لا تتَبَرَّعوا للبصرة بقناني الماءِ .. بل أعيدوا لها الشَطَّ والضوءَ والأمل

لا تتَبَرَّعوا للبصرة بقناني الماءِ .. بل أعيدوا لها الشَطَّ والضوءَ والأمل

تَبَرَّعوا للبصرة بقناني الماءِ ..
البصرة هذه .. بصرة آدمَ و حوّاءَ ، وأرض الجنّةِ البديلة ، ومدينةُ السواقي التي لا تُعَدُّ ، و موطنَ النهرِ العظيم.
(تُرى كَمْ متراً مُكَعّباً من الماءِ ستحمِلُ الشاحنةُ الكبيرة الى البصرة ، قادمةً اليها من مدن الفقر والعطش الأخرى ، والغارقة بدورها في الخراب ؟).
تَبَرَّعوا بحبّاتِ التمرِ الى البصرة ..
البصرةُ هذه ، التي كان فيها 10.6مليون نخلة في عام 1968 ، وانخفض العدد الان ليصل الى 2.9 مليون نخلة (استناداً لأكثر المسوحِ تفاؤلاً) .
البصرة هذه .. بلد الألف نوعٍ من التمرِ ، الذي تحلمُ بأنْ تَتَذَوَّقَهُ الملائكةُ .. ولا تستطيع.
تَبَرَّعوا للبصرة بالشبِّ والكلور ، لتشربَ وتغتَسِلَ بماءٍ غير آسن ، دونَ أنْ تُلَوّثَ سُمْرَتَها ، بنفاياتكم السامّة.
تَبَرَّعوا للبصرة بالسَمَك . السمَك الذي لم تكُنْ ساقية بالبصرةِ تخلو منه .. من “الزوري” الكادِحِ ، الى “الشَبّوطِ” الارستقراطيّ .. يوم كانت البصرةُ بلاد السواقي التي لا تَجِفّ .
تَبَرَّعوا للبصرة بمن يعزِفُ الموسيقى .. و يُغَنّي .. فقد شَبَعَتْ من العويل .
تَبَرَّعوا للبصرة بمن يرفعُ الأزبالَ عن شوارعها ، وأزّقتها ، و شناشيلها ، وانهارها ، التي تنبتُ عذوبتها في القلب.. هذه البصرةُ التي كان اثرياءُ الخليجِ يحلمونَ في يومٍ ما ، بأنْ يبيتونَ فيها ، ليلةً واحدة.
تَبَرَّعوا للبصرة بسحر العيون .. فأنتُم تفطرون قلوبَ نساءها الباسقات ، بحُزنٍ ليسَ لهُ آخر.
تَبَرَّعوا للبصرة بـ ابن الهيثم ، و الجاحظ ، وسيبويه ، والخليل الفراهيديّ ، والماورديّ ، و السيّاب ، و سعدي يوسف ، ومحمد خضيّر ، و كاظم الحجّاج ، و محمود البريكان ، ومحمود عبد الوهاب ، و قاماتٍ أخرى كثيرةٍ عصيّةٍ على العَدِّ (إنْ استطعتُم) .. ليُعيدَ هؤلاء التذكيرَ بماضيها ، و تشكيلَ حاضرها من جديد.
تَبَرَّعوا للبصرة بكُلِّ شيءٍ .. ولكن ..
ماذا لو فقَدَتْ البصرةُ طيبةَ أهلِها ، ولو الى حين ؟
في أيَّ مدينةٍ عراقيّةٍ أخرى ، سنجدُ للبصرة طيبةً مُماثِلةً ، قابلةً للتصدير؟
لا تتَبَرَّعوا للبصرة . البصرةَ لا تحتاجكُم ..
بل أعيدوا لها ماءها ، ونخلَها ، و طيشَ اسماكها وطيورها ، وأضواءها التي لا تنطفيء ، من شطِّ القُرنَةِ الى بحر الفاو .
أعيدوا لها أفَراحها التي تورِقُ في الروح ، وبهاء أحياءها ، و تحَضُّرَ سكّانها .. و شيئاً ، ولو قليلاً ، من الأمل.
فالويلُ لكم ، اذا زَعَلَتْ البصرةُ عليكم .
الويلُ لكُم .. اذا زَعَلَ عليكُم الشطُّ والسَمَكُ والنخلُ .. و الأهلُ الطيّبون.

عيد .. و تهاني .. و عيديّات .. و سياسة

منذ سنين عديدة ، وأنا لا “أُعايِدُ” أحداً ، ولا أرُدُّ على تهنئةِ أحد .. لا في عيد الفِطْرِ ، ولا في عيدِ الأضحى .. ولا في عيدِ “جميع القدّيسين” .
هذه السنة ،قرّرتُ تبادلَ “المُعايَدات” ، واخترتُ أن أبدأَ في ممارسة هذه “الشعيرة” المُباركة ، مع صديقٍ من أعتى “المُعايِدينَ” في البرِّ والبحرِ ، وما بينهما من”فيس” ، و “واتس” ، و و “تويت” و “فايبر” .
هذا الصديق كان من أولئكَ الذين “يُهرونكَ” بالتهاني والتبريكات والأدعية ، وكأنّ في كلّ يومٍ ثمّةَ عيد (أو أكثر) ، في هذهِ البلادِ “السعيدة”.
هذا الصديقُ ذاته ، هو من “عايَدَني” بعيدِ الأضحى الحاليّ في تموز – ذي القعدة الماضي ، مُبرّراً ذلك بأنّهُ يُريدُ أن يكونَ أوّل “المُعايدين”.
ارسلتُ لهذا “المُعايِد” الصنديد يوم أمس تهنئةً “لَطَشْتُها” من نصوص التهنئة التي تتطايرُ في كلّ مكان ، و بقيتُ اترَقّبُ على أحرّ من الجمر ردّةَ فعله.
بعد ساعاتٍ من الانتظار ، ردَّ عليّ بنفورٍ واضح (بينما قلبُ تهنئتهِ الأحمر ما يزالُ ينبضُ امامي في رسالته السابقة) :
هذا يا عيد ؟؟
بعدين “مولانا” .. إنتَ والعيد .. كُجا .. مَرْحبا؟؟
روح “اتغطّى ونام “حبيبي”.
على الفور ، طلبتُ من سيّدة البيتِ أن تذهبَ عصر”عرفات” الى بيت أهلها.
و وضعتُ خطّةً مُحكَمَةً للتملّصِ من “مُعايدة” أهلي .. فاتّصَلْتُ بأمّي ، و “عايدتها” بطريقة “الدفعِ المُسبَق” ، وأخبرتها أنّني غيرُ موجودٍ في بغداد هذا العيد ، لأنّ الكُليّة أرسلتني الى أربيل لإنجازِ عملٍ طاريء .
عاطَتْ أُمّي : يبو الله لا ينطيهم . حتّى بالعيد تشتُغُل . إنته طول عُمرك مشلوع كَلبك يابه.
وقبلَ أنْ أجهشَ بالبكاء من شدّة التأثير والتأثّر ، أردفَتْ أُمّي (وهي لا تعرفُ أباها عندما تَردِف):
– صدُك يابه ، شنو أخبار “الكُتلة الأكبر” يمكم بـ أربيل؟ يكَولون ذوله جماعتنا “السِنّة” .. “لايصيها” حيل .. و “خابطيها” كُلّشْ .. و مراح يشربون لا “وشالتها” ، ولا “صافيها”!!!!.
صرختُ بدوري : ألو .. ألو . هاي وينج يُمّه ؟؟ يمكِنْ إنكَطَع الخطّ !!!!.
بعدها أغلقتُ الموبايل .. و قطعتُ “وايرَ” الجَرَس .. و وضعتُ بطّانيّةً “أُمّ النمر” مال نفرين على الشبّاكِ المُطِلِّ على الشارع .. وانبطَحْتُ على الكاشي الباردِ وحيداً .. وبدأتُ بالشخيرِ المُبارَك .
أنا مُمَدّدٌ الآن في “غرفة المعيشة”(يعني “الهول”) مثل جُثّة.
ولو كان هناكَ جيرانٌ “مؤمنونَ” فعلاً .. يُصّلّونَ و يتهجّدونَ بخشوع .. ولا يُبَحوِشونَ في موبايلاتهم بذهول بحثاً عن نميمة .. ويأكلونَ “الكليجةَ” بتوافقٍ تامّ ، ضمن “الفضاءِ”العائليّ وهم يحلمونَ بـ “تشريبٍ” دسم ، على حساب “خرافنا” المسكينة .
لو كان لديّ جيرانٌ كهؤلاء .. فسوف يسمعونَ بوضوح ، أنيني الشاسع .. في ليلِ عَرَفة.

الشعبُ “المبروش” .. و الوطنُ “الكعكة” !!!

الشعبُ “المبروش” .. و الوطنُ “الكعكة” !!!!!

http://www.ahewar.org/debat/show.art.asp?aid=609393

هل هناك مُبرّرً للانتخابات .. و هل هناك ضرورة ؟
ماذا نفعل بالانتخابات ، وماذا فعلتْ لنا الانتخابات طيلة اثنى عشر عاماً ؟
هل وفّرَتْ لنا كهرباءَ لسدّ الحدّ الأدنى من الاحتياجات .. وماءً لنشربهُ(ونغتَسِلْ)، بالحدّ الأدنى من الميكروبات؟
ما حاجتنا للانتخابات ؟
لدينا “مجلسَ شيوخٍ” من عشرة أفرادٍ (تقريباً) ، بوسعهِ أن يختارَ رئيساً للجمهوريّةِ ، ورئيساً وأعضاءً لـ “مجلس العموم” ، ورئيساً لمجلسِ الوزراء (بالتوافق والتراضي و التحاصُص والتوازن) ، وبعد التشاور مع قوى دوليّة ذات “نفوذ” ، وقوى اقليميّة ذات “تأثير”.
قبل ثلاثة أشهرٍ (على الأكثر) من انتهاء ولاية الرئاسات الثلاث ، يمكن لـ “مجلس الشيوخ” هذا أن يجتمِع ، و يُناقِش ، ويتفاوَض(داخليّا) ، و يتشاوَر(خارجيا) .. وفي اليوم التالي لانتهاء مُدّة “الولايات الثلاث” ، سيكونُ لدينا رئيس جمهوريّة (طاعن في السِنّ) من مكوّن معيّن .. ورئيس مجلس عموم (يجرّهُ هذا المُكوّن، و “يَعُرُّهُ” ذاك .. ويُرضي هذا المكوّن ، و يُزعِلُ ذاك) .. ورئيس مجلس وزراء(ضعيف ، أو تابِع ، أو لا يدري، أو لا يفهم) من مكوّن آخر .. و وزراء يلهثونَ وراء “لقمة عيشهم” ، وعيش أحزابهم وزعاماتهم(السياسية والمذهبية والعشائرية والمناطقية).
سيقولُ قائلٌ مُتفاءِلٌ : ” لماذا هذا الطَرْحِ “الكابوسيّ ؟ كلّ المراحل الانتقاليّة ، في جميع دول العالم ، تحملُ خصائصَ وسِمات وطبيعةَ سلوكٍ سياسيٍّ كهذا في بداياتها. دَعونا نتعلّم . دَعوا التجربة الديموقراطيّة تنمو وتتطوّر وتستقِر و تترَسّخ . لن تبقى الأمورُ على هذه الدرجة من السوء ، و لا على هذا المستوى من السلبية”.
أتمنى ذلك . فهذا هو بلدي في نهاية المطاف ، وليس لي (حتّى الآن) من بلدٍ غيره .. لولا انّني أرى واقِعاً فاجِعاً ، و “أحلَمُ” أحلاماً مُزعِجة .
لماذا هذه “السوداويّة” ؟ لماذا أعتقِدُ أنّ الأوضاعَ ستكونُ أسوأ من هذا الذي نحنُ فيه ؟
أرى ذلكَ لسببٍ بسيط .. اسمهُ “المنطِق” .
منطق الأشياء في بلدي ، يقولُ ذلك .
هذا المنطقُ يقول : أنّ “مُقَدّمات” مُعيّنة ، ستقودُ دائماً الى “نتائج” مُعينّة تترتّبْ على تلك المقدمات ذاتها . فإذا كانت “المُقدّمات” صحيحة ، كانت “النتائج” صحيحة ، وبالعكس.
وما دامتْ طبيعة وخصائص المُقدّمات لم تتغيّر ، فإنّ النتائجَ لن تتغيّرَ أيضاً.
الدستور(مثلاً) لن يتغيّر . ليس من مصلحة “الشيوخ” أن يتغيّر. ليس من مصلحتهم أن يتغيّرَ أيُّ شيء .
ومجلس الشيوخ موجودٌ ، و باقٍ ، ويتمدّد .
انظروا اليه ، واليهم . إنّهُ ذات المجلس ، وهي الوجوهُ ذاتها .. وكلّ ما تفعلهُ الانتخابات هي تجهيز مُنتِج و مُخرِج “الفلم” الديموقراطي بـ “كومبارس” مُختلِف في كل دورة انتخابيّة.
ضمن هذا النَسَق ، أو النظام ، أو “السيستِم” ، لا شيء سيتغيّر .. أبداً.
سيأتي العقائديّونَ “الثوريّون” ، و المُنَظّرونَ “الرومانسيّون” و يقولونَ لك : “أنّ الجماهير المُناضِلة ، والشعوب المُجاهدة ، والطبقات الكادِحة ، والشباب الواعي ، لن تنطلي عليها ، (أو عليهم) جميعا هذه الأكاذيب “البطريركيّة”. و لن يمضي وقتٌ طويل قبل أن تحينَ “اللحظة التاريخية” المُناسبة ، التي ستُتيح لهؤلاء وضعَ قواعدَ جديدةٍ لـ “لعبة” الحُكْمِ وتداول السلطة ، وقلب طاولة “الثوابت” الحجريّةِ هذه ، على رؤوس الشيوخ “الاحفوريّين”.
أنا ، وبكلّ تواضُع ، لا أرى ذلك .
لقد قدّمتُ اسبابي سلَفاً.
وأُضيفُ اليها أنّني عاصرتُ (و راقبتُ بإمعانٍ) احتجاجات ، وتظاهرات ، و نوباتِ غضبٍ ، و حالاتِ “حُمّى” وبائيّة ، منذ عام 2003 ، والى هذه اللحظة.
وأنّني أعرفُ تماماً (وعلى وجه اليقين) ، بأنَّ كُلّ الاحتجاجات ، والتظاهرات ، والمَطالِب ، والاصلاحات ، بل وكُلّ القضايا النبيلةِ ، ستموت .. بمجردِ أنْ يرتفِعَ سعرُ النفط ، أو تنخَفِض درجات الحرارة .
وأنّني أعرفُ تماماً (وعلى وجه اليقين) بأنّ جميع “الجبهات” ستهدأ ، بمجردِ أنْ يتوصّلَ “الشيوخُ” الى اتّفاقٍ على تقاسُم “الكعكة”.
و يا لَهم من “شيوخ” .
و يا لها من “كعكة” .
و يا لَنا من شَعْبٍ “مبروشٍ” ، كـ جَوْزِ الهِندِ ، فوقَ هذه “الكعكة
“.

العراق ليس بيتنا

ليس لدينا “وطن” .
و العراق ليس “بيتنا” الكبير.
العراق “مَحَلّة” تتكوّن من مجموعة “بيوت” سياسيّة ، و عِرْقيّة ، وطائفيّة.
البيت السياسي الشيعي ، البيت السياسي السُنّي ، والبيت السياسي الكُردي .
و هُناك “بيوت” صغيرة “مُشْتَمَلات” ، مُلْحَقة بهذه البيوت الثلاثة الكبيرة.
هذا ليسَ وطناً ، بل بضعةُ “بيوتٍ” في “محَلّةٍ” مُنقسمَةٍ على نفسها . بيوتٌ يصِلُ صوتُ تناحُرِها الى سابعِ جار.
أمّا مَنْ منحَ “المُلاّكَ” في هذه “المحلّةِ” سندات “الطابو” ، وجعلهم يُؤَجِّرونَ “مُشتَمَلاتهم” لهذا دونَ ذاك .. و يتحكّمونَ في “الإرثِ” ، فيمنحونَ هذا الأبنِ ضعف حُصّتهِ لأنّهُ “بارِّ” ، و يحرمون ذلكَ الابنَ من حُصّتِهِ لأنّهُ “عاقّ” ، فهذا ما لا أعرفهُ ، ولن اجْتَهِدَ فيه .
ما أعرفهُ أنّنا كـ “شعوب” ، و “اُمّة” ، و نُخَب ، و مُثقفّين ، و ناساً عاديّين ، راضونَ (عموماً) بذلك ، بدليلِ أنّ بعضنا “يُنَظّرُ” لما يجري ، و بعضنا يُصَفّقُ لما يحدثُ ، و بعضنا الآخرُ يقتلُ بعضنا الآخر ، دفاعاً عن الإرثِ والمذهبِ والعَرْض .. و كُلّنا يركضُ وراء “حصّتهِ” استناداً للمبدأ البراغماتي الشهير : “كلّ من تزوّجً أُميّ ، فهوَ عمّي”.. بل وقُمنا بتطوير هذا المبدأ و تحديثه سياسيّاً ، و “تعريقهِ”، ليصبحً : “كُلُّ من تزوّجَ أُمّي (وإنْ غَصْباً) ، فهو ليس عمّي فقط ، بل هو أُمّي ، وأبي أيضاً ، ولَمْ يكُنْ لي يوماً من ولِيِّ أمْرٍ سواه”.
إنّ الصراعَ الذي نشهدُ تفاصيلهُ الآن، ليسَ نزاعاً بين “أعيانِ” محَلّةٍ ، يسعى كلُّ منهم لخدمةِ “سُكّانِ” محَلّتِهِ ، على وفقِ طريقته الخاصة في الادارةِ والحُكْم .. بل هو صراعٌ بين أربابِ هذه البيوت الثلاثة على من سيكونُ مُختار المحلّة ، ومن سيكونُ مأمورُ مركز الشرطة ، ومن سيكونُ شيخُ الجامع.
يجري عقدُ الصفقات ، دون اتمامها الى الآنَ ، في البيوتِ الثلاثةِ على التعاقب.
غيرَ أنّ “مُلاّكَ” بيتينِ منهما ، يُفَضِّلانِ اللقاءِ (دائماً) ، مع “المالِكِ” الثالثِ لأقدمِ بيوت المحلّة.
أمّا شُعوبُ “المُشْتَمَلات” ، فتجلسُ في “المقهى” ، بانتظارِ أنْ يُوَزّعَ “الفائزونَ” اقداحَ الشاي عليها مجّاناً ، لتحتفلَ معهم بالنصرِ على الأعداء.
وفي الحقيقةِ فليس أمامُ شُعوبِ “المُشْتَمَلات” خَيارٌ آخرُ مُتاح ، غيرُ الجلوسِ على مصاطبِ “المقهى” الوحيدِ في المحلّة ، في انتظارِ قراراتِ “المُلاّكِ” بصددِ رفعِ الايجاراتِ ، أو خفضِها .. أو الطَرْدِ من المحلّة .

عندما كانت النساء جميلات عماد عبد اللطيف سالم

عندما كانت النساء جميلات
دون ندوبٍ عميقةٍ
كانت الكلماتُ أنقى من الندى
على ورقِ النارنج
في حديقة روحي .
عندما كانت النساء جميلات
كُنّ يُلَمْلِمْنَ فساتينهنَّ
الى ما فوقَ الرُكْبةٍ بقليل
و يمسحنَ باحةَ البيتِ
بضياءٍ ساطعٍ في الساقين
يغْسِلْنَ بهِ روحي .
عندما كانت النساء جميلات
كُنَّ يُجِدْنَ الكتابة
وكانت هناكَ رائحةٌ آسرة
تفوحُ من ورَقٍ للرسائلِ مُخَضَّبٍ بالرضاب
يَغْمُرْنَ بهِ روحي.
عندما كانت النساء جميلات
كانَ الرجالُ أجملُ أيضاً من الآن
ولمْ تكُنْ أصابعهُم مغموسة بالأذى
الى هذا الحدّ
وكانت البراءةُ تتأخّرُ حتّى الثلاثين
والطَيشُ يبدأُ في العاشرة
ولم يكن الأسى يورِقُ هكذا
في سهلِ روحي.
عندما كانت النساء جميلات
كانَ قلبي صغيراً
لا يتّسِعْ لبغداد
التي كانت جميلةٌ أيضاً
يوم كانت فساتينُ النساء الزرقاء والسوداء
مُنَقّطَةً بالأبيضِ البهيّ
وكانت التنانيرُ تطيرُ على أرصفةِ البهجةِ
من أوّلِ نظرة
وكانت أحذيةُ الصبيّاتِ
عالياتُ الكعوبِ قليلاً
تدوسُ على روحي .
عندما كانت النساء جميلات
و يجعَلْنَ الوقتَ جميلاً
في ذلكَ الزمان الجميل
كانَ “التلفونُ” في مدخلِ البيت
يَرِنُّ من أجلها
مَرّةً واحدةً في اليوم
ما أزالُ أسمعها
الى هذه اللحظة.

قُبُلات .. من أجل أن يكون الضَرَرَ أقلّ بكثيرٍ، ممّا كان

القُبلات ، و تبادُل القبل (التي لا تنتمي الى الرومانس) ، هما جزءٌ من تراثنا ، وسلوكنا الوطني والقومي والاقليمي .
ونحنُ نُمارِسُ هذه “العملية” بشكلٍ علنيّ ، لأسباب غير عاطفيّة في الغالب ، كأنْ تكون سياسية ، أو “تدليسيّة” ، أو باعتبارها ضرباً من ضروب النفاق الأُسَري ، والعشائري ، و المجتمعي مُتَعَدِّد الأبعاد .
و نادراً ما نتبادَل القُبلة ، او نمارس التقبيل ، لأسباب عاطفية “رومانسيّة” خالِصة ، حتّى في حياتنا الحميميّة الخاصة . بل على العكس من ذلك ، هناك من يعتبر القُبْلة حرام ، وهناك من يعتبرها عَيْب .. بل أنّ أمي تعتبرها فِعلاً خادِشاً للحياء ، ويدعو للغثيان ، أو ما تُسَمّيهِ أُمّي بـ “لِعْبانْ النَفِسْ” .
أنا أكرهُ التقبيلَ ، ومُمارسةَ التقبيل “العُمومي” – الرسمي – العُرْفي – المُجتمعي ، مهما كان الدافع المصْلَحيّ لهُ مُلِحّاً ، و مُبَرَّراً .
و لكنّني أجيدُ التقبيلَ الرومانسيّ “الخاصّ” بأنواعهِ وأشكالهِ كافّة .
فهذا النوع من القُبَل لهُ قُدرة عجيبة على اشعال “الحرائق” ، في “مخازن” روحي .
و أنا أحبُّ القُبْلَةَ “السريّة” (وجمعها قُبَل ، أو قُبُلات ) حُبّاً جمّاً .
بل أنّني أعشَقُ “عمليات” التقبيل “الخاصّ” بمراحلها كافّة .. وأكرهُ “التصويت” الخاص ، بـ “صناديقهِ” كافّة ، سواء تلك التي “احترقَتْ” ، أمْ تلكَ التي لم تحتَرِقْ بعد .
أنا أؤمنُ ايماناً مُطلقاً ، بأنَّ للقُبلةِ فعل السِحْرِ على جميع المخلوقات.
وأنا على استعدادٍ تامٍّ ، بأن لا آكلَ ولا أشربَ ولا أنامَ .. بل ولا أتَنَفّسَ أيضاً .. بشرطِ أنْ لا يمنعني أحدٌ من مواصلة التقبيل .
لذا .. لو كان ادولف هتلر حيّاً الآن ، لذهبتُ اليهِ في (برلين) ، وقَبّلتهُ ، ليكونَ أقَلّ نازيّةٍ ، ودمويّةٍ ، ممّا كان عليه.
ولو كان معمّر القذافي حيّاً الآن ، لذهبتُ اليهِ في (سِرْت) ، وقَبّلتهُ ، ليكونَ أقَلّ حماقةً وجنوناً ، من أولئكَ الذين سيجيئونَ من بعده .
ولو كان الحبيب بورقيبة حيّاً الآن ، لذهبتُ اليهِ في (تونس) ، وقَبّلتهُ ، لأجعلهُ اكثر اصراراً على القبول بـ “تقسيم” فلسطين ، التي رفَضْنا قبول تقسيمها بين “العرب” واسرائيل في حينه .. فأصبحَتْ فلسطين الآن .. كلّها اسرائيل .
ولو كان ستالين حيّاً الآن ، لذهبتُ اليهِ في (الكرملين) ، وقَبّلتهُ ، لكي لا يقتل (تروتسكي) ، ولا يجْتَثّ (الكولاك).
ولو كان كارل ماركس حيّاً الآن ، لذهبتُ اليهِ في (لندن) ، وقَبّلتهُ ، ليكتبَ لنا الكثير من “الأدعية” ، بدلاً عن (رأس المال) .
ولو كان بإمكاني ، أنْ ألتقي بـ “فُلان” ، وهو حيٌّ يُرزَق ، ويعيشُ في (بغداد) حاليّاً ، لذهبتُ اليهِ ، وقَبّلتهُ ، ليكون أقلّ طائفيّةً ، ممّا هو عليه الآن .
و بوسعكم أنتم ايضاً ، أن تكتبوا ما تريدونَ على هذا المنوال ، وأن تذهبوا الى من تشاؤون ، وتُقَبِّلوهُ ، وتَطلبوا منهُ ما تريدون .. لأنّني في “الحقيقة والواقع” أخافُ أن أتطرّقَ الى شخصيات دينيّة وسياسية وتاريخيّة مُهمّة ، وأذهبَ لتقبيلها ، وأطلب منها أشياء ومواقف قد لا تقبلون بها ، ولا ترضون عنها ، حتّى وإنْ بقيتُ أقَبّلُكُم .. الى يومَ يُبعَثون.

دجلة واليسو والمصالح الوطنية والفرات

نهرُ دجلة على وشك الجفاف .
والفراتُ كذلك .
لماذا نبدو – كعراقيّين ، مصدومون بذلك ؟
هل هذه مُفاجأة ؟
سدود تركيا ، كما سدود ايران ، كما سدّ النهضة في اثيوبيا ، هي جزء من منظومة الدفاع عن المصالح الوطنيّة العُليا ، و عنصرٌ رئيس في استراتيجيّة الأمن القومي لهذه البلدان .
كلّ شيءٍ حول هذه السدود ، وطاقاتها الخَزْنيّة ، وما يتعلّقُ بحجم الاطلاقات المائيّة الى دول “المَصَبّ” بعد استكمال بناءها ،معروفٌ ومُعلَنٌ منذ عقود، وعقود عديدة.
لا أسرار في ذلك ، ولا “مؤامرات” .. فلماذا نملأُ العالمَ بالعويل ، بدلاً من غَمْرِ أرضنا بالماء ؟
سمعتُ و قرأتُ قبل أربعينَ عاماً (كما سمعَ وقرأ غيري ) أنّنا سنكونُ مُضطَرّين “مستقبلاً” لمقايضة كلّ برميلِ نفطٍ ببرميل ماء .. بل ومقايضة كلّ قطرةِ دَمٍ بقطرةِ ماء!.
لذا فإنّ “معاهدة الماء مقابل النفط” قادمةٌ لا محالة ، فإنْ لم “يعجبنا” ذلك ، فالدمُ سيكونُ مقابل الماء ، وهذه هي المُعاهدةُ – المُعادَلَةُ الحتميّة القادمة ، التي ستأتي قريباً ، وقريباً جدّاً ، وأقربُ ممّا نتصوَرُ ونعتقِدُ بكثير .
لا مصالح سياديّة “وطنية”عليا لدينا .. و لَمْ نُشيّد سدّاً واحداً منذ أربعينً عاماً .. ونهدرُ ماء النهرينِ لعقودٍ طويلةٍ في البحر .. فلماذا نملأُ العالمَ بالعويل ، بدلاً من غَمْرِ أرضنا بالماء ؟
نحنُ نُجيدُ “تحاصُصَ” السلطة والثروة والمناصب والنفوذ .. و يقتلُ بعضنا بعضاً من أجلها ، ونتمزّقُ ونتفَرّقُ و ننقَسِم ، و نتشظّى .. ولكنّنا لا نعرفُ كيف ندافعُ بشرَفٍ عن ذرّة ترابٍ واحدةٍ ، ولا عن قطرةِ ماءٍ ، في أرض السواد العظيم.
نحنُ لا ننظرُ الى ما هو أبعدُ من أنوف مصالحنا ، ومناصبنا ، ومساوماتنا حول تقاسُم الريع .. ونأتي الآنَ لنخدعَ الناس بأنّ “الدولة” العراقيّة ستجتمعُ ، بقضّها و قضيضها و “قوارضها” لمناقشة هذه الفجيعة .
هل هذه أوّل فجيعة ؟ هل هذه أوّل نكبة ؟ هل هذه أوَل نكسة ؟ هل هذه أوّل هزيمة ، هل هذا أوّل انحطاط ؟ هل هذا هو اوّل عطَشٍ وأوّلُ جوع ؟؟
لا طبعاً .
ولكنّنا كـ “أُمّةٍ” ميّتَةٍ ، لا نُجيدُ سوى التدليس ، وننسى انّ هناك تاريخ ، ونتجاهلُ أنّ لهذا العالم ذاكرةٌ لا تغفِرُ ، و لا تُجامِل ، ولا يمكن طمسها في رمال صحراءنا الكبرى ، التي خلقناها بأيدينا ، وغَفْلَتنا ، وقلّة حيلتنا ، و هواننا على الدول والناس .
دولةٌ لا نفط فيها ، وفيها الكثير من مصادر الماء . دولة تُعاني من تداعياتٍ ظروفٍ جيوسياسيّة غير مؤاتيّة ، ويتعرضُ اقتصادها لضغوطٍ شديدة .. و تتراجعُ قيمة عملتها يوماً بعد آخر .. ويستهلكُ الكثير من مواردها الماليّة ، استيراد الطاقة من الخارج .. فما الذي تتوقَعّون منها ان تفعل ؟
ستمارِسُ الضغط خدمةٍ لمصالحها الوطنيّة و القوميّة العليا . فهل هذا عيبٌ .. أم عار ؟
ستجلسون معها (زراعةً وخارجيّةً وموارد مائيّة) ، وستقولُ لكم : النفط مقابل الماء ، أيّها “الأصدقاء” الأعزّاء!.
و ستقبلون .
ستقبلون حتماً .
وليس مُهمّاً كيف سيحصلُ ذلك .. وليستْ مهمّةً التفاصيل .
و قديماً قال اهلنا “القدماء” جدّاً : الذي لا يعرِف تدابيره .. ستأكلُ حُنطتهُ شعيره .
و أهلنا قالوا ذلك ، لأنهم كان يمتلِكون حنطةً وشعيراً ، يُقايِضون بها صروف الزمان .
أمّا نحنُ .. “الديموقراطيّونَ – التعدّديّون – الاتّحاديّون” .. فلا حنطة لدينا ، ولا شعيرً .. ولا عُشبَ ..
ولا حتّى ماء .

تبييض الاموال

في الاقتصاد ، كما في القانون ، فإنّ عملية غسيل الأموال Money laundering هي جريمة اقتصادية تهدف إلى منح الأموال مجهولة ، ومشبوهة المصدر ، شرعيّة قانونيّة، وذلك من أجل امتلاكها ، أو التصرّف بها، أو إيداعها، أو استبدالها، أو نقلها، أو التلاعب في قيمتها ، لأنّها عائدات من أنشطة غير مشروعة ، كإنتاج وتسويق المخدرات ، واختطاف الرهائن ، وسرقة موجودات ثمينة يصعب بيعها (كالمجوهرات النادرة ، واللوحات الفنية ، والقطع الأثريّة ..) والإرهاب، والاختلاس ، وأتاوات المافيات (المُستقرّة والجوّالة على حدٍّ سواء) ، وعمولات الفاسدين (بمختلف درجاتهم و مراتبهم ، ومناصبهم) ، وأتعاب “الخيانات” الصغرى والكبرى .. وغيرها كثير.
ويمُرّ غسيل الأموال بمراحل ثلاث هي :
أوّلاً – مرحلة الإيداع . و تُعرف أيضاً بمرحلة “التوظيف” أو الإحلال، ويتمّ بها التخلص من كميات كبيرة من النقود القذرة بعدّة طرق (يمكن الاطلاع عليها في الكتابات ذات الصلة بهذا الموضوع) ، بهدف تسهيل عملية اعادة بيعها ( أو تسويقها) لاحقاً .
ثانياً – مرحلة التمويه : و يُطلق على هذه المرحلة أيضاً اسم مرحلة “التعتيم” ، أو التجميع . و تبدأ عندما تدخل الأموال الى قنوات النظام المصرفي الشرعيّ ، فيقوم غاسل الأموال بفصل ( وعزل) الأموال التي يُريد غسلها عن مصدرها غير الشرعي.
ثالثاً – مرحلة الإدماج : و هي آخر مراحل عملية غسيل الأموال . وتتمثل في منح هذه الأموال الطابع الشرعي، لذا تُعرف باسم مرحلة “التجفيف” . وهنا “تُدمَج” الأموال المغسولة مع النظام المصرفي، والدورة الاقتصادية فتظهر على أنّها عوائد طبيعيّة لصفقات تجارية معروفة واعتياديّة .
في السياسة .. كما في الاقتصاد .. كما في “نظامنا” السياسي المُلتَبِس ..
يحدث الأمر ذاته .
حيث تتمُّ عملية غسيل الوجوه الكالحة على ثلاث مراحل ، هي : الإيداع ، والتمويه ، والإدماج (داخل الكيان السياسي – المجتمعي) .. وبما تتضمنهُ هذه المراحل من توظيف و إحلال و تعتيم و عزل و تجفيف ، لكي تكون هذه الوجوه صالحةً للتسويق والتداول ، ليس بيننا ، وداخليّاً فقط ، بل وحتّى على المستوى الخارجي .
بعدها تُستكْمَلُ عملية “تبييضها” ، بكمٍّ هائلٍ من الأوهام ، والتنظير ، والتدليس ، والأكاذيب الصفيقة .
ومن ثمّ يتمُّ تسويقها ، وترسيخها في ذاكرة الشعوب الضعيفةِ المُتعْبَةِ ، بـ “النوايا” الطيّبة ، و اليأسِ العميقِ .. و بـ الآمال و “الأمنيات” العظيمة أيضاً.

لن يحدث شيء

كلّ شيءٍ الآن ، هو دون ذلك “المستوى الكارثي” الذي يتطلّب التغيير .
فـ “التغيير” يُحدِثُ مفاعيلَهُ عادةً ، وتتساقطُ آثارهُ الايجابيّة على الجميع ، في تلك المجتمعات التي تحترم نفسها ، وتشترط على حكّامها توفير الحدّ الأدنى من متطلبّات الكرامة الانسانية ، والعيش البشري، وإلاّ قامت بكنسهم بمكنسة غضبها الهائلة ، ثأراً لآدميتها المهدورة ، وألقتْ بهم في المزابل “العشوائيّة” التي لم يعُد هناك “مكَبٌّ” قادرٌ على استيعاب نفاياتها “الوطنيّة”.
التوصيّة : لا داعي للتغيير .
الخُلاصة : لا فائدة من التغيير .
التغيير لن يغيّر شيئا ، غير اسلوب الحفاظ على الثوابت المميتة ، في التاريخ الحجريّ لهذه “الأمّة” .
لو كان التغيير يُغيرُ شيئاً .. لتَغَيّرْنا ، وتغيّر بتغيّرنا كلّ شيء.
ولكن .. لا شيء تغيّر .
لا نحنُ
ولا الناس
ولا هذه الأرض
ولا هذه السماوات
ولا هذه المدينة
ولا هذا البلد العجيب .
لا شيء .. لا شيء .
ناموا طويلاً .
ناموا وأنتم جياع .
أو التهموا فتاتَ الموائد .. و “وصْوصوا” .. ثمّ ناموا.
لا فرق .
لن يحدثَ شيء .
لن يتغيّرَ شيء .

اسبق حزني بشهر

أسبقُ حزني بشهرٍ
مثل سلحفاة أيّامي
العالقةِ في طينِ العَيْشِ
لتضَعَ بيوضها
على شكلِ عويلٍ شخصيّ
في سيرةٍ ذاتيّة.
أعرفُ أنّ سلحفاةِ أيّامي
لن تغادر أبداً
رملَ الأمنياتِ المهدورةِ على الجُرْفِ
ولن يلفحَ جلدها أبداً
موجُ البحرِ العظيم.

عماد عبد اللطيف سالم

العراق بغداد

ربما تحتوي الصورة على: ‏‏‏‏شخص أو أكثر‏، و‏أشخاص يجلسون‏‏ و‏نشاطات في أماكن مفتوحة‏‏‏