قُبُلات .. من أجل أن يكون الضَرَرَ أقلّ بكثيرٍ، ممّا كان

القُبلات ، و تبادُل القبل (التي لا تنتمي الى الرومانس) ، هما جزءٌ من تراثنا ، وسلوكنا الوطني والقومي والاقليمي .
ونحنُ نُمارِسُ هذه “العملية” بشكلٍ علنيّ ، لأسباب غير عاطفيّة في الغالب ، كأنْ تكون سياسية ، أو “تدليسيّة” ، أو باعتبارها ضرباً من ضروب النفاق الأُسَري ، والعشائري ، و المجتمعي مُتَعَدِّد الأبعاد .
و نادراً ما نتبادَل القُبلة ، او نمارس التقبيل ، لأسباب عاطفية “رومانسيّة” خالِصة ، حتّى في حياتنا الحميميّة الخاصة . بل على العكس من ذلك ، هناك من يعتبر القُبْلة حرام ، وهناك من يعتبرها عَيْب .. بل أنّ أمي تعتبرها فِعلاً خادِشاً للحياء ، ويدعو للغثيان ، أو ما تُسَمّيهِ أُمّي بـ “لِعْبانْ النَفِسْ” .
أنا أكرهُ التقبيلَ ، ومُمارسةَ التقبيل “العُمومي” – الرسمي – العُرْفي – المُجتمعي ، مهما كان الدافع المصْلَحيّ لهُ مُلِحّاً ، و مُبَرَّراً .
و لكنّني أجيدُ التقبيلَ الرومانسيّ “الخاصّ” بأنواعهِ وأشكالهِ كافّة .
فهذا النوع من القُبَل لهُ قُدرة عجيبة على اشعال “الحرائق” ، في “مخازن” روحي .
و أنا أحبُّ القُبْلَةَ “السريّة” (وجمعها قُبَل ، أو قُبُلات ) حُبّاً جمّاً .
بل أنّني أعشَقُ “عمليات” التقبيل “الخاصّ” بمراحلها كافّة .. وأكرهُ “التصويت” الخاص ، بـ “صناديقهِ” كافّة ، سواء تلك التي “احترقَتْ” ، أمْ تلكَ التي لم تحتَرِقْ بعد .
أنا أؤمنُ ايماناً مُطلقاً ، بأنَّ للقُبلةِ فعل السِحْرِ على جميع المخلوقات.
وأنا على استعدادٍ تامٍّ ، بأن لا آكلَ ولا أشربَ ولا أنامَ .. بل ولا أتَنَفّسَ أيضاً .. بشرطِ أنْ لا يمنعني أحدٌ من مواصلة التقبيل .
لذا .. لو كان ادولف هتلر حيّاً الآن ، لذهبتُ اليهِ في (برلين) ، وقَبّلتهُ ، ليكونَ أقَلّ نازيّةٍ ، ودمويّةٍ ، ممّا كان عليه.
ولو كان معمّر القذافي حيّاً الآن ، لذهبتُ اليهِ في (سِرْت) ، وقَبّلتهُ ، ليكونَ أقَلّ حماقةً وجنوناً ، من أولئكَ الذين سيجيئونَ من بعده .
ولو كان الحبيب بورقيبة حيّاً الآن ، لذهبتُ اليهِ في (تونس) ، وقَبّلتهُ ، لأجعلهُ اكثر اصراراً على القبول بـ “تقسيم” فلسطين ، التي رفَضْنا قبول تقسيمها بين “العرب” واسرائيل في حينه .. فأصبحَتْ فلسطين الآن .. كلّها اسرائيل .
ولو كان ستالين حيّاً الآن ، لذهبتُ اليهِ في (الكرملين) ، وقَبّلتهُ ، لكي لا يقتل (تروتسكي) ، ولا يجْتَثّ (الكولاك).
ولو كان كارل ماركس حيّاً الآن ، لذهبتُ اليهِ في (لندن) ، وقَبّلتهُ ، ليكتبَ لنا الكثير من “الأدعية” ، بدلاً عن (رأس المال) .
ولو كان بإمكاني ، أنْ ألتقي بـ “فُلان” ، وهو حيٌّ يُرزَق ، ويعيشُ في (بغداد) حاليّاً ، لذهبتُ اليهِ ، وقَبّلتهُ ، ليكون أقلّ طائفيّةً ، ممّا هو عليه الآن .
و بوسعكم أنتم ايضاً ، أن تكتبوا ما تريدونَ على هذا المنوال ، وأن تذهبوا الى من تشاؤون ، وتُقَبِّلوهُ ، وتَطلبوا منهُ ما تريدون .. لأنّني في “الحقيقة والواقع” أخافُ أن أتطرّقَ الى شخصيات دينيّة وسياسية وتاريخيّة مُهمّة ، وأذهبَ لتقبيلها ، وأطلب منها أشياء ومواقف قد لا تقبلون بها ، ولا ترضون عنها ، حتّى وإنْ بقيتُ أقَبّلُكُم .. الى يومَ يُبعَثون.

دجلة واليسو والمصالح الوطنية والفرات

نهرُ دجلة على وشك الجفاف .
والفراتُ كذلك .
لماذا نبدو – كعراقيّين ، مصدومون بذلك ؟
هل هذه مُفاجأة ؟
سدود تركيا ، كما سدود ايران ، كما سدّ النهضة في اثيوبيا ، هي جزء من منظومة الدفاع عن المصالح الوطنيّة العُليا ، و عنصرٌ رئيس في استراتيجيّة الأمن القومي لهذه البلدان .
كلّ شيءٍ حول هذه السدود ، وطاقاتها الخَزْنيّة ، وما يتعلّقُ بحجم الاطلاقات المائيّة الى دول “المَصَبّ” بعد استكمال بناءها ،معروفٌ ومُعلَنٌ منذ عقود، وعقود عديدة.
لا أسرار في ذلك ، ولا “مؤامرات” .. فلماذا نملأُ العالمَ بالعويل ، بدلاً من غَمْرِ أرضنا بالماء ؟
سمعتُ و قرأتُ قبل أربعينَ عاماً (كما سمعَ وقرأ غيري ) أنّنا سنكونُ مُضطَرّين “مستقبلاً” لمقايضة كلّ برميلِ نفطٍ ببرميل ماء .. بل ومقايضة كلّ قطرةِ دَمٍ بقطرةِ ماء!.
لذا فإنّ “معاهدة الماء مقابل النفط” قادمةٌ لا محالة ، فإنْ لم “يعجبنا” ذلك ، فالدمُ سيكونُ مقابل الماء ، وهذه هي المُعاهدةُ – المُعادَلَةُ الحتميّة القادمة ، التي ستأتي قريباً ، وقريباً جدّاً ، وأقربُ ممّا نتصوَرُ ونعتقِدُ بكثير .
لا مصالح سياديّة “وطنية”عليا لدينا .. و لَمْ نُشيّد سدّاً واحداً منذ أربعينً عاماً .. ونهدرُ ماء النهرينِ لعقودٍ طويلةٍ في البحر .. فلماذا نملأُ العالمَ بالعويل ، بدلاً من غَمْرِ أرضنا بالماء ؟
نحنُ نُجيدُ “تحاصُصَ” السلطة والثروة والمناصب والنفوذ .. و يقتلُ بعضنا بعضاً من أجلها ، ونتمزّقُ ونتفَرّقُ و ننقَسِم ، و نتشظّى .. ولكنّنا لا نعرفُ كيف ندافعُ بشرَفٍ عن ذرّة ترابٍ واحدةٍ ، ولا عن قطرةِ ماءٍ ، في أرض السواد العظيم.
نحنُ لا ننظرُ الى ما هو أبعدُ من أنوف مصالحنا ، ومناصبنا ، ومساوماتنا حول تقاسُم الريع .. ونأتي الآنَ لنخدعَ الناس بأنّ “الدولة” العراقيّة ستجتمعُ ، بقضّها و قضيضها و “قوارضها” لمناقشة هذه الفجيعة .
هل هذه أوّل فجيعة ؟ هل هذه أوّل نكبة ؟ هل هذه أوَل نكسة ؟ هل هذه أوّل هزيمة ، هل هذا أوّل انحطاط ؟ هل هذا هو اوّل عطَشٍ وأوّلُ جوع ؟؟
لا طبعاً .
ولكنّنا كـ “أُمّةٍ” ميّتَةٍ ، لا نُجيدُ سوى التدليس ، وننسى انّ هناك تاريخ ، ونتجاهلُ أنّ لهذا العالم ذاكرةٌ لا تغفِرُ ، و لا تُجامِل ، ولا يمكن طمسها في رمال صحراءنا الكبرى ، التي خلقناها بأيدينا ، وغَفْلَتنا ، وقلّة حيلتنا ، و هواننا على الدول والناس .
دولةٌ لا نفط فيها ، وفيها الكثير من مصادر الماء . دولة تُعاني من تداعياتٍ ظروفٍ جيوسياسيّة غير مؤاتيّة ، ويتعرضُ اقتصادها لضغوطٍ شديدة .. و تتراجعُ قيمة عملتها يوماً بعد آخر .. ويستهلكُ الكثير من مواردها الماليّة ، استيراد الطاقة من الخارج .. فما الذي تتوقَعّون منها ان تفعل ؟
ستمارِسُ الضغط خدمةٍ لمصالحها الوطنيّة و القوميّة العليا . فهل هذا عيبٌ .. أم عار ؟
ستجلسون معها (زراعةً وخارجيّةً وموارد مائيّة) ، وستقولُ لكم : النفط مقابل الماء ، أيّها “الأصدقاء” الأعزّاء!.
و ستقبلون .
ستقبلون حتماً .
وليس مُهمّاً كيف سيحصلُ ذلك .. وليستْ مهمّةً التفاصيل .
و قديماً قال اهلنا “القدماء” جدّاً : الذي لا يعرِف تدابيره .. ستأكلُ حُنطتهُ شعيره .
و أهلنا قالوا ذلك ، لأنهم كان يمتلِكون حنطةً وشعيراً ، يُقايِضون بها صروف الزمان .
أمّا نحنُ .. “الديموقراطيّونَ – التعدّديّون – الاتّحاديّون” .. فلا حنطة لدينا ، ولا شعيرً .. ولا عُشبَ ..
ولا حتّى ماء .

تبييض الاموال

في الاقتصاد ، كما في القانون ، فإنّ عملية غسيل الأموال Money laundering هي جريمة اقتصادية تهدف إلى منح الأموال مجهولة ، ومشبوهة المصدر ، شرعيّة قانونيّة، وذلك من أجل امتلاكها ، أو التصرّف بها، أو إيداعها، أو استبدالها، أو نقلها، أو التلاعب في قيمتها ، لأنّها عائدات من أنشطة غير مشروعة ، كإنتاج وتسويق المخدرات ، واختطاف الرهائن ، وسرقة موجودات ثمينة يصعب بيعها (كالمجوهرات النادرة ، واللوحات الفنية ، والقطع الأثريّة ..) والإرهاب، والاختلاس ، وأتاوات المافيات (المُستقرّة والجوّالة على حدٍّ سواء) ، وعمولات الفاسدين (بمختلف درجاتهم و مراتبهم ، ومناصبهم) ، وأتعاب “الخيانات” الصغرى والكبرى .. وغيرها كثير.
ويمُرّ غسيل الأموال بمراحل ثلاث هي :
أوّلاً – مرحلة الإيداع . و تُعرف أيضاً بمرحلة “التوظيف” أو الإحلال، ويتمّ بها التخلص من كميات كبيرة من النقود القذرة بعدّة طرق (يمكن الاطلاع عليها في الكتابات ذات الصلة بهذا الموضوع) ، بهدف تسهيل عملية اعادة بيعها ( أو تسويقها) لاحقاً .
ثانياً – مرحلة التمويه : و يُطلق على هذه المرحلة أيضاً اسم مرحلة “التعتيم” ، أو التجميع . و تبدأ عندما تدخل الأموال الى قنوات النظام المصرفي الشرعيّ ، فيقوم غاسل الأموال بفصل ( وعزل) الأموال التي يُريد غسلها عن مصدرها غير الشرعي.
ثالثاً – مرحلة الإدماج : و هي آخر مراحل عملية غسيل الأموال . وتتمثل في منح هذه الأموال الطابع الشرعي، لذا تُعرف باسم مرحلة “التجفيف” . وهنا “تُدمَج” الأموال المغسولة مع النظام المصرفي، والدورة الاقتصادية فتظهر على أنّها عوائد طبيعيّة لصفقات تجارية معروفة واعتياديّة .
في السياسة .. كما في الاقتصاد .. كما في “نظامنا” السياسي المُلتَبِس ..
يحدث الأمر ذاته .
حيث تتمُّ عملية غسيل الوجوه الكالحة على ثلاث مراحل ، هي : الإيداع ، والتمويه ، والإدماج (داخل الكيان السياسي – المجتمعي) .. وبما تتضمنهُ هذه المراحل من توظيف و إحلال و تعتيم و عزل و تجفيف ، لكي تكون هذه الوجوه صالحةً للتسويق والتداول ، ليس بيننا ، وداخليّاً فقط ، بل وحتّى على المستوى الخارجي .
بعدها تُستكْمَلُ عملية “تبييضها” ، بكمٍّ هائلٍ من الأوهام ، والتنظير ، والتدليس ، والأكاذيب الصفيقة .
ومن ثمّ يتمُّ تسويقها ، وترسيخها في ذاكرة الشعوب الضعيفةِ المُتعْبَةِ ، بـ “النوايا” الطيّبة ، و اليأسِ العميقِ .. و بـ الآمال و “الأمنيات” العظيمة أيضاً.

لن يحدث شيء

كلّ شيءٍ الآن ، هو دون ذلك “المستوى الكارثي” الذي يتطلّب التغيير .
فـ “التغيير” يُحدِثُ مفاعيلَهُ عادةً ، وتتساقطُ آثارهُ الايجابيّة على الجميع ، في تلك المجتمعات التي تحترم نفسها ، وتشترط على حكّامها توفير الحدّ الأدنى من متطلبّات الكرامة الانسانية ، والعيش البشري، وإلاّ قامت بكنسهم بمكنسة غضبها الهائلة ، ثأراً لآدميتها المهدورة ، وألقتْ بهم في المزابل “العشوائيّة” التي لم يعُد هناك “مكَبٌّ” قادرٌ على استيعاب نفاياتها “الوطنيّة”.
التوصيّة : لا داعي للتغيير .
الخُلاصة : لا فائدة من التغيير .
التغيير لن يغيّر شيئا ، غير اسلوب الحفاظ على الثوابت المميتة ، في التاريخ الحجريّ لهذه “الأمّة” .
لو كان التغيير يُغيرُ شيئاً .. لتَغَيّرْنا ، وتغيّر بتغيّرنا كلّ شيء.
ولكن .. لا شيء تغيّر .
لا نحنُ
ولا الناس
ولا هذه الأرض
ولا هذه السماوات
ولا هذه المدينة
ولا هذا البلد العجيب .
لا شيء .. لا شيء .
ناموا طويلاً .
ناموا وأنتم جياع .
أو التهموا فتاتَ الموائد .. و “وصْوصوا” .. ثمّ ناموا.
لا فرق .
لن يحدثَ شيء .
لن يتغيّرَ شيء .

اسبق حزني بشهر

أسبقُ حزني بشهرٍ
مثل سلحفاة أيّامي
العالقةِ في طينِ العَيْشِ
لتضَعَ بيوضها
على شكلِ عويلٍ شخصيّ
في سيرةٍ ذاتيّة.
أعرفُ أنّ سلحفاةِ أيّامي
لن تغادر أبداً
رملَ الأمنياتِ المهدورةِ على الجُرْفِ
ولن يلفحَ جلدها أبداً
موجُ البحرِ العظيم.

عماد عبد اللطيف سالم

العراق بغداد

ربما تحتوي الصورة على: ‏‏‏‏شخص أو أكثر‏، و‏أشخاص يجلسون‏‏ و‏نشاطات في أماكن مفتوحة‏‏‏

بين عالمين وزمانين وحياتين

بين عالَمَيْنِ .. و زَمانَينِ .. و حياتَين .
تلميذٌ “وكيحٌ” مُشاكِسٌ (ودائماً بقميصٍ من دون أزرار .. قدْ ” قُدَّ مِنْ قُبُلٍ” ).
و “شيطانٌ” صغيرٌ عانَتْ المُعلّماتُ والتلميذاتُ منهُ الأمرّين ، في مدرسة الخيزران الابتدائيّة (محلّة “الحصّانة” في الكرخ القديمة 1960).
و “عميدٌ” و”استاذٌ” و “عاقِلٌ” و “قاطٌ ” .. في كليّة اقتصاديات الاعمال / جامعة النهرين .
أينَ تُريدني أن أبقى .. أين تُريدني أن اكون ؟
خُذْ كلّ “العمادات” .. و “الأستاذيّات” .. و “العقلانيّات” .. و “القوط” كلها ..
واتركني هناك
طِفلاً “مَشْلوشاً” .. و حالِماً .. و شاردَ الذِهن
يجوب بقدمينِ حافيتينِ
منَ أوّلِ الفَجرِ إلى أوّلِ الليل
تلكَ الدروب الضيّقةِ الرَطْبةِ
في الكرخ القديمة .
و عاشِقاً “عظيماً” في العاشرة من عمره ، يرى ويستمع بشغفٍ لنجاة الصغيرة وهي تغنّي “أيَظُنُّ” في تلفزيون ماركة “باي” .. في “كَهوة الكيتاوي” في سوق حمادة .. مقابل عشرة فلوس ، و “حلقومة” حمراء كبيرة ، أراها الآن ، بحجمِ الكون كلّه .
Image may contain: 16 people
Image may contain: 16 people, people smiling, people sitting, people standing and indoor

سيرة الحب والحرب

عندما وقعتُ في حُبّكِ من أوّل نظرة .. وحتّى دون أنْ أنظرَ اليكِ جيّداً ، ولو لثانيةٍ واحدةٍ فقط .. بسببِ ارتباكي الغضِّ .. بدأتْ الحرب العراقيّة –الايرانيّة ، التي كانتْ تأكلُ البهجة .. ودامتْ ثمان سنوات .
وعندما عُدْتُ من الحرب .. وأحببتُكِ من أوّل نظرةٍ أيضاً .. ولم يستغرِق وقوعي في الحُبّ ، سوى رمشةً واحدةً فقط من عينيّكِ البُنيّتين .. بدأ الحصارُ “الدوليّ”، الذي كان ينخرُ في العَظم .. و دامَ ذلك ثلاثة عشر عاماً .
و عندما انتهى الحصار ، وعدتُ الى العالَمِ “رشيقاً” شارد الذهن .. و أحببتكِ من أوّل نظرةٍ عابرةٍ للنظام “الدكتاتوريّ” .. بدأ احتلال العراق .
وعندما جاءت “الديموقراطيّة” .. أردتُ ان أمارس حريّتي المقموعة ، وأحبّكِ للمرّة الثانية .. وأغمركِ بالقُبَل الليبراليّة “المُنفَلِتة” .. فبدأتْ حرب ملوك الطوائف .. و عُدنا الى الأندلس .. وبكينا كما بكى عبد الله الصغير .
وعندما أردتُ أنْ أحبّكِ للمرّة الثالثة .. ظهرتْ “القاعدة “.. و حرّمَتْ القُبَل .
و عندما أحببتكِ للمرّة الرابعة ظهرتْ “داعِش” .. و حَرّمَت الحُبّ .
و عندما أحببتكِ للمرّة الخامسة .. انخفضَتْ أسعار النفط .. ولم يَعُدْ الحُبُّ “رَيْعيّاً ” كما كان .
و عندما أحببتكِ للمرّة السادسة .. ظهرَتْ “حُزَم” الاصلاح الاقتصادي والمالي .. و كسَرَتْ ظهري .
وعنما تقدّم بيّ العُمْر .. كنتُ مُصمّماً على أن أحبّكِ إلى الأبد .. فظهرَ قانون “التأمينات الاجتماعية” .. وبدأتْ عواطف المتقاعدين بالضمور .. ولمْ تَعُدْ عيناكِ البُنيّتان تُعَوّضانِ فَرْقَ الراتب .
هذا البلدُ اليابسُ لا يصلحُ للحبّ .. و يجعلُ العِشقَ الطويلَ مُستحيلاً .. أمام روحٍ خضراء .. تشبهُ روحي .

الدكتاتورية التنموية بين العراق وكوريا الجنوبية

http://www.ahewar.org/debat/show.art.asp?aid=569368

ليسَ من السهلِ ، بل يكاد يكون من المستحيل ، اعادة بناء بلدٍ مزّقتهُ الصراعات والانقسامات ، بوجود “نماذج” سياسية تتوزّعُ على السُلُطات الثلاث في هذا البلد ، كهؤلاء “السيّداتِ” و”السادة”.
لذا ما على السيد رئيس وزراء العراق سوى تجاوز هذا اللغو الشاسعِ والعقيمِ ، وهذه المناكفات والمهاترات التي كلّفتْ هذا البلد الكثير من المال والجُهدِ والدمِ طيلة أربعة عشر عاماً.
ما عليهِ سوى أنْ يبقى بعيداً ، وأن يسلَخَ نفسهُ بعُمق ، عن هذه العلاقاتِ “التخادميّةِ” سيّئةِ السُمعة ، وعن هذه “المقاولات” المُشينةِ ، و “الجُنَحِ” المُخِلّةِ بالشرف الوطنيّ ، وأنْ يتركَ كلّ هذا الهراء العظيم خلف ظهره ، و يمضي قُدُماً في بناء “دكتاتورية تنمويّة” Development Dictatorship ، نحنُ أحوجُ ما نكونُ اليها الآن أكثر من أيّ وقتٍ و ظَرْفٍ آخر .
الهدف الرئيس للدكتاتورية التنموية هو : اقصى تعبئة و “تحشيد” ، واكفأ تخصيص للموارد المُتاحة Maximum Mobilization and Efficient Allocation of Resources .
تقوم هذه “الدكتاتوريّة التنمويّة” على ثلاث ركائز اساسيّة لتحقيق التنمية الاقتصادية ، هي: خطّة تنمية وطنيّة مُصمّمة بشكلِ جيّد . و حكومة من ذوي الاختصاص قادرة على تنفيذ هذه الخطّة. وعلى برنامج حكومي واضح وصارم يُتيح للحكومة “الاستحواذ” على( أو تدبير و تأمين) رأس المال الضروري لتنفيذ هذه الخطّة .
وأرجو أن لا يُصابَ السيد رئيس الوزراء بالفزع منْ صراخ الذين لا همّ لهم سوى تحويل كلّ الممكنات الى مستحيلات. فهذه “الدكتاتورية التنمويّة” هي في كلّ الأحوالِ أسهلُ وأقلّ كُلفةً من “دكتاتورية” مهاتير محمد التنمويّة ، التي لم تكن تملكُ من المقوّمات والموارد غير شجرة زيتِ النخيل ، والفقر والجهل والانقسام العِرقيّ الذي كان يفتكُ بماليزيا. و”دكتاتوريّة” لي كوان يو التنمويّة ، التي لم تجد في حوزتها من المقوّمات والموارد سوى المستنقعات والبعوض والفساد الذي كان يفتكُ بسنغافورة. و “دكتاتوريّة” بارك جونغ هي ، التي لم تجِد في كوريا الجنوبيّة كلّها لا نفط ، ولا موارد أخرى ، بل لم تجِدْ لا مراعٍ ولا أراضٍ صالحةٍ للزراعة ، ولا تملِكُ غير تاريخٍ مُمتَدٍ من الحروب “العقائديّة” ، والخوف من الجوع الدائم.
وأتمنى من السيد رئيس الوزراء أن لا يخشى من “دسائس” الأهل قبل “مؤامرات” الغرباء ، و من حروب الاصدقاء قبل معارك الأعداء ، ومن “ألغام” الأقربين قبل “خنادق” الأبعدين. ففي الحرب الكوريّة وحدها تم احتلال وتخريب العاصمة (سول) ثلاث مرّات .. ورغم ذلك ها هيَ (سول) الآن ، واحدةً من أجمل مدن العالم وأكثرها أمناً وصلاحيّةً للعيش ، مع أنّها لا تبعدُ عن الحدود مع كوريا الشماليّة بأكثر من 60 كيلومتراً ، و تتطايرُ صواريخ كيم ايل جونغ الباليستيّة فوقها وحولها بينَ حينٍ وحين .. وبوسعِ جيشهِ أنْ يَصِلَ اليها بالدرّاجات الهوائيّة ، وأنْ يُعيدَ احتلالها في أيّةِ لحظة.
وألتَمِسُ من السيّد رئيس الوزراء أن لا يستنكِفَ من التعلَم من الآخرين . لقد أرسلَتْ كوريا الجنوبية نساءها الى مستشفيات المانيا لتعلّم أصول التمريض . وأرسلتْ عمّالها الى مدن الشرق الأوسط لتعلّم أصول البناء في أقسى الظروف. وأرسلَتْ طلاّبها واساتذتها الى افضل البلدان والجامعات في العالم ، ليستنسخوا و ينقلوا ويطَوّروا أفضل ما فيها ، ويُسهموا في نهضة كوريا بزمنٍ قياسيّ.
و لا تجفَل سيدي رئيس الوزراء من “بروباغندا” الداخل والخارج ، ولا تيأس بسبب العويل. فمجلة Foreign Affairs الرصينة جدّاً كانت قد ذكَرَتْ جازمةً في عام 1960 بأنّ : “ليس هناك من فرصةٍ لتحقيق مُعجزةٍ اقتصاديّة في كوريا” . وبعدَ عقدٍ واحدٍ من هذه “المقولة” بدأتْ هذه “المعجزة بالتحقّق ، و ها هو اقتصاد كوريا الجنوبية الآن ، الاقتصاد الرابع في آسيا ، ومن بين الاقتصادات العشرين الكبرى على مستوى العالم .
أخيراً .. لا تأبه سيدي رئيس الوزراء لمن يقولُ لك : أنتَ وحيد ، وليس هناك من كتلةٍ برلمانيةٍ تدعمك . في هذا الأمر أرجو أن تكونَ على ثقةٍ من أنَ العقول الجميلة لدى خيرة شباب هذا البلد ، اضافةً ل “شيوخِ” الخبرةِ فيه ستقفُ معك ، وتشدُّ أزرك. وأرجو أن لا تشُكّ لحظةً واحدةً أنَ الملايينَ من العراقيّينَ، ممن يحبّون هذا البلد حبّاً جمّاً ، سيعملونً معك بإخلاصٍ ، دون صخَبٍ أو مِنّة .
بوسعكَ أن تفعلَ ذلك .. عندما تقرّرَ أن تفعلَ ذلك .
فأفعلْهُ إذن .. والآن .
أنتَ بطبيعةِ الحال ستحتاجُ الى مكنسةٍ هائلة ، ولا شيء آخرَ غير مكنسةٍ هائلة .. عندما تَسُدُّ “الأزبالَ ” الأفاقَ كلّها.
واجبكَ أنتَ .. أنْ تبحثَ عن هذه المكنسة .
و واجبنا نحنُ .. أنْ نكنُسَ معك ..
عندما تحينُ لحظة “الكَنْسِ” العظيمة هذه .

عماد ابوفرح

تعوّدْتُ أن يُناديني الآخرونَ بإسمي الأوّلِ .. عماد.
في عام 1988 كانَ ميلادُ ابنتي فَرَح .
مرَّ العامُ الأوّلُ بسلام ، وكان الناسُ ما يزالونَ ينادوني .. عماد.
في عام 1989 كانَ أحدهُم يلهثُ خلفي وهو يصيح : أبو فرح .. أبو فرح .. بينما كنتُ أنا ايضاً ألهثُ بدوري ، واتلَفّتُ شمالاً وجنوباً ويميناً ويساراً باحِثاً عن “أبو فرحٍ” هذا ، الذي لم أكُنْ أعرفُ من هوَ .
في اليومِ الأوّلِ لبلوغي الخمسين من العُمْر ، نادتني سيّدةٌ في منتصفِ العُمْرِ بـ “عَمّي”.
جَفَلْتُ يومها جفْلَةً عظيمةً ، ما أزالُ ارتجِفُ منها ، وأعاني من تداعياتها الكارثيّة على أوضاعي النفسيّة .. حتّى الآن.
ولأنّني عشتُ أكثرَ ممّا عاشَ سيّدنا نوح(عليه السلام) ، وبَلَغْتُ من العُمْرِ أرْذَلَه ، فقد انتهى المطافُ بالكثيرين الى مناداتي بـ “الحَجّي”.
و “حجّي” هذه يُناديني بها الناس خارج البيت لأسباب”جيوبوليتيكيّة” بحتة . وأوّل مرّة ناداني أحدهم بـ “حَجّي” كانت بعد 9-4-2003 مُباشرةً ، عندما اصبح الكثيرونَ “حُجّاجاً” لأسباب ذات طابع “كلاواتي”- براغماتي صِرْف.
وفي الآونة الأخيرة بدأ البعض يناديني بـ”عمّي الحجّي” . عند هذا الحدّ أصبحت الكارثة مُركّبة و “مُتعدّدة الأبعاد” بالنسبة لي ، فَلَمْ أعُدْ أخرج من البيت .. وسوّيتْ روحي ميّت!.
وعندما نستأجرُ أنا وسيّدة البيت سيّارة تاكسي ، فإنّني لا أكُفُّ عن مناداتها باسمها الأوّلِ( اقبال) دونَ حَرَج . ولكنّ المشكلة هي أنّني ما إنْ أغادر البيت معها ، و “أصْعَدْ” بالتاكسي ، حتّى أبدأ بمناداتها باسمها عشرات المرّات ، و دون أن تكون هناك حاجةً لذكر اسمها أصلاً.
وهكذا فكُلّما صِحْتُ (اقبال) ، عضّتْ هي على شفتيها ، وغمزَتْ بعينيها في وجهي لتنبيهي الى وجود خلل “استراتيجي” في “أصول المُحادثة الأسَريّة”.
أمّا هي فقد كانت تُناديني خارج البيت بـ (أبو عمّار) . و لهذا فإنّها كلّما صاحَت بي : أبو عمّار .. أبو عمّار .. كنتُ أسألُ نفسي بدهشةٍ واستغراب : “أبو عمَار” منو ؟ هاي أكيد تقصد السائق ، أو تقصُد هذا الرجل الذي يمشي أمامي على الرصيف الآن.
وما أنْ “نترَجّلْ” من التاكسي كالفُرسان ، حتّى أكتشِفَ كَمْ هيَ عميقةٌ أزمةُ “التخاطُب المجتمَعي” بين “الزَوْجَين” . كانتْ سيّدة البيت في كلّ مرّة نترَجّل فيها من التاكسي تُدمْدِمُ قائلةً:
هاي شبيك ؟ حسّيتْ على نفسك ؟ تدري كم مرّة صِحتْ باسمي كَدّامْ السايق ؟ يمكن 100 مَرّة !!. بعدين تعال أكَلّكْ . أشو إنته بالبيت “صاموط – لاموط” ، وكل عشر سنين ميجي اسمي على طارِفْ لسانك ، اشْعَجَبْ انْحَلّتْ عُكَدَةْ لسانَكْ يَمْ أبو التكسي ، وثُبَرِتْني ثبيرة : اقبال .. اقبال .. وخَلَيتْ حتّى “الكُشِنات” مال السيّارة يُحفْظَنْ اسمي ؟!.

نعم يمكن محاربة الفساد

عماد عبد اللطيف سالم
نعم يمكن محاربة الفساد
تجربة الهند في محاربة الفساد
ضرب الفساد في ٥٠ يومًا!!   تجربة جريئة تستحق الدراسة!!

هل من الممكن ضرب الفساد الذي توغل في جميع مفاصل  الدولة في ٥٠ يومًا. وهل من الممكن مضاعفة دخل الدولة من الضرائب ثلاثة أضعاف في شهر واحد؟ وهل من الممكن وضع جميع الأموال المتداولة والملوثة تحت نظر الدولة والضرائب؟ بل هل من الممكن تسهيل جميع التعاملات المالية بين المواطنين ووضعها تحت المجهر في أيام معدودة؟ شاهدت بعيني تجربة حقيقية تستحق الدراسة الجادة وسألت كل من عاش التجربة الفريدة ممن قابلت لأعرف ماذا تم فيها لحظة بلحظة منذ دقت ساعة الصفر على إقتلاع الفساد من جذوره.

لا توجد دولة في العالم كانت توازينا في الفساد الحكومي سوي الهند. فقد جرى العرف على رشوة موظفى الحكومة والشرطة وكل مؤسسات الدولة ورجال السياسة  للحصول على أى موافقة أو إتمام أى معاملة. حصل أولئك المرتشون على الآلاف بل الملايين خاصة في المحليات الفاسدة. ترشح رجل الهند القوي ماريندرا مودي لرئاسة الوزراء على خلفية مساعدة الطبقات الفقيرة وتطوير البنية التحتية  ومحاربة الفساد والقضاء عليه كما فعل في ولايته چودچرات التى كان حاكمًا لها  وحين نجح في الانتخابات العامة منذ عامين إهتم أولًا بالبنية التحتية من الطرق والكباري والمياه الصحية والكهرباء وكذلك تكملة بناء المطارات الفخمة في جميع أنحاء الهند مع محاولة جديه لمحاربة الفقر والبطالة مما يستلزم ميزانية ضخمة غير متوافرة لديه. وإنتظر الجميع منه القضاء على الفساد الذي توغل في جميع مفاصل الدولة كما وعدهم ولكنهم لم يدركوا أنه خطط بدهاء وفِي السر للقضاء على الفساد بخبطة واحدة وقاضية ترفع حصيلة الدولة وتحرق كل الأموال الفاسدة وتحكم سيطرة الدولة والقانون للأبد. فلم يدرك الكثيرون إهتمامه بفتح أفرع للبنوك في جميع أنحاء الدولة والتوسع في ماكينات الصرافة وإعتبروا ذلك جزءًا من التطوير الذي شمل جميع أنحاء البلاد فهو رجل يهتم بالتقنية الحديثة كالكثيرين من شباب الهند.

قبل المفاجأة الكبرى كانت الهند أكثر دول العالم في التعامل النقدي المباشر فحوالي ٩٥٪‏ من التعاملات بين الناس تتم عن طريق الكاش كما هو الحال في سورية  وخارج النظام البنكي وبالطبع كانت الرشاوي والعمولات تدفع بهذه الطريقة بعيدا عن أعين الرقابة لتُخزَّن تحت البلاطة.  كما أن حوالي ٨٠٪‏ من العمال والموظفين وخاصة في القطاع الخاص يتقاضون مرتباتهم عن طريق الكاش و ٥٠٪‏ فقط من الشعب البالغ عدده ١،٢٥ بليون شخص يملك حساب بنكي.  وقبل ساعة الصفر بحوالي شهر طالب مودي شعبة بتطهير أموالهم من الفساد وذلك بالتقدم للبنوك في خلال ثلاثين يومًا وإيداع المبالغ الموجودة لديهم في الحسابات البنكية وألزم البنوك بعدم السؤال عن مصدر الأموال في مقابل دفع ضرائب للدولة على هذا المال المجهول المصدر بقيمة ٤٠٪‏ من أصل المال. تقدم البعض بملايين الروبيات للبنوك لتطهير أموالهم وتقاعست الأغلبية فالمرتشى والحاصل على المال الحرام بطريقة غير شريفة لا يريد إظهار المال المتراكم لديه في حسابات البنوك المرتبطة بالرقم القومي والذي تُحَصَلْ الضرائب عَلى أساسه فجميع التعاملات المشبوهة لم يٌسدد عنها بالتأكيد أى ضريبة.

وجاءت ساعة الصفر حيث أعلنت جميع المحطات الإذاعية والتليفزيونية أن مودي يود مخاطبة الشعب لموضوع هام!! لم يعرف أحد ماذا ينوي أن يقول. وفِي تمام الساعة  الساعة الثامنة من مساء يوم ٨ نوفمبر الماضي وبعد إغلاق معظم المحلات كانت ساعة الصفر حيث ظهر مودي ليعلن فجأة وقف التعامل نهائيًّا بأكبر عمليتين في الدولة الخمسمائة والألف روبية وهو ما يشكل ٧٥٪‏ من إجمالي العملة النقدية المتداولة بين الناس وذلك في تمام الساعة الثانية عشرة ليلًا أى بعد أربعة ساعات فقط! وطالب شعب الهند باستبدال العملة الموجودة لديهم عن طريق البنوك من خلال حساب بنكي لا يسحب منه الا عن طريق ماكينة الصرافة وأعطى مهلة ٥٠ يوما فقط لإتمام التحويل لتصبح بعدها العملة القديمة مجرد ورق.  كان للمفاجأة وقع الصاعقة على الجميع فهرع بعضهم لمحلات الذهب لشراء الذهب فهو الملاذ الآمن في الهند وعادة مايُشترى بدون فاتورة لتهرب هذه المحلات من دفع ضريبة المبيعات ولكن هذه المرة كان موظفوا الضرائب منتشرين في محلات الذهب وخاصة الضخمة لمراقبة إصدار الفواتير الرسمية وسداد حصيلة الضريبة للدولة عن الذهب المباع وهي حوالي ١٢،٥٪‏.  في الصباح حدث مرج كبير فليس مع الجميع الكم الكافي من العملات الصغيرة لشراء إحتياجاتهم اليومية ولكن الكثيرون تغلبوا على هذه المشكلة بإستخدام كروت الائتمان أو عن طريق تداول المبالغ الصغيرة من المال عن طريق التليفون وهى تقنية متاحه بكثرة في الهند وإن كانت الغالبية لا تستخدمها كما إستثنى مودي إمكان إستخدام العملة الملغية لشراء تذاكر الطيران حتى لا تتوقف حركة الانتقال بين المدن الكبيرة وشراء البنزين والسولار ودفع فواتير المستشفيات الحكومية في حالات الطوارئ. حدد مودي السحب اليومي من ماكينات الصرافة من العملة الجديدة من فئة الخمسمائة والألفين روبية بما لايزيد عن ٢٠٠٠ روبية يوميًا لفترة ٣٠ يومًا قبل أن يرفع الحد الأعلى وبعدها تستطيع أن تسحب ما تريد كما حدد كمية السحب من البنوك بقيمة ٢٤٠٠٠ روبية. في الصباح ذهب الجميع للبنوك لوضع أموالهم في حسابات بنكية وأخذ بطاقات إئتمان أو بطاقات بنكية debit cards ليفتح بذلك حسابات بنكية لشعب الهند بأكمله وأن تدور الأموال فقط عن طريق البنوك وتحت نظر الدولة والضرائب وبرقمهم القومي. ولكن كيف قضى ذلك على الفساد. قال مودي إن البنوك ترحب بجميع المبالغ المالية الكبيرة ولكن حيث أن فترة السماح لتطهير الأموال قد إنتهت يجب على واضع هذه المبالغ الكبيرة  إظهار مصدر الأموال ونوعية عمله وراتبه وإن كان قد سدد ضرائبها أم لا مع مأمور الضرائب بالبنك. بالطبع خاف معظم المرتشون وغاسلي الأموال من التقدم للبنوك حتى لا تفضح مصادر أموالهم وأكتفوا بحفظها كأوراق بلا قيمة في منازلهم شاهدةً على فسادهم. راقبت دول العالم المتشبعة بالفساد وغسيل الأموال تجربة مودي الغريبة لتقييم عيوبها ومزاياها. وراهنت المعارضة مدعومة برجال الاعمال الفاسدين وموظفي الحكومة المرتشين على ثورة الناس ضد الحكومة خاصة في المرحلة الاولى للتطبيق لندرة النقود ولكن هذا لم يحدث وتمت العملية بسلاسة وإرتفعت شعبية مودي الى السماء.

ولكن ماذا حققت التجربة للهند
١- زيادة حصيلة الدولة من الضرائب بنسبة ٢٨٦٪‏ أى ثلاثة أضعاف في شهر واحد
٢- وضع أموال الشعب بالكامل تحت أعين الدولة والضرائب فالرقم القومي مرتبط بالحساب البنكي وبالضرائب
٣- التحول الى ميكنة التعاملات النقدية في جميع أنحاء الدولة. فسداد جميع المرتبات حتى في القطاع الخاص سيتم الآن عن طريق البنوك فمن المستحيل على صاحب العمل سحب مجموع مرتبات موظفيه من ماكينة الصرافة ولكنه يستطيع التحويل السريع من حسابه لحساباتهم عن طريق الرقم القومي تحت أعين الضرائب
٤- عقاب معظم المرتشين بحرق أموالهم معدومة المصدر والقضاء على غسيل الأموال
٥- القضاء النهائي على العملة المزورة فالعملة الجديدة بحجم وشكل مختلف تمامًا وبقيمة مختلفة ألفين روبية مكان الألف روبية.
٦- الحساب الجيد والدقيق للضرائب.

بالطبع قام الكثيرون بمحاولة التحايل ومحاولة رشوة رجال البنوك أو تهديدهم ولكن كان يكفي تسجيل محاولة الرشوة بالتليفون المحمول لتقديم بلاغ للقبض على المتحايل. كما إنتشرت الشرطة السرية في البنوك لمراقبة العملية النقدية. إنتهت فترة الخمسين يومًا في ٣٠ ديسمبر الماضي على هند جديد بقليل من الفساد وفِي إنتظار مفاجأة أخري من رجل لم يمضى عليه في الحكم سوى عامين فقط ولكن بتصميم فولاذي على القضاء نهائيًّا على الفساد. وعد مودي شعبه بإستخدام الحصيلة النقدية الهائلة في دعم مشاريع البنية التحتية في المناطق الفقيرة والمهمشة وإيجاد فرص عمل للشباب وإذابة الفوارق بين الطبقات وتحقيق العدالة الإجتماعية.

تذكرة الطائرة للهند لن تكلف المسئولين في بلداننا  الكثير لدراسة هذه التجربة الفريدة إن كانوا جادين حقًّا في محاربة الفساد بأكثر من الكلمات الرنانة.
# عن صفحة المحامي علي  مسعود المعشني – عُمان