخطاب الى معاوية الى يزيد الى ابو جعفر المنصور الى صلاح الدين الايوبي (…الذي “قتل الشيعة في بطون امهاتهم”، حسب النظرة الشيعية)، الى السلطان ياووز سليم العثماني الى ساطع الحصري الى صدام حسين والى ابو مصعب الزرقاوي!
وامست صرخة “يا لثآرات الحسين” لتعني “هاتوا لنا برأس الهاشمي طارق”!
الاسترجاع التاريخي الشيعي في مسعى الريفانشية
وهنا لنا وقفة مع هذه النظرة الشيعية الشعبوية للتاريخ، والتي تنظر الى الـ 1400 سنة المنصرمة وكأنها مسلسل طويل بلا انقطاع يعكس مظلومية الشيعة، والتي اختزلها النائب الصدري بهاء الاعرجي بمقولته “الشيعة مظلومين من ايام ابو بكر الصديق الى احمد حسن البكر”.
إن من يداعي بثارات الحسين ينسى، او يتناسى، ان المختار الثقفي قد استطاع ان يحصد رؤوس عدد كبير ممن قتل الحسين. ومن يداعي بالانتقام يتغاضى عن موقف ابن يزيد ووريثه، معاوية الثاني بن يزيد، الذي تنازل عن الحكم اسفا وخجلا عما فعله اباه مع آل البيت. وكذلك يتم نسيان ان الحكم الاموي استمر لمئة عام فقط، وانتهى بثورة علوية، قادها احفاد ابن العباس، وكانت نتيجتها قيام المنتصرين بنبش قبور الامويين في دمشق وبلاد الشام (عدا قبري معاوية الثاني المشار اليه آنفا، والخليفة عمر بن عبد العزيز، الذي وضع حدا للسياسة الاموية المتبعة في شتم علي بن ابي طالب من على المنابر)، والتمثيل برفاتهم.
ومن يداعي بالثأر ينسى بأن الخليفة العباسي المأمون كان ينوي استخلاف الامام علي بن موسى الرضا من بعده، بل ان الدنانير ضربت بإسم علي الرضا في حينها. ويتناسى بأن بعض الشيعة اصبحوا من كبار القوم المتنفذين في الحقبة العباسية، ابتداء بالبرامكة ومن ثم البويهيين (…الذين كانوا الحكام العسكريين الفعليين في الحقبة التي تولوها)، او ان ابن العلقمي، آخر وزير، اي الشخص الثاني في الدولة، لدى آخر خلفاء آل عباس، كان رجلا شيعيا. وهل لنا ان ننسى ايضا شخصية الخليفة العباسي الناصر لدين الله، مجدد امجاد الدولة العباسية في خريف سلطانها، الذي حسبه قومه واعداءه شيعيا لكثرة مجاملته للشيعة؟
واين نحن والتاريخ قد سجل نشأت العديد من الدول الشيعية؟ اين نحن من دولة الحمدانيين في الموصل وحلب، ودولة بني عمار على شاطئ بلاد الشام، مثلا؟ اين نحن من تاريخ الدولة الفاطمية في مصر وشمال افريقيا؟
وهل ننسى بأن الحركة الاسماعيلية استطاعت ان تصل بخناجرها، مرتين، الى من انهى الدولة الفاطمية، صلاح الدين الايوبي، وتركته، في المرة الثانية، جريحا؟
اين نحن من وجهة النظر السنية، التي رأت في هجوم تيمورلنك وجيشه التتري على الحواضر السنية، وتركه اهرامات من الجماجم من بعد فتحها، بأنه انتقام وغضب “شيعي”؟
وماذا عن نشوء الدولة الصفوية؟ هل ننسى ذلك ايضا؟ الا يعد ذلك انتقاما في زمن كان السنة يشكلون فيه اغلبية سكان فارس؟
من اين جاءت هذه النظرة الشيعية المستحدثة، والتي عبر عنها ليبرالي لبناني شيعي لي، في وقتها، بأن يوم 9 نيسان 2003 كان الرد التاريخي الاول لما حدث في سقيفة بني ساعدة؟
ألا يوجد سقف اعلى لـ “ثآرات” السقيفة؟ ام انها ستدوم من دون نهاية؟
وقد صاغ احد مفكري الشيعة الكبار في السبعينات من القرن الماضي مقولة “كل يوم عاشوراء، وكل ارض كربلاء”، ولم يفهم قصده من هم يرددون هذه المقولة اليوم، وكأن احداث الكون كلها قد اختزلت بتلك المعركة في نظرهم. فهل كان ذاك اليوم من عام 1928 الذي اخترع فيه العالم الاسكتلندي الكسندر فلمنگ علاج “البنسيلين” يعد بـ “عاشوراء”؟ هل كانت تلك البقعة من القمر، حيث اتخذ رجل الفضاء الامريكي نيل آرمسترونگ اولى خطواته، امتدادا لأرض “كربلاء”؟
الى متى؟
كيف نفهم هذا الاسترجاع التاريخي الذي ينتقي ما يناسبه من التاريخ ورمزياته، متناسياً جلّه، وكأننا ما زلنا في تلك اللحظة الاولى، عندما غبن الامام علي وضاعت عليه اولويته، في المنظور الشيعي، بالحكم؟
كيف نفهم الهوس الجماعي الشيعي، الذي شهدناها مؤخرا، عندما نطق الشيخ احمد الكبيسي (السني) بما ادان فيه معاوية بن ابي سفيان؟ فكان الرد الشعبي الشيعي على هذه الادانة شبيها بالنشوة الجدلية المتمثلة بـ “شهد شاهد من اهلها” او حتى التشفي بالسنة من باب “وجنت على نفسها براقش”، وكأن ادانة معاوية هو ادانة لمجمل تاريخ التسنن. ما هي الفائدة من مراجعة مرحلة من مراحل التاريخ بالصورة هذه، عندما خرج معاوية مداعيا بدم قريبه المغدور عثمان بن عفان، ومطالبا الامام علي بتسليم قتلة عثمان الذي لجئوا لديه وكانوا من شيعته؟ اهل نحسب ذلك تحليلا للتاريخ وللسياسة وللصراع السلطوي آنذاك، ام هو استحضار الماضي بنيَة تصفية خصومات الحاضر؟ لمصلحة من يتم استحضار الارواح لمحاكمتها وجلدها؟ اهل هذا كل ما سنفهمه من التاريخ؟ بأن “فلان كان على خطأ وفلان على صواب وبالتالي، بعد 1400 سنة، انا على صواب وانت على خطأ”…؟ وثم ماذا؟ هل سيشهد الكبيسي ضد معاوية في محكمة الجنائيات الدولية في لاهاي؟ هل سيصدر الانتربول مذكرة اعتقال بحق بني امية الفارين من وجه العدالة؟
بالطبع، فأن السنة لديهم استرجاعاتهم الخاصة من التاريخ، وباختزال وانتقائية تشابه الانتقائية الشيعية، والتي غذّت هستيريتهم في فهم الحاضر، فهم لم يستوعبوا ما حدث في 9 نيسان 2003 الا من خلال ربط المشهد بخيانة ابن العلقمي المزعومة وتسليمه، بحسب رواية ضعيفة وغير مقنعة، مفاتيح بغداد في عام 1258 الى قائد المغول هولاكو، مما ادى الى وضع آخر الخلفاء العباسيين في كيس وقتله برفس الارجل، وانهت بذلك خمسة قرون من السلطنة العباسية.
او تصورهم كذلك بأن الشيعة القادمين الى الحكم ما هم إلا امتداد للصفويين، الذين مات آخر حكامهم قبل ثلاثة قرون.
الشوفينية الشيعية ما بين غايات المالكي السياسية والانسحاب الامريكي والموقف الايراني
تجاوب الشيعة سياسا مع حدث 9 نيسان 2003 من خلال رصّ الصفوف طائفيا، تخوفا من امرين: الشعور بأن الشيعة تنقصهم الثقة بأنفسهم، من بعد عقود من تغييبهم سياسيا، واذعانهم للأمر الواقع، وايضا، بأن الطرف السني لن يرضى بتقاسم الحكم على اساس النسبة التمثيلية السكانية معهم او مع الاكراد، لما يكتنزه الموروث السياسي السني من افراط بالثقة واعتقاد بأحقيتهم في الحكم.
ومن هذين المنطلقين، انسجم خواص الشيعة السياسيين مع الطاقة التعبوية الكبرى للمرجعية الدينية في النجف، وخرجوا بأطر سياسية مثل “البيت الشيعي” لتنسيق الموقف التفاوضي الشيعي في امور معقدة مثل صياغة القانون الانتقالي، ومن ثم خوض الانتخابات بقوائم “شيعية” كبرى، لضمان قوة الموقف، وتعزيز الثقة بالنفس، عند التطرق لأمور اعقد مثل صياغة الدستور، او اعادة موازين التمثيل الطائفي في دوائر الدولة التنفيذية كي تتناسب مع القوة العددية والانتخابية الشيعية.
وهذا امر طبيعي في اي مرحلة انتقالية من بعد صراع مؤطر بهويات طائفية ومذهبية وقومية كما كان عليه الصراع السياسي العراقي منذ انشاء الدولة العراقية في عام 1921.
ولكن في مرحلة من المراحل، تغير هذا التخوف من نقص بالثقة الى نقيضه، الا وهو الافراط بالثقة لدى القوى السياسية الشيعية، مما حدا الامر بها الى الاستحواذ على كافة المقاليد، من دون الالتفات الى استحقاقات الشراكة من السنة، وتم تبرير هذا التوجه برفض السنة المشاركة، اولياً، في العملية السياسية، ومن ثم قيامهم بإدامة تمردهم ضد العراق الجديد. وحتى من بعد نضوج الموقف السياسي السني، وادراكه بأنه لن يستطيع ان يعيد عقارب الساعة الى ما كان الامر عليه في يوم 8 نيسان 2003، لم يجد خواص السنة نية صادقة لدى خواص الشيعة لإشراكهم في الدولة، والسبب هذه المرة لم يكن عائدا لوحدة صف الشيعة، وانما لتوجه طرف شيعي معين في الانفراد بالسلطة، على حساب الشركاء الشيعة الآخرين والسنة والاكراد على حد سواء.
فبعد خروج الراعي والرادع الامريكي، قام السيد نوري المالكي بمحاولة للانقضاض على كافة الشركاء، كي يضمن له ولحزبه الكلمة الاولى في ادارة دفة البلاد وثرواتها. وهو الموقف الذي شبهّه الكاتب سرمد الطائي بأن من بعد خروج “الضيف” الامريكي من بيتنا العراقي، قام المالكي بغلق الباب ومن ثم اقفاله، ووضع المفتاح في جيبه، واستدار على اهل الدار متوعدا ومهددا، وشرع بفك حزامه استعدادا للقصاص منهم وجلدهم به.
وجاءت ثقته هذه، المفرطة، لأن الاقوى، اي الضيف الامريكي، قد غادر المنزل، وبقي المالكي، الذي بات يجمع، في تلك اللحظة، كافة المقاليد العسكرية والامنية في يديه، وقد امسى هو الاقوى عراقياً. فتلاقت الريفانشية مع السطوة العسكرية، ومع الرغبة الاستبدادية الانفرادية في السلطة، لتنزل عليه نشوة القوة، وغطرسة النصر، مهددا بنصره هذا كل من سيقف في طريقه. وباتهامه شريكه الهاشمي اطلق المالكي العنان للشوفينية الشيعية المستحدثة، وساهمت ادارته الاعلامية لهذا الاتهام في تصويره على انه ادانة بحد ذاتها، حتى قبل ان ينظر القضاء في القضية. وتمكن المالكي بذلك من تعزيز موقفه السياسي شيعيا، عن طريق اظهار نفسه بأنه هو من سيحقق العدل لأبناء الطائفة، وسينتقم من اعداءهم، وليس شركاءه الشيعة الآخرين، وبأنه هو وحده قائد المرحلة ومختار العصر.
المفارقة تكمن في ان “النصر” لم يأت شيعياً ولم يؤسس على انتصار انتزعوه بأنفسهم، انما تغير حالهم بفعل دبابات بوش الإبن، وإن كان لبعض الشيعة ، مثل السيد احمد الجلبي، دورا محوريا في تحفيز الحرب على صدام. ولكن بدلا من يعززوا ترابطهم مع امريكا، مع الدولة العظمى، اتجه الشيعة الى ايران، الدولة الاقوى شيعياً، لتكون رديفهم وظهرهم القوي، بالرغم من ان قوتها لم تكن كافية اصلا كي تزيح صدام ولا نظام الطالبان في افغانستان، نصرة للشيعة، وخذلت كذلك شيعة السعودية والخليج من بعد وعدهم، في مطلع الثورة الايرانية، انها قادمة لتحريرهم. والمستغرب في الامر ان ايران لا تستمد قوتها من اقتصاد او علم او ترسانة عسكرية، بل ان قوتها مبنية على الجانب الاستخباراتي، وتهديدها الضمني بإستطاعتها ان تحرك خلايا وتنظيمات على نطاق الشرق الاوسط لمؤازرتها في حال تعرضها للخطر، اي ان القوة الاستراتيجية لدى ايران، وما يجعلها لاعبا اقليميا مهما، مبنية على خيوطها الامنية المتواصلة مع من يستطيع ان يفجر او يغتال او يشعل جبهة في مكان ما من المنطقة عند اطلاقها للإشارة. ولكن حتى في هذا المضمار، اي الاستخباراتي، فإن ايران لم توظف قوتها الاستخباراتية في حماية شيعة العراق من القاعدة والارهابيين، بل سخرت قدراتها الامنية والتخريبية لضرب الامريكان في العراق، مربكة بذلك من كان يحاول ان يعزز وجود الشيعي السياسي المهتز اصلا، وساعية في الوقت نفسه لتغليب اطراف شيعية موالية لها على حساب اطراف شيعية اخرى في حين ان الموقف السياسي الشيعي كان يتطلب وحدة الصف الذي سعت ايران الى شقه. بل انها لم تسع الى ردع النظام السوري، حليفها ورديفها، من تمكينه للإرهابيين في حربهم ضد شيعة العراق.
فأين كانت ايران حينما خاض الامريكان معارك الفلوجة الاولى والثانية، وعندما قتلوا الزرقاوي، ومن بعده ابو عمر البغدادي؟ لماذا لم ينبس احد من خواص الشيعة بكلمة “شكرا” لأمريكا، في حين نرى وزيرا عراقيا يقبل يد الولي الفقيه الايراني؟
ربما كانت تلك الثقة الضعيفة بالنفس هي ما جعل خواص الشيعة الحاكمين في العراق ان يلجأوا الى ايران، الشيعية، بدلا من امريكا، التي استطاعت ان توصلهم الى سدة الحكم. فمن ثقته مهزوزة لا يستطيع ان يتحالف مع القوي “الآخر”، ويستأنس فقط مع شبيهه في المعتقد والاصل.
خرج الامريكان، وبقي النفوذ الايراني عند خواص الشيعة، ولكن، هل لنا ان نتصور بأن الشوفينية الشيعية المستحدثة هي من مصلحة ايران؟ هل ما يحدث هو جزء من مخطط ايراني لعراق ما بعد امريكا؟
توهم المالكي بأن لديه دبابات ابرامز وهمفيات تركها له الامريكان، فظن، في نشوة وغطرسة لحظة النصر، بأنه آن الاوان لحسم المعركة مع الغير بعد ان رفعت آخر العوائق “الخارجية” مع انسحاب آخر جندي امريكي، هذا الجندي المتسبب اصلا بخلاص الشيعة من هيمنة الغير.
بل ان المالكي ذهب ابعد من ذلك، محاولا امحاء الدور الامريكي من يوم 9 نيسان، اولا عن طريق الغاء هذا التاريخ كعطلة رسمية، وثانيا عن طريق سحب رمزية هذا اليوم من مشهد اسقاط تمثال الطاغية في ساحة الفردوس من قبل مدرعة امريكية، الى رمزية الاحتفاء بيوم استشهاد السيد محمد باقر الصدر، مؤسس حزب المالكي، كإشارة ان يوم 9 نيسان 2003 جاء انتقاما إلهيا لقيام نظام صدام حسين بإعدام الصدر في نفس هذا اليوم من عام 1979، مختزلا بذلك كل النضال ضد صدام بحزبه، والنصر كذلك.
في رأيي، هذه الشوفينية الشيعية المستحدثة، التي يركبها المالكي كمن يركب التنين الهائج، فيها تهديد جوهري للسياسة الاستراتيجية الايرانية، لأنها تضع شيعة العالم في مواجهة مع السنة، عالميا، وهذه المرة بقيادة وريادة عراقية. اي ان ايران قد تكون قد بدأت تفقد السيطرة على المالكي وعلى ما قد يروم اليه، بما يشير على ان البلدين باتا على مفترق طرق في توجهاتهما الاستراتيجية.
الثورة الاسلامية في ايران لم تطح بحاكم سني. بل ان شاه ايران الذي اسقطته الثورة كان يستعير الرمزيات الشيعية في تعزيز مصداقيته السياسية. فمذكراته المنشورة في السبعينات، عندما كان ما زال حاكما، مليئة بالغيبيات الشيعية، من باب انه كان يرى في منامه الامام علي تارة، والعباس تارة اخرى، واللذان ابديا له، حسب روايته، رضاهما ورضى آل البيت عنه وعن سلطته. وفي نمط حكمه، كان الشاه مجاملا، الى ابعد الدرجات، لمطالب المؤسسة الدينية الشيعية التقليدية، وخصوصا في مسعاها لقمع البهائيين والحد من انتشار دعوتهم. وحتى عقيلته، فرح ديبا، كانت تضخّم من تبجيلها للمزارات الشيعية في ايران والعراق.
واراد الخميني ثورته ضد الشاه اسلامية، لا شيعية، لتدغدغ مشاعر الاسلام السياسي لدى كافة المذاهب. فعندما كان بحاجة الى عدو له، ولثورته، لم يؤطر ذلك بنظرة شيعية بحتة للتاريخ، بل اختار الغرب و”استكباره” عدواً، وليس السنة او التسنن.
واستمر المشروع الاستراتيجي لدى الايرانيين على هذا المنوال، وسخروا تنظيم حزب الله اللبناني، صنيعتهم الاهم اقليميا، لغاية ازعاج اسرائيل في ظاهر الامر وليس لمقاتلة سنة لبنان، ودعموه كما دعموا تنظيمات اسلامية سنية فلسطينية، كي يصوروا لمسلمي الشرق والغرب بأنهم ليسوا طائفيين، ردا على اعلام نظام صدام، وحلفائه في الخليج، الذين صوروا المساعي الثورية لدى الخميني بأنها احياء للنزعة الامبريالية الفارسية، او رغبة لدى المجوس في الانتقام من الغزو العربي الاسلامي قبل قرون خلت، واتهموا ايران بأنها تسعى، من خلال انشاء حزب الله، ودعم شيعة الخليج، ودعم النظام العلوي الطائفي في سورية، الى تشكيل هلال شيعي، اكتمل، من بعد عقود، وبفعل امريكي، مع انهيار نظام صدام حسين، الذي كان يحسب مجازاً “سنياً”.
هناك فرق كبير بين ثورة شيعية اسلامية ضد حاكم شيعي علماني مقرب من الغرب كما حصل في ايران قبل ثلاثة عقود، وبين انقلاب الموازين الطائفية بين الشيعة والسنة كما حصل في العراق قبل تسعة اعوام.
فالتغيير الحاصل في العراق وضع القيادة الايرانية في موقف صعب، كونها الدولة الشيعية الاقوى، ووضعها امام تحد كبير: هل يمكنها اختزال رسالتها العقائدية وكينونتها الاستراتيجية بقيادتها لشيعة العالم، وما قد يضفيه ذلك من اصطدام مع العالم السني؟ ام انها فوق الاعتبارات الطائفية، وتسعى لقيادة العالم الاسلامي بأجمعه، كما اراد لها الخميني؟
بإعتقادي، ايران غير راغبة، وغير قادرة، على خوض معترك شيعي-سني في هذه المرحلة، وهي تعي بأن الريفانشية الشيعية ضد السنة في العراق ستعبئ الدول الاقليمية السنية، ومن ضمنها تركيا القوية اقتصاديا وعسكريا، والعائدة بقوة ايضا الى ميدان الشرق الاوسط، ضدها، وهي، اي ايران، في وضع اقتصادي هزيل، ووضع سياسي داخلي هش، وعزلة عالمية، ويعاني حلفاؤها في سورية وحزب الله عزلة محلية، واحتمال انهيار استراتيجيتها في بلاد الشام برمتها على اثر ذلك. فالوضع لا يحتمل قيام المالكي بدق طبول الحرب الانتقامية، التي ستشعل هشيما يمتد من بغداد شرقا وغربا، جنوبا وشمالا.
ويبقى السؤال، هل بمقدور ايران، التي تعد الطرف النافذ لدى شيعة العراق، ان تكبح جماح هذه الشوفينية الشيعية المستحدثة، وخصوصا لما تتمتع به هذه الشوفينية من دعم شعبي بين شيعة العراق في هذه اللحظة الحاسمة من تاريخهم، وبوجود المالكي الذي يريد ان يستثمر هذه الطاقة الجياشة لإدامة حكمه وتعزيز سلطته وشعبيته؟
هل بمقدورها ارجاع هذه الشوفينية الانتقامية الى قمقمها؟
الملامح الثلاث للشوفينية الشيعية المستحدثة
ظهرت ثلاثة اطر للشوفينية الشيعية المستحدثة، والتي جاءت نتيجة اختلاط المظلومية بالفزعة (…من التمرد السني) ومن ثم ادخال روح الانتقام الممزوجة بنشوة القوة والسلطة عليها:
-الشوفينية الشيعية المطلقة ضد السنة، في داخل العراق ومحيطه: هذه الشوفينية تلغي ارث الاعتدال السني بالمجمل، والذي كان مسالما، او على الاقل مهادنا، التشيع في فترات متفاوتة من التاريخ (الصوفية، الشافعية، الحنفية، السلفية الاولى، …إلخ). فهي تنظر الى كافة السنة على انهم نواصب، اي ينصبون العداء لآل البيت، بالرغم من النتاج الثقافي والحضاري الهائل لدى السنة في حب ومديح آل البيت، وخصوصا لدى فرق صوفية قوية في العراق مثل الطريقة القادرية، او المذهبان الحنفي والشافعي، الذي ينتمي اليهما معظم سنة العراق. بل ان حتى الدولة العثمانية، المصطدمة مع الصفويين، والتي نكلت بالشيعة المغالين، لها جذور شيعية مغالية لمؤسسيها من آل عثمان. وبقي هذا الارث الثقافي والديني عندها ماثلا بقوة في الطريقة البكتاشية الصوفية المغالية في تأليه الامام علي والائمة الاثني عشر، والتي كان ينتسب اليها الانكشاريون، اهم فصيل عسكري عثماني.
وهذا النمط الشوفيني ينظر الى عالمنا اليوم ويجد مؤامرة محورها السعودية وقطر، ولا يفهم توجهات حكامها الساعين الى الحفاظ على مصالحهم ومصالح انظمتهم الحاكمة. بل يرى بأن محاربتهم للشيعة في العراق الجديد ناتج عن حقد عقائدي وطائفي عميق لا يمكن ابدا واطلاقا التصالح معه على اساس ايجاد مصالح مشتركة. فمن لديه نظرة كهذه، يرى نفسه بأنه الخير المطلق، وبأن العدو هو الشر المطلق، وبالتالي العدو يتآمر دوما للنيل منه، ومن دون منطلقات او مسببات منطقية، لأن الشر لا يحتاج الى تبريرات منطقية لإطلاق شروره.
ولهذا النمط من التفكير بُعد آخر، وهو تناسي مآثر وموروثات العيش المشترك، في حقباته السلمية، بين الشيعة والسنة على ارض العراق، ومنها التداخل العشائري قديما، والتداخل الاسري حديثا (منذ الخمسينات). وكذلك الانشطة التجارية المشتركة عبر التاريخ، او التجربة السياسية المشتركة في احزاب ليبرالية ويسارية منذ العهد الملكي، او حتى الصداقات الحاصلة بإحتكاك الشيعة والسنة في الخدمة العسكرية، او الزمالة الدراسية، او في الوظيفة الحكومية، او في ظروف الجوار في احياء وقصبات مختلطة مذهبيا. بل ان الكثير من الشيعة يتناسون بأن اجدادهم، الى قرنين ماضيين، كانوا على الاغلب يتبعون المذهب السني، ومن ثم تشيعوا. بل يذهب الامر بالبعض الى اغفال حقيقة أن نظام صدام حسين كان لديه الكثير من الاعوان من الشيعة، وبأن للإرهاب “السني” من بعد عام 2003 ضحايا كثر بين السنة، خصوصا بعد عام 2007، اي بعد ان حسم خواص السنة امرهم بالمشاركة في العملية السياسية والابتعاد عن العنف السياسي، تدريجيا.
-الشوفينية الشيعية الممزوجة بالنزعة القومية العروبية: وهذه عبارة عن تمييز معاكس استعاره الشيعة من الشوفينية القومية العروبية التي تقمصتها النزعة الطائفية السنية على مرور عقود طويلة وهي تحاول تبرير طائفيتها من خلال طعن الشيعة في عروبتهم، واختزال وجودهم بإمتدادات فارسية، او انهم تم المجيء بهم من الهند في القرن الاسلامي الاول. والآن جاءت هذه الشوفينية معكوسة، وها هم الشيعة يطعنون بقومية طارق الهاشمي، ويشيرون اليه بأنه شركسي او تركي، وكذلك يطعنون بـعروبة سنة العراق في المجمل، ويعيرونهم بنسب غير عربي بقي اثره في العراق من بعد الجيوش السلجوقية والمملوكية والعثمانية التي مرت على ارضه.
واخيرا تم توجيه نيران هذا النمط من الشوفينية ضد الاكراد، حلفاء الشيعة التقليديين ضد البعث. بل فيه تمني ان ينفصل الاكراد عن العراق، كي تخلو الساحة اكثر للشيعة في السيطرة على موارد البلد من دون اقتسامها مع الكورد. ففي ليلة وضحاها، وبناءا على غيرة شيعية متراكمة من الكورد لنجاحهم في تطوير مناطقهم في حين ان مناطق الشيعة ما زالت خربة (…وحتى تنافسهم على المرتبة الاولى في المظلومية على يد صدام)، وجراء هروب الهاشمي واحتمائه بالاكراد، الذين كان يتهجم عليهم هو الآخر في الامس القريب، ولغايات المالكي السياسية والمركزية، تم نسف عقود من الثقة المتبادلة واواصر النضال بين الشيعة والاكراد، وُضعت لبناتها الاولى في الستينات عندما حرمّ المرجع الشيعي الاعلى في وقتها، السيد محسن الحكيم، قتال الشيعة في صفوف الجيش العراقي ضد المتمردين الاكراد. وهذا دليل على قوة واندفاع الشوفينية الشيعية المستحدثة، التي جعلت من حليف الماضي عدوا في غضون اشهر قليلة، لتظهر دعوات شوفينية من بعض السياسيين المغمورين الساعين الى ركوب موجة التطرف هذه، مثلما بدر من السيد عباس المحمدواي، صاحب التهديد الذي اطلقه مؤخرا ضد الأكراد الساكنين في بغداد (…وبعضهم يسكنها منذ مئات السنين، والكثير منهم هم من الفيليين، المنتسبين الى القومية الكردية والى التشيع في آن واحد) متوعدا استهدافهم ما لم يرحلوا عن العاصمة.
-الشوفينية المناطقية والطبقية: هذه الشوفينية موجهة من قبل بعض الشيعة ضد شيعة آخرين، وتعكس اصطداما شيعيا-شيعيا، يضع شيعة بغداد والحلة والنجف وكربلاء والديوانية والبصرة (وارياف هذه الحواضر) في مواجهة مع شيعة العمارة والناصرية والكوت، وهو صراع سلطوي على المال والقوة، بعضه ظاهر الآن، وبعضه مؤجل الى حين حسم المعركة مع السنة والاكراد. وحتى مما ظهر من هذا الصراع، يبدو بأن الغلبة قد آلت مسبقا الى من ينتسب الى العمارة والناصرية والكوت، فأصبحت المراكز التنفيذية والامنية العليا في الدولة مصبوغة بألقابهم العشائرية (الساعدي، البهادلي، الاسدي، السوداني، …إلخ).
ومن ملامح هذه الشوفينية المناطقية تبني هؤلاء، اي المنحدرين من العمارة والناصرية والكوت، لمصطلحات “معيدي” او “المعدان” او “شروگي” والاشارة لها بإفتخار من بعد ان كانت تحتوي على دلالات سلبية. بل ذهب البعض وحاول اختلاق اصول سومرية لهم، ومن ثم حاول ربط الارث الحضاري السومري بالمعدان وحدهم، بغياب او حتى بخلاف الدليل التاريخي لذلك، وكأن كونهم القومية الاصيلة والاقدم في البلد يمنحهم الاولوية في تولي سدة الحكم فيه، على حساب بقية الشيعة من اصول اخرى. وهو يشبه كيف حور الزنوج في امريكا مصطلح “نيگر” التحقيري السلبي الى شارة فخر وتحدي، يستعملوها بينهم للدلالة على صلة المظلومية والتجربة المشتركة. وذهب قسم منهم يربط نفسه بحضارة الاسلام او بالحضارة الفرعونية، وذهب البعض الآخر الى الادعاء بان المسيح كان زنجيا اسودا، مثلما تم تحوير مصطلح “المعدان” واعادة صياغة تاريخ السومريين بما يناسب الاهواء. ولكن ويل لمن لم يكن اسودا او من اصول افريقية واستخدم مصطلح “نيگر”، اذ يكون بذلك عبر عن عنصريته، والامر مطابق لمن يستعمل مصطلح “معدان” وهو ليس منهم. المفارقة هي ان السود بدأوا هذه التجربة، اي تجربة اعادة تكوين الهوية من بعد مخاض العبودية والتمييز العنصري، في الستينات، مما ادى، بعد خمسين عاما، الى مجيء رئيس امريكي اسود عن طريق صناديق الاقتراع، بالرغم من ان السود لا يشكلون 9 بالمئة من سكان امريكا. ولكن الهوية “المعدانية” انطلقت بعنفوان مع سقوط نظام صدام حسين، وخلال ثمان سنوات آلت الكثير من مقاليد السلطة اليهم، فأمسى لديهم اضطراب في الهوية، فهم ما زالوا يتكلمون بألم المظلومية، ولكن وضعهم الآن، قياسا مع باقي العراقيين، افضل بكثير. والكثير ممن يحسب نفسه “معيديا” هو اليوم ضمن الطبقة الوسطى، ولم يكن هو او اباه او جده قد حمل منجلا في حياته. ويتمتع الكثير منهم بشهادات جامعية ووظائف حكومية. فأمسى التمايز الطبقي بينهم وبين “الآخر” الشيعي، الذين يرونه مشاركا في ظلمهم مع السنة، تمايزا طبقيا في الذاكرة البعيدة، ولم يبقى منه الا التمايز المناطقي، وحتى التمايز الطبقي القديم في منظور “المعدان”، اي ان اجداد بعضهم كان فلاحا مسحوقا ومستغلا من قبل اجداد الآخر الشيعي البرجوازي، هو تمايز مغلوط، فهناك “معيدي” كان جده شيخا او سركالا او سيدا، وهناك “آخر” كان جده بقالا او كناسا او كاسبا، او حتى فلاحا. ولكن “المعيدي” يرى في صعود نجمه “انتقاما” من الشيعة الآخرين، المتورطين في ايذاءه عبر التاريخ، حسب منظوره.
ما هي تبعات ونتائج انطلاق هذه الشوفينية الشيعية المستحدثة؟
الشوفينية الشيعية المستحدثة، بسلاحها المركزي، وبشعورها بعنفوان القوة والسلطة، ستودي بالبلد، لا محالة، الى التمزّق. وهذا المخاض لن يأت الا بسيول من الدماء في وسط العراق. وقد فات الاوان على معالجة هذه الشوفينية، لأنها دخلت في صميم الهوية المستحدثة لشيعة العراق، الذين عوضوا فقدانهم التقليدي للثقة بأنفسهم بإفراط في الثقة بعد خروج القوات الامريكية، وهي ثقة متطرفة، وبالتالي مهزوزة داخليا ولا تستطيع ان تثق بحلفاء معينين، وقتيين ام دائمين. ولا ترى هذه الشوفينية من العالم الا الاعداء، وان لا مجال للمهادنة او المصالحة مع الآخر لأن السبيل الوحيد المتاح، في نظرتها، هو الانتقام والانتقام سريعاً. هذه الشوفينية، هذه السموم، قد دخلت الى الجسد الوجداني الشيعي، ومركبّات عقائدية وعصبية كهذه لا تخرج من كيان الشعوب الا بعد تكرار الهزائم وتراكم الجماجم، وبعد تبدد سكرة الوهم والغطرسة. ما يعني اننا امام خمس عشرة الى عشرين سنة من هذه الموجة، التي اججها واطلقها وامتطاها نوري المالكي من اجل اغراضه السياسية، التي باتت تقتصر على البقاء في السلطة. فلا السنة سيرضخون لهذا التجبّر، ولا الاكراد سيتقبلونه. ولديهما خيارات اخرى، بالاضافة الى قابليتهما القتالية التي لم تقهر.
سنتكلم، مستقبلا، عن معارك سامراء، عن معارك خانقين، عن معارك ديالى، عن معارك غرب بغداد، وقرابين اخرى من الشباب السائرين، دوما سائرين، لتحقيق امجاد قادة الطوائف والفرق. وبعد ان يتم الفراق بين السنة والشيعة والاكراد، وهلاك عشرات الآلاف ممن سيجدون انفسهم على خطوط التماس والاختلاط بين هذه المكونات، وتغير حال مئات الآلاف ممن سيهجّر او سيهاجر، سيتحسس الشيعة بأن هناك تناقضات داخلية كبيرة بينهم، وستنتهي بإنتصار هوية طبقية ومناطقية معينة على حساب باقي الهويات. هذا ما اراه امامنا. نعم، هي نظرة سوداوية متشائمة، ولكنها في رأيي استنتاج منطقي لما نشهده من تأزيم مستمر بفعل قيادة غير حكيمة وغير كفوءة في سدة الحكم. وما ادراني، فقد يكون هذا السيناريو هو ذاته ما يصبو اليه المالكي ومن حوله، لأن الشوفينية من ملامح الضحالة السياسية، يلجأ اليها الفاشلون لأن تعبئة الناس على اساس ضغائنهم اسهل بكثير من دعوتهم الى التسامح والبناء. بل اذا تم اخراج “الرادعين” السني والكردي، ستخلو الساحة الى من يريد ان ينصّب نفسه سلطانا على رقعة اصغر من هذا البلد، قد يسميه “عراق الحسين”، وسيجد من سيهتف بنصره وقيادته.
نحن امام مفترق طرق في مصير بلدنا العراق حيث سيكون او لا يكون. ولكنني اجد ان الغلبة هي للتطرف من كافة الجهات، وخصوصا، وجديدا، من جهة التطرف الشيعي، القوي، المتسلح بمال وعتاد الدولة، والذي سيكون له القول الفصل في الذهاب الى هذا “الحل” الدموي.
الحكمة والدهاء السياسيين لا يكمنان في اثارة الازمات والالهاءات المتتالية، بل يكمنان في ادارة التناقضات، المستحدثة والقديمة، وخصوصا ما يقع تحت بند الهويات منها، من اجل رفع مستوى المعيشة في العموم ورفد الصالح العام. المسألة ليست معقدة بالدرجة التي نتخيلها، بل ان العراق كان سائرا الى بر الامان والى ايجاد حلول تعالج المتناقضات هذه. ولكن حجر العثرة في هذا المسار جاء ممن اراد ان يلغي كافة الاتفاقات السابقة ويفرض رأيا اوحدا كحل لمشاكل البلد. الاشكال في الهويات المتناقضة في هذه المرحلة لا يعزى الى الاكراد او السنة. اذ ان معظم السنة آثروا ترك التمرد والقتال ضد الواقع الجديد منذ عام 2009، وجاءوا الى طاولة التفاوض، ولو على مضض، ولكنهم في المحصلة جاءوا. وكان الكورد قد سبقوهم في ذلك، تاريخيا، في تقبل فكرة الوحدة الاختيارية المتكافئة، اي الفدرالية اللامركزية، كجائزة ترضية تعوضهم عن عدم ظفرهم بالاستقلال المنشود والذي سقط في سبيله عشرات الألاف من شهدائهم. وقد رضوا بذلك ايضا على مضض، ولكن في المحصلة، هم رضوا وتنازلوا. المشكلة اليوم تكمن في نوري المالكي، ونزعات الانفراد والتطرف والانتقام والمركزية التي يطلق لها العنان، ويروج لها. وارى هنا ان غالبية الشيعة قد تقبلوها وانساقوا وراءها، وكأن الحل سيأتي عن طريق ترويض واذعان واذلال السنة والاكراد.
نرى في الواقع السياسي والملموس أن شعبية المالكي قد طغت شيعيا ومالت إليها كفة الاغلبية، واصبح رئيس مجلس الوزراء، بفعل هذه الشوفينية الشيعية، محركا للشارع الشيعي اكثر بكثير من المرجعية الدينية ومن الاحزاب الشيعية المعتدلة. ويدرك المالكي ومن حوله ومن ارتبطت مصائرهم السياسية بمصيره هذا الامر، فأصبحت غايتهم السياسية هي تأجيج هذه المشاعر، التي تضمن لهم رصيدا سياسيا بالرغم من اخفاقاتهم الادارية والأمنية، ورائحة الفساد التي تنبعث منهم، وقد نجحوا في مسعاهم.
تنشأ الدكتاتوريات عادة عندما يقوم طرف سياسي بطرح نفسه على انه القوي والعادل، والذي سيضع حدا للفوضى والتسيّب. وهذا الطرف عادة ما يتسلح بشرعية القانون، ويدعي بأن كل ما هو يسعى اليه هو تطبيق القانون بصرامة. وعليه، عندما قام الدكتاتور الايطالي بنيتو موسوليني بتعريف عقيدته الجديدة، قال عنها بأن الفاشيست هي دكتاتورية القانون. وسانده القوم اعتقادا منهم بأنه سيحقق العدل، وسينتقم ممن كان متسببا بالفوضى السياسية العارمة في ايطاليا آنذاك، وسيعيد الامجاد لبلدهم. وبنفس الخدعة، فإن المالكي وائتلاف “دولة القانون” يقدمون عقيدتهم الجديدة، الشوفينية الشيعية، بأنها ساعية الى الاقتصاص، بالشرع والقضاء، ممن “قتل الشيعة”، وستنتقم من كل من آذاهم، وتعيد اليهم استحقاقاتهم وامجادهم، ولكن في المقابل، على الشيعة ان يفوضوا المالكي بما يحتاجه من السلطة والقوة، وان يزيلوا العقبات الرادعة له، كي يحقق هذا المسعى.
وقد يقول البعض بأن هذه الظاهرة المتفشية لا تتعدى كونها نزوة، تحل سياسيا، ومن ثم ستتراجع هذه الشوفينية. ولكنني اختلف مع هذا البعض في تشخيص حجم هذه الظاهرة. اذ انني اعتقد بأنه في حال ازيح المالكي عن السلطة سيظهر من سيركب هذه الموجه مع بعده. ولا اتصور انه بمجرد خروج المالكي من الحكم ستعود الامور الى التهدئة. فقد اصبحت هنالك ارضية صلبة لهذا التطرف تنبت فيها شوكا وعلقما، وسيستغلها المالكي وغير المالكي انتخابيا، لافتعال واستعادة الازمات، ودّق طبول الحرب. ولأن الاحتقان الطائفي، بهذه الصورة، والتعبئة الطائفية، بهذا الحجم، فسيكون من الصعب جدا تفريغ تلك الشحنات القتالية بشكل سلمي، ولا بد ستؤدي الى اراقة الدماء، والانزلاق الى متاهة الحروب الاهلية البشعة.
وهنا علينا ان نسجل حالتين من التقاعس في التصدي لهذه الظاهرة، واضاعة فرصة تحجيمها منذ انطلاقها. واول تقاعس في هذه الازمة يحسب على السيد علي السيستاني، الذي سابقا قاد بحكمته الشيعة بعيدا عن الانتقام، واوصلهم، في احلك الظروف، الى بر الامان، ولكنه لم يستطع ان يجنبهم الانجرار وراء نزق السياسيين اللاعبين على وتر الانتقام الشيعي، والساعين الى التفرد بالحكم. نعم، هو ابدى امتعاضه منهم عن طريق ايصاد بابه امامهم، ومنذ اكثر من سنة، ولكن لم يكن في حسبانه ان سياسيا مثل المالكي قد استحوذ على قدر من القوة والسلطة مما يجعله لا يتخوف، بل لا يخجل، من امتعاض ركن من اركان العراق الجديد مثل مرجعية السيد السيستاني منه. فكان هذا سوء تقدير لموازين القوى الجديدة، ولم يصحبه محاولة لتصحيح المسار، وها نحن وقد فات علينا الامر.
التقاعس الثاني يحسب على المثقف الشيعي، الذي اكتفى بإدعاءه التسامي فوق الطائفية، والذي جاهر بإستنكافه عن الحديث في جدليات الهويات الطائفية، ولم يعر اهتماما لخطورة هذا الصراع، الدائر على ارض الواقع. ولم يعالجه الا من خلال الولوج في الحنين الى الماضي، واسترجاع امثلة على التعايش المشترك، اعتقادا منه بأنه في ذلك قد ادى واجبه واقام حجته، ومن ثم جر على نفسه اللحاف وانزوى الى عالم الاحلام، في حين كانت مفارز القاعدة وجيش المهدي تذبح على الهوية. ولم يقم بالمراجعة المطلوبة والضرورية لواقعه وللماضي القريب، وهذا دوره الاساسي، عندما تمت مواجهته بحدث بهذا الجلل. وبإستثناء عدد قليل من المثقفين، فإن المثقف الشيعي النمطي جانب الحقيقة، وتكلم بالعموميات، وراوغ على تسمية الامور بمسمياتها، بدافع خوفٍ مشروع من الكاتم والعبوة في احيان كثيرة، او مخافة من فقدان مصدر رزق، ولكن يبقى ذلك تقاعسا تاريخيا يتحمل هو جانبا من المسؤولية عن تبعاته.
التشيع، الى اين؟
ولعل ما يؤلمني اكثر من اي شيء آخر، وانا اعاين ظاهرة الشوفينية الشيعية المستحدثة، هو الضرر المعنوي التي تلحقه هذه الظاهرة المستفحلة والمتوسعة في جوهر التشيع ووجدانيته. اذ انني افهم جوهر التشيع، كما تعلمته ابا عن جد، والذين دفعوا الغالي والنفيس للذود عن المذهب، وتجثموا عناء هذه التركة الحضارية والثقافية، وهذه الرسالة التاريخية والسياسية، ان جوهر التشيع، وقيمته الوجدانية الاساس، تكمن في مقارعة الظلم والقسوة والتسلط. لم يكن التشيع بالنسبة لهم صراعا سلطويا بين عوائل وعشائر على المال والفيء، بل كان التشيع الذي احبوه هو صراعا بين قيّم نصرة المظلوم ضد من كانت قيمّه الضحلة والانتهازية تبرر له الوقوف مع الظالم. التشيع بالنسبة لهم جعل من المظلوم اخا لهم، مهما كان دينه او لونه او لقبه، وجعل من الظالم عدوا لهم وان كان الظالم هو حقاً اخيهم من بطن امهم. فكيف بنا الآن نفسر لهم بأن مقتضيات الحفاظ على المذهب تتطلب وقوفنا مع نظام بشار الاسد، الطائفي البعثي الظالم، لمجرد انتسابه مذهبيا الى احدى الفرق الشيعية؟
كيف اضعنا جوهر التشيع، لتصبح نصرة المذهب انعكاسا لصراعنا على السلطة والمال؟
هل لنا ان نسمي انفسنا شيعة اذا كنا ضالعين بالظلم؟
متى اصبحنا ظالمين، فقدنا حق ادعاء المظلومية. وفي هذه الشوفينية الانتقامية ظلم كبير وحيف وغبن على الآخر الذين نعتقد بأنه ظلمنا.
لعل الديموقراطية هي اقرب نموذج حداثوي وعالمي لجوهر التشيع، حسبما افهمه. ولو كان العراق ديموقراطيا لاستطاع بث اشعاعه بإتحاد شيعته وكرده وسنته كي يحرر محيطه من الظالمين، ويفتح عواصم مثل دمشق وطهران والرياض بإسم الديموقراطية، وينصر شيعة البحرين واكراد تركيا وسنة سوريا في آن واحد.
لكن هذا الحلم يبدو وقد تبدد، ونحن نقف اليوم امام كابوس من شبح الاحتراب والقهر، قد يدوم طويلا. فهذا هو، وللأسف، زمن قائد المرحلة، ومختار العصر.
أملي الضئيل المتبقي هو ان اكون مخطئا بتشاؤمي هذا، ولكن هاجسي مما تتضح حتميته يوما بعد يوم قد بات كبيرا.

جئتُ كالماءِ .عماد عبد اللطيف

جئتُ كالماءِ .. وكالريحِ أمضي

” جئت ُ كالماء ِ
وكالريح ِ أمضي ”
قادما ً من الغياب ِالِحاضر ِ
للوجع ِ البـكْـر ِ
والشغـَف ِ المستحيلْ .
جئت ُ منها ..
هي التي تشبه ُ الصـُبح َ كثيـرا ً
لولا بضْـع ُ مجــّــرات ٍ من الحنين ِ المؤجـّـل ِ
سـَـقـَطـَـت ْ منها
ولا تزال ُ غافية ً في السرير .
***

تـرجّــل ْ من الكلمات ..
فأن السخافات تركب ُ أحـْصنة َ الوقت ِ
وتأخـذ ُ منك َ النسوة َ الحالمات َ
واحدة ً
تلـْـو َ
أخرى .
ترجّــل ْ من الكلمات ..
وأمتطي صَهْــوة َ السـَـفـَه ِ المـُقدّس ِ
واللغو ِ الصفيـق ِ
وأمضـي بــهـُـن ّ
واحدة ً
تلـْو َ
أخرى
صوب َ صَمـْتـكْ .
***
مثـل ُ أرمـلة ٍ صغيـرة ٍ
لا يوجعني جسد ٌ ..
لم ْ يتعوّد ْعلى دفئه ِ بعد .
لا توجعني ظـُلـْمـَة ٌ ..
لم ْ تتعود ْ على ضوءه ِ بعد ْ .
لا يوجعني وجـْـه ٌ ..
لـمْ أتبيّن ْ ملامحه ُ بعد .
لا توجعني ذكرى أصابع َ ..
لـم ُ تـلـْمـَس ْ جسدي بعد .
بـل ْ توجعني الدهشة ُ
مـن ْ كوني إمرأة ً
داهـَـمـَـتْـها الفجيعة ُ قبل َ الأوان ْ
و عافـَـني العابرون َ
في قبـْـضة ِ الريح ِ
وحدي .
***

نحن ُ هنا ..
جالسون َ على دكـّـة ِ الوقت ِ
تمـُرّون َ بنا من بعيد ٍ
كأننا لم ْ نـَكـُن ْ لحظـة ً معكــُم ْ
كأننا لـم ْ نـكـُن ْ نلامـسَكـُم ْ طيلة الوقت ِ
كأننا لم نكـن ْ شيئا ً من البيت ِ
أو دهشـة ِ الرائحــة ْ .
نحن ُ هـُنا ..
مـُتـّـكئون َ على حافـّة ِ الـعـُمـْر ِ
كالغبار ِ العتيق ْ
يباغتـُنا الوقت ُ
والوجوه ُ الصغيرة ُ
الحـُـلـْـوة ُ
تـمُــّــر ُ علينا
ناكرة ً أوّل َ الحـُب ّ
وآخــر َ الحـُـب ّ
وما كان َ لنا ..
لـم ْ يـَـعــُـد ْ مـَعـَـنا
و ها نحن ُ مـُعـَـلـّـقون َكالريح ِ
على حيطان ِ أجسادنـا
كقنديل ِ حـُـزْن ٍ وحيـد ْ .
***

يا إلـهــي ..
” إننّـي أمضـي في قبضة ِ الريح ِ وحدي ”
مـُـمـْـسـِـكـا ً بأطراف ِ أصابعـهـا
كـيـتـيـم ٍ مـخـْذول ْ
مـُـسـْـتجيرا ً بها
مـِـن ْ وطأة ِ النهار ِ علي ّ
ووطأة ِ الليل ِ عليها .
لـكـنـّهـا أفلتت ْ حـُـزْنــَـهـا
مـن ْ وَجــَـع ِ الكوْن ِ
تاركــة ً إيـّـايَ
في قبضة ِ الريـح ِ
وحـــدي .