علاقات المنَصّات في زمان الكوفيدات عماد عبد اللطيف سالم

تشبهُ علاقات الرجالِ بالنساء ، في أيّامِ “االكوفيد” هذه ، علاقةُ الطالبِ بالأستاذ عبر منصّات التعليم الألكتروني.
الأستاذ يعرِضُ محاضرتهُ “عن بُعد”، ويسأل الطلبة: هل المادة مفهومة وواضحة بالنسبةِ إليكم جميعاً؟
فيُجيبُ جميعُ الطلبة: نعم ، أوكيّ ، تمام ، مفهوم ، واضح .. أستاذ.
يعودُ الأستاذُ فيكتبُ : هذا رائع .. والآنْ من يستطيعُ منكم الإجابة عن هذا السؤال ؟
طبعاً .. ولا طالب واحد يتمكّن من الإجابة .. ولا طالبة واحدة ، تجيبُ عن السؤال.
يعودُ الأستاذ ، ليسأل: لماذا لاتستطيعون الإجابة عن هذا السؤال ؟
يجيبُ الطلبةُ جميعاً : لأنّنا لم نفهم المادةَ أصلاً .. أستاذ .
يكتبُ الأستاذُ بهلَعٍ بالغ ، وهو يبلَعُ ريقهُ الجافّ من هول الصدمة ، وبالكاد يرى بعينيهِ الكليلتين حروفَ “الكيبورد” : لماذا ؟ هل هناكَ تقصيرٌ منّي في عرض المادّة عليكم ؟
يجيبُ الطلبةُ جميعاً : لا أستاذ ، حشاك أستاذ ، إنته ممقصِّرْ ويّانه أستاذ ، عَلُوّاه كُلّ الأساتذة مثلك أستاذ ، يبو فِدْوَة لكَلبك أستاذ !!!.
يهدأُ الأستاذُ قليلاً ، ويمسَحُ قطراتَ العَرَقِ الباردِ عن وجههِ ، ورقبتهِ ، وعن “الكيبورد” ، ويعودُ ليسألَ طلاّبهُ بخجلٍ بالغٍ ، وكأنّهُ “عذراء داخل شرنقة” ، ولم يتحوّل بعدُ إلى “دعموص”: لماذا إذاً لم تفهَموا المادة يا طلبتي الأعزّاء؟
يجيبُ الطلبةُ جميعاً : النت ضعيف ، الكلاس رووم “يُفْصِل” ، الكهرباء إنكَطْعَتْ ، الجيميل “يعَلّس” بمنطقتنا ، وميشتغل عِدْنا بس “الهوت” و الياهو .. وأخيراً : تلفوني قديم !!!.
لماذا “تلفونج” قديم بنيتي ؟
تُجيبُ إحدى الطالبات : لأنّ أبي يخافُ عَلَيّ من جميع انواع التواصل ، “الوايريّة” منها ، والـ “وايرليسيّة” على حَدٍّ سواء !!! .
أمّا أكثرُ الطلبةِ مَرَحاً ، فيُجيب: تتذكّرْ استاذ أيّام المحاضرات بـ ” الصَفّ” ؟ أيبااااااه شلون أيام ذيج الأيّام. آني جِنِتْ كَاعِد كَبالك بالصفّ ، وكُلشي ما أفتَهِم .. تريدني هِسّة ، وآني مبطوح عـ الكاشي ، ودرجة الحرارة 50 مئوي ، أفتِهِمْ أسباب التضخّم ، وميزان المدفوعات!!!!.
عند هذه اللحظةِ الفارقة في الزمنِ “الكوفيديّ” ، فإنّ على الأستاذ ، إمّا انْ يقوم بعرض المادة إلى نهاية التاريخ ، والطلبة يُجيبون : نعم ، تمام ، أوكي ، مفهوم ، واضح استاذ .. و يبقى يسأل ، ولا أحد يُجيب عن أيّ سؤال .. أو أنْ يستمِر في عرض محاضراته ، مُستمتِعاً بـ “الذكاءِ” المُطلَقِ لطلبته ، دونَ أن يطرَحَ أيّ سؤال ، وإلى نهاية التاريخِ أيضاَ .
لا يوجد على “المنصّات” خيارٌ ثالثٌ في زمن “الكوفيدات” ، غيرَ قطعِ العلاقات ، أو فَسْخِ “الخُطوبات” ، أو الطلاق البائِن “بينونة كبرى” .. أو التحوّل فوراً إلى “دعموصات”.

بعض النساء…. عماد عبداللطيف سالم

بعضُ النساء
يشبَهْنَ البنكَ المركزيّ
إنّهُنَّ الملجأ الأخير
لإقراضِ روحكَ المُفلِسة.
بعضُ النساء
يشْبَهْنَ المصارفَ التجاريّة
إنّهُنَّ يُقْرِضْنَ القُبْلَةَ
لفَمِكَ اليابس
بفائدةٍ باهظة.
بعضُ النساء
يشْبَهْنَ المصارفَ الإسلاميّة
أنتَ تودِعُ كُلّ شيء
بلا فائدة.
بعضُ النساء
يَشْبَهْنَ “دولتكَ” هذه
التي تملِكُ مشروعاً هائِلاً للدواجن
حيثُ “يُنَقْنِقُ” كُلّ الدجاج
وحيثُ لا لحمَ هناك
ولا ديكٌ يصيح
ولا بيضَ للمائدة.
بعضُ النساء
لولاهُنَّ
لما كانَ لأيِّ شيءٍ
معنى ومذاق
في هذا العراق الخالي من الدَسِم
الذي يستوردُ حليبَ “الكارتون”
من الرُبْعِ الخالي
ويقتُلَ الجاموسَ الوطنيَّ
على الأرصفة.
بعضُ النساء
لديهُنَّ “تفاصيلَ” عجيبة
تبعَثُ على الحَسْرَة
وعندما يَظْهَرْنَ على شاشةِ التلفزيون
يَفْعَلْنَ أشياءَ عجيبة
تموتُ من القَهْر
حينَ تراها .

الحكومة والدولة والإقتصاد في العراق الراهن

هذه “الحكومة” الجديدة ، في هذه “الدولة” العراقيّة ، المُتخبّطة والعاجزة ، والغائبة أحياناً ، تختلف عن سابقاتها في إمكانية تحويل التحديّات التي تواجهها الآن ، إلى “مُمكنات” وفرص.
ليس العراقُ مُهمّاً لأحدٍ الآن .. كما كانَ قبل سنينٍ قليلةٍ خلت.
لا أحد(في الداخل والخارج) لديهِ الرغبة أو القدرة(أو كلاهما معاً) لـ “تغيير” النظام السياسي والإقتصادي القائم في العراق.
الشيء الوحيد المُتّفَق عليه دوليّا ، هو أن يبقى العراقُ بحدودهِ الحاليّة ، موحّداً جغرافياً .. كما سوريا ، كما ليبيا ولبنان واليمن.. كما السعوديّة.. كما كلّ إمارات وممالك وسلطنات الخليج.
الدول”الرئيسة” التي تتقاسمُ النفوذ والتأثير في العراق، لديها الآن من المشاكل ما يكفيها ،ويفيض ، وليست في وارد الإنفاق المادي(والمعنوي) على هذا الترف السياسي والعسكري غير المُجدي المُسمّى .. عراق.
“مُتلازمة” الظروف السياسية – العسكرية – الماليّة – الإرهابيّة في عهد السيد العبادي ، و “مُتلازمة” الضعف – الفوضى – التخبّط في عهد السيد عبد المهدي ، غيرُ فاعلةٍ الآن ، كما كانت آنذاك.
“القوى السياسية” التي بقيت تتحكّم في هذه “الدولة” طيلة سبعة عشر عاماً ، هي في أسوأ أوضاعها الآن .. ولا يوجد ما يشير إلى أنّ وضعَ تحالفاتها ، بل وحتّى “تخادمها المصلحي” سيكونُ (مستقبلاً) أفضل ممّا هو عليه الآن .. بل إنّ جميع المؤشرّات والدلائل والمُعطيات ، تُشيرُ إلى أنّ وضعها سيكونُ أسوأ بكثير ، ممّا هو عليه الآن.
“الحراك” الشعبي يفتقر للإستدامة والفاعليّة . ورغم جسامة التضحيات البشرية التي رافقت الحراك “الإحتجاجي – الثوري” الأخير ، فإن هذا “الحراك الإحتجاجي” لم يعُد قويّاً ، ومُتجانِساً ، و”مدعوماً” ، ، ولم يعُد مُحصّناً (نسبياً) من “الإختراقات” متعددة الأوجه والأطراف ، كما كان الأمر في الإحتجاجات السابقة عليه.
لدينا “تفاهم” حكومي سابق مع صندوق النقد الدولي IRAQ – IMF STAND-BY ARRANGEMENT يتضمن”ترتيبات” مُعلنة ، وأشتراطات “ضمنيّة” ، ينبغي على “دولة” العراق الإيفاء بها ، لكي تحظى بصكّ “الجدارة الإئتمانية” والماليّة ، الذي لا يمكن لدولةٍ في العالم ، أن تمارس أنشطتها الإقتصادية الرئيسة ، ولا أن تفي بمتطلبات علاقاتها الإقتصادية الدوليّة(بما في ذلك القروض والإستثمار والتجارة) دون الحصول عليه.
وأؤكّد هنا على أن هذا “الإتفاق” هو بمثابة “تفاهم” على “ترتيبات” ، وليس اتفاق على شاكلة “خطاب النوايا” الذي يوقعّهُ صندوق النقد الدولي عادةً مع الدول والحكومات .. وأن المقصود بـ “اشتراطاته الضمنيّة” هنا هو ليس “الإملاءات “، لأنّنا ما نزال نُصنّف كدولة متوسطة الدخل ، ووفيرة الموارد ، وحاجتنا للدعم المالي من موارد الصندوق تبقى محدودة جداً في كلّ الأحوال.
وستتسائلونَ الآن: إذا كان العراق ليس مُهمّا، أو لم يعُد مُهمّا للآخرين(كما قلتَ قبل قليل).. فلماذا هذا الإصرار من قبل المنظمات الإقتصادية الدوليّة(ومن يقف وراءها)،على تطبيق وتنفيذ هذه “الترتيبات”؟.
الجواب هو : أنّ عراقاً “مُفلِساً” ، وعاجزاً عن إدارة موارده(المادية والبشرية) بالحدّ الأدنى من الكفاءة ، هو بمثابة “لغمٍ” دوليّ مُعرّض للإنفجار في أيّ لحظة. والبلد المُفلس أو المُعرّض للإفلاس(ليس بسبب شحّة الموارد، ولكن بسبب سوء إدارتها) ، هو بلدٌ مأزوم(اقتصادياً وسياسياً وإجتماعيّا) .. وأستمرار هذا التأزّم سيجعلهُ خَطِراً على نفسهِ ، وعلى جيرانه ، وعلى المجتمع الدوليّ بأسره.
ولكي تقوم الحكومة الجديدة بتنفيذ هذه “الترتيبات” ، فإنّ عليها أن تفي (بحكم الضرورة ، وليس بحكم الإتفاق) بجملة التزامات، أهمّها ما يأتي:
– أن تختار قيادة “مُتفهّمة” ، وكفوءة ، ومهنيّة ، لإدارة وزارة الماليّة الإتّحاديّة.. لأنّ جميع مفاتيح الحلّ والربط ، والشدّ والضبط ، هي في أيدي هذه الوزارة.
– أن تكون السياسة النقدية فاعلة وإيجابيّة .. وأن لا يقف البنك المركزي على الهامش من كُلّ شيء ، مُكتفياً بأداء وظائفه التقليدية(وغير التقليديّة أيضاً) ، في بلدٍ يتفشّى فيه الفسادُ والخراب ، أكثرُ ممّا يتفشى فيه التضخمّ ، و”إنهيار” قيمة الدينار العراقي مقابل الدولار .
– يجب أن تكون وزارة التخطيط عاملاً فاعلاً ومسُاعِداً في تحقيق “الإصلاحات” المطلوبة ، وأن يتمّ استخدام قدراتها في إعداد البيانات والمسوحات والإحصاءات(وتطوير هذه القدرات) لدعم عمل وزارة المالية والبنك المركزي، في سعيهما الحثيث لتنفيذ الإصلاحات الإقتصادية والمالية المُناطة بهما، بأسرع وقتٍ ممكن.
– أن تُغادِر “الدولة” العراقية ، وإلى الأبد ، منهجها السابق في التوظيف السياسي”الشعبوي” للإقتصاد.. ومن بين ذلك ، أن تتوقف إلى الأبد عن “توظيف” مواطنيها دون حساب اقتصادي سليم للكلفة والعائد، ودون توافق دقيق مع احتياجات سوق العمل.. وأن تتوقف إلى الأبد عن نمط إدارتها البائس للإقتصاد ، بعدّه نمطاً لإدارة الرواتب والمخصصّات، التي تمنحها بسخاءٍ عند اليُسر، وتُحوّلها إلى مكاسب ومزايا اجتماعيّة راسخة يصعب التنازل عنها، وتعودُ فتأخذها(بصعوبةٍ ومرارة)عندما يشحُّ لديها المال.
– أن تُراجِع السلطة النقدية ، مُراجعة جادّة ، أساليب عملها الهادفة لتحقيق الإستقرار في الكتلة النقدية المتداولة(أو مايُسمّى بـ “تعقيم” الكتلة النقدية من خلال الإعتمادات والحوّالات والبيع النقدي).
ويتّهم البعض أهمّ أدواتها لتحقيق ذلك(وهي نافذة بيع العملة) بأنّها عُرْضَة للكثير من شبهات الفساد.
ومن خلال هذه “النافذة” تمّت تلبية طلبات تعزيز أرصدة المصارف في الخارج( لتأمين حاجة السوق من الإستيرادات الخارجية للعراق ، وللأغراض الأخرى ، كتحويلات المقيمين الشخصية ، وغيرها) ، بمبلغ وصل إجمالاً ألى 399 مليار دولار خلال المدة 2003 ، ولغاية نهاية السنة المالية 2018.
أمّا في ما يخصّ البيع النقدي فقد بلغ إجمالاً ما يقرب من 99 مليار دولار(للمدة ذاتها اعلاه) ، ليشكّل مانسبته 20% من اجمالي مبيعات”النافذة” من الدولار.
وبهذا يكون اجمالي مبيعات “النافذة” من الدولار ، قد بلغ 498.669 مليار دولار خلال السنوات 2003-2018 .. أي ما يقرب من نصف ترليون دولار.
(المصدر: البنك المركزي العراقي ، نافذة بيع العملة /2019 ، P23 .. وتجدون رابط المصدر في نهاية المقال).
– على صنّاع السياسة النقدية في العراق إدراك حقيقة مفادها : أنّ الاقتصاد العراقي يتّجه إلى مزيدٍ من البطالة والركود .. لأنّ دور البنك المركزي في تمويل عجز الموازنة العامة (من خلال “تنقيد” الدين) ، مايزال دون المستوى المطلوب . فمهما بلغ حجم ” تنقيد الدين” في العراق فإنّهُ لن يجعل الإنفاق الحكومي يرتفع إلى درجةٍ تجعل حجم الطلب الكلي يرتفع إلى الحدود القصوى للطاقة الإنتاجية المحليّة .. أو يُوَلّد “موجات” تضخميّة “تسوناميّة” كاسحة .. وذلك طالما كان مستوى الطلب الكلّي على السلع والخدمات المستوردة ، يقع ضمن حدود الإمكانات المتاحة لإحتياطيات البنك المركزي ، وقدرته على سد فجوة العملة الأجنبية .
– على السياسة المالية أن تتوقف عن ربط المشكلة الماليّة بعامل واحد ،هو عدم كفاية ايرادات صادرات النفط لتمويل الإنفاق الحكومي ، ومقارنة قيمة مبيعات صادرات النفط بالرواتب .. وأن تعمل بالتنسيق مع السياسة النقدية من أجل معالجة العجز في ميزان المدفوعات الخارجية .. وذلك لأنّ ايرادات النفط ، هي المصدر الوحيد تقريباً لتمويل استيرادات العراق (الحكومية والخاصة) من السلع والخدمات ، والمدفوعات الخارجية الأخرى.
-على صنّاع السياسة الإقتصادية العامة في العراق إدراك حقيقة مفادها : أنّ عجز الموازنة العامة في العراق هو نتيجة لإنخفاض سعر النفط في السوق العالمية ، وليس بسبب انخفاض العائدات الضريبية ، وزيادة الإنفاق. وإنّ ايرادات الموازنة العامة هي متغيّر مُستقِلّ تماماً عن الإقتصاد الوطنيّ (أي عن الطاقة الإنتاجيّة الكليّة للسلع والخدمات ، وتشغيل القوى العاملة ،والتكاليف والأسعار) .. وإنّ الفائض والعجز في الموازنة العامة تابعان لحركة وتذبذب سعر النفط في الخارج ، وليس نتيجة لتخفيض أو زيادة الإنفاق الحكومي داخل العراق.
( لمزيدٍ من التفاصيل ، أنظر: أحمد ابريهي علي ، تمويل عجز الموازنة العامة في العراق .. وتجدون رابط المصدر في نهاية المقال).
– لقد آن الأوان لأن تقوم “الدولة” العراقية بعملٍ جادٍّ لتنويع مصادر الدخل والناتج في الإقتصاد ، ودعم وتطوير(أو حتّى إعادة بناء)القطاع الخاص ، وتعزيز الشراكة بين الدولة وبين هذا القطاع .. وبسط سيطرة الدولة على حدودها البرية والبحرية ، ومنافذها الحدودية ، وطرقها الداخلية ، واملاكها العامة .. وعليها أيضاً أن تجدّد التزامها (أمام المجتمع الدولي) بالدفاع عن الحقوق الأساسية لمواطنيها ، وأن تفعل كلّ ما بوسعها لوقف الهدر والفوضى ، والحدّ من الفساد.
أخيراً .. نودّ التأكيد هنا على أنّ “تشخيص” صندوق النقد الدولي(وغيره من المنظمات الإقتصادية الدولية) لـ “المرض” الإقتصادي العراقي ليس خاطئاً على الإطلاق.. ولكنّ العيب (إن وُجِد) سيبقى كامناً في “الوصفات” التي مايزال أغلبها نمطيّاً ومُوَحّداً ، والتي مايزال الصندوق يرتكب من خلالها خطأه القاتل الرئيس ، وهو اعتقادهُ الراسخ بأنّ هذه “الراجيتات” تصلح لمعالجة جميع من يعانون من الأعراض ذاتها، بغضّ النظر عن الأسباب الحقيقية الكامنة وراء ظهورها(أو ظهور بعضها) على جسد المريض.
أمّا جعجعة “المُعارضين” لوضع “الترتيبات” التي تمّ “التفاهم” عليها مع الصندوق موضع التطبيق ، فلا طائل من وراءها ، ولا “طحين”.. وبالذات ما يتعلق منها بـ “إصلاح” أنظمة التشغيل والتقاعد ، وتحديد الرواتب والأجور والمخصصات ، لموظفّي الخدمة الحكومية العامّة ، وعلينا أن نعترف أنّ هذه “الأنظمة” و “القوانين” يشوبها الكثير من العيوب والفوضى والأخطاء.
إنّ هؤلاء “المُعارِضين” لن يجدوا دعماً من السياسيين ، الذين أتت الحكومة من تحت معاطفهم أصلاً ، والذين يعرفون “أجندتها” جيداً ، بل ويعرفونها أكثر من جميع هؤلاء المعارضين ، الذين يتكوّنون أساساً من مجموعات “نقابية” غير متجانسة ، ومتقاطعة المصالح ، تسعى أساساً لخدمة منافع مادية “وظيفيّة ومهنيّة” ضيّقة ، منحتها لهم دولة “المكرمات” (عندما كانت العائدات النفطية كريمة معها) .. وها هي أوّل من يسعى لإستعادتها منهم الآن.

الدكتور عماد عبداللطيف سالم

انطباعات عن .. محمد توفيق علاّوي

عماد عبد اللطيف سالم

1 hr · 

هذا ليس مُرَشَّحاً “جَدَلِيّاً” فقط .
هذا مُرَشَّح فينومينولوجي – ديالكتيكي – بطريركي !!!!!.


****

عماد عبد اللطيف سالم



محمد توفيق علاّوي .. ليسَ حَلاًّ .
إنّهٌ مُشكِلة.
من قام بتمرير ترشيحهِ .. يعرفُ ذلك.
من قامَ بدعم ترشيحهِ .. يُريدُ ذلك .
يُريدُ مُشكلةً .. وليسَ حَلاًّ.
المُعادلةُ السياسية في العراق الراهن .. ساذجةٌ ، وبسيطةٌ ، و حاكمة :
عندما تبقى المُشكلةُ .. سوف نبقى …
وليذهب كُلُّ شيءٍ عدا ذلكَ .. إلى الجحيم.  


طلَبَةٌ و حِراكٌ وأسئلةٌ كثيرة

عماد عبداللطيف سالم

http://www.ahewar.org/debat/show.art.asp?aid=659125

الطلبة الأعِزّاء.
لا أعرفُ حقّاً كيفَ أُجيبُ (شخصيّا) عن أسئلةٍ كهذه .. ولم أحصَلْ من أحَدٍ منكم ،على أجوبةً واضحةً و وافيةً ومُقنِعة ، عن الأسئلةِ التي سأطرحها عليكم في أدناه.
لذا فأنا ألتَمِسُ منكم ، بكُلِّ حرصٍ وصدقٍ ومحبّة ، الإجابةَ عليها.
كثيرون .. ومنهم أصدقاءٌ ، وأهلٌ ، واساتذةٌ .. ينتظرونَ منكم ذلك.
لا ينتظرونَ مُجرّد شِعارات ، وشتائمَ ، وتخوين ، وفنطازيا ثوريّة ، بل ينتظِرونَ ردّاً مُقنِعاً على تساؤلاتهم بصددِ إصراركم على عدم الدوام في الجامعات والمدارس.
قلتُ لهم أنّكُم الأمل ، والنهار القادم .. وأنّكُم قادرونَ على الإجابة .
إفعلوا ذلكَ .. من أجلكم ، ومن أجلِ الوطنِ الذي خرجتم إلى الساحات، وقَدَّمتُمْ فيها أرواحكم قرابينَ غاليةً من أجلِ أنْ تكونوا .. ويكون .
وهذهِ هي الأسئلة :
1- ماكو وطن .. ماكو دوام
أم ..
ماكو دوام .. ماكو وطن ؟
2- كم من الطلبة (وفي بغدادَ بالذات) ، يُشارِكونَ في الحِراكِ الحاليّ ..
وماهي نسبتهم من العدد الكُليّ للطلبةِ ، في كُلِ مدرسةٍ ، أو كُليّةٍ ، أو جامعة؟
3- كم من الطلبة ، لا صِلَةَ لهُ أبداً بساحاتِ الإحتجاج .. ولكّنهُ ، ومن بيتهِ ، وسريرهِ الدافيْ ، يدعو الطلبةَ الاخرين ، ومن خلالِ “الكَروبات” و “الكيبورد” ، للإضرابِ عن الدوام ؟
4- كم منهم ، لا يذهبُ إطلاقاً إلى “ساحات التحرير” .. ويأتي كُلّ يومٍ إلى الكُليّة ، ويبقى اليوم كلّهُ هناك .. ويسترخي في النادي .. ومع ذلك ، فهو يمنعُ بقيّة الطلبة ، من الدخولِ إلى قاعاتِ الدَرْس؟
5- هل كانت من بين المطالبِ الرئيسة للطلبة المُشارِكينَ في الإحتجاجاتِ الآن، مطالبَ من قبيل: ترصين العمليّة التربوية والتعليمية ، وتحسين جودة التعليم .. وهل سيُطالِبونَ لاحِقاً بإلغاء نظام “التحميل” ، وامتحانات الدور الثالث ، وإعادة العمل بإجراءات ترقين القيد(نهائيّا ، ودونَ إلغاءٍ لاحِق) ، والتأكيدِ على إصدار أوامر إداريّةٍ برسوب الطالبِ لعامٍ دراسيٍّ كامل (بسبب الغيابِ شبه الدائم عن مقاعد الدراسة) ، والإصرار على عدم إلغاء سنوات الرسوب ، وعدم القبول بأنْ يؤدّي الطالب إمتحانات الدور الثاني وهو راسِبٌ بأكثر من نصف المواد الدراسيّة المقرّرة ، والعودة إلى السماح للمُكملينَ ،بمادّتينِ فقط ، للمشاركةِ في هذهِ الإمتحانات؟
6- هل إحتَجّ الطلبةُ المُشارِكونَ في التظاهرات ، على رداءة المناهج الدراسية ، وتخلّف أساليب التعليم ، وعلى بدائيّة أنظمة الإمتحانات ، وعلى غياب استراتيجيّة واضحة للتربية والتعليم .. وعلى تأخير بدء العام الدراسي إلى منتصف شهر كانون الأوّل من كلّ عام (بدل بدايته في 1-9 من كُلّ عام) .. وعلى كثرة العطل الرسمية وغير الرسمية ، التي تذهبُ بنصف العام الدراسيّ دونَ جدوى .. وعلى كُلّ العوامل السلبيّة الأخرى ، التي تلتهم أعمارهم دونَ جدوى ، وتُضيّقُ عليهم سُبُلَ العَيْش ، وتقضِمُ مستقبلهم العلمي والمهني ، وتُحيلهُ إلى لا شيء؟
7- هل الإنقطاعُ الطويل والدائم عن الدوامِ ، وبما يُفضي إلى تقويض العام الدراسيّ ، وإلغاءه بالكامل ، سيُشَكِّلُ ضغطاً إضافيّاً على “النظام” السياسي القائم ، وبما يدفعهُ إلى تغيير سلوكهِ الخاص ، وتغييرِ سياساته العامّة ، إزاء كُلّ شيءٍ يُمارِسُ أخطائهُ الكارثيّةَ فيه(بما في ذلك العملية التربويّة والتعليميّةِ برمّتها) .. أم أنّهُ سيلتَفُّ على ذلكَ بمزيدٍ من “التحميل” ، وأمتحانات الدور الثالث ، وإلغاء سنوات الرسوب وترقين القيد المُتراكِمةِ ، وبما يدفع الطلبةَ للتهليل لها، ولَهُ، من جديد، أيّاً ما كانتْ أسبابها الموجِبة؟
8- ما الذي يمنع الطلبة من الإنتظامِ في الدوام من الساعةِ التاسعةِ صباحاً ، إلى الساعةِ الواحدةِ بعد الظُهر .. ثُمّ يذهبونَ بعد ذلكَ إلى ساحاتِ الإحتجاج ، ليُمارِسوا حقّهم المشروعَ في التظاهر السِلميّ ، من أجل أن يكونَ لهم “وطنٌ” أفضلُ بكثيرٍ من هذا الوطنِ “اللاوطن” الذي يعيشونَ فيهِ الآن ؟
هذهِ هي الأسئلة .. ليسَ كُلَّها .. ولكنها الأسئلةُ الرئيسة.
وأنتُم الأمل ، والنهار القادم .. وأنتُم المؤهّلونَ للردِّ أكثر من غيركم .. وأنتم وحدكم القادرونَ على الإجابة .

العراق والجغرافيا .. وما وراء الأفق

عماد عبد اللطيف سالم



     http://www.ahewar.org/debat/show.art.asp?aid=650926  
 العراق هِبَةُ الجغرافيا ، قبلَ أنْ يكون هِبَة التاريخ.

ومع ذلك فإنّ “محطّاتنا” تُصارِعُ عُزلتها ، وتتطلّعُ إلى جيلٍ جديدٍ.
 جيلٌ لا يغفِر الأخطاء ، ويتفَحّصُ مصادرَ التطوّر والرُقيّ، وينكئها من الجذور ، ويصبوا إلى وضعٍ أفضل في كُلّ شيء.
في هذا السياق يعرِضُ علينا كاظم فنجان الحمامي(وزير النقل السابق، والنائب في البرلمان العراقي حاليّاً) كتابهُ : ماوراء الأفق (قراءة فاحصة في نوافذ العراق على العالم ، وسبل الخروج من العزلة).
وكما عوّدنا الحمامي في كتاباته الثرّة والغزيرة( قبلَ أنْ تأخذه “الوزارة” إلى دهاليزها ، ومتاهاتها العميقة) ، فإنّهُ يبتكرُ في هذا الكتاب لغةً للتواصلِ معنا. لغة تليقُ بذلكَ الفراقُ “الجنوبيّ” العذب ، والحزين ، والواخز ، بين الآباءِ والأبناء ، وبين ذرّات التراب العالقةِ في المُخيّلة . لغة تحاولُ أنْ تُضيء بيقينٍ كامل ، وغير زائف، روحَ الرجاءِ بغدٍ أفضلَ لهذا العراق ، ولأهلهِ النبيلونَ .. الفقراء .. الطيّبون.
كتبَ الحماميّ الكثير من المقالاتِ والنصوص والدراسات ، حول الكثير من الموضوعات والقضايا الهامّة ، قبل أنْ يصبحَ زيراً في النصف الثاني من عمر الحكومة العراقية السابقة.
كتبَ ما لم يكتبهُ أحدٌ غيره (على حدّ علمي) ، دفاعاً عن كلّ ذرّةِ رملِ وقطرة ماءٍ على امتداد العراق . كتبِ ذلكَ يومَ لم يكُنْ أحدٌ يجرؤُ أن يكتبَ عن صلةَ ذلك كلّه بدول الجوار، وبالقوى النافذة المرتبطِة بها ، بشجاعةٍ لا تتوفرُ للكثيرين ، و بغيرةٍ على خيراتهِ ومواردهِ المهدورةِ والمُستباحة ، من زاخو إلى الفاو ، قلّ نظيرها في هذا الزمن الصعب.
ولا أدري عدد الناس الذين كانوا يعرفونهُ ، ويقرأونَ لهُ (أو يُتابعونَ كتاباته) طيلةَ خمسين عاماً كان يقراُ فيها، ويكتبُ، وما يزال.
وعندما جاء من “الجنوب” المُلتَبِس ، والمخذول ، والمُستَلَب ، كانَ في نيّتهِ أن يصبحَ “وزيراً للفقراء” في بغداد(هكذا قال لي يومها) . تُرى ما الذي حدث لهُ بعد ذلك ؟ سأتركُ الأجابةَ لهُ وحده ، فهو الأكثرُ قدرة على سرد تلكَ التفاصيل “العجيبة” من أيّ مصدرٍ آخر.
وبعدَ حديثه المثير للجدل عن مطار الناصرية ، وعن أحلامِ السومريين بالوصول إلى أبعدِ نجمةٍ على حدود المجرّات ، وبعد “أحلامهِ” المستحيلةِ عن “الأنفاق” التي يمكن ان تربط العراق بأقصى نقطةٍ في شمال كوكب الأرض .. بعد هذا كُلّه .. وفي  تلك اللحظات فقط ، اكتشفَ العراقيّون (لأسبابَ شتّى) كاظم فنجان الحمامي .. هذا “البصريّ” الفقير الذي أصبحَ وزيراً ، وبدأ يهذي . نعم . ألَمْ نقل لكم أنّ “الجنوبيّين” لا يصلحون لـ “للوزارة” ، وعندما يتمّ استيزارهم يبدأون بالهذيان ( من هول الصدمة ، أو هول المفاجأةِ .. لا فرق) ، خلافاً لوزراء بغداد ، و “حواضر” العراق الأخرى !!!!!.
حسنٌ أيّها “السادة” . كان هذا هو كاظم فنجان الذي تريدونَ أنْ تعرفونه (كما تشتهونَ أن تعرفونه) . أمّا الآن فهاهو كاظم فنجان الذي ترفضون أن تعرفونه(كما هو ، وكما ينبغي أن يكون ، وكما أرادَ أنْ يكون) : “نائبٌ” في برلمانكم “العجائبيّ” .. جاءكم من أرضِ النخلِ الميّتِ ، والماءِ المالحِ ، و سَخامِ النفطِ ، والسَبَخ العظيم . جاءَ ليعرضَ عليكم في كتابهِ هذا قراءةً فاحصةً لنوافذ العراق على العالم ، ويعرضُ عليكم برصانةٍ علميةٍ ومهنيّةٍ تستحقُ التنويه ، سبل الخروج من العزلة ، واقتناصِ فُرَصٍ ليست مُتاحةً لبلدان أخرى . فًرَصٌ لا يعوّضها ريعُ “الأحفوريّات” البائدة ، ولا سرديّاتُ التاريخ البائس، التي جعلت العراق والعراقيين ، أسرى لهذه “المزبلة” الشاسعة ، التي نعيشُ في “ربوعها” الآن.
تُرى كم نائباً ، الآن ، بوسعهِ فعلُ ذلك ؟
كمَ”قائد” .. وكم  “سياسي” .. وكم “زعيم” ؟
ربما يكون كاظم فنجان الحمامي ، هو النائب الوحيد (في مجلس النواب العراقي) ، الذي يبحثُ من خلال الجغرافيا إمكانيّة أنْ يُمارسَ العراق دورهُ التاريخي كوسيطٍ قويّ وفاعل في تسهيل حركة التجارة العالمية.
هذا الحَماميّ ذو العقل الجميل ، لم يعُدْ وزيراً ينصُبُ قنطرةً ساذجةً فوق نهرٍ صغير.
وعندما فعلَ ذلك(وكان سعيداً به جدّاً) .. ذهبنا جميعاً الى الصين ، وقمنا بمقارنة جسورها الهائلة ، بقنطرة الحمامي البدائيّة ، للتنكيل به ، والشماتةِ بـ”إنجازه” المتواضع البسيط.
هذا الحَماميّ “نائبٌ” عنكم الآن .. وهو يكتبُ في “اقتصاديات النقل” ، ما لايستطيع الكثير من “أساتذة” الاقتصاد كتابته في هذا الحقل بالذات .
 يكتبُ عن “الحزام الآسيويّ – العراقي” ، وعن محطّاتنا في “طريق الحرير” ، و عن “الربط السككيّ” مع دول الجوار ،  و عن”القناة الجافّة” .. والأهمّ من كلّ ذلك أنّهُ يكتبُ عن الموارد المهدورة نتيجة تجاهلنا لتجارة الترانزيت ، وعن اقتناص الفرص الضائعة في مجالات النقل المختلفة ، والاستثمار فيها دونَ أنْ نُنفِقَ فِلْساً واحدا .. فنكونُ نحنُ “الجسرُ” ، ونحنُ “الناقلُ” ، ونحنُ “المُوَزِّعُ المحوريّ”.
كما تتندّرونَ ، وتعجبكم النكتة .. إقرأوا .
كاظم الحمامي يستفّزكم الآن .. ليس بالميثولوجيا والفنطازيا وقصص الجنيّات .. بل بما لا تستطيعونَ ردّهُ (حُجّةً بحُجّة) ، وبالأرقام ، والخرائط ، والبيانات.
كاظم الحمامي يحثّكم الآن ، ليسَ على السُخرية ، بل بما يستدعي أن نحزنَ كثيراً من أجله ، مادامت هناك فُرَصٌ للعيش الرغيد ، تُهدَرُ برعونةٍ قلّ نظيرها في هذا الكون .. وما دام هناك “كَشْفٌ” كهذا الذي يقدّمهُ لنا الآن .. يضيعُ وسط حماقاتنا التي لا توصف .. وهراءنا الذي لا ينتهي .. ولغونا الذي لا ينفد.  

أَعْطِني ممّا أخَذْت‎ – عماد عبداللطيف سالم

ا

عْطِني
ممّا أخَذْت.
خُذني إليهِمْ 
أو رُدَّهُم لي.
دَعْ ما ضاعَ من المُلْكِ
، دونَ معنى ،
يعودُ إليك.
دُلّني
إلى الضوء
فقد طالَ مكوثي
في جوفِ الحيتان.
أخْرِجْني من البئر
فلا ماءٌ هُنا
ولا قافلةٌ تعوي
ولا كلابٌ تسير.
رُدَّ الضربةَ 
بضربةٍ ..
إنْ استَطَعْت.
إذا كانَ أبي لديك
قُلْ لهُ بهدوء ..
لماذا تركتَ الحصانَ وحيداً
و جِئْتَ إلَيّ؟
كُنْ قَمَراً لي
وأرضاً
وشمساَ
وماءً..
فأكون ..
ولا تتركني وحيداً
في واحدةٍ من نجومكَ المُطْفأة
كأنّني لم أكُنْ يوماً .. نملةً
تحملُ على ظهرها صخرتكَ الدائمة
وتحلمُ بقمحكِ القادم
في هذا السَبَخِ العظيم.

آخرُ شخصٍ ينطقُ إسمَكَ بعدكَ أنت‎ – عماد عبد اللطيف سالم

http://www.ahewar.org/debat/show.art.asp?aid=638494

هذا ليسَ موتاً.
هذا غياب.
حينَ ينطِقُ آخرُ شخصٍ تعرفهُ إسمكَ ..
ستموت.
لذا ..
من الأفضلِ أن يكونَ آخر شخصٍ ينطقُ إسمَكَ
إمرأةً عذبةً
كان الكثيرُ يحبّونها
بما فيهم أنت
ولم تكُنْ هيَ ، تُحِبُّ أحداً ،
وبالذاتِ أنت .
سيكونُ الموتُ سعيداً حينها
لأنّها ستتذكّرُ قلبكَ المليءِ بنَمِشها الحُلو
بدلَ موتِكَ الأوّلِ المليء بالعويل
لأنّ قلبكَ الفارغ
قد توقف عن النبض.
سيكونُ آخرُ شخصٍ ينطقُ إسمكَ مُهِمّاً
فقد يكونُ ذلكَ شخصاً يكرهك بعُمق
لأنّهُ لم يشعر في موتكَ الأوّلِ
بمُتعةِ النصرِ على الأعداء.
ستكونُ محظوظاً لو أنّ أمّكَ هي آخرُ شخصٍ ينطقُ إسمَكَ
بعد موتِكَ السابق
حينها سيورقُ قلبكَ
كما لو أنّكَ قد عُدْتَ توّاً
الى ذلك العالم
الذي تركتَ أُمّكَ
وحيدةً فيه.

سيدة الحضور

عماد عبد اللطيف سالم

1 hr ·http://www.ahewar.org/debat/show.art.asp?aid=637749  

لا شيء لهُ معنى 
،عندما نمشي معاً،
غيرَ أن نمشي معاً
إلى آخرِ هذا “الرمضان” العجيب
الذي طالَ جِدّاً
وليسَ ثمّةَ مائدةٍ في الأُفُق.
ولأنّنا في نهايةِ هذا العُمرِ العصيب
لن يكونَ لنا سوانا
فإنّ كلُّ ما يحتاجُ اليه
رجُلٌ يشبهني
هو أمرأةٌ تشبهكِ
يصومُ عليها أبدَ الدهرِ
ويمشي معها
ولو إلى آخر زاويةٍ في المَمَرِّ
ويضعُ إصبَعاً واحداَ ، خِلسةً ،
فوق واحدٍ من أصابعها العَشرةِ المُضيئة
ويموتُ من شدّةِ البهجةِ
قبل أذانِ “الفطور”.
من يُعينني على هذا الصيامِ الطويل
غيرُ هذا الحضورِ قصيرُ الأجَل؟
من يجعلُ الجَنّةَ” قريبةٌ هكذا
من رجُلٍ قضى كُلّ عمرهِ 
وهو يُضيّعُ الفراديسَ النبيذةَ
فوق مائدةِ الوقتِ
غيرَ أن تكوني “رسولتهُ” العذبةُ
بفمها الباذخِ
“حتّى الينابيع” ؟.
لا أُريدَ عند هذا الغروبِ البطيء
أنْ تُعِدّي الطعامَ
لأيتامِ روحي.
إجْلسي أمامي فقط
وسيغفرُ اللهُ لي
ما تقدّمَ من ذنوبي
التي كنتِ غائبةً عنها
وما تأخّرَ منها
بسببِ وجهكِ الحُلو
الذي يجلسُ أمامي
في هذه اللحظة
و يجعلُ “شيطانَ” الخُذلانِ بعيداً
و قلبُكِ أقربُ لي
من جميع الملائكة.

أضواء على أدب ال facebook – ألدلالاتُ الكونية وحميمية الخطاب الأسَري لدى الشاعر عماد عبد اللطيف سالم -ليث الصندوق

– أضواء على أدب ال facebook –
ألدلالاتُ الكونية وحميمية الخطاب الأسَري لدى الشاعر عماد عبد اللطيف سالم
ليث الصندوق

لم تعد مواقع التواصل الإجتماعي منصات للثرثرة وصيد المغفلين وإشاعة الفتن ونشر الأكاذيب وإسقاط الخصوم فحسب ، فبالرغم من أنها لم تسلم من الثغرات التي تسهل نفاذ تلك العيوب إليها والتي صارت سمة أساسية ومؤسفة من سمات انتشارها وسهولة ارتيادها ، إلا أن تلك المواقع – وتلك حقيقة لا مناص من الإقرار بها – هي في الوقت ذاته منصات لمواهب تستحق التوقف ، بل ولمنتجي ثقافة حقيقيين ارتأوا أن يعدلوا اتجاه عجلة تلك المواقع واستخدامها للتعويض عن قلة دور النشر ، وارتفاع أسعارها ومحدودية انتشارها ، وكذلك للتعويض عن انحسار دور الثقافة الورقية . وبالرغم من أن متابعة النتاج الثقافي في كل المواقع الاجتماعية ، أو حتى متابعته في وأحد منها متابعة دقيقة ومتواصلة هو أمر لا يقل استحالة عن متابعته في كل المواقع الثقافية الالكترونية ، وفي كل وسائط الاتصال الأخرى ، إلا أن محدودية المتابعة لا تعدم أن تكشف نقاط الإضاءة التي تشيعها بعض الكتابات المميزة لمبدعين اختاروا هذا المنفذ للوصول إلى القراء .
أعترف بأني لست من متابعي مواقع التواصل الاجتماعي المزمنين ، وأن وجودي محدود جداً في موقع واحد بعينه هو ال ( facebook ) ، وحتى في هذا الموقع لا يتعدي دخولي بضع دقائق ما بين يوم وآخر ، لأسباب لا علاقة لها بمستوى الكتابات أو الموقف من الكتّاب ، وأنا هنا لا أبحث عن مسوغات تقيني عتب الأصدقاء الذي قد يرقى أحياناً إلى سوء الظن ، حسبي أن أقول أنها أسباب شخصية تماماً لا تُلزم أحداً سواي . وبعيداً عن هذه الذرائع فلطالما واتتني فرصة النشر والمتابعة والتفاعل مع كتاب الموقع على فترات متباعدة .
ومع اتسام علاقتي بالموقع في أحسن حالاتها بالبرود ، إلا أن ذلك البرود كثيراً ما تبدده أجواء من الصحو والدفء تشيعها كتابات تضطرني – بالرغم من طولها أحياناً ، والذي لا يتناسب مع موقع سريع وعابر – للتوقف والتمحيص ، ومن ثمّ الإعجاب ، وأعني بالكتابة هنا الكتابة الإبداعية في مجالات الأدب تحديداً . بعض تلك الكتابات لأدباء قرأت لهم ، وأعجبت بهم من قبل أن أتعرف على الموقع ، والبعض الآخر من تلك الكتابات لأدباء لم أقرأ لهم من قبل ، وجاء الموقع ليعرفني بهم ، ويسعدني – أو يُسعد القراء الآخرين – بإنجازهم .
في هذا المقال سأختار الكتابة عن أحد شعراء أو كتاب ال ( facebook ) وهو الشاعر والكاتب عماد عبد اللطيف سالم ، على أن أواصل الكتابة في مقالات أخرى عن أدباء آخرين . ولكن قبل الدخول إلى الموضوع لا بدّ من الإشارة إلى ملاحظتين :
– الأولى ، أنّ جميع نصوص الشاعر على الموقع غير معنونة ، وقد عمدت إلى ترقيمها لتيسير متابعتها مع الملاحق التي تتضمن نصوصاً مختارة له .
– ألثانية : إن الفصل ما بين عماد عبد اللطيف سالم الشاعر ، وعماد عبد اللطيف سالم الناثر أمر عسير ، وكذلك الفصل ما بين نصه الشعري ، ونصه النثري ، وذلك في ضوء تداخل الإجناس والأنواع ، وفي ضوء اتساع مساحة الانزياحات ، وشعرية اليومي والعادي ، بل وحتى المبتذل . ومع ذلك سأشير إليه ب ( الشاعر ) إنحيازاً لشعرية النص ، أكثر منها توصيفاً شخصياً .
تمتدّ معرفتي بالشاعر إلى أكثر من أربعين عاماً ، أي إلى زمن الدراسة الجامعية ، فقد كنا طلاب كلية واحدة مع اختلاف تخصصينا ، ومنذ ذلك الحين ، وحتى اليوم يمكنني وضع وصف عام للرجل ، أنه ببساطة نوع من الأدباء الذين يجوز تسميتهم بالأدباء غير الرسميين الذين لم يخرجوا من تحت معاطف المؤسسات الثقافية والإعلامية ، ولم يحصلوا على التزكية من إتحاد الأدباء ، ولم ينشروا كتاباتهم في الصحف أو الدوريات الورقية المتخصصة بالأدب ، بل ربما هم لا يطمحون بنشر مجاميعهم الشعرية الخاصة . ومع ذلك فقد استحق الرجل توصيف الشاعر مكتسباً شرعيته الإبداعية من اتساع مساحة انتشاره ما بين أعداد غفيرة من قراء المواقع الالكترونية الثقافية البارزة ، والمواقع الألكترونية الاجتماعية ، وتحديداً موقع ال facebook ، وجل قرائه من غير الأدباء ، لكنهم ينتمون إلى مثقفي الطبقة الوسطى من الطلبة والموظفين والمهنيين من مختلف الاختصاصات ، ولا تخلو قائمة قرائه والمعجبين به والمتفاعلين معه في الموقع المذكورمن أسماء أدبية معروفة ولامعة .
تتسم كتابات عماد عبد اللطيف سالم بالعفوية ، وتحاشي الحذلقة الشكلية ، والتراكيب اللغوية المعقدة ، والمواضيع الغريبة عن المجتمع العراقي ، بله والبغدادي في نسخته الشعبية . وإذا ما اضطر أن يتناصّ مع الموضوعات الأخرى فلكي يُعرّقها ، أي ينقلها من مجالها الدلالي إلى مجاله الخاص . وبمعنى آخر أن كتابات الشاعر تنتمي إلى إدب الشارع ، وهو أدب موجه لقاريء بكر ، يقرأ بحواسه وبذائقته ، ويقوّم ما يقرأ بموازينه العاطفية ، وهدفه من القراءة هو الإستمتاع وتهذيب الروح . أنه قاريء غير مُلم بأسرار اللغة والبلاغة ولا تهمه المدارس الأدبية ولا يتعاطى مع محددات الأجناس والأنواع ، ولم يشارك في سجالات الأدباء أو نزاعاتهم ومعاركهم مؤيداً أو معارضاً ، ولم يغير اتجاه بوصلته الروحية النقية تبعاً لبوصلات المؤيدين أو المعارضين .
يدخل عماد عبد اللطيف سالم عوالم الشعر من كل الأبواب ، باب القصّة ، باب المقالة ، باب التعليق والتعقيب ، باب الخبر الإعلامي السريع ، بل وحتى من باب الخبر العلمي الصرف ، كل المنافذ أمامه مفتوحة ، وكل مادة لغوية تتحول بقدرة سحرية إلى شعر . وإن كانت المنافذ الثلاثة الأولى من الأربعة تجمعها بالشعر أصرة اللغة ، إلا أن المنفذ الرابع لا علاقة له باللغة ولا بأدواتها البلاغية إلا من حيث أنها وسيلة للتعبير والتواصل . وبالتالي فأن النفاذ عبر موضوعية العلم إلى ذاتية الشعر مرهون بموهبة مدربة لخرق معياريته ، وتطويع منطقه لرغبات الذات ، وفتح بوابات نصه المغلق للقراءة والتأويل . وتتأتي كفاءة الدربة من المقدرة على جمع مجالين متناقضين معاً ، أي العلم والفن . ففي حين يلتقي المجالان في كونهما يمثلان شكلين من أشكال الوعي الإجتماعي ، إلا أنّ ( قوة المعرفة العلمية تكمن في طابعها العام ، وكليتها ، وضرورتها ، وصدقها الموضوعي ) ( 1 ) بينما يعدّ الفن ( تعبيراً خارجياً عما يحدث في النفس من بواعث وتأثيرات ) ( 2 ) . وإن كان الشاعر يقف عملياً في منطقة وسطى ما بين المجالين باعتباره أستاذاً جامعياً متخصصاً في الإقتصاد ، وهذه المنطقة أكثر مرونة من العلم ، وأقلّ مرونة من الفن ، واللعب على الأكثر والأقل يَسّر له النهل من المنبعين ، فهو من الفن يستقى حريته في الاختيار ، وفي وضع الحلول والبدائل ، وهو من الناحية التحليلية يستقي من العلم حياديته وموضوعيته . ومع كل تلك التداخلات المنهجية ، إلا أنّ الشاعر لا يسمح بتتبع أثر مصادره المعرفية ، بل هو يسعى من أجل أن يمنح لنفسه حرية تمويهها وخلط معطياتها خلطاً يمكنه من إعادة إنتاج دلالاتها من جديد في شكل مادة نهائية مقروءة لا تُحسب على أيّ من الدلالات الأم .
فمن أجل كشف مدى معاناته الخاصة منذ لحظة ولادته ، مروراً بموت أبيه ، ومن ثمّ معاناة اسرته في خوضها تجربة اليتم حتى نهايتها ، ومن أجل إقناع قارئه بفداحة تلك التجربة ، يُمعن الشاعر في المبالغة وذلك بتوظيف الخبر الذي هزّ الدوائر العلمية مقروناً بأول صورة تلسكوبية لثقب أسود ، مستدعياً دلالاته من الفضاء الكوني البعيد ، بل من أبعد مستودع دلالات في الكون ، ومن ثمّ عاكساً تلك الدلالات على واقع تجربته القريب ( ألنصّ الأول ) . وهذا النص مكون من مستويين صوتيين :
ألمستوى الأول : 
مخصص لصوت المتكلم / الشاعر ، وفيه يحدد لحظة ولادته كزمن لأول معرفته بالثقب الأسود ، وهذه المعرفة مبنية على معطيين أثنين :
– المعطى الأول : هو معطى دخول ، مرتبط بالشاعر نفسه ( دخلت أول ثقب أسود ) ، وهذا المعطى يجعل من المعرفة فعل بعدي اعقب الدخول بالرغم من ان الأولى جاءت قبل الثاني نصياً . وهذا الثقب هو الصيغة الاستعارية لمحنة الوليد في لحظة ولادته جراء معاناته من شحة الحليب .
– ألمعطى الثاني : هو معطى معرفي تحقق بصيغتين ، الأولى مقرونة بمعطى الدخول / المعطى الأول ( وقد سبقت الإشارة إليه ) ، والثاني تحقق عن طريق النظر ، أو الاكتشاف بالنظر ( رأيت ثقباً أسود في عينيه ، وجيبه الفارغ ) . والصيغتان مرتبطتان ببعضهما ارتباطاً جدلياً يجعل من الصعب فصل النظر عن المعرفة أو العكس .
ألمستوى الثاني : 
في السطر الأخير من النص تنتقل لغة الخطاب الى المستوى الصوتي الثاني الذي يتميز بتحوله من صوت المتكلم المفرد إلى صوت جماعة المتكلمين . ومن الواضح أن هذه الجماعة المتكلمة هم أخوة الشاعر الذين تحولوا بعد لحظة اليتم مباشرة إلى ثقوب سود ، تدل على ذلك مرجعية تملكهم ( عاطفياً ) إلى أمّ واحدة ، كما تدل على ذلك أيضاً صيغتي الفعلين ( تجمعنا ، وتحتفظ … بنا ) بفاعليهما المستترين اللذين هما فاعل واحد / الأم ، وبمفعوليهما اللذين يعودان لجماعة المتكلمين .
تتكرر عبارة الثقب الأسود ( بصيغة المفرد ) أو الثقوب السود ( بصيغة الجمع ) أو كلمة الثقب ( بصيغة ألمفرد المجرد من الصفة ) ، تتكرر خمس مرات ، أي مرة واحدة في كل سطر من السطور الخمسة التي هي عدد أسطر النص . والملاحظ أن دلالات الصيغ ليست ثابتة ، وأنها تغيرت ما بين السلب والإيجاب وكالتالي :
ألدلالات السلبية :
وهي التي تكشف عنها السطور الأربعة الأولى والتي تحيل إلى :
– ألسطرين الأول والثاني : قساوة معاناة الوليد لحظة الولادة ( شحة الحليب )
– ألسطر الثالث : معاناة الأب الذي كان هناك ثقب أسود في ( عينيه ، وجيبه الفارغ )
– ألسطر الرابع : معاناة الأم جراء ثقل التركة التي تحملتها بعد موت الأب ، واستثناء قلب الأم من الثقوب السود ( كانت لدى أمي ثقوب سود كثيرة ، إلا في القلب ) هو استثناء لمّاح أراد منه أن يوجه دلالة الثقوب السود تبعاً لموقعها من جسد الإنسان ، فحين تكون تلك الثقوب في القلب فهي دلالة على البغض والكراهية ، وحين تكون في موضع آخر سواه فهي دلالة على الهموم .
ألدلالة الإيجابية : 
لكنّ دلالات الثقوب السود السلبية تتحول في السطر الأخير إلى دلالة إيجابية – ولو بالنسبة للأم – التي كانت تجمع أبناءَها وتحتفظ بهم ( مثل ثقوب سود صغيرة ) إعتزازاً بهم ، وحباً لهم . أو يمكن قراءة هذه الدلالة من منظورين ، منظور جماعة المتكلمين ، وهو منظور سلبي في ضوء وصف الجماعة لنفسها بالسواد ، والمنظور الثاني النقيض للمنظور الأول ، وهو منظور الأم الذي يتسم بالإيجابية في ضوء جمعها واحتفاظها بالثقوب السود / الأبناء .
وبذلك فأن الانتقال منطقياً – وليس نصياً – عبر ثلاث مراحل من ( الدخول – المعرفة – الرؤية ) أفضى في النهاية إلى تحول الواحد / المتكلم إلى جماعة / المتكلمين ، وكفل لهم جميعاً أن يتحولوا بدورهم إلى ( ثقوب سود صغيرة ) هي من ممتلكات الأم ، أو هي أرثها الوحيد من الراحل / الأب ( تجمعها ، وتحفظها هناك ) من دون تحديد موقع الحفظ ، ولا زمنيته ( إلى ما بعد الأبد ) ، تاركاً افق التأويل مفتوحاً لتعدد القراءات .
وتوظيف دلالات الخبر العلمي ، أو تفكيكه إلى وحدات صغرى ( الثقوب ) واستثمار اللون ( الأسود ) والحجم ( الصغير ) ومن ثمّ إعادة بناء تلك العناصر لغوياً وبلاغياً من جديد ، وعكس دلالاتها من مجالها الكوني اللانهائي ، على مجال العائلة المحدود جداً ، أو على مجاله الشخصي الأكثر ضيقاً وتحديداً ، هي لعبة الشاعر ، ولكنها لعبة تبدأ في أبعد مستودع دلالات في العالم في الفضاء الكوني البعيد ، وتنتهي في حارة شعبية منسية ، وبيت صغير ، واسرة تعاني اليتم والعوز . وعدا تلك اللعبة الكونية ، فالشاعر قلما يغادران تلك الحارة ، وذلك البيت ، وتلك الأسرة ، ومن هذا الثلاثي المحزون تسربت إلى ذات الشاعر نبرة حزن شفيفة يتعاطى معها بسخرية وتفكه كما في ( النص الثالث ) .
يستند هذا النص على ركيزتين ذاتيتين ، الأولى هي الكسل ، والثانية هي الحزن ، وسرعان ما يغفل الشاعر عن الركيزة الأولى / الكسل ، مبقياً استناد النص حتى نهايته على ركيزة واحدة هي الثانية ، وسيكتشف القاريء أن اعتماد ركيزة لنص ، ومن ثمّ إغفالها مباشرة ليس سوى محاولة من الشاعر لاتخاذ تلك الركيزة وسيلة لتبديد كثافة أحزانه ، وتخفيف وطأتها على قارئه . ومع ذلك لا تعدم الركيزة الغفل أن تبث إيحاءاتها حتى بعد إغفالها في طيات النص .
وعلى العكس من ذلك يتمسك الشاعر بالركيزة الثانية كتمسك الحرّ ( بعدوّ له ما من صداقته بدّ ) ( 3 ) ، مقلباً مظاهرها وأسبابها التي قد تكون أحياناً لاشيء ( أنا أحزن أحياناً للاشيء ) ، أو قد تكون وراء أداء الشاعر لدور المحزون دوافع خبيثة ( أو قد أقوم بإعداده بخبث لاستدرار العطف على روحي ) مع ملاحظة عدم فعالية أو شعرية الفعل ( أقوم ) وأرى أن حذفه أجدى لتكون الجملة من دونه ( أو قد أعدّه بخبث … ) .
وهروباً من تلك ( العيوب الشنيعة ) ، أو الهروب من دائرة الحزن المرسومة بخبث ، ما على الشاعر إلا أن يحتال على نفسه وفق خطة تُلزمه بالعودة إلى تقنيته الإنعكاسية في نقل الدلالات من مجالها البعيد إلى مجاله الخاص . وبكل بساطة يستحضر من المجال السينمائي وجه الممثلة الإيطالية الحسناء ( مونيكا بيلوشي ) أو بالأحرى أن القرينة التي استدعت هذا التشبيه هو الجمال ، أو جمال وجه المرأة التي ارتطمت به مصادفة في الطريق .
والمقاربة الناجمة عن الشبه ستُبقي المشبه / إمرأة الطريق حاضرة ، وتستبعد المشبه به / مونيكا بيلوشي ، ولكن عمليتي الاستحضار والاستبعاد المقرونتين بالمقاربة أو المطابقة الناجمتين عن الشبه أو الحقيقة ستعيدان الشاعر بالزمن إلى الوراء ، إلى زمن نشأة الكون ، وتحديداً إلى زمن الانفجار العظيم قبل ما يقرب من أربعة عشر مليار سنة ، وذلك الإستدعاء الإنعكاسي المركب من مجالين بعيدين إولهما مجال السينما ، وثانيهما أكثر بعداً ، وهو مجال الفيزياء الكونية ليس سوى محاولة لإبقاء وجه إمرأة الطريق يحوم فوق سرير الشاعر ( منذ الانفجار العظيم وحتى هذه اللحظة ) ويلاحظ أن التزمين هو بعكس الحدث ، فهو يبدأ من قبل رؤية وجه إمرأة الطريق بمليارات السنين ، ويمتدّ ( إلى هذه اللحظة ) والتزمين الأخير مفتوح للتأويل ما بين لحظة الكتابة ولحظة القراءة .
وإن كانت خطة الاحتيال على الحزن ألزمت الشاعر العودة إلى تقنيته الإنعكاسية في نقل الدلالات من مجالين بعيدين ، مجال السينما في نسخته الإيطالية ، ومجال الفيزياء في نسخته الكونية / الإنفجار العظيم – ويمكن اعتبار هذا الأخير هو أبعد مستودع للدلالات الزمنية في العالم – إلا أن صياغة علاجات جديدة ونهائية بعد أن فشل علاجات أطباء ( القلب والعيون والنفس ) كانت توجب عليه العودة مجدداً إلى الآلية التي سبق اتباعها للاحتيال على الحزن ، أي استدعاء تقنيته الإنعكاسية ثانية من مجال بعيد عن موضوعة الحزن التي تنتمي إلى عوالم النفس ، والمجال الجديد الذي سيستجلب منه الدلالات الجديدة هو مجال مكانيّ . وبقدر ما أن مرجعية المكان الجديد بعيدة عن مرجعية عالم النفس ، إلا أنها قريبة من منطقة سكن الشاعر في منطقة ( الأربع شوارع ) أو هكذا يسميها سكنتها في حي اليرموك ببغداد . أي أن المجال الجديد ضمن مدى بصر الشاعر ، أي أنها من أقرب مستودع دلالات إليه ، لذلك كان استدعاؤه ميسوراً ، وممهداً لوضع نهاية لقصص الأحزان التي كانت ( غير قابلة للزوال ، إلا في نهاية اليوم الثاني ل – الفاتحة – التي سيحضرها بعض الرجال غصباً ، في جامع – البرّ الرحيم – في – الأربع شوارع – ) .
بيد أن تقنيات الشاعر الانعكاسية لا تستجلب دلالاتها من نظريات العلم وأخباره ، ولا من مجالات الفن والمكان والزمان فحسب ، بل أن كل مجالات الحياة مفتوحة أمام الشاعر ، ومن بينها المقولات الفكرية والفلسفية والمواقف المبدئية التي صارت علامات تحول وغيرت مجرى التاريخ ، كما في ( النص السابع ) حيث أنّ الشاعر لا يستدعي تلك المقولات والمواقف ليثبت صحتها كما يُفترض ، بل – وتلك مفارقة – ليثبت خطأها بعد تغير الظروف التي أملتها ، وبعد أن صارت لمن يبحثون عن نتائج مادية مجرد نظريات منتزعة من إطاريها الحياتي والمعرفي . مؤكداً أن نقيضها هو الأسلم والأصوب ، صائغاً خطابه النقيض بصيغة الأمر ( لا تفكّر / كن عنيفاً مع الآخرين / أترك أعداءك السابقين يلعقون حذاءك / مرّغ كرامتهم بالوحل / لا تتسامح / خذ فائض القيمة / راكم رأس المال / لا تمنح العامل أكثر من أجر الكفاف / لا تقلق ) .
ومن الواضح أن نقض الشاعر للمقولات ليس لخلل فيها ، أو لرغبة فوضوية في النقض ، أنما للتأكيد على تراجع القيم ، واختلال المفاهيم ما بين عالم المثال النقي والعظيم ، وعالم الواقع الزائف والمدنس . هذا الفارق الشاسع ما بين العالمين هو الذي جعل من الموازنة ما بين العنف والخنوع للمحتل البريطاني من جهة ، وما بين نضال غاندي السلمي من جهة أخرى تختلّ لصالح الطرف الأول ، وهذا الإختلال هو من أجل تحقيق هدف غاية في التفاهة مفاده عدم تكرار تجربة غاندي في العري والحفاء . وهذا الفارق ما بين المثال والواقع هو أيضاً الذي اختصر نضال مانديلا الطويل بابتسامة وبقميص مشجّر هما معاً الثمرة الوحيدة التي جناها مانديلا من سنوات السجن والنضال الطوال .
لكن النتيجة أحياناً لا تتوافق مع المقدمات ، أو أن ختام القصيدة لا علاقة له ببداياتها ، فقد ترك الشاعر المفكرين والفلاسفة والقادة الإجتماعيين والسياسيين الذين نقض مقولاتهم ومواقفهم في المقاطع الأولى من نصه ، وتبع خطى حبيبته ( بثوبها الأزرق المنقط بالأبيض ) الذي لبسته في أكثر من نص من دون أن يبلى أو يتسخ .
ولعل من علامات الإستدعاء الفارقة ، أنّ الشاعر لا يستدعي البعيد إلى القريب فحسب ، بل يكاد يكون مقيماً في القريب ، يتواصل معه تواصل العضو مع الجسد ، وأقرب القريب إليه هم أفراد أسرته والأقربين منها الذين كثيراً ما حضروا بتفاصيل شخصياتهم المميزة في نصوصه ، حتى ليصح أن نسميه شاعرَ الأسرة الشعبية العراقية بحق .
وفيما يلي عينة من بعض الشخصيات القريبة إلى الشاعر أسرياً الذين ورد ذكرهم في كتاباته :
– كتب الكثير عن أمه ، وعن صبرها وجلدها بعد وفاة ربّ اسرتها .
– كتب عن نفسه باعتباره ( رئيس السن ) في برلمان العائلة .
– ذكر إبنه الذي نصحه بعد تدخين السكائر
– ذكر أخيه الذي يسكن مع أمه .
– ذكر كنّات أمه واصفاً إحداهن بالعقرب والأخريات باللافقريات ، والوصفان يتسمان بالظرف أكثر من اتسامه بالبغض ، ويبدو أنهما تسللا إلى قاموس الشاعر من خارجه ، وتحديداً من الأم ( الحماة ) .
– ذكر وحيد إبن خالة أمه الذي دفن ثلاثة أرباع العائلة في الشيخ معروف
– ذكر شقيق جده غفوري الذي مات بقلب أخضر من فرط الخذلان
– ذكر خالته وفية
– ذكر إبنة خالته حسيبة
– ذكر عمّه محمد
– ذكر عمه حميد الذي لم يعد قادراً على صيد السمك
– ذكر إبن خالته خالد الذي لم يعد يصحح معه مجلة ( التربية الإسلامية ) .
– ذكر حفيده الزاحف تواً .
وخرج من دائرة الأسرة إلى الدائرة القريبة منها فذكر الكثيرين ، وفيما يلي عينة مما ذكر من تلك الدائرة :
– ألست سريّة معلمة الخيزران في حضانة الكرخ .
– القابلة ( الجدّة غزية )
– ألمدرس الأستاذ عبد الوهاب
– مهند ( أبو الخط )
– طلابه في الكلية الذين ليسوا في كامل قواهم العقلية
– جاسم ( أبو المولدة )
وما بين القريب والأقرب تكتسب الأماكن حميميتها وألفتها من حميمية وألفة الساكنين فيها في ترابط حيّ وفاعل ومتين ما بين الأسرة القريبة ، والدائرة الإجتماعية المتصلة بها ، والأماكن التي عاش فيها كل هؤلاء او اقترنوا بها بشكل ما . ومن الأماكن التي تردد ذكرها في نصوص الشاعر ( سوق حمادة و الرحمانية والشيخ معروف والحرية الأولى والعطيفية الثانية وشارع أبو نواس والسعدون والدورة ) . وبعد تلك الأماكن الشعبية جاء دور حيّ اليرموك ، والشوارع الأربعة أو ( الأربع شوارع ) ، وللانتقالة الأخيرة في المكان دلالة اجتماعية في حياة الشاعر والرجل العصامي والكادح ، وفي النصوص اكثر من تلميح وإشارة لتلك الدلالة .

ملحق ببعض كتابات الشاعر 
ألنص الأول :
أنا أعرفُ الثقوبَ السوداءَ منذُ الولادة.
دخلتُ أوّلَ ثُقْبٍ ، عندما كانَ الحليبُ شحيحاً.
وعندما ماتَ أبي ، رأيتُ ثقباً أسودَ في عينيهِ الدامعتينِ ، وجيبهِ الفارغ.
وكانَت لدى أُمّي ، ثقوبَ سوداءَ كثيرة .. إلاّ في القلب.
كانت تجمعنا ، مثل ثقوبَ سوداء صغيرة ، وتحتَفِظ الى مابعدَ الأبد .. بنا .. هناك.

ألنص الثاني :

أفضلُ شيءٍ يحدثُ لي ، هو أنْني أصحو على الفَورِ ، عندما تُداهمني الكوابيس
في كابوسٍ عاديٍّ .. اقتادني أشخاصٌ أعرفهم منذُ قرونٍ ، وربطوني الى نخلةٍ أُحبّها ، في بُستانٍ يعرفني ، وقالوا لي .. نحنُ آسفونَ لقتلكَ يا أخانا العزيز.
قلتُ لهم .. أنتم لا تستطيعونَ ذلكَ .. قالوا لماذا ؟ قلتُ لهم .. لأنّني سأصحو قبلَ ذلكَ بقليل.
و لهذا .. و قبلَ أنْ يثقبَ الرصاصُ نارنجةَ روحي .. صحوتُ .. وتركتهم هناكَ ، وحدهم .. يُطلِقونَ النارَ على القِدّاح.
في أفضلِ كابوسٍ لي .. أحببْتُ امرأةً لمدّةِ لحظاتٍ .. فجاءتْ في موعدها لتُقابِلُني رِفْقَةَ رجلٍ آخرَ .. فصحوتُ على الفورِ نكايةً بها ، وتركتها تتزوّجُ ذلكَ الرجلَ الأبلَهَ .. في الكابوس .
وفي أسوأ كابوسٍ لي ، طارَدَتْني كلابٌ عملاقةٌ .. فوصَلْتُ الى حافّةٍ جُرْفٍ .. وبدأتُ أعوي ، وأزحَفُ .. وعندما بدأتْ الكلابُ بنهشي .. صَحَوت.
في كابوسٍ آخرَ .. كنتُ أُراقِبُ حشداً من الناسِ صباحاً ، يُغَنّونَ أُغنيةً لفيروز.
فجأةً .. توقفوا عن الغناءِ ، وصاحوا : ماتَتْ فيروز .
صحوتً على الفورِ لأنّي .. لا أُريدُ أنْ أعرفَ ماذا سوف يحدثُ لي ، في الصباحِ التالي ، لموتِ فيروز.
وهكذا .. كنتُ أصحو دائماً في الوقتِ المُناسبِ ..
إلى أنْ جاءني يوماً كائنٌ يشبهُ حاكِماً أحمَقاً .. وأقتادني الى كهَفٍ رأيتُ فيهِ جميعَ الذينَ كنتُ أعرفهم سابقاً وهُم يسردونَ لبعضهم قصصَ القهرِ القصيرةِ جدّاً .. وكلبهُمْ وحدهُ صامتٌ ، يُحَدِّقُ في وجهي بعيونٍ دامعةٍ منَ الخوفِ ، ويسألني إنْ كان في جيبي “وَرِقٌ” يصلحُ للعشاءِ الأخيرِ .
فعرفتُ عندها ، أنَّني لن أصحو من الكوابيسِ في الوقتِ المناسبِ ، فيما سيأتي من الليلِ ..
وأنّني .. سأنامُ أخيراً ، نوماً يليقُ بقتيلٍ شارد الذهنِ ، تحتَ نخلةٍ في بستان أهلي .. و برجلٍ غادرتهُ امرأةٌ لم يتذوّق قمحها بعدُ .. وبفيروز التي كانت ما تزالُ تُغنّي ، وكنتُ ما أزالُ أسمعها ، بينما كانت الكلابُ أسفلَ الجُرْف ، تنهشُ قلبي.
كنتُ أعرفُ أنّني ..
سأبقى هناكَ طويلاً
في ذلكَ الكهَفِ الشاسعِ
وأنّني ..
سأجمعُ فيهِ ما تيسَّرَ لي
من بنادق أهلي
لأتعَلَّمَ إطلاقَ النارِعلى القِدّاح
في نارنجةِ روحي .
ألنص الثالث :
أنا كسولٌ حدَّ اللعنةِ .. و حزينٌ حدَّ الموت
لا علاجَ لحُزني .. وليسَ لهذا الحزنِ سببٌ مُحدّد.
أنا احزنُ أحياناً ، للاشيء .. ولا ينقصني سوى أنْ أخرجَ الى الناسِ ، شاهِراً أسايَ في وجوههم ، و”لاطِماً” دونَ معنى .
ولكنّني لا أبكي . لا أذرِفُ دمعةً واحدةً لا على نفسي ، ولا على أحدٍ سواي.
هذا يجعلُ حُزني ، حتّى بالنسبةِ لي ، مثاراً للريبةِ ، وقابلاً للنقض.
هذا الحزنُ قد يكونُ حُزناً مُلَفّقاً.
حُزنٌ أقومُ باعدادهِ بخُبث ، لاستدرار العطفِ على روحي.
ومع كلّ هذه العيوبِ الشنيعةِ .. فإنّني أبتسِمُ على الفور لأيّةٍ أمرأةٍ تُصادفني في أيّ مكان .. حتّى وإنْ كانَ وجهها المُلتَبِسْ ، يشبهُ دهراً منَ الهَجْرِ غيرِ المُبَرَّر.
وعندما اسمعُ جارتي البيضاءَ كالحليب ، بأصابعها الطويلةِ جدّاً ، وهي تشتمُ زوجها بصوتٍ عالٍ ، خمسَ مرّاتٍ في اليوم .. أعيشُ بسعادةٍ غامرة ، لمدّةِ خمسة أشهر.
أمّا اذا ارتطمَتْ بي امرأةٌ صُدفةً في الطريق ، مثل نجمة ، فإنّ رائحتها تبقى لصيقةً بي سنينَ طويلة .. وفستانها الأزرق المُنَقّطِ بالأبيض ، يبقى “مشروراً” لقرونٍ فوق قلبي.. ووجهها الذي يشبهُ دائماً وجهَ “مونيكا بيلوتشي” ، يبقى يحومُ فوق سريري ، منذ الانفجار العظيم ، والى هذه اللحظة.
ذهبتُ الى طبيبِ القلبِ ، وطبيبِ العيونِ ، وطبيب النفسِ .. فبكى ثلاثتهم على حالي بدمعٍ غزيرٍ ، وأوصوني بـ “التعايِشِ” مع الحالِ ، لأنّ هذه القصص القصيرةِ جدّاً ، غيرُ قابلةٍ للزوالِ ، إلاّ في نهاية اليوم الثاني لـ “الفاتحة” ، التي سيحضرها بعضُ الرجالِ غَصْباً ، في جامع “البرِّ الرحيمِ” ، في “الأربعِ شوارع”.
هذه “الفاتحةُ” لن تحضرَها (ولا أدري لماذا) أمرأةٌ واحدة من نساءِ “الشوارعِ الأربعِة” في جهات الكونِ الأربع ، اللواتي ارتطمنَ بي صُدْفةً في لحظةٍ ما ، مثل نيزك ، وماتزالُ رائحتهُنَّ لصيقةً بي ، منذُ الانفجار العظيم ، وإلى هذه اللحظة.
ألنص الرابع :
يحدثُ هذا في “أرْذَلِ” العُمْر .. في هذا الجزءِ من العالم ..
(ملاحظة تمهيديّة هامّة : لم يُكتَبْ هذا النصّ لـ “الشيّابِ” و الـ “الشايبات” ، المُتفائلينَ والمُكابرين ، الذينَ يَدّعونَ “زوراً وبُهتاناً” أنّ الشبابَ هو شبابُ الروح ، وأنّ التطلّعات المُريبة لـ “القلب الأخضرِ” ، لا تقفُ عند عُمْرٍ معين . قد يكونُ هذا صحيحاً في أماكنَ أخرى من هذا الكون ، ولكنّهُ هُنا، خطأٌ شنيع . لذا أنصَحُ هؤلاءِ “الفِتيةِ” الذين يؤمنون بقدراتهم الشبابية “الخارقة” ، بمنع أرواحهم”الخضراء” من الاطّلاعِ عليه).

(النصّ)

نزعتُ غطاءَ القلمِ “السوفت” بفمي ، وأبقيتهُ مُعَلَّقاً هّناك ، وبدأتُ الكتابة.
بعدما انتهيتُ من الكتابة ، بحثتُ لأكثرَ من نصفِ ساعةٍ عن غطاءِ القَلَمِ في “مساماتِ” البيتِ كافّة ، فلم أعثر عليه.
وبينما كنتُ راكِعاً بخشوع ، لعلّي أجدُ الغطاء تحتَ “القَنَفَة” ، جاء حفيدي الزاحفِ تَوّاً ، وبَحلَقَ في وجهي الأبله ، وسحَبَ الغطاء من فمي باحدى يديه ، مُتّكِئاً على الأخرى ، ثُمّ استأنفَ زحفهُ العظيم ..عليهِ اللعنة .
*
هذه “حادثةً” واحدة . وبطبيعة الحال فإنّ هناكَ “حوادث” أخرى ، كثيرةٍ ومؤسفة ، تحدثُ لمن هُم في أرذل العُمْر ، قد تكونُ أكثرُ أهميّةً وخطورةً وإحراجاً من هذه ، لا استطيعُ البوحَ بها هنا ، ويعرفها جيّداً ، من يعيشونَ “أرذَلَ العُمْرِ” مثلي.
أن تموتَ بكرامة ، ما أن تبلُغَ الستّينَ من العُمْر ، هو شيءٌ أفضلُ بكثيرٍ من أنْ تعيشَ “مرذولاً” بعد الستّين.
ولأنّ هذا أمرٌ يخصُّ ربّ العالمين وحده ، فأنا أبتَهِلً اليهِ ، بخضوعٍ تامٍّ لمشيئته ، أنْ يستعيدَ”أمانتهُ” التي أودعَها لدينا ، قبلَ أنْ نعود الى الزمنِ الذي كُنّا نرتدي فيه “الحفّاظاتَ” ، بكرامةٍ طفوليّةٍ كاملةٍ ، وغير منقوصة.
*
إنّ مُجتمعاتنا ، و “دُوَلنا” ، و حكوماتنا ، و”مؤسساتنا” التعليميّة ، لا تحتفي بكبار السنّ ، بما يليقُ بخبراتهم العلمية والمهنية ، أو بما يحافظ على الحد الأدنى من كرامتهم الشخصية (كبشرٍ عاديّين) ، ولم تضع اطاراً قانونياً ، شاملاً وكافياً ومُتكاملاً ، ينظّمُ كلّ ذلك.
و تاريخنا السياسي ، و”الأكاديمي” ، زاخرٌ بالعديدِ من القصص المؤسفة ،عن النهاية الكارثيّة لعقولٍ جميلةٍ طواها الأهمالُ والتهميشُ والنسيانُ ، وطالتها أدواتُ البطشِ والتنكيلِ للسلطات الحاكمة ، والبعضُ منها ظلّ هائماً في الشوارعِ ، مُلَطّخاً بفضلاتهِ ، إلى أنّ مات.
في هذا الجزء من العالم ، لا تتمُّ العناية ُ بكبار السنّ (سواء كانوا من الناس العاديّين ، أومن المُتمَرّسينَ في مُختلف الاختصاصات) إلاّ اذا كانوا يمُتّونَ بصلةٍ ما لسياسيّنَ “كبار” ، أو مُقرّبينَ من سماسرةٍ يُجيدونَ فنونَ”التخادُم” (الذي يُزاوِجُ ما بينَ السياسة والاقتصاد) ، أو تابعينَ لشيوخ عشائر مُتنفّذين ، أو أبواقَ مأجورة لأربابِ السُلطة ، وملوك الطوائفِ ، وتُجّار الحروب .
في هذا الجزء من العالم ، وفي أفضل الأحوال ، سيتمُّ استدعاء كبار السِنّ من المُختَصّينَ ، واستخدامهم كـ “ديكورٍ” حكوميّ .. وبعدها سيقولُ هؤلاء ما يودّون قوله ، للجهات التي قامتْ باستقدامهم .. وفي نهاية المطاف ، لنْ يُنصِتَ لهم أحد .. وسيسمحُ “النظامُ” المؤسسيّ القائم ، لصغار الموظّفين ، بالضحكِ عليهم.
أحياناً .. تسمعُ بعضُ الجهات الحكوميّةِ بموتِ هؤلاء . عندها ستمُدُّ يدَ المساعدة في تسويق لافتات نعيهم ، دونَ أن تُكَلّفَ نفسها عناء المشاركةِ في تشييعهم الى مثواهم الأخير ..
هذا اذا كان لمثل هؤلاء مثوى .. وكثيرون نعرفهم ، لم يكُنْ لهم مثوىً أخير ، في هذا الجزء من العالم
ألنص الخامس :
استيقظُ صباحاً ، وأنا أُحِبُّ كلّ شيءِ في هذا العالم ، بما في ذلكَ أولئكَ الذين كنتُ أكرههم في الليلة الفائتة.
وعندما أغادرُ البيت ، أكرهُ أشياءَ كثيرة ، تُصادفني في الشارعِ ..
بعضُ الناسِ ، السيّاراتُ ، المواشي ، الموظّفونَ والموظفاتِ الذين لا وظائف لهم ، الطلاّبُ والطالباتِ الذين يكرهونَ المدارسَ ، الغبارُ الأسنُ(الصديق “بول بريمر” يتساءلُ في مذكّراتهِ قائِلاً : من أينَ يأتي ، هذا الغبارُ اللعين ؟) ، الأشباحُ شاردةُ الذهنَ التي تعبرُ الشارعَ حيّةً بفعل المُصادفاتِ السعيدة ، الـ “الصَبّاتُ” الكئيبةُ التي تشبهُ العُزلة ، عربات الـ “هامفي” العاطلةُ ، التي تقفُ الآنَ في المحطّاتِ البائدةِ لباصاتِ “المصْلَحَةِ” ، حيثُ كان ينبغي أنْ تقفَ النساءُ القديماتُ ، اللواتي كانت تنانيرهنّ القصيرة تطيرُ عالياً كالحَمامِ ، فيجفلُ قلبي من شدّةِ الشَغَف.
أنا أيضاً ، أمشي في الشارعِ ، وأكرهُ نفسي.
لماذا يحدثُ هذا لي ؟
لماذا لم أعُدْ اتذكّرُ العراقَ في أناشيدنا “الوطنيّة” السابقة(حيثُ كانَ لنا مع كُلّ “قائدٍ” جديدٍ ، نشيدٌ وطنيٌّ جديدٌ)، و لم أَعُد أعشقُ الماءَ والنخلَ والرملَ ، و لَمْ أَعُدْ أُحِبُّ البطَّ الذي يسبحُ بالشطِّ، والسمكَ “المسكَوف” ، والصَمّونَ الحجريَّ ، وعبد الجبار عبد الله الذي كان صديقاً لـ “أنشتاينَ” ، و ماتَ من القَهرِ ، و (ناظم الغزالي) ، الذي مازالَ يبحثُ عن عيونها السودِ التي انطفأتْ قبل ستّين عاماً ، وخدَّها “القيمر” الذي أصبحَ مُرّاً منذُ زمانٍ بعيد ، و”العَمبَةُ الشريسيّةُ” الطائشة، و”العَرَقِ” الزحلاويّ العظيم.
تبدو أسبابُ الكُرْهِ ، لهذا الكَمِّ منَ الاشياءَ ،عميقة.
ومعَ كُرْهٍ راسخٍ مثلُ هذا .. ينبغي أن أموت .
لذا ، في المرّة القادمة ، التي سأغادِرُ فيها البيتَ صباحاً ، سأمشي في الشارعِ مثلَ “حَلاّجٍ” يائِس، يبحثُ في وجوهِ الناسِ عن الله .. وأشتمُ كُلّ من يُصادفني هناكَ طيلةَ الوقتِ .. وأُطاردُ المواشي ، وأركلُ أردافَ البنادق السائبة ، وأعَضُّ الأطارات النافقة لعربات “الهامفي” العاطلة .. إلى أنْ ينهمِرَ كُلُّ رصاصِ الكونِ على روحي.

ألنص السادس :
عضُ الناسِ ، لا يُمكِنُ نسيانهم
الجُندِيٌّ صديقي ، الذي كانَ يكرهُ الحربَ .. وماتَ فيها.
امرأةٌ أحببتها في زمنِ ما ، من أوّلِ نظرة .. ابتَسَمْتُ لها ذاتَ صباح ، في شارعٍ ما ، في مدينةٍ ما ، ولَمْ تَلْحَظ ذلك.
سيّدةٌ جميلة .. تبكي بشكلِ مُدهِش .. بينما أصابعها الطويلة ، تتقافزُ كالعصافير ، فوق فمها القصير.
عجوزٌ ضاحكةٌ ، تبيعُ اللبنَ الناشِفَ في “سوق حمادة” .. وتعودُ الى “الرحمانيّةِ” ، بعد الظُهر، بسبعينَ فِلساً .. تشتري بنصفها شعيراً ، لربِّ الحليب.
السِتْ “سِرِّيّة” .. مُعلّمةُ “الخيزرانِ” في “حَصّانةِ” الكرخِ .. التي كانتْ حتّى “طناطلُ” الدرابين تخافُ منها .. والتي كانت مع ذلك ، تغِضُّ الطَرْفَ عن أصابعي ، وهي تحِطُّ خِلْسَةً ، فوقَ أكُفِّ البنات.
“وحَيِّدْ” ، ابنُ خالةِ أُمّي .. الذي دفَنَ ثلاثةَ أرباع العائلة في “الشيخ معروف” .. وعندما مات ، لم يعرِف الرُبعُ الرابعُ بذلك .. إلاّ بعد انْ أخبرهُم “الشيخ معروف” بنفسه ، أنّ “وحَيِّدْ” الذي كان يدفنهم لوحده .. قد مات .
شقيقٌ جَدّي”غَفّوري” .. الذي ماتَ بقلبٍ أخضرَ ، من فرطِ الخُذلان.
خالتي “وَفِيّة”.. التي كانت وفيّةً حقّاً ، حتّى للريح .. وكانتْ تَئِنُّ في وجهِ السماواتِ ، وتَبْتَسِمْ لنا .. ومعَ ذلكَ خانَها الكُلُّ ، حتّى الحَمام ، الذي كانَ يلقُطُ قمحَ الشاحناتِ ،على امتدادِ الطريقِ، بين “الحُريّةِ الأولى” ، و “العطيفيّةِ الثانية”.
وأخيراً ، إبنةُ خالتي .. “حسيبة” ..
التي ظَلّتْ تُعاتِبُ اللهَ
إلى أنْ ماتَتْ
فلَمْ يَعُد بعدها للعِتابِ
أيُّ معنى
في التاريخِ اللاحقِ للعائلة.

ألنص السابع :
لا تُفكَّرْ
و ستكونُ موجوداً
أكثرُ بكثيرٍ مما كان يعتقدُ
السيّد ديكارت.
كُنْ عنيفاً مع الآخرين
و فَظّاً مع اخوانكَ “الهنود”
أو عبداً مُطيعاً للامبراطوريّة البريطانيّة
ولن تموتَ كـ غاندي
مُرتَدِيّاً قطعتينِ من الكِتّان الأبيض
وحافياً الى الأبد.
لا تتسامَحْ
حتّى مع الريح
وأترُكْ أعداءكَ السابقينَ
يلعقونَ حذاءكَ
و مَرِّغْ كرامتهم بالوحل
وأترُكْ ماندّيلا يبتسِمْ
بقميصِهِ المُشَجَّرْ
الذي لمْ يمتلِكْ غيرَهُ
إلى أنْ مات.
خُذْ “فائضَ القيمة”
و راكِمْ رأسَ المال
في جيبِكَ الشاسع
ولا تمنِحْ العاملَ أكثرَ من أجرِ الكفاف
ودَعْ كارل ماركس
يحلمُ بـ ثورةِ البروليتاريا
على دونالد ترامب.
الكونُ مُجْدٍ و جميل
ولا معنى للعَدَمْ
فلا تقلَق على شيء
ودَع سارتر
يُهاجِرُ من باريسَ التي لا قلَقَ فيها
الى مُدننا المُترَعة
بالقلق الوجوديّ العظيم.
هي موجودةٌ ..
وأنا غشيم
حبيبتي التي لا تكفُّ عن الغياب الذكيّ
و تتركني وحدي.
أنتَ تُحِبُّها
وهي ترتدي ثوبها الأزرقَ المُنَقّطَ بالأبيض
وتضَعُ مكياجاً خفيفاً
على وجهها الشاحب
وتفوحُ من أسفلِ عُنقها
رائحةُ السُنبُلة.
دَعْها تغيبْ
وبعدَ عشرةِ آلافِ عام
سيصِلُ ضوءها إليك
مثل نجمة.
ألنصّ الثامن :
أسبابُ الغيابِ عديدة ..
منها ، مثلاً ، أنْ تكونَ أباً
في وقتٍ لا يصلَحُ لليُتْم .
أنْ تكونَ اُمّاً
في زمنٍ لا يصلَحُ للحنين.
أن تكونَ “مُواطِناً”
في بلدٍ من أربعةِ حروفٍ (أو ثلاثة)
يخسَرُ دائماً في كرة القدم.
أن تكونَ حكيماً
في عشيرةٍ نافقة
مثل أمَل.
أنْ تكونَ مَلِكاً
في مزبَلَة.
أن تكونَ حيّاً
و تبحثُ عن امرأةٍ تقولُ .. أُحِبُّكَ
فتَجْفَلُ من الدهشة
في هذا الوقتِ منَ العُمْرِ
شحيح السيولة.
وأخيراً ..
انْ تغيب
فلا تجِدْ للغياب
سبَباً مُقْنِعاً
سوى أنَّ حذاءَكَ الوحيد
ضَيِّقُ جدّاً
في هذا العالَمِ الواسع.
( 1 ) ألموسوعة الفلسفية – روزنتال وبودين – دار الطليعة 1974 . ص / 275
( 2 ) معجم المصطلحات العربية في اللغة والأدب – مجدي وهبة و كامل المهندس – مكتبة لبنان / 1984 . ص / 278
( 3 ) ألمتنبي ( ومن نكد الدنيا على الحرّ أن يرى – عدواً لهُ ما من صداقته بُدّ )