حتى انت يادجلة

“حتّى أنتَ يادجلة” ؟؟؟؟
هذه الجملة تتردّد في عشرات المنشورات حول فاجعة الموصل.
المقصود بها أن دجلة هو الذي تسبّب في هذه الفجيعة !!!!! .
نعم .. هو دجلة .
ولكن دجلة ليس وحده من ارتكب هذه الجريمة .
هناك شركاء لهُ في ذلك .
الربيع .. و نوروز .. و الريح والماء .. و الأطفال والأمّهات الذين انتحروا .. من شدّة الفرح.
هؤلاء جميعاً ، هم من ينبغي أن نوجّه أصابع الاتّهام اليهم .. وليس دجلة وحده .
دجلة خطّط للجريمة .. وهؤلاء هم المُنَفّذون !!!!! .
أليس كذلك ؟؟.

أغادرُ البيت صباحاً ، وأكرهُ أشياءَ كثيرة ، تُصادفني في الشارعِ ..‎

استيقظُ صباحاً ، وأنا أُحِبُّ كلّ شيءِ في هذا العالم ، بما في ذلكَ أولئكَ الذين كنتُ أكرههم في الليلة الفائتة.
وعندما أغادرُ البيت ، أكرهُ أشياءَ كثيرة ، تُصادفني في الشارعِ ..
بعضُ الناسِ ، السيّاراتُ ، المواشي ، الموظّفونَ والموظفاتِ الذين لا وظائف لهم ، الطلاّبُ والطالباتِ الذين يكرهونَ المدارسَ ، الغبارُ الأسنُ(الصديق “بول بريمر” يتساءلُ في مذكّراتهِ قائِلاً : من أينَ يأتي ، هذا الغبارُ اللعين ؟) ، الأشباحُ شاردةُ الذهنَ التي تعبرُ الشارعَ حيّةً بفعل المُصادفاتِ السعيدة ، الـ “الصَبّاتُ” الكئيبةُ التي تشبهُ العُزلة ، عربات الـ “هامفي” العاطلةُ ، التي تقفُ الآنَ في المحطّاتِ البائدةِ لباصاتِ “المصْلَحَةِ” ، حيثُ كان ينبغي أنْ تقفَ النساءُ القديماتُ ، اللواتي كانت تنانيرهنّ القصيرة تطيرُ عالياً كالحَمامِ ، فيجفلُ قلبي من شدّةِ الشَغَف.
أنا أيضاً ، أمشي في الشارعِ ، وأكرهُ نفسي.
لماذا يحدثُ هذا لي ؟
لماذا لم أعُدْ اتذكّرُ العراقَ في أناشيدنا “الوطنيّة” السابقة(حيثُ كانَ لنا مع كُلّ “قائدٍ” جديدٍ ، نشيدٌ وطنيٌّ جديدٌ)، و لم أَعُد أعشقُ الماءَ والنخلَ والرملَ ، و لَمْ أَعُدْ أُحِبُّ البطَّ الذي يسبحُ بالشطِّ، والسمكَ “المسكَوف” ، والصَمّونَ الحجريَّ ، وعبد الجبار عبد الله الذي كان صديقاً لـ “أنشتاينَ” ، و ماتَ من القَهرِ ، و (ناظم الغزالي) ، الذي مازالَ يبحثُ عن عيونها السودِ التي انطفأتْ قبل ستّين عاماً ، وخدَّها “القيمر” الذي أصبحَ مُرّاً منذُ زمانٍ بعيد ، و”العَمبَةُ الشريسيّةُ” الطائشة، و”العَرَقِ” الزحلاويّ العظيم.
تبدو أسبابُ الكُرْهِ ، لهذا الكَمِّ منَ الاشياءَ ،عميقة.
ومعَ كُرْهٍ راسخٍ مثلُ هذا .. ينبغي أن أموت .
لذا ، في المرّة القادمة ، التي سأغادِرُ فيها البيتَ صباحاً ، سأمشي في الشارعِ مثلَ “حَلاّجٍ” يائِس، يبحثُ في وجوهِ الناسِ عن الله .. وأشتمُ كُلّ من يُصادفني هناكَ طيلةَ الوقتِ .. وأُطاردُ المواشي ، وأركلُ أردافَ البنادق السائبة ، وأعَضُّ الأطارات النافقة لعربات “الهامفي” العاطلة .. إلى أنْ ينهمِرَ كُلُّ رصاصِ الكونِ على روحي.

بعضُ الناسِ ، لا يُمكِنُ نسيانهم ..‎

بعضُ الناسِ ، لا يُمكِنُ نسيانهم ..
الجُندِيٌّ صديقي ، الذي كانَ يكرهُ الحربَ .. وماتَ فيها.
امرأةٌ أحببتها في زمنِ ما ، من أوّلِ نظرة .. ابتَسَمْتُ لها ذاتَ صباح ، في شارعٍ ما ، في مدينةٍ ما ، ولَمْ تَلْحَظ ذلك.
سيّدةٌ جميلة .. تبكي بشكلِ مُدهِش .. بينما أصابعها الطويلة ، تتقافزُ كالعصافير ، فوق فمها القصير.
عجوزٌ ضاحكةٌ ، تبيعُ اللبنَ الناشِفَ في “سوق حمادة” .. وتعودُ الى “الرحمانيّةِ” ، بعد الظُهر، بسبعينَ فِلساً .. تشتري بنصفها شعيراً ، لربِّ الحليب.
السِتْ “سِرِّيّة” .. مُعلّمةُ “الخيزرانِ” في “حَصّانةِ” الكرخِ .. التي كانتْ حتّى “طناطلُ” الدرابين تخافُ منها .. والتي كانت مع ذلك ، تغِضُّ الطَرْفَ عن أصابعي ، وهي تحِطُّ خِلْسَةً ، فوقَ أكُفِّ البنات.
“وحَيِّدْ” ، ابنُ خالةِ أُمّي .. الذي دفَنَ ثلاثةَ أرباع العائلة في “الشيخ معروف” .. وعندما مات ، لم يعرِف الرُبعُ الرابعُ بذلك .. إلاّ بعد انْ أخبرهُم “الشيخ معروف” بنفسه ، أنّ “وحَيِّدْ” الذي كان يدفنهم لوحده .. قد مات .
شقيقٌ جَدّي”غَفّوري” .. الذي ماتَ بقلبٍ أخضرَ ، من فرطِ الخُذلان.
خالتي “وَفِيّة”.. التي كانت وفيّةً حقّاً ، حتّى للريح .. وكانتْ تَئِنُّ في وجهِ السماواتِ ، وتَبْتَسِمْ لنا .. ومعَ ذلكَ خانَها الكُلُّ ، حتّى الحَمام ، الذي كانَ يلقُطُ قمحَ الشاحناتِ ،على امتدادِ الطريقِ، بين “الحُريّةِ الأولى” ، و “العطيفيّةِ الثانية”.
وأخيراً ، إبنةُ خالتي .. “حسيبة” ..
التي ظَلّتْ تُعاتِبُ اللهَ
إلى أنْ ماتَتْ
فلَمْ يَعُد بعدها للعِتابِ
أيُّ معنى
في التاريخِ اللاحقِ للعائلة.

كاتشب عُضوي ، و مصّاصَة عُضويّة

كاتشب عُضوي ، و مصّاصَة عُضويّة !!!

(رسميّة) فتاة من الغرب الأوسط ، تنحدر من عائلة فقيرة ، وتتكلّم “الصحراوية” ، بلكنة مدينيّة بائدة.
زوجها (جاسم) أكثر فقراً منها ، وينحدر من الساحل الشرقي ، ويعتاش من عائد يومي زهيد لـ “بسطيّة” يبيعُ فيها “الحاجة برُبُع” على باب الله .
يسكن الزوجان “المُتوافِقان” في شُبهِ دارِ ، في حيٍّ عشوائيٍّ “لاتينيّ” ، بغرفة واحدة ، وحمّام مُتعدّد الأبعاد والأهداف والوظائف يقع قرب باب الدار ، ولا تفصلهُ عن الشارع سوى ستارة “بازة” صدِئة.
طَبَق (جاسم) الرئيس على “منيو” رسميّة هو حساء الفاصوليا “اليابسة” ، مخلوطاً بـ “تِمّنْ” البطاقة التموينية العتيد. ومن بين سبعةِ أيّامٍ في الاسبوع تتسيّد “الفاصوليا والتِمَّنْ” أربعةَ أيّامِ من تاريخ المائدة العائليّ.
تأكلُ (رسميّة) طيلةَ ثلاثةِ أيّامٍ أيَّ شيءٍ تأتي بهِ “علاّكَةُ” جاسم في نهايةِ يومِ العمل.
ويُعَدْ هذا الترتيب الغذائيّ جُزءاً من “المقرّرات” الاختياريّة لنظام الأكل ، أمّا “المُقرّر” الاجباري ، فهو أيّام الفاصوليا الأربعة.
بعد سنتين من زواجٍ ناجح(بجميع المقاييس ، الأصيلة منها والمُعاصِرة) ، أنجبَ الزوجانِ الرائعان ولداً وسيماً جدّاً ،لا يشبهُ “جِهْرَةَ” أُمّهِ “الكادحة” ، ولا سُحنَةَ زوجها “المُجاهِد” ، لا من قريبٍ ولا من بعيد.
كانت(رسميّة) ترغب بتسمية وليدها “جود” ، ولكنّ (جاسم) أصَرّ على تسميتهِ “رامي”.
كُلُّ من كان ينظُر الى “رامي” هذا ، يساورهُ شكٌّ عميق ، بأنّ الوالدين البايولوجيين لم يُنجباه ، بل قاما باستيراده من أحدى مقاطعات بريطانيا العظمى .. وأنّ أُمّهُ لا يُمكن أن تكونَ رسميّة(التي سَخّمَ “التنّورُ”السابقُ وجهها بسوادٍ دائم) ، بل هي دوقة مقاطعة “ويندسور” ، أو أميرة مقاطعة “كِنت”.
منذُ بضعة أشهر ، وجاسم يتعجّب من العافية المفرطة التي منّ اللهُ بها على جسد زوجته (رسميّة) ، ومنَ البَياض المُفاجيِ لوجهها الأزرق الداكن، ومن النموّ العموديّ لأبنهِ”رامي”.
لعبَ فأرُ الشَكِّ بـ “عِبِّ” الطيبة الفطريّة لـ جاسم ، فقرّرَ أن يعودَ الى البيت بعد صلاةِ الظُهر تماماً(على غير عادته) ، لعلّهُ يعرفُ ما اذا كانت “الفاصوليا والتِمَّنْ” هي التفسير المُمكن الوحيد ، أمْ أنَ هناك أسباباً أخرى لطفَح العافية على الزوجةِ والإبن.
بعد لحظاتٍ من افتراشهِ الأرضَ أمام صحن “الفاصوليا والتِمّن” ، سمعَ (جاسم) أحدهم ، وهو يطرق الباب.
أزاحَ”البَرْدَة” ، وفتحَ الباب ، وصار في مواجهة الشارع ، فرأى شابّاً على دراجّة ناريّة يُلَوّحُ لهُ بكيسٍ ورقيّ ، ويسألهُ إنْ كان هذا هو بيت “أبو رامي” ، الشهير بـبيت “أبو الدوق”.
– إيْ نعم .. قال أبو رامي .. وأردفَ : اتفَضَّلْ شتريد؟
أجاب الشاب بأنّهُ جاءَ بطلبيّة “ديلفري” للكونتيسة أُمْ رامي ، ويُريدُ تسليمها مقابل خمسة عشر ألف دينار.
ورغم أنَ أبو رامي قد جفل بشدّة من هَولِ المبلغ ، وكادَ أنْ يفقد توازنهُ ، ويقع مغشِيّاً عليه ، إلاّ أنّهُ تماسكَ في آخر لحظة ،وحَدّثَ نفسهُ قائلاً : ياربّي .. الولد مريض .. ورسمية لاتريد أنْ تغادرَ البيتِ دون موافقتي ، وهاهي تطلبُ من “أبو الصيدلية” ايصال الدواء الى البيت في غيابي .. فيا لوفاءكِ يارسميّة ، ويا لأخلاصك وحرصكِ الشاسعان ، على الوِلْدِ والأرضِ والعَرْض .. يا أُم رامي الوَردة.
عادَ(جاسم) الى البيتِ فخوراً برسميّة .. وفتحَ الكيس .. فوجدَ مَصّاصتين شفّافتين تفوحُ منهما رائحة التفّاح الأحمر .. وعلبة بلاستيكيّة صغيرة.
– ماهذا يا أُم رامي ؟ .. صرَخَ جاسم “أبو الدوق” مذعوراً.
أجابَتْ أم رامي : أنّ هذا “كاتشب” عضوي (وهو يشبه معجون الفاصوليا) ، لأنَ رامي لا يتمكن من ابتلاع “الأندومي” دون كاتشب .. والكاتشب العادي يسبّب الضرر لأدمغة الأطفال وقد يؤدي لاحِقاً الى الاصابة بـ “مُتلازمة داون” .. أمّا هذه فهي مصّاصة عضويّة ، لكي لاتُصاب أسنان رامي اللبنيّة بالتلف الحادّ .
– ومِن أينَ عرفتِ كلّ ذلك .. يا “مشعولة الصَفْحَتَين” ؟ .. صرَخَ جاسم بغضب.
ردّتْ “أُمّ الدوق” بهدوءٍ تامّ :
– أختكَ (جاسميّة) أرسلتْ لي الصورَ على “الأنستغرام” ، وأخبرتني أنّهُ لولا هذه المُنتجات لكان ابنها “الكونت” الذي اسمهُ “تَيْم” ، قد ماتَ من “التَوَحُّد” ، منذُ زمانٍ بعيد.

بحرك واسع ومركبي صغير

كنتُ “ذكيّاً” دائماً.
منذُ ولادتي .. وأنا “ذكيّ”.
عندما جرّتني “جِدّة غَزِيّة” الى هذا العالَمِ جَرّاً
لم أبْكِ ، ولم اتبادَل معها ابتسامتها الباهتة ، في وجوه المواليد الجُدُد ، لمحلّةِ “الشيخ علي”.
كنتُ أعرِفُ ، كما كانت “غزيّةُ” تعرفُ ، أنّ الأشياءَ التي سوفَ تحدثُ، لن تكونَ على مايُرام.
وطيلةَ أحدَ عشرَ طفلاً لاحِقاً
كنتُ أنا و “الجِدّةُ غَزِيّة”
نلعبُ لعبةَ الذكاءِ المُبَكِّرِ
ونُخْبِرُ المواليدَ في الكرخِ االعتيقةِ
أنّ أوضاعهم في اللحظةِ التاليّة
لن تكونَ على مايُرام.
بعدها أحبَبْتُ أكثرَ من عشرينَ امرأةٍ
لم ألمَسْ ، من فَرْطِ ذكائي ، واحدةً منهُنّ.
وكَدَحْتُ ، منذُ كنتُ بغلاً عمرَهُ ستّةً أشهُرٍ ، طيلةَ ستّينَ عاماً
دونَ أنْ أعرِفَ كيفَ يُمْكِنُ لبعضِ البغال
أنْ تأكُلَ أكثرَ من حُصّتِها
من هذا العَلَفِ المغشوش.
وكانَ مُنتهى ذكائي
أنَني خضتُ حروباً كثيرةً
احتسيتُ فيها الكثيرَ من “شوربةِ العَدَس”
وقضمتُ فيها الكثيرَ من الصَمّونِ “الصخريّ”
ولم أُقتَلْ في واحدةٍ منها .. الى الآن.
أنا سليلُ الذكاءِ المُفْرَطِ
في سُلالَةٍ لابلاهةَ فيها
منذُ سيّدةِ التفّاحةِ الواحدة
التي ضحكتْ على “جَدّنا”
قبل بليونِ عام.
الغريبُ في الأمرِ
أنّني ما أزالُ ذكيّاً
لأنّني أُخْبِرُ أبنائي ، كُلّ لحظةٍ ،
وفي غيابِ الجِدّةِ “غَزِيّة”
أنّ أوضاعهم لاحِقاً
لنْ تكونَ على مايُرام.
وأبنائي ، في الحقيقةِ، أذكى منّي
لأنّهُم يعرفون
بأنّهُمْ ، لنْ تقومَ لهم قائمة ،
ما دامَ أبوهم
ما يزالُ حَيّاً
الى هذهِ الدرجةِ منَ العَيْش
وما يزالُ “ذَكيّاً”
الى هذا الحَدّ.
لماذا يا ربّي
وَهَبْتني هذا “الذكاءَ” كُلّه
وأنتَ تعرِفُ أنَ بحرَكَ واسِع
و مركبي صغير
وأنّ الموجةَ الآتية
سيركبها القادمونَ مع المَدِّ
زاحفينَ على رملِ أيّامنا ، كصغار السلاحف ،
في ساحلِ الغباء العظيم ؟

سأموتُ أخيراً .. من شدّةِ البهجة‎

أنا الآن .. طاعنٌ في السِنّ.
هناك من يقول .. ” لقد بلغتُ منَ الكِبَرِ عِتِيّا”.
هناكَ مَنْ يَدّعي .. “أنّ هذا أرذلُ العُمْر” .
امرأةٌ في الخمسين ، تهمسُ في أُذْنِ صديقتها .. “هذا رجلٌ عجوز”.
صديقٌ في الستّين يقول .. لقد “راحَتْ عليكَ” ، و على شَيْباتكَ يارَجُل .. ولم يَعُد فيك ، ما يُثيرُ بعوضة.
هناكَ من يُناديني .. “حَجّي”.
النساءُ الصغيرات الرائعات ، يَقُلْنَ لي .. “عمّو”.
أنا أُحِبُّ “عَمّو” هذه كثيراً
وأُفَضِّلها على غيرها من التسمياتِ المُميتة.
لستُ سعيداً بهذهِ الأوصافِ طَبعاً
ولستُ حزيناً أيضاَ
ولكنّني أشعرُ بالدهشةِ
لأنّني مازلتُ حيّاً
مع أنّ أكثرَ من حربٍ
قد تركَتْ وحلها فوق روحي.
أشعرُ بالدهشةِ لأنّني لم أمُتْ
مع أنّ ماعشتهُ في حياتي
لم يكُنْ بوسعِ حيوانٍ
أنْ يتحمّلَهُ قَطْ.
أشعرُ بالدهشةِ ، لأنّ كُلّ الذينَ أُحِبُّهم ماتوا ،
دونَ سبَبِ كافٍ
يُبَرّرُ الرحيلَ المُبَكِّر.
مَثَلاً .. أنّ أحدهم ماتَ ، بعدَ وَجَعٍ في القلب ، دامَ بضعَ دقائق.
والأخرُ ماتَ بعدَ إنْ غادرَ البيتَ ، ليشتري للعائلة ، سندويجَ “فلافل” .. فجاءَ أحدهم ، وحزَ عنقَهُ بسكّينٍ ، وتركهُ يرفسُ في الشارع.
والآخرُ ماتَ ، لأنّ شخصاً لا يعرفهُ ، قد اطلقَ عليهِ الرصاص ، وكأنّهُ كيسُ من الرمل ،
كانَ يُنجِبُ أطفالاً ، يشبهونَ صغارَ السمَك ، وهاهُم يلبُطونَ الآنَ على الأرصفة.
وهُناكَ من ماتَ من الجوعِ ، بعدَ إنْ أفلتَ من الكوليرا.
بلْ أنّ أحدهم كانَ أبلَهاً .. فمات ..
لأنّ كُلّ الذينَ يكرَهَهُم .. ماتوا.
وتصَوّروا .. أنَّ إحداهُنَّ ماتت .. لا لشيء .. إلاّ لأنّها ، أحَبّتْ رجُلاً غيري.
كُلُّ هذهِ .. أسبابٌ غيرُ عميقةٍ للموت .
وهي ذاتها التي تركتني أعيشُ ، الى هذه اللحظة ،
في انتظارِ سببٍ وجيه
يستَحِقُّ أنْ أموتَ لأجلِه ..
كأنْ أغفو ذاتَ مساء
مُبتَسِماً لوجهها العذب
ولا أصحو بعد ذلكَ أبداً
الى أنْ يُستَهلَكَ هذا العالم ..
أو .. الى أنْ تاتي تلكَ الرسولةُ فعلاً ،
وتغفو فوقَ صدري
قادمةً من الحُلْم
فأموتُ أخيراً
من شِدّةِ البهجة.

عندما كان في دجلة ماء

عندما كانَ في دجلةَ ماء
وكانَ كُلُّ الذينَ يعبرونَ الجسورَ
ينتَظِرونَ أحداً
في الضِفَةِ الأخرى من النهر
كانَ جسرُ “الصرّافيّةِ” يعبرُ بي
من “العطيفيّةِ” .. إلى الكَسْرَة.
كانَ ذلكَ قبلَ أنْ ننكَسِر بقليل
ونبحثَ عن جسرٍ بديل
يوصِلُنا الى ما نحنُ فيه
حيثُ لا نخلَ ولا نارنج
في البساتينِ المُطِلَّةِ على الشطّ
قربَ معمل “الدامرجي”.
وكلما عُدْتُ من الحربِ
كنتُ أعبرُ ذلكَ الجسرَ وحدي
صاعِداً جبلاً من حديد
وكنتُ أُقَبِّلُ في كُلّ خطوةٍ لجُنديٍّ مُتْعَبٍ
من بقايا جنود المشاة
سياجَهُ الباردَ الرماديّ
مُتَوَهِماً أنّ ذراعيكِ الدافئتين
كانتا تُحيطانِ بخصري
الذي اسْوَدَّ من ثُقْلِ “النِطاق”
طيلةَ أربعينَ يوماً جرداء
من أيّامِ الحرب العراقيّةِ الايرانيّة.
أينَ كُنتِ يومَها
قبلَ أنْ ننكَسِرْ بقليل
وقبلَ أنْ “يغدِرَ الغادرون”
ويُحرِّرَنا “جورج دبليو بوش”
من أوهامنا الفائضةِ عن الحاجة ؟
أينُ كُنتِ قبل أنْ لا يعودَ هناك
كُلُّ هذا
وحيثُ “أبو دَلَف”
لمْ يَعُدْ يزرعُ الخسّ
في الحقل القريب من “الاصلاح الزراعي”
وعمّي مُحمّدَ مات
وعمّي حميد
لم يعُد قادِراً على اصطياد السَمَك
وابنُ خالتي خالد
لم يَعُدْ يُصَحِّحُ معي
مجلة “التربية الاسلاميّة”
بينما الاستاذ عبد الوهّاب
يقولُ لي بصوتهِ الخاشِع
باركَ اللهُ بكَ يا ولدي
لقد حان أوانُ صلاةِ المغرب ؟
أينَ كُنتِ يومها
عندما كانَ هناك ماءٌ ونخلٌ ونارنج
وعندما كنتُ أقطعُ الشارِعَ راكِضاً
من “براثا” الى الشَطّ
لأشُمَّ رائحةَ البساتين
في ثوبكِ الواسعِ عند الصَدْر
وعندما كانت حماماتي النهمات
تُريدُ أنْ تنقُرَ قمحكِ العذب
في “معمل الدامرجي” ؟

عندما يصيح الديك

استيقظَ الديكُ قبل الفجر بعشر دقائق ، وأرادَ أنْ يصيحَ بحبور: “أصبحنا ، وأصبحَ المُلْكُ للّه”..
فجاءَتْ طائرةٌ “مُقاتلةٌ” ، وألقَتْ بضع قنابلَ في الوادي ، فأرتَجّ العُشبُ ، و عادَ الصمتُ الى البُستان.
بعد قليلٍ مرَّ على مقربةٍ من القُنِّ صاروخٌ “باليستيّ” .. جعلَ البيضَ تحت الدجاجات ، بارداً جدّاً.
قبل الفجر بسبع دقائق ، أرادَ الديكُ أن يحتفي بقدوم دجاجاته الناعسات .. وعندما نفشَ ريشهُ ، أفسدت الكرنفالَ طائرةٌ مُسَيَّرة ، كانت تحومُ بانتباهٍ شديد ، فوقَ مخزنِ العلف.
قبلَ الفجرِ بخمسِ دقائق ، قرّرَ الديكُ أنْ يصيحَ في وجهِ السماواتِ بأعلى صوته : “اللهُمّ بكَ أصبحنا ، وبكَ نحيا ، واليكَ النشور” ..
فاذا بسيارةٌ مُفَخّخةٌ ، تنفجرُ قرب السياجِ ، وتُطيحُ بنصفِ الريشِ ، وكُلُّ “العِرْفِ” الأحمرِ ، وتقتلُ نصفَ الدجاجات .
عند حلول الفجرِ تماماً ، استجمعَ الديكُ جميعَ قواهُ ليصيح : “لا تحزنْ إنّ اللهَ معنا” ، في هذا اليوم ..
فجاءتْ قوّةٌ مُسَلّحَةُ ، مجهولة الهويّة ، قوامها عشرونَ ديكاً “هراتيّاً” ، شاهِرةً في وجوه “الصيصان” اسلحتها الثقيلة ، واقتادَتْ بعضَ الدجاجات السميناتِ الى حتفها .. وأخبرَت الديكَ المذعورَ بأنّ عليهِ أنْ لا يصيحَ الآنَ ، وأنْ لا يُفكِّرَ بالصياحِ أبداً بعد الآنِ ، لأنّهُ لم يَعُد ديكاً منذ هذه اللحظة.
تعجَبَ الديكُ من هذه الوقائعِ المُدهشةِ ، وقالَ لنفسهَ : ما هذه الأحداثِ المُشينة ؟
بعد الفجرِ بعشر دقائق ، كانَ الديكُ ينبحُ مثل كلبٍ تلَطّخَ جلدهُ بالقليلِ من الريشِ ..
وكانتْ اجملُ الدجاجاتِ مُحبطةً ، لأنَّ آخرَ الدِيكةِ في عمومِ القبائِلِ أصبحَ أخرساً ..
ولم يَعُدْ صالِحاً لاعتلاءِ الظهورِ الناتئةِ لدجاج هذه الأُمّة .. المنتوفة الريش .. في هذه الغُمّة.

المقامة الهندية – علاء العبادي

Image processed by CodeCarvings Piczard ### FREE Community Edition ### on 2014-12-25 16:06:44Z | | ÿ÷þÿÿ,þÿÿsýÿÿÞbÖYÔÐ

                                                                                                                             

ومن اجمل القصائد التي لم اكن امل من قراءتها في مرحلة الشباب المبكرة الى جانب عدد غير قليل من روائع الشعر والشعراء هي قصيدة الشاعر الكبير توماس ستيرنز اليوت (1888-1965) الذي تعرفت عليه اواخر ستينيات القرن الماضي ابان اكتشافي بالصدفة للاديب الانكليزي الراحل كولن ولسون (1931 -2013) والصدفة كانت كتابه الممتع اللامنتمي وكتابه التالي مابعد اللامنتمي وغيرها من الكتب والروايات والذي بواسطته اكتشفت عددا من الادباء الاجانب الى جانب عدد كبير من المدارس الفكرية والادبية والفنية , لقد كان لولسن رحمه الله الفضل في تعريفنا بهؤلاء الذين لم نكن قد سمعنا بهم بعد ليس بسبب عدم رغبتنا او تقصيرنا في البحث والاستقصاء ولكن بسبب قلة ما معروض في المكتبات ومحلات بيع المجلات والكتب وربما لقلة خبرتنا في اختيار مايجب ان نقرا بسبب عدم وجود من يدلنا ويرشدنا الى الاختيار الصحيح والسبب لان احدا من هؤلاء لم يكن موجودا معنا او حولنا لتساله ماذا اقرا واين ابحث لم يكن هناك مثل هذا الجنس من البشر وان  وجدوا فهم قلة لم اكن اعرف احدا منهم ولكن الى ان ظهر ولسون لم اكن اعرف ماذا اقرا ولمن اقرا وهذا هو فضل كولن ولسون الذي لاانساه ابدا انه كان مرشدا ودليلا وملهما للبحث والنظر والتدقيق في مامعروض من كتب ومجلات فمن خلال كتب كولن ولسون استطعت ان احصل على مايصدر من مطبوعات سواء على صعيد الرواية او على صعيد الدراسات والبحوث التي كان لها الدور الكبير في تحديد نوع الثقافة التي يجب ان تكون عندي وانا على وشك ان اغادرعقدي الثاني الذي كان مليئا بالاحداث والمفاجات حيث اكتشفت رغبتني الحثيثة والحاسمة في القراءة من جهة ومحاولة الكتاب والرسم والعزف على الة العود والحب من جهة اخرى ويبدو انني فشلت في كل المحاولات التي قضيت عليها الواحدة تلو الاخرى وحيث لم تنجو سوى رغبتي العارمة بالقراءة ومحاولات بسيطة في كتابة الشعر التي لم تكن واعدة ابدا لاني لم اكن راضيا عنها تماما ولكنني بقيت مستانسا بها كونها كانت متنفسا عفويا لمرحلة من عمري ازدحمت فيها الافكار والاراء والخيالات حيث اجد نفسا مرة فيلسوفا ومفكرا ومرة  متصوفا زاهدا غير راغب في كل شيء واي شيء ومرة ثالثة بائسا حزينا وحيدا مفكرا في التخلص من الحياة ورغبة شديدة في الانتحار حتى انقذني احدهم عندما قرات شيئا ما في احدى الصحف اليومية على ما اظن موجها حديثه لمن يحاول الانتحار ( ايها الاحمق , اتترك هذه الحياة الجميلة لهؤلاء الاغبياء ؟) وقد ارعبني هذا النص كثيرا ونبهني الى انني ساكون مهتما بنوع خاص جدا من الثقافة ربما ساتحدث عنها في مقالة اخرى في قادم الايام حينما يعن لي ان اكتب بهذا الصدد مرة اخرى حيث امل الا تكون هذه المقالة المقامة على غرار قول امير المؤمنين علي بن ابي طالب عليه السلام(599 – 661)  مخاطبا ابن عباس ( 619-687)  ( تلك شقشقة هدرت ثم قرت ) في خطبته الشهيرة المعروفة بالخطبة الشقشقية التي كاد ان يذكر فيها ما اصابه من غبن واجحاف فيما يتعلق بحقه في الخلافة وانه كان الاحق بخلافة النبي صلى الله عليه واله وسلم وكان على وشك ان يسمي من حال بينه وبين حقه لولا ان جاءه البريد فقطع خطبته لينظر فيه فلما انتهى من البريد ساله ابن عمه ابن عباس الاستمرار في حديثه السابق فكان جوابه عليه السلام ياابن عباس تلك شقشقة هدرت ثم قرت لتظل الامة بعد ذلك في صراع وتناحر وقتال  بعد ان انقسم المسلمون بين اقلية تناصر عليا  عليه السلام وترى انه الاحق بالخلافة هو وذريته من فاطمة بنت النبي  واكثرية ترى ان ماجرى هو واقع حال وان على المسلمين جميعا الرضا والقناعة به بما في ذلك القبول بالسلطان الجائر الظالم ليستغل بعض حكام وسلاطين وخلفاء المسلمين مثل هذه الاراء وينزلوا بالشيعة شتى صنوف التعذيب الجسدي والنفسي والملاحقة حتى اضطر الشيعة بعد بضع مئات من السنين الى القول (حاكم كافر عادل افضل من حاكم مسلم ظالم ) ومازالت المناكفات والمناوشات مستمرة بين جماعة اهل السنة وجماعة شيعة ال البيت حيث لاغلبة لاحد على احد حتى صار هذا الصراع الذي لايريد ان ينتهي يعرف محليا وعالميا بالصراع الطائفي الذي غالبا مايكون سببا مخفيا لكل فتنة بين هاتين الطائفتين اللتين تشبهان في صراعهما التاريخي الصراع شبه المستمر بين مسلمي الهند وهندوس الهند الذي بدا اثناء طرح فكرة استقلال الهند بعد ان قررت بريطانيا انهاء استعمارها للهند الذي استمر منذ بداية القرن التاسع عشر وانتهى منتصف القرن العشرين وما عرف في حينه بالراج البريطاني اي حكم بريطانيا للهند والتي يقال ان بريطانيا جنت من هذا الاحتلال اكثر من تسعة تريليون جنيه استرليني وذلك على مدى 173 عاما من الاحتلال الذي شمل الهند وباكستان وبنغلاديش ومينمار وقد وافقت بريطانيا على دعوات الهنود المستمرة بانهاء الاستعمار والمطالبة بالاستقلال الذي تحقق اخيرا في 15 اب 1947بعد نضال دؤوب وجهاد مستمر قاده المهاتما( مهاتما تعني الروح العظمى) غاندي(1869-1948) الذي كان الزعيم الروحي للهند ورائدا لما عرف بعد ذلك بالساتياغراها التي تعني مقاومة الاستبداد بالعصيان المدني الشامل التي تاسست عقب حركة (اهمسا) التي تعني اللاعنف وقد بدأ الصراع بين المسلمين الذين يقارب عددهم حوالي 172 مليون مسلم وحيث الاسلام يعتبر هناك ثاني اكبر ديانة حيث يعتنقه 14.2% حيث كان المسلمون يتطلعون الى انشاء وطن اخر غير الهند وقد قاد هذه الحملة الزعيم المسلم محمد علي جناح(1876-1948) الذي يعتبر مؤسس دولة باكستان وقد ادى ذلك الى ما يعرف تاريخيا باكبر هجرة بشرية حيث قام قرابة 11 مليون شخص بالانتقال من الهند والباكستان  حيث انتقل حوالي خمسة ملايين هندوسي من باكستان الى الهند وانتقل 6 ستة ملايين مسلم من الهند الى باكستان المعروفة رسميا بجمهورية باكستان الاسلامية حيث باكستان تعني ارض السلام وحيث كانت هذه الدولة عند تاسيسها تشمل مايعرف في حينه بباكستان الشرقية التي كانت عبارة عن ولاية تابعة لباكستان تشكلت بعد الاستقلال عن بريطانيا وبقيت تابعة لباكستان حتى العام 1971 عندما اعلنت انفصالها واستقلالها عن باكستان واصبحت تعرف ببنغلاديش والتي بدانا في العراق التعرف على بعض مواطنيها من الشباب الذين استمرؤا العمل في قطاعات كثيرة في العراق وذلك بعد السماح باستيراد العمالة الاجنبية  منذ بضع سنوات وقد سمعت بهم اول مرة بعد عودتي من سويسرا بداية العام 2017 حيث احتاجنا في حينه الى عدد من العمال لنقل بعض الاثاث فعرفت انهم متوفرون في العراق بكثرة وذلك من خلال مكاتب متخصصة تقوم بالاتفاق معهم ونقلهم الى العراق وعرضهم على من يحتاج اليهم من شركات اهلية وبيوت وغيرها وهم اي البنغلاديشيون طيبون جدا بل في منتهى الدماثة والادب والخلق ويعملون بلا كلل ويستجيبون لكل سؤال وكل نداء ولديهم رغبة وقدرة على تعلم اللهجة العراقية حيث لم يجدوا كما علمت اي صعوبة في التواصل مع العراقيين حيث وجدت ان بعضهم يتحدث الانكليزية بشكل جيد مما يؤهلهم ان يكونوا مترجمين لزملائهم الجدد  المتلهفين للتعرف على العراقيين من خلال لهجتهم واكلهم ومزاحهم الخ وهؤلاء الهنود سواء كانوا هنودا او باكستانيين او بنغلاديشيين مازالوا يثيرون انتباهي  بطيبتهم واخلاقهم ودماثتهم وفنهم وابداعهم في السينما حيث مازلنا انا وصاحبي الاديب الشاعر الدكتور عماد عبد اللطيف سالم مولعين بالموسيقى والغناء الهندي وقد  كتبنا انا وهو خلال السنوات السابقة بضع مقالات صغيرة عن بعض الممثلين الهنود والممثلات الهنديات ومازلت شخصيا مولعا ومهتما ومتونسا بالغناء الهندي فقد بقيت لسنوات طويلة متابعا لاغاني الاسطورةالراحل محمد رافي(1924-1980) الذي اكتشفنا منذ نهاية الستينيات ان كل ممثلي الدرجةالاولى في كل الافلام الهندية كانوا يغنون بصوته رحمه الله وقد تعرفنا نحن العراقيون على الهنود اول مرة عندما جاؤوا مع الجيش البريطاني خلال الحرب العالمية الاولى (1914-1918) والتي كانت لنا معهم مواقف طريفة ومضحكة بسبب عدم تمكنهم من التحدث بالعربية ناهيك عن محاولاتهم التحدث باللهجة العراقية ولعل من اشهر ما يقال بهذاالمجال المقولة العراقية على من لايتقن عمل شيء ما قولهم ايا هندي او قابل اني هندي وهذه الاخيرة كانت اشهرنكات عقد الستينيات ومفادها ان الرئيس العراقي انذاك عبد السلام عارف (1921-1966) كان في زيارة للهند واثناء الزيارة اخبره الرئيس الهندي عن العبارة التي يستعملها العراقيون اثناء حديثهم اليومي قابل اني هندي وطلب منه اي من الرئيس العراقي ان يتوقف العراقيون من استخدام هذه العبارةلانها تسيء الى الشعب الهندي فاكد له الرئيس العراقي انه حال وصوله للعراق سيصدر بيانا بهذا الخصوص ولما انتهت الزيارة واثناء مراسم التوديع التفت الرئيس الهندي الى الرئيس عبد السلام مذكرا اياه بطلبه فالتفت عبد السلام اليه مبتسما وقائلا : شلون انسى قابل اني هندي.

خمسة ايام مضت

خمسة ايام مضت على نهاية العام الماضي

2018

وانا مازلت احلم مثل عصفور

بسرب طيور

يفكر بالعودة الى النرويج

لانه لم يحصل على تاشير لدخول حقول اسبانيا التي لايتوقف فيها المطر

كما ورد في فيلم سيدتي الجميلة 1964 عن رواية بنفس الاسم للاديب الانكليزي برنارد شو بطولة اودري هيبورن وريكس هاريسون  بل ان الفيلم في الواقع ماخوذ عن المسرحية الشهيرة التي قدمتها برودواي من بطولة الرائعة جولي اندروز بطلة فيلم صوت الموسيقى  1965 وفيلم بوبنز الذي اعيد انتاجه مجددا العام الماضي وحيث كان من المؤمل ان تقوم اندروز ببطولة الفيلم ايضا ولكن ذلك لم يحصل حيث حصلت هيبورن على البطولة وحققت فيه نجاحا كبيرا طغى على نجاح المسرحية

حيث يرددان معا في حصة تعليمها النطق الصحيح

The rain in Spain stays mainly in Spain

واسبانيا لو تعلمون لنا فيها نحن العرب المتخلفين ذكريات كبيرة لم نستعدها كلها بعد ولم تتطلع عليها اجيالنا الحالية ففيها كم هائل من الشعراء والادباء والمفكرين مثل ابن زيدون وابن خلدون والمعتمد بن عباد وابن حزم الاندلسي ولسان الدين الخطيب ومحيي الدين بن عربي وغيرهم كثيرون

ومازلت اسمع قصصا واحداثا جميلة ومؤثرة عن تراث وتاريخ العرب والمسلمين هناك  من صديقي الدكتور قدامة عبد الرزاق حبيب العاني المقيم فيها منذ سنوات استاذا في احدى ارقى جامعاتها في مدينة فالانثيا التي ينقل لي بين الفينة والاخرى امورا عنها تخلب اللب اضافة الى وصفه الممتع للكثير من الظواهر والاحداث التي تعتريه بين الحين والاخر وكثيرا ما استفزه واثير قريحته بالاشارة الى شراب النبيذ التي تشتهر به اسبانيا الابيض منه والاحمر حيث كلانا انا وهذا الصديق العاني شغوفان بشربه كلما سنحت لنا الفرصة رغم ان فرصه هو اكثر مني  ومازال يستغلها استغلالا ممتازا

اما فرصة مشاهدة الفيلم فقد اتيحت لي وعدد من اصدقائي  الراحل لؤي كريم الياس وفاروق الخالدي وكريم عبد علي وعبد الكريم علي احمد حيث سمعنا بعرض الفيلم في سينما غرناطة المعروفة في بغداد بعرض الافلام الرصينة الملتزمة ويبدو ان ماشجعنا على مشاهدة الفيلم هو معرفتنا ببطلته اودري هيبورن التي تابعنا في تلفزيون بغداد في وقت سابق  احد اجمل افلامها الا وهو انتظر حتى الظلام

كان ذلك اي عرض الفيلم اوائل السبعينيات لا اذكر السنة بالضبط ولكنها حتما في الثلث الاول من السبيعينيات ايام دراستنا في الجامعة وقد استمتعنا بالفيلم كثيرا خاصة وانه مقتبس من مسرحية برناردشو الذي كنا نعرفه جيدا رغم اننا لم نقرا له شيئا بعد ولكننا كنا على اطلاع على معظم اعماله ونعرف عنها الشيء الكثير

وقد تجددت متعتي بهذا الفيلم الشيق الذي لايمل منه بعد التحاقي بالعمل في السلك الدبلوماسي اثناء عملي في الملحقية التجارية العراقية في سفارتنا ببخارست عاصمة رومانيا 1978-1984 حيث بادرت الى استيراد نسخة من الفيديو حال علمي بذلك وبقي الفيلم ضمن مجموعتي المتميزة من الافلام التي كان لي شرف مشاهدتها قبل ان تعرض في صالات سينما بغداد ولعل من ابرزها

فيلم صائد الغزلان بطولة روبرت دي نيرو وميريل ستريب التي سبق وان تعرفت عليها اثاء اقامتي في رومانيا عندما عرضت احدى دور السينما القريبة من منزلي في شارع كوربين فيلمها الرائع كريمر ضد كريمر الى جانب القدير دستان هوفمان

وفيلم حرب النجوم الذي قرات عنه الكثير في مجلات الوطن العربي والمستقبل وغيرها التي اشتركت فيهما لسنوات اقامتي هناك

وفيلم المخرج الراحل كوبرنيك بعنوان اوديسا الفضاء وكوبرنيك مخرج الروائع البرتقالة الميكانيكية الذي اصبح ايقونة في السينما العالمية وفيلم صائدو فروات الراس بطولة بيرت لانكستر وفيلم عيون على اتساعها ضيقة بطولة نيكول كيدمان وتوم كروز بطل سلسلة المهمة مستحيلة الخ

ومازلنا انا ونخبة الاصدقاء وابنائي واقاربي مولعين بالافلام معتبرين انها جزء من الثقافة لاغنى لناعنها ابدا واعترف انني استفدت كثيرا من كل الافلام حتى التافهة منها

ولن افشي سرا اذا قلت انني مازلت مولعا مثل صديقي الاديب عماد عبد اللطيف سالم بالافلام الهندية رغم كل مايقال عنها ورغم كل النقد الموجه اليها ومازلت اقول ان الفيلم الهندي بدون اغاني وبدون قطار ليس فيلما هنديا وقد جاء هذا الراي بعد ان شاهدت خلال السنوات القليلة الاخيرة عددا من افلام الهند التي كانت متميزة فعلا بمضمونها واخراجها وتمثيلها وقصصها رغم انها كانت خالية تقريبا من الغناء ومن القطارات