الموانئ في عهدة بيت النعمة

الموانئ في عهدة بيت النعمة

 

 

كاظم فنجان الحمامي

 

لسنا مغالين إذا قلنا أن الذين كتبوا تاريخ البصرة ارتكبوا سلسلة من الأخطاء والهفوات المتعاقبة بتجاهلهم تاريخ الموانئ العراقية, التي تمثل الواجهة الملاحية والتجارية والسياحية والسيادية لهذه المدينة المينائية العريقة, حتى بات من الصعب التعرف على تفاصيل السجلات الشخصية لقادة الموانئ في الحقبة الممتدة من عام 1919 ولغاية العام 1953.  فعلى الرغم من قصر تلك المدة المحددة بثلاثة عقود, لم يكن من السهل التعرف على السيرة الذاتية لمدير حساباتها الأقدم (كامل يوسف عبد الأحد), ولا على أشقائه (فيليب ونوري) الذين عملوا معه في إدارة بعض مفاصل الموانئ, ولا التعرف على مدراء الأقسام والشعب الهندسية والتشغيلية والملاحية من أمثال: نصوري توماس, ونجم الدين النقيب, وقاسم الزهير, وألبرت ح شماس, وعلي فؤاد حمزة, وعلي عباس, وسلمان جويدة, وتوفيق النقيب, والمهندس الكبير محمد خان, وعزرا يوسف ليفي, والدكتور علي فتاح, وآخرون غيرهم من الذين أسسوا قواعد الموانئ العراقية, ووضعوا ركائزها الأولية القوية, حتى عرفها العالم كله بصورتها الحضارية المزدانة بالإنجازات المينائية الباهرة.

لذا واجهتني صعوبات كبيرة, حرمتني من الاطلاع على السيرة الذاتي للسيد رجب النعمة, ولم يكن بوسعي القيام بخطوة واحدة لولا مساعدة المؤرخ الأستاذ ياسين صالح العبود, والمشاور القانوني الأستاذ عمار مهدي العطية, والدكتور هاشم الخياط, والدكتورة لمياء النعمة, والدكتور محمد موسى, الذين يعود لهم الفضل في إعداد هذا التحقيق.

 

جذور بيت النعمة

أسرة عربية أصيلة, تنتمي إلى قبيلة الدهنوي المضرية (جذم مضر من عدنان) بالحجاز وقد كانت لها الرئاسة على تفرعات القبيلة منذ القدم. هاجروا منذ قرون من الحجاز إلى الدورق, ثم هاجر جدهم الأكبر (غضبان) من الدورق في عربستان إلى البصرة سنة 1747 من الميلاد. عمل في بداية حياته بالتجارة حتى توفاه الله عن ولدين: أصغرهم (عبد الرحمن), وأكبرهم (نعمة), الذي يرتبط به الاسم الجديد للأسرة, وقد رزقه الله ولداً واحداً هو (أحمد), الذي شيد أجمل قصور شط العرب, بشناشيله المزينة بالمكونات الخشبية الجميلة, وأقواسه العباسية المزدانة بالزخارف المعمارية البهية.

كان أحمد (جد السيد رجب) وكيلاً للأملاك السنية في زمن السلطان عبد الحميد, ومن التجار المشهورين في البصرة, لما عُرف عنه من سمعة طيبة, نالها بكفاءته وأمانته وذكائه وتعامله الحسن مع الناس.

ثم توسعت أسرة (بيت النعمة) وانتشرت في العراق والكويت والبحرين وقطر, وهاجر أحفاد أحفادهم إلى أمريكا وأوربا واستراليا.

لعب رجال الأسرة دوراً مؤثراً في الحياة السياسية والثقافية والتجارية والاجتماعية والعلمية للبصرة منذ عام 1909 وحتى يومنا هذا, وربما تعد الدكتورة لمياء مصطفى النعمة, من النساء اللواتي يقفن الآن في طليعة الكوكبة العلمية النسوية في البصرة, وهي نجلة الأستاذ الدكتور مصطفى النعمة عميد كلية الطب بالبصرة (1971 – 1979).

 

فوق قمة الهرم المينائي

ولد رجب بن عبد الرزاق بن أحمد بن نعمة بن غضبان في البصرة عام 1898, وهو أول عراقي يصل إلى قمة الهرم الإداري في ميناء المعقل, وأول عراقي يدير دائرة النقليات, ويشرف مباشرة على عمليات الشحن والتفريغ والنقل والمناولة بين السفن التجارية والأرصفة والسقائف والمخازن والساحات المينائية.

درس (النعمة) في المدارس العثمانية, ثم سافر إلى بيروت ليلتحق بالكلية الإسلامية العثمانية, ثم أكمل تعليمه العالي في الكلية الأمريكية, ولما عاد إلى البصرة أشتغل رئيساً لقسم الترجمة في المحاكم البصرية في زمن الاحتلال, ثم أصبح في العهد الملكي رئيساً لبلدية البصرة عام 1918, واسندوا له رئاسة المدينتين بعد ارتباط مدينة العشار بالبصرة, وظل في منصبه هذا أربع سنوات ثم استقال, وفي عام 1929 أصبح معاوناً لمدير النقليات في الموانئ العراقية, وظل في منصبه حتى السادس عشر من تشرين الثاني (نوفمبر) من عام 1938 إذ ارتقى في حينها إلى قمة السلم الإداري, وأصبح هو المدير التنفيذي لشعبة النقليات لما عرف عنه من مقدرة ونباهة وحزم, وهو أول عراقي يشغل هذا الدرجة الوظيفية بعد البريطاني (أس بيفور).

لقد جاء تعيين (النعمة) في هذا الموقع الإداري المرموق على الرغم من اعتراض وزارة المالية على ذلك, وكانت الممانعة مبنية على أن (النعمة) لم يصل إلى الدرجة الوظيفية التي تؤهله لإشغال المنصب.

يعزا إصرار سلطة الموانئ على تعيينه في هذا المركز من أجل الاستفادة من خبراته الإدارية الواسعة, ولتسهيل التعامل المباشر مع الكوادر العراقية العاملة في ميناء المعقل.

تألق (النعمة) في وظيفته الجديدة, حتى صار معاوناً للمدير العام للشؤون التجارية, واستمر في عمله في ميناء المعقل حتى الرابع عشر من نوفمبر (تشرين الثاني) عام 1946. انتقل بعدها إلى مقر سلطة الموانئ العراقية ليصبح معاوناً تجارياً لمديرها العام الكابتن (وليم بنت) للمدة من 15/11/1946 إلى 27/7/1948, ثم معاوناً لمديرها العام الكابتن (جورج توماس جونسون) للمدة من 17/8/1948 إلى 16/8/1951, ثم وكيلاً لمديرها العراقي الأول, الراحل (سعيد بيك قزاز), واستمر في موقعه هذا حتى عام 1958 عندما أحيل إلى التقاعد لبلوغه السن القانوني (ستون سنة).

يعود إليه الفضل في تعريب السجلات الانجليزية, وتعريب المخاطبات الرسمية. ازدهرت بخبرته أرصفة ميناء المعقل, وتحسن أدائها المينائي نحو الأفضل, حتى استقطبت أشهر خطوط الشحن البحري, وكانت الموانئ العراقية في زمنه هي الملاذ الآمن لمكاتب الوكالات البحرية المتعددة الجنسيات, والمتباينة النشاطات.

نهض ميناء المعقل في زمنه بدور هام في تعزيز التجارة الخارجية, وفي دعم التكامل الاقتصادي والاجتماعي, فقد انحصرت من خلاله عمليات التبادل التجاري عن طريق الاستيراد والتصدير, والتي توفرت بموجبها احتياجات العراق من السلع المختلفة, وأصبح ميناء المعقل في زمنه من الكيانات الاقتصادية المربحة.

وربما كان (النعمة) أول من اجتهد في مراقبة مؤشرات الأداء باعتبارها من البيانات المبنية على الخصائص الجوهرية لنشاطات الميناء, والتي تعد أيضاً من المعايير المعتمدة في قياس البيانات الأخرى, فقد أعطى (النعمة) أهمية كبيرة للتقارير الإحصائية, واهتم كثيراً بمؤشرات الأجور والعوائد المينائية, فبادر إلى تصميم جداول السفن التجارية القادمة والمغادرة, وجداول البضائع الواردة والمصدرة, والبضائع المخزونة في المستودعات. كانت هذه هي الأدوات التي منحته القدرة لرسم ملامح الاتجاهات المستقبلية للأداء, وبالتالي معرفة الميول العامة لأداء ميناء المعقل.

يعد (النعمة) من أبناء البصرة الغيورين الذين يحملون روحاً وطنياً وثّابة وفكراً خصباً, له إرادة سديدة, وهو على جانب كبير من الخلق المتين, والأدب الجم, ومن أسرة عربية عريقة. كان والده من شخصيات البصرة البارزين, وقد أنتخب نائباً عن البصرة في مجلس المبعوثان العثماني.

تزوج (النعمة) عام  1919, وهو العام الذي تأسست فيه الموانئ العراقية, وله من الأبناء اثنان, ومن البنات ثلاثة, توفاهم الله جميعا (إلا ابنة واحدة). أما ولده الأكبر فهو الدكتور مصطفى النعمة (رحمه الله), يليه المهندس عدنان النعمة الذي استوطن الولايات المتحدة الأمريكية, وتوفاه الله منذ بضعة أعوام.

أحفاده موزعون الآن بين أمريكا وكندا والخليج العربي, ولم يبق منهم في البصرة إلا الدكتورة لمياء مصطفى النعمة أستاذة الكيمياء الحياتية في كلية الطب في البصرة.

أنتقل الأستاذ والمينائي الكبير (رجب النعمة) إلى جوار ربه في شباط 1967 عن عمر قارب السبعين عاما.

 

أزهار من تلك الشجرة الطيبة

ربما لا يتسع المجال هنا لتسليط الأضواء على تفرعات هذه الأسرة البصرية العريقة, وإنجازاتها العلمية والثقافية, التي سطرتها في سجلها الوطني والإنساني, فالكتابة عن أحفاد بيت (النعمة) لا تختلف كثيراً عن الكتابة بمداد الفخر والامتنان فوق ناصية العز والشرف, وسنختصر حديثنا هنا عن أثنين من أبنائها. هما الدكتور مصطفى النعمة, والدكتورة لمياء النعمة.

ولد الدكتور مصطفى رجب النعمة عام 1923. أكمل دراسته الابتدائية والثانوية في مدارس البصرة, ثم التحق بكلية الطب / جامعة بغداد, ليتخرج فيها عام 1947. خدم في صفوف الجيش العراقي, وشارك في حرب التحرير في فلسطين عام 1948, سافر بعد إنهاء خدمته العسكرية إلى الولايات المتحدة الأمريكية لإكمال دراسته العليا في الطب, فالتحق بكلية (جرسي ستي), لينال البورد الأمريكي عام 1956, ثم أصبح عضواً لكلية الأطباء الملكية في لندن عام 1976, وزميلاً لكلية الأطباء الملكية في لندن عام 1978.

كان من مؤسسي كلية الطب في جامعة البصرة, وعميدها بالوكالة للمدة من (1971 – 1975), ثم أصبح عميدها بالأصالة للمدة من (1975 – 1979), وهو أول المتخصصين بأمراض القلب في مدينة البصرة. انتقل إلى رحمة الله تعالى عام 1995, تاركاً وراءه سجلاً حافلا بالمنجزات الطبية والأكاديمية.

أما ابنته الدكتورة (لمياء مصطفى النعمة) المولودة في البصرة عام 1949, فقد أكملت دراستها الابتدائية في مدارس (حداد) الأهلية, وأنهت دراستها المتوسطة والثانوية في ثانوية العشار للبنات, ثم التحقت بكلية الصيدلة / جامعة بغداد لتنال البكالوريوس عام 1970, عادت بعدها إلى البصرة لتعمل في كلية الطب بدرجة (معيد), لكنها لم تترشح للدراسات العليا على الرغم من تربع والدها على كرسي العمادة, فلم يتحيز لها, ولم يفضلها على غيرها.

كان رحمه الله ملتزماً بتطبيق مبادئ العدالة والإنصاف والمساواة بين العاملين في معيته, فلم تحصل ابنته على الدكتوراه في الكيمياء الحياتية إلا في عام 1979 من جامعة مانشستر بانجلترا, ثم أصبحت رئيسة لفرع الكيمياء الحياتية في كلية الطب / جامعة البصرة عام 1982, أي بعد مغادرة والدها لمركز العمادة بثلاثة أعوام.

تزوجت عام 1982 من كبير الجراحين الأستاذ الدكتور هاشم الخياط, وتعيش الآن في بيت زوجها في أجمل أحياء البصرة.

كانت هذه لمحات سريعة من تاريخ هذه الأسرة العريقة, نستعرضها هنا لنسترجع معاً بعض الصور المشرقة من تاريخ البصرة الزاهرة دائماً بأهلها.

رجال الموانيء العراقيه

أنا بحاجة إلى من يمد لي يد العون بتوفير المزيد من المعلومات عن الآباء الواردة أسمائهم في هذه المقالة, ولا بأس بأي معلومة مهما كانت صغيرة, وأرجو مخلصا تزويدي ببعض الصورة المتوفرة عنهم:-
رجال قامت الموانئ على أكتافهم
الآباء المؤسسون الذين ضاعوا بين صفحات تاريخ الموانئ
كاظم فنجان الحمامي
إذا كنا نسينا أو تجاهلنا رجال الموانئ في التاريخ المنظور, فكيف يا ترى سنتذكر جيل الآباء المؤسسين. أولئك الرجال الذين اختفوا تماماً من ذاكرة الموانئ العراقية, تلك الذاكرة البائسة, التي تلاعبت بها الأهواء والعصبيات والسياسات المتقلبة. ما أقصده بالمؤسسين: الرجال الذين بُنيت الموانئ على أكتافهم. كان من بينهم العربي والانجليزي والكردي والأرميني والهندي والفارسي, ومنهم المسلم والمسيحي واليهودي والمندائي. لكنهم اشتركوا جميعاً في بناء هذا الصرح العظيم, ولم يبق لدينا ما نتذكرهم به (للأسف الشديد) سوى أسمائهم وعناوين وظائفهم, على الرغم من أنهم خدموا الموانئ من عام 1919 وحتى نهاية الحرب العالمية الثانية.
ألا يستحق هؤلاء على اختلاف جنسياتهم ودياناتهم لوحة تذكارية صغيرة, لتذكرنا بجهود هؤلاء الرجال الأفذاذ, تعلق في فناء قبة الموانئ, وتوضع داخل البناية التي شيدوها بأيديهم لتستقر فيها الإدارات المتعاقبة بين هذه الجدران بعد عشرات الأعوام. لوحة تذكارية واحدة.
لقد عثر الأستاذ الكبير (عبد الرزاق عبد الوهاب) على هذه القائمة المُختزلة بالصدفة, وذلك أثناء بحثه المتواصل بين رفوف أرشيف الموانئ, وفي تراكمات خزاناتها الورقية الممزقة, في محاولة منه للعثور على أية معلومات عن حقبة الثلاثينات أو الأربعينات, عسى أن تكون مفيدة للأجيال القادمة في أرشفة تاريخ الموانئ, فكانت النتيجة المؤسفة انه حصل فقط على أسمائهم, من دون أن يتعرف على تاريخهم الزاخر بالعطاءات والانجازات المثمرة:-
الكولونيل: السير جون سي وارد
وهو من أكفأ ضباط البحرية البريطانية, الذين وصلوا العراق مع الجيش البريطاني. كان مديراً مؤسساً للموانئ العراقية. يعد من أقدم وأكفأ الربابنة الانجليز العاملين في البحر. التحق أول الأمر بمشروع حفر سد الفاو, ويعود له الفضل في رسم الخرائط الملاحية لشط العرب بصيغتها الملاحية المعتمدة من قبل الأدميرالية البريطانية, ثم أصبح مديراً لميناء (عبادان), وظل في منصبه هذا قرابة ستة أعوام, ثم انتقل إلى البصرة ليشغل منصب مدير الشؤون البحرية للمدة من 1917 إلى 1919, وكان من المراسلين الصحفيين لصحيفة (نيوز كرونيكل) اللندنية. ثم قفز إلى أعلى السلم الإداري ليصبح هو المدير العام للموانئ العراقية منذ تأسيسها عام 1919, وحتى إحالته إلى التقاعد عام 1943. عاد بعد تقاعده إلى لندن, ففارق الحياة هناك عام 1945 عن عمر يناهز (75) عاماً بمرض السرطان.
السيد اج. ام. دوبري
رئيس المهندسين المسؤول عن كافة الشؤون الهندسية في الميناء. خدم في الموانئ طيلة فترة وجود (السير جون وارد) في إدارة الموانئ.
السيد سي. اف. نيكول 
مدير الإدارة المالية تحت مسمى سكرتير الإدارة المالية في الميناء وخدم خلال الفترة نفسها في إدارة (السير جون وارد).
الكابتن ار. اج. كارستون
مدير الإدارة البحرية تحت مسمى ضابط الميناء.
قسم الهندسه
ضم هذا القسم أواسط الثلاثينات كل من الملاكات التالية:
  • بول  فير: مساعد أول رئيس مهندسي الميناء.
  • جي . دبليو. لاودون: مساعد ثان رئيس مهندسي الميناء.
  • جي. أم. موريس: مدير الهندسة الميكانيكية والكهربائية.
  • السيد توفيق بيك النقيب: مساعد رئيس مهندسي الميناء من أوائل المهندسين العراقيين, ومن رجال البصرة. خريج بريطانيا.
  • السيد عزرا يوسف ليفي: المشرف الميداني العام على أرصفة الميناء.
    قسم الحسابات
    كانت إدارة هذا القسم بشكل عام بيد الكادر العراقي, ويضم الذوات المدرجة أسمائهم في أدناه:
  • السيد كامل يوسف عبد الأحد: مدير الحسابات. ولد في البصرة عام 1903, أكمل دراسته الابتدائية والثانوية في العراق, ثم سافر إلى انجلترا, فالتحق بجامعة أكسفورد. عاد بعد تخرجه إلى العراق عام 1928 ليعمل في قسم الحسابات بدرجة (معاون), وظل في وظيفته حتى عام 1936, ليصبح فيما بعد مديراً لقسم الحسابات, وهو الابن الأكبر للتاجر البصري الكبير (يوسف عبد الأحد), الذي كان نائباً في ولاية البصرة, وهو على جانب كبير من الأدب والمعرفة, وأسرته من أصل عربي أصيل.
  • موشي داوود شوهيت: معاون مدير الحسابات.
  • السيد سلمان جويدة: محاسب.
  • فيليب يوسف عبد الأحد: مدير المخازن ومسؤول المشتريات المحلية.
    قسم النقل (الشحن والتفريغ والنقل)
    ويتألف من:-
  • السيد رجب عبد الرزاق النعمة: مدير النقل ومسؤول عمليات الشحن والتفريغ والنقل على الأرصفة. ولد (النعمة) في البصرة سنة 1898, ودرس في المدارس العثمانية, ثم سافر إلى بيروت, فدخل الكلية الإسلامية العثمانية, وبعدها الكلية الأمريكية, ولما عاد إلى البصرة أشتغل رئيساً لقسم الترجمة في المحاكم البصرية في زمن الاختلال, ولما جاء العهد الوطني عُين رئيساً لبلدية البصرة عام 1918, واسندوا له رئاسة المدينتين بعد التحاق مدينة العشار بالبصرة, وظل في منصبه هذا أربع سنوات ثم استقال, وفي عام 1929 أصبح معاوناً لمدير النقليات في الموانئ العراقية, وظل في منصبه حتى السادس عشر من تشرين الثاني (نوفمبر) من عام 1938 إذ ارتقى في حينها إل  قمة السلم الإداري, وأصبح هو المدير العام لشعبة النقليات لما عرف عنه من مقدرة ونباهة وحزم, وهو أول عراقي يشغل هذا الدرجة الوظيفية بعد البريطاني (أس بيفور), وجاء تعيين (النعمة) على الرغم من اعتراض وزارة المالية على ذلك, وكانت الممانعة مبنية على أن (النعمة) لم يصل إلى الدرجة الوظيفية التي تؤهله لإشغال المنصب. ربما يعزا إصرار سلطة الموانئ على تعيينه إلى جعله في مواجهة الكوادر العراقية العاملة في ميناء المعقل, وربما يعزا السبب إلى الاستفادة من خبراته الإدارية الواسعة. تألق (النعمة) في وظيفته حتى صار معاوناً للمدير العام للشؤون التجارية, واستمر في عمله حتى الرابع عشر من عام 1946. يعد (النعمة) من أبناء البصرة الغيورين الذين يحملون روحاً وطنياً وثّابة وفكراً خصباً, له إرادة سديدة, وهو على جانب كبير من الخلق المتين, والأدب الجم, ومن أسرة عربية عريقة.
  • السيد عباس علي: وقد شغل إدارة القسم بعد (النعمة). التحق بالموانئ العراقية في حزيران (يونيو) عام 1922, ثم أصبح مساعداً لمعاون مدير القسم في الثالث عشر من نسيان (أبريل) 1943, ثم معاوناً لمدير القسم في 22/ أكتوبر /1945.
  • السيد نوري يوسف عبد الأحد: عمل مساعداً لمدير النقل (النعمة) للمدة التي سبقت مجيء (عباس علي), ثم أصبح معاوناً لمدير القسم (عباس علي), ثم تولى إدارة القسم بعد إحالة (عباس) إلى التقاعد, وهو شقيق فيليب يوسف عبد الأحد المشار إليه في الأعلى.
  • السيد علي فؤاد حمزة: مساعد مدير النقل.
  • السيد ألبرت حسقيل شماش: مساعد مدير النقل.
    قسم الإدارة البحرية
  • السيد دبليو. ام. شوزميت: نائب مدير الميناء للإدارة البحرية.
  • السيد اي. دبليو. براد فيلد: المساعد الثاني لمدير الميناء.
  • السيد سي. جي. فوكس: المساعد الأول لمدير الميناء للإدارة البحرية.
  • السيد اي. دبليو. برنارد: ربان المرفأ الأقدم.
    القسم القانوني
  • ويديره السيد نجم الدين بيك النقيب, وهو المشاور القانوني العام لمدير الميناء (كان هذا الرجل من أبناء البصرة. هل يا ترى لدى قسم الشؤون القانونية في الموانئ أية معلومات عنه) باعتباره أول مشاور قانوني للميناء, وهو الذي أسس القسم المذكور.
  • السيد قاسم الزهير: المستشار الحقوقي في القسم القانوني.
    إدارة المسح والحفر والهيدروغرافيا
  • السيد اي. كوسترر: رئيس ادارة المسح والحفر والهيدروغرافيا.
  • السيد جي. أم. باين: مساعد مدير الميناء لشؤون الحفر والهيدروغرافيا.
  • السيد نصوري توماس: مشرف عام المسح والحفر والهيدروغرافيا.
    مدير صحة الميناء:
  • الدكتور (بي. برايد): مدير صحة الميناء.
  • الدكتور تي. ثورنتون:  طبيب صحة الميناء.
  • الدكتور علي فتاح: مدير الشؤون الطبية.
    أما المهندس المعماري الذي صمم فندق ومطار الميناء (فندق شط العرب حاليا), فهو المهندس البريطاني: (أج . سي. ميسون).
    ألا يستحق هؤلاء لوحة تذكاريه صغيرة تعلق في قبة الموانئ, وباللغتين (العربية والانجليزية) لتخليد الرجال الذين كان لهم الفضل في تأسيس القواعد والمرتكزات المينائية العراقية ؟.

مايسترو البصرة يقعده الشلل النصفي

مايسترو البصرة يقعده الشلل النصفي
كاظم فنجان الحمامي
ما أن سمعت بإصابة الفنان البصري الكبير الأستاذ مجيد العلي بالجلطة الدماغية حتى هرعت لزيارته في منزله القديم بالمعقل, كان معي في زيارتي الفريق الطيّار (ناجح شناوة), وربما سبقنا إلى زيارته الأستاذ الموسوعي (إحسان وفيق السامرائي) أطال الله في عمره.
فنان أصيل عرفته البصرة كلها بأغنيته الجميلة (يا بو بلم عشّاري), التي غنّاها الراحل فؤاد سالم بصوته العذب, تلك الأغنية التي تحولت إلى أنشودة شعبية شجية ترددها الحناجر المنتمية إلى ضفاف شط العرب, وتحييها الفرق الموسيقية في أعراس وأفراح القرى الريفية المختبئة في بساتين الخورة والسرّاجي وغابات كتيبان والصنكر.
الفنان مجيد العلي عازف متمكن على آلتي العود والكمان, وملحن مبدع من الرعيل الأول, الملتزم بقواعد الفن الأصيل, ولد في البصرة عام 1933, وأكمل دراسته الابتدائية في مدرسة (كردلان) في التنومة, وأكمل المتوسطة والثانوية عام 1956 في الإعدادية المركزية بالعشّار.
تعلم العزف على آلة الكمان على يد شقيقه الأكبر (فرحان), وتعلم كتابة النوتة الموسيقية في مدينة الفاو على يد الفنان الأيرلندي (داولنك), وهو أول من أسس فرقة نادي الاتحاد الموسيقية (1953), وأسس فرقة نادي الميناء الموسيقية (1960), وأسس فرقة نقابة الموانئ الموسيقية (1971), وفرقة نقابة الفنانين (1974), وأسس وترأس فرقة البصرة للفنون الشعبية (1976), وأسس وترأس فرقة تلفزيون البصرة عام (1983), ومن أعضاء جمعية الموسيقيين العراقيين, وعضو في نقابة الفنانين العراقيين, وعضو الهيئة التحضيرية لنقابة الفنانين في البصرة, وهو معد ومقدم البرنامج التلفزيوني (مواهب من الجنوب), والبرنامج التلفزيوني (عالم النغم), وشارك في المهرجانات الموسيقية في روسيا, وتونس, وألمانيا, والجزائر.
عمل محاضراً لمادة الموسيقى في معهد الفنون الجميلة بالبصرة, وخبيراً موسيقياً, ومحاضراً في كلية الفنون بالبصرة, وارتبط بصداقات حميمة مع مجموعة من الفنانين العراقيين والعرب, نذكر منهم: محمد القبانجي, ويوسف عمر, وناظم الغزالي, وجبار عكّار, وسعدون جابر, وداخل حسن, وأحمد الخليل, وعارف محسن, ورياض أحمد, وفاضل عواد, وياس خضر, ورضا علي, والهام المدفعي, ووديع الصافي, وفهد بلان, والموسيقار أحمد الحفناوي, وكارم محمود, وصالح الحريبي, وعازف الناي محمود عفت.
لحن أوبريت (نيران السلف), وأوبريت (أفراح الموانئ), وأوبريت (دواغ الفرح), وأوبريت (هبط الملاك في بابل), ومسرحية (الأميرة القبيحة), ولحن عشرات الأغاني والقصائد, وله مجموعة كبيرة من المؤلفات الموسيقية. غنى له فؤاد سالم, وعارف محسن, ونوفل عبد الجليل, وعبد الجبار البصري, وحبيب الدوركي, وغنت له ذكرى, وسهى, وأمل خضير, ومائدة نزهت.
يعتكف الآن في بيته على فراش المرض, بسبب الشلل المفاجئ الذي أصاب النصف الأيمن من جسمه النحيل, بانتظار أن تلتفت إليه المؤسسات الثقافية في البصرة لتوفر له العلاج, وتقدم له العناية الطبية اللائقة.
تكلمنا بحزن قبل بضعة أيام عن رحيل الفنان البصري فؤاد سالم, وتحدثنا طويلاً عن خضوع الفنان الكبير (طارق الشبلي) للعلاج بالأشعة الذرية, وها نحن الآن نتحدث عن فارس آخر من فرسان تراثنا الموسيقي, ورائد كبير من رواد الفنون الشعبية البصراوية الأصيلة. آملين أن تنهض الجهات المعنية بواجباتها الوطنية, وتسارع لتوفير العناية والرعاية لرموز العلوم والفنون والآداب, الذين أقعدهم المرض, في هذه المدينة المينائية العائمة فوق أكبر بحيرات الثروات النفطية في عموم كوكب الأرض.

أم غازي امرأة نحتت الصخر بأظافرها – كاظم فنجان الحمامي

من الأمهات المثاليات في البصرة
أم غازي امرأة نحتت الصخر بأظافرها
كاظم فنجان الحمامي
ولِدت (أم غازي) في مدينة ميسان عام 1916, وكانت رحمها الله امرأة فاضلة صابرة مناضلة. التحقت بصفوف الفقراء في منتصف القرن الماضي. واجهت في البصرة مصاعب الحياة غير عابئة بتحدياتها المرهقة وتقلباتها المزاجية المفاجئة, فتحملت ويلاتها ونكباتها من دون أن تطلب العون من أحد, كانت بمفردها عبارة عن فوج ميداني مستقل. حملت عناوين الكفاح والصمود والإباء. عاشت في أوساط منطقة المعقل, متنقلة بين الأحياء الفقيرة, فالتصقت صورتها بذاكرتنا حتى يومنا هذا.
كان زوجها (لعيبي منصور حسين الشميلاوي) من الطبقة العمالية الكادحة, التي تحملت عبء الأعمال المينائية الثقيلة, فاستطاع بفطنته ونباهته أن يصبح عام 1932 رئيسا لمجموعة عمالية مؤلفة من أبناء القرى والأرياف, الذين كانوا يعملون في أرصفة ميناء (المعقل) بأسمالهم القروية البالية. كان عنوان وظيفته المدون في هويته الصادرة عام 1932 هو (تنديل حماميل), والتنديل مفردة هندية تعني رئيس زمرة العمل, أما (حماميل) فهي كلمة عراقية دارجة, تعني (حمالين) جمع حمّال. كان (أبو غازي) مثالا للأب الحنون, والزوج المخلـص، والرجل الشرقي الشريف المتميز بمعاني الرجولة والشهامة، عرفه الناس بمشاعره الوطنية الصادقة.
عقد العزم عام 1947 على الذهاب إلى فلسطين لمشاركة أشقائه (إبراهيم وكريم) في القتال والتصدي للعصابات الصهيونية, التي تزايدت أعدادها وقتذاك, لكنه لم يستطع اللحاق بهما بسبب تعرضه للاعتقال والمكوث وراء قضبان السجن عقابا له على تطلعاته الوطنية التحررية, وهكذا تركوا وراءهم ثلاث أسر بنسائها وأطفالها بلا مُعيل ولا مُعين. وجدت (أم غازي) نفسها مُجبرة على إطعامهم وأكسائهم وتلبية متطلباتهم, فقادها تفكيرها الفطري نحو افتتاح كشك صغير في سوق المعقل (مارگيل) من أجل أن توفر لهم لقمة العيش, ومن أجل أن تنتشلهم من مخالب البؤس والفاقة, ثم افتتحت متجراً صغيراً في سوق (خمسين حوش), وتوسعت أنشطتها عام 1963 فافتتحت متجراً كبيراً في سوق (الأُبُلِّة), المتجر الذي مكثت فيه حتى عام 1990, وهو العام الذي قررت فيه الاستراحة بعدما أعياها المرض وأرهقها الإجهاد, وهي التي لم تفكر يوماَ بمغادرة عرينها حتى في أحلك ظروف القصف الجوي العنيف, الذي صب حممه فوق أحياء البصرة عام 1987.
عملت (أم غازي) على مدار الساعة ابتداء من عام 1947 وحتى وفاتها عام 2009. رحلة شاقة وزعت فيها وقتها وجهدها بين السوق والبيوت المنكوبة, التي كانت ترعاها وتشرف عليها.
لقد تحولت في ختام رحلتها الكفاحية الطويلة إلى راعية لفقراء الحي, تسهر على راحة أبنائها. توفر المؤن للأسر الهاربة من ظلم الأنظمة الإقطاعية الجائرة. تحتضن الأرامل. تُحسن التعامل مع التلاميذ الأيتام الذين لا قدرة لهم على شراء مستلزمات المدرسة, ولسنا مغالين إذا قلنا أنها سبقت الأم (تيريزا) بعقود, وتفوقت عليها بصلابة عودها وقوتها الجسدية الهائلة, فقد تميزت بصبرها في الملمات, وجلدها في الأزمات الصعبة, ومثابرتها التي لا تعرف اليأس.
كانت تمتلك قدرات استثنائية في البيع والشراء, فهي لا تجيد القراءة والكتابة, لكن ذاكرتها الفولاذية قادرة على تنفيذ العمليات الحسابية المضنية, وقادرة على حفظها وتبويبها وتوثيقها. والعجيب بالأمر أنها كانت تعنون حساباتها, وتصنفها بأسماء كوميدية, تبتكرها لزبائنها على وفق علاماتهم الفارقة, من مثل: الأخرس, أبو شوارب, الأبقع, المنكرش, الحرامي, أبو بايسكل, الـﮔصير, الأعرج, المضمد, الإطفائي, الفرار (الهارب).
من طرائف مواقفها, في عام 1985 اشترى منها رجل بطيخة كبيرة (رَقِّية), وكان من متطوعي الجيش الشعبي, فخطفت منه بندقيته الأوتوماتكية (كلاشنكوف) واحتفظت بها كرهينة, ثم طالبته بدفع ما بذمته من مبالغ مترتبة عليه منذ عام 1958. وقف الرجل مصدوماً مندهشاً من ذاكرتها التي لا تتعرض للعطب, حتى هو نفسه لم يكن يتذكر الواقعة, لكنها أقنعته بالأدلة القطعية, ولم يسترد بندقيته إلا بشق الأنفس, بعد أن دفع لها المبلغ كاملاً.
فازت (أم غازي) بألقاب الأم المثالية في حياتها وبعد مماتها, وكان لها الدور الأكبر في تربية أبنائها والارتقاء بمستواهم الأكاديمي نحو الأفضل, تخرج أبنها الأكبر غازي (مواليد 1937) في دار المعلمين, وكان من طلائع النخبة الثقافية المنتخبة, وشاءت الأقدار أن تشهد وفاته عام 2007, فدخلت مجلس العزاء محنية الظهر, شاردة الذهن, تصيح: ولدي. أُريد ولدي. أين ولدي ؟.
لم تكن بهذا الحزن عندما فقدت ولدها الفنان التشكيلي أسعد (مواليد 1955), الذي اغتالته غربان الشر في بيروت عام 1982, ولم تكن بهذا الجزع عندما فقدت ابنها الأصغر مؤيد (مواليد 1957), الذي سقط مضرجا بدمه في معارك شرق البصرة, ولم تكن بهذا الضعف عندما علمت بوقوع أبنها رعد (مواليد 1956) أسيراً عام (1982), ثلاثة من أعز أولادها اختفوا في عام واحد.
لقد عادت بها الذاكرة في شيخوختها إلى اليوم الذي فقدت فيه ابنتها البكر صالحة (مواليد 1939), فاختارت الاعتكاف في بيت أبنتها الصغرى خنساء (مواليد 1960), منشغلة بتربية أحفادها, وعينها على ابنتها الكبرى حمدية (مواليد 1943) تلك المرأة الحديدية, التي ورثت عن أمها وأبيها الصفات الحميدة بخصالها المحمودة, عندما تولت العناية بشؤون أشقائها الأصغر منها في غياب أمها. ثمانية رجال خرجوا من هذا البيت ليحملوا صلابة هذه المرأة وصبرها على الشدائد, أولهم غازي, وآخرهم مؤيد, وأوسطهم حميد وصلاح وصباح ومهدي وأسعد ورعد.
رحلت أم غازي قبل بضعة أعوام, لكنها لم تغادر ذاكرتنا المعقلية المزدانة بأجمل المشاهد, ولن يتلاشى ذكرها من دفاترنا المؤطرة بأروع المواقف النضالية الصادقة.
والحديث ذو شجون

الزبير واحة نجدية بامتياز – كاظم فنجان الحمامي

الزبير واحة نجدية بامتياز
كاظم فنجان الحمامي
لا يمكن التسليم بكل الاستنتاجات الديموغرافية, التي آمنت بها الدراسات السابقة, والمرتبطة منها بعوامل الاستقطاب والنزوح المنتظم بين نجد ومدينة الزبير, فمعظم تلك الدراسات تتمحور حول الدلالات الزمنية للقرنين الميلاديين (التاسع عشر والثامن عشر), متجاهلة العمق التاريخي الطويل الممتد إلى ما قبل الإسلام.
ولا يمكن التعلل بندرة المصادر المكتوبة لتبرير العجز التحليلي في تشخيص الصورة التاريخية بأبعادها الحقيقية, فالتقوقع المكاني, والاختزال الزمني ينسف العلاقات القديمة القائمة في هذا المحور, ويحرم هذه المدينة القديمة من أهم استحقاقاتها الحضارية باعتبارها الرحم, الذي ولدت منه معظم التفرعات النجدية المنتشرة الآن على ضفتي شط العرب, بين الملتقى والمصب.
وإلا بما يفسر الباحثون ظهور المسميات المكانية على الجانب الإيراني من شط العرب, والتي نذكر منها جزيرة (الدواسر) جنوب عبادان (1), ومقاطعة (ﭽويبدة) الممتدة شرق عبادان بمحاذاة ترعة بهمنشير ؟, وبماذا يفسر الباحثون هذا التناظر المكاني المذهل, والتطابق الاسمي العجيب بين الأماكن والمسميات الموجودة في قلب الجزيرة العربية, وبين النسخ المستنسخة منها على ضفاف شط العرب ؟.
أن تكرار أسماء مدن (الفاو والبيشة والدواسر) يعكس صورة المسميات المنقولة(2) من نجد إلى البصرة, فالنجديون الذين استوطنوا منذ قرون جنوب العراق, نقلوا معهم حبهم لواحاتهم ووديانهم ومدنهم التي انحدروا منها, فأطلقوا مسمياتهم المكانية على البقاع الجديدة التي استوطنوا فيها, وبالتالي فأننا نقف اليوم أمام دلالات تاريخية وقبلية وبيئية ومعيشية مشتركة, تكشف لنا عن بعض ملامح الأسرار المدفونة تحت كثبان الرمال الفاصلة بين الزبير ونجد.
فالزبير حلقة الوصل بين العراق والحجاز, والنافذة النجدية المطلة على الطرق المؤدية إلى موانئ الخليج, وبوابتها المزدانة بعطائها الدائم وخيراتها السخية, ولسنا مغالين إذا قلنا أنها بلغت من الشأن التجاري والثقافي والزراعي ما لم تبلغه الكويت والبصرة في مراحل زمنية متفرقة, ساعدها في ذلك ابتعادها عن خطوط المواجهة مع الغزاة, وخلو أجوائها من الأمراض الفتاكة, وتجانس تركيبة نسيجها الاجتماعي, فكانت مدينة الزبير إحدى الروافد الرئيسة, التي تغذت منها المدن العراقية بالرجال عن طريق موجات التدفق السكاني المتواصل, حتى استقرت قبائل (زبيد), و(العزة) و(طي), و(تميم) في جنوب العراق, فكانت (الخميسية) في (ذي قار) من أكبر المعسكرات القتالية المتقدمة, وكانت مدينة (سوق الشيوخ) من أقوى القواعد السياسية, وكانت مدينة (قلعة صالح) في (ميسان) من أشهر مدن التسويق الزراعي.
وهكذا تحولت مدينة الزبير إلى واحة زراعية, وقلعة علمية, ونافذة اقتصادية, توسعت فيها المراكز التجارية لتأمين حركة القوافل البرية بين البصرة والشام, وتأمين حركة القوافل البحرية بين البصرة والهند, حتى زاد حجم قوافلها البرية على (5000) بعير في بعض الرحلات, وزاد حجم قوافلها البحرية على (30) سفينة في معظم الرحلات, فتوسعت أنشطتها بالطول والعرض, وكانت لها منافذ أخرى (برية وبحرية) على بنادر الخليج العربي, وما سوق (المناخ) في (القرين)(3) إلا نسخة تاريخية للأماكن التي كانت (تُناخ) فيها الجمال القادمة من الزبير والمحملة بشتى أنواع البضائع, وكانت لسوق (المناخ) ارتباطات وثيقة بسوق (المربد), الذي كان مربداً(4) لخيول القوافل ونافذة لتبادل البضائع والمنتجات الزراعية, ثم فُتحت في مدينة الزبير المكاتب المالية لتحصيل الرسوم, والمكاتب التجارية, وتعمقت روابطها بمدن العالم عبر خطوط القوافل للقارات الثلاث (أوربا وآسيا وأفريقيا).
(1)   تقابلها جزيرة أخرى على الضفة العراقية تحمل الاسم نفسه بين الواصلية والفداغيىة.
(2)   الحاج عبد الكريم الملا نوشاد وخلف الشيخ علي. (الإيجاز فيما تشابه من أسماء المدن في العراق ونجد). محاضرة ألقيت في قاعة الخطيب البغدادي, تحت إشراف الهيئة العربية العليا لكتابة تاريخ الأنساب في الأمانة العامة لاتحاد المؤرخين العرب يوم الأحد 28 محرم 1422 هـ , الموافق 22/4/2001 م . ونشرت في موقع كتابات على الشبكة الدولية في 12/7/2004
(3)   القرين هو الاسم القديم للكويت.
(4)   المربد: موقف الإبل ومحبسها, وبه سمي مربد البصرة في مدينة الزبير.

ميادة في دلتا شط العرب – كاظم فنجان الحمامي

ميادة في دلتا شط العرب
كاظم فنجان الحمامي
نفرح كثيرا عندما تكرس إحدى طالباتنا وقتها كله لدراسة حوض شط العرب, أو عندما تتناول أي مقطع من مقاطعه, ونفرح أكثر فأكثر عندما ينصب اهتمام أساتذتنا في جامعة البصرة على تحليل الظواهر الطبيعية السائدة في سواحلنا وممراتنا الملاحية.
وهكذا كان للأستاذ الدكتور (بدر نعمة عكاش) الفضل الكبير في تزويدي بنسخة من الدراسة الموسومة (تكامل المعلومات الجيمورفولوجية وتقنيات التحسس النائي لدراسة دلتا شط العرب) لطالبة الماجستير (ميادة محمود عبد القادر).
المؤلم في هذا الموضوع أن مؤسساتنا الوطنية العاملة في دلتا شط العرب لا تكترث بما تنجزه جامعاتنا ومراكزنا العلمية من بحوث ودراسات عن هذه المنطقة. بمعنى أننا نقف منذ زمن بعيد أمام حالة فريدة تتنافر فيها العلوم النظرية مع الممارسات الميدانية, وتتباعد فيها آليات القياس والتحليل والتشخيص عن آليات رصد المتغيرات الحدودية في مناطق السيادة البحرية.
عندنا أزمة حقيقية بين محاور التعمق العلمي وبين سياقات التسطيح التطبيقي, وعلى وجه الخصوص في هذه المنطقة المتأثرة بمعاول الهدم والبناء والترسيب والنحت والتعرية والانحراف والانجراف, وما إلى ذلك من متغيرات ملموسة بين رأس البيشة ورأس البرشة, وبين خور (الخفقة) وخور (عبد الله).
تعزف (ميادة) في دراستها على آلاتها الاوركسترالية الاستشعارية بإيقاعات متقنة تتناول كل المقامات العلمية المتاحة, لكن جماعتنا لا يسمعون عزفها, ومعظمهم لا يفهمون لغتها التوضيحية المعززة بالخرائط والصور الجوية.
وربما شملت هذه الأزمة (ميادة) نفسها من دون أن تدري, فنراها تقرأ كل ما كتبه علماء الجيولوجيا والجيمورفولوجيا, وتمعن في دراسة خرائطهم وجداولهم, لكنها لا تقرأ خرائطنا البحرية الأدميرالية المعروفة بدقتها المتناهية, ولا تدري بما سجلته الفرق الهيدروغرافية الملاحية في دلتا شط العرب, فلم تتطرق إلى دراسة (نديكو), ولا إلى دراسة (سيديكو), ولا إلى دراسة (تخنواكسبرس). ولم تصلها حتى الآن دراسة شركة (شل) البريطانية, التي أنجزتها في العام الماضي عن دلتا شط العرب, بموجب العقد العلمي المبرم بينها وبين مؤسسة (فيرغو), والتي استعانت في تنفيذ مشروعها بتقنياتها الفضائية وأقمارها الاصطناعية وأجهزتها الاستشعارية المرهفة الحس.
لا ذنب هنا (لميادة), بل ذنب مؤسساتنا الوطنية التي لم تشرك معها مؤسساتنا الجامعية, ولم تعرها أهمية.
مما لا ريب فيه أن الموانئ العراقية لا تبخل بشيء على مؤسساتنا الجامعية, لكننا نوجه اللوم هنا إلى مؤسساتنا النفطية, التي ماانفكت تواصل البحث والتحليل والدراسة في هذه المقاطع الساحلية الحيوية, مستعينة بأحدث الفرق المتخصصة بهذا الأمر, لكنها تستلم النتائج باليد اليمنى, وتخفيها باليسرى, بينما تجري (ميادة) وراء السراب, وتحفر في الصخور الوعرة من أجل الحصول على معلومة بسيطة واحدة, تستدل بها في الكشف عن أسرار دلتا شط العرب.
من يقرأ آخر ما كتبته (ميادة) عن دلتا شط العرب, يشعر بالفخر والافتخار, لكننا نقول لمؤسساتنا الوطنية: لماذا لا تفتحوا لها مغاليق دراساتكم الحديثة المخزونة في صناديقكم المحكمة, وما الضير من جعلها في متناول (ميادة) حتى نعرف منها حجم الانكماش الذي بلغته سواحلنا, وحتى نشركها معنا في سبر أغوار مستقبلنا البحري الغامض.
لقد قدمت لنا (ميادة) دراسة رصينة, أنجزتها في العام الماضي بإشراف الأستاذ الدكتور (بدر نعمة عكاش), و(أ. م. د. سحر طارق الملا), طبعتها بكتاب جميل في دار مكتبة البصائر, لتضعه في متناول أيدينا, لكن جماعتنا لا يسمعون تواشيح مغنية الحي, ولا يريدونها أن تطربهم.

عراقي يحرز أرفع درجات القانون البحري

عراقي يحرز أرفع درجات القانون البحري
كاظم فنجان الحمامي
شاب عراقي واعد خرج من ضواحي البصرة, وشق طريقه بصمت نحو المراكز المتقدمة, ليحرز أعلى المؤهلات العلمية والأكاديمية في التشريعات البحرية الدولية, فتألق في هذا المضمار من دون أن تعلم به المؤسسات الأكاديمية العراقية, ومن دون أن تستشيره وزارة الخارجية في صياغة اتفاقياتها البحرية المبرمة مع دول الجوار, ومن دون أن تكتب عنه الصحافة, ومن دون أن تتصل به فضائياتنا لتناقشه على ما آلت إليه سواحلنا المنكمشة نحو الداخل.
حصل حتى الآن على أعلى الشهادات في التشريعات البحري, كان آخرها شهادة صادق عليها (باراك أوباما) بتوقيعه وبخط يده, وأمضاها وزير الخارجية الأمريكي بنفسه.
تلقى (علي عباس خيون الناصري) تعليمه الجامعي الأولي على يد الأستاذ الدكتور هاشم الجزائري, الذي يعد من أفضل أساتذة القانون البحري في جامعة البصرة, فبدأ مشواره العلمي بشهادتين جامعيتين من جامعة البصرة, كانت الأولى بكالوريوس القانون (1996), والثانية بكالوريوس اللغة الانجليزية (2003), ثم التحق عام (2006) بمعهد القضاء البحري العالي(1) في جزيرة مالطا, وهو من أعلى المعاهد البحرية, التي تديرها وتشرف عليها المنظمة البحرية العالمية(2), فكان العراقي الأول والوحيد الذي اشترك في برامج هذا المعهد القضائي العالي.
واصل (علي) مشواره العلمي عام (2011) في الولايات المتحدة, فحصل على القبول في برنامج (همفري)(3), وهو من برامج التبادل التعليمي الأمريكي, المعروفة باسم (الفولبرايت)(4), التي تعد من أعقد وأصعب البرامج العلمية من حيث المدة والمواد الدراسية والتكاليف.
صُممَ برنامج (همفري) لرعاية الكفاءات الواعدة في مجالات القانون والطب والهندسة والعلوم الزراعية, بهدف تطوير مهاراتهم الفردية عن طريق التدريب العالي المكثف, وليس من السهل الاشتراك في مثل هذه البرامج لما تتضمنه من شروط واختبارات مرهقة.
يخضع المتنافسون في البرنامج لأطول وأصعب الاختبارات, التي قد تمتد لعام كامل, لكنه تجاوز العقبات كلها, وتم قبوله عن جدارة واستحقاق, فكان أول العراقيين المقبولين في البرنامج, قال له رئيس اللجنة العليا بعد اطلاعه على إضبارته: أنك من المؤهلين تلقائيا, ولا تحتاج لهذا البرنامج, فرد عليه (علي): كلا يا سيدي أنا في أمس الحاجة لدراسة التعاقدات الدولية, التي سأحمي بها بلدي عندما تسنح لي الظروف لخوض نزالات التفاوض مع الأطراف الخارجية, وهكذا قبلوا (علي) من بين (2500) مرشح من مختلف دول العالم.
كانت محطته الأولى في جامعة (فرجينيا), فانتهزت الجامعة وجوده هناك, وطلبت منه إلقاء محاضرة عن القوانين القديمة, التي شرعها العراق في وادي الميزوبوتاميا, باعتباره الحاضنة الكونية لكل الحضارات الإنسانية, ثم ألقى محاضرة أخرى في الجامعة نفسها عن الدور الريادي للموانئ العراقية في تعزيز قوة الاقتصاد الوطني, وأنجز أفضل أبحاثه في فرجينيا, وكان بعنوان: (الاتصالات – مفتاح القيادة الناجحة)(5).
تخرج في فرجينيا بتفوق, ثم باشر بخطوته التالية في برنامج (همفري), فكانت كلية (واشنطن) للقانون هي المحطة الثانية, التي حط رحاله في رحابها, وكانت محاضرته القانونية, في هذه الجامعة العريقة, عن التجاوزات الحدودية في مياهنا الإقليمية العراقية, ثم تناول موضوع (ميناء مبارك) في ثلاث محاضرات منفصلة, كانت بعنوان (مشكلة ميناء مبارك الكبير)(6), ومحاضرات أخرى عن تشريعات الإرشاد البحري في الموانئ العراقية, وأخرى عن سندات الشحن, جمعها كلها في بحث قانوني واحد, تقدم به إلى عمادة الكلية كجزء من متطلبات درجة الماجستير, وهي شهادة الماجستير الثانية التي حصل عليها حتى الآن.
وشاءت الأقدار أن تختاره الولايات المتحدة ضمن الفريق القانوني الدولي المؤلف من ستة قانونيين للإشراف على سير انتخابات الرئاسة الأمريكية يوم 6/11/2012, وكان الفريق برئاسة البروفسور (باستوري), المستشار القانوني للرئيس الأمريكي الأسبق (كارتر), وهكذا أصبح (علي) من بين المشرفين على وقائع الانتخابات في واشنطن, وفرجينيا, وميرلاند (8).
وسعيا منه وراء نيل المهارات الحقلية, عمل في وزارة النقل الأمريكية الاتحادية, لمدة ثلاثة أشهر, قدم خلالها دراسة مقارنة بين لوائح الإرشاد البحري في العراق ولوائح الإرشاد الأمريكية, ثم عمل مؤقتا في مكاتب شركة (بلسبري), وهي من كبريات الشركات القانونية.
زار المحاكم الأمريكية, وأطلع على سياقات عملها, ثم زار الجناح القانوني في مكتبة الكونغرس الأمريكي, وقام بزيارات متواصلة لبرلمان ولاية (ميرلاند), فحضر بعض جلساته, ثم اشترك في ورشة العمل الخاصة بالاستثمار في العراق برعاية السفارة العراقية في واشنطن.
أما شهادته التي وقعها الرئيس الأمريكي (باراك أوباما) فكانت من برنامج (همفري) بتاريخ 6/5/2013, وتجدر الإشارة هنا, أنه حصل على الماجستير أيضاً في قانون الأعمال التجارية الدولية(7) بتاريخ 13/8/2013, متفوقا على زملائه الذين جاءوا إلى أمريكا من مختلف بلدان العالم, والذين وفرت لهم بلدانهم الدعم المادي والمعنوي, ومنحتهم حرية تمديد الوقت, بينما انحصرت مدة صاحبنا بعام واحد, وبإجازة سنوية من دون راتب.
حصل (علي) أيضاً على درجة الماجستير (العامة) في الدراسات القانونية الدولية(9), وحصل على شهادة تخصصية في اللغة القانونية الانجليزية من جامعة واشنطن, وشهادة البرنامج التأهيلي الخاص في اللغة والمهارات القيادية من جامعة فرجينيا.
كم أتمنى أن تتغير سياسة أصحاب القرار في العراق, فيسلكوا سلوك المدربين الرياضيين في ملاعب كرة القدم, الذين دأبوا على تحسين أداء فرقهم الرياضية من خلال مساعيهم الحثيثة في البحث عن أفضل الهدافين, وأقوى حراس المرمى, وأسرع المهاجمين, وأكثرهم مرونة ورشاقة وشهرة.
عندئذ ستكون لصاحبنا (علي عباس خيون الناصري) أكثر من فرصة للعمل كمستشار في مجلس النواب, أو كخبير في وزارة الخارجية, أو كباحث في ديوان الرئاسة, أو يعمل رئيسا للجان الاستثمار البحري, أو رئيساً للسلطة البحرية, أو مديراً لقسم العقود البحرية في مؤسساتنا النفطية, أو ربما ترسله الدولة على نفقتها لنيل شهادة الدكتوراه في اختصاصه, لكنه وبوضعه السياسي المستقل سيجد الأبواب موصدة أمامه في البلد, الذي ضاعت فيه معايير تقييم الكفاءات النادرة في خضم المحاصصات الطائفية والحزبية.
(5)   COMMUNICATION: THE KEY FOR SUCCESSFUL LEADERSHIP.
(6)   MUBARAK GRAND PORT PROBLEM.
(7)   INTERNATIONAL BUSINESS LAW.
(9)   INTERNATIONAL LEGAL STUDIES.

ناصر خان وكتيبته الهندسية المينائية

ناصر خان وكتيبته الهندسية المينائية
كاظم فنجان الحمامي
عرفناه مديراً لقسم الشؤون الهندسية في الزمن الذي كان فيه هذا القسم يحتل الجناح الأهدأ من أجنحة البناية التي صممها والده, وأشرف على مراحل بنائها بنفسه.
في هذا الجناح يبسط الهدوء سلطته المطلقة على الأروقة المشغولة بمتابعة تنفيذ المشاريع المينائية الثقيلة, بينما تتوزع الدوائر الأخرى التابعة للقسم بين (أم قصر) و(خور الزبير), و(الفاو), و(الجبيلة), و(الموانئ النفطية), حيث ينتشر المهندسون في كل المحاور الميدانية.
كان رئيس المهندسين (ناصر خان) هو المايسترو المختص بقيادة الكتيبة الهندسية الساهرة على توفير الدعم والإسناد لكل العمليات المينائية والملاحية في قاطع الموانئ العراقية.
جودة الأعمال تفصح عن الأصالة
تعود جذور والد الأستاذ (ناصر خان) إلى إقليم البنجاب في الهند, فوالده هو رئيس المهندسين (محمد خان) من مواليد إقليم البنجاب في الهند عام 1901, من أسرة معروفة بالتزامها الديني, وتوجهاتها العلمية والفقهية, وهو ابن السيد (محمد علي خان) المولود في الهند عام 1881, وهو بريطاني الجنسية, من أشهر تجار السكر في البنجاب. متزوج من الأميرة (سرور) أحدى بنات الوالي البنجابي وتحمل الجنسية البريطانية أيضاً.
ولهذه الأسرة تفرعات واسعة, موزعة على الرقعة الجغرافية الممتدة من البنجاب إلى أفغانستان, حتى تصل إلى عربستان, وديالى في العراق.
كان الجد الأكبر (محمد علي خان) يريد من أبنه (محمد خان) التفرغ لدراسة الفقه, لكن الابن اختار الدراسات الهندسية التطبيقية, التي كان مهووساً بها, فشد الرحال إلى لندن, عاقداً العزم على نيل أرفع الدرجات العلمية في هذا المضمار, واستطاع بصبره ومثابرته أن يحقق رغباته الدراسية معتمداً على مواهبه الرياضية, وما أن حُسمت الحرب العالمية الأولى لصالح الحلفاء, حتى كان المهندس الشاب (محمد خان) أول الوافدين على العراق, وفي طليعة المهندسين العاملين في الشركات البريطانية المكلفة بمد خطوط السكك الحديدية بين بغداد وتركيا, فاتخذ من مدينة (كركوك) محطة مؤقتة لإقامته.
ارتبط هناك بصداقة وثيقة مع (الملا علي أخوان) صاحب أول صيدلية في كركوك, وهو الذي قام بتزويجه من ابنة الدفتردار التركماني (علي أفندي), فعقد قرانه على الآنسة (خيرية), ورزقا في كركوك بابنهما البكر (مصطفى كمال), ثم انتقل مع أسرته الصغيرة إلى جنوب العراق حيث المشاريع الهندسية والمعمارية الجديدة.
سافر بعدها إلى عربستان, وحط الرحال في مدينة الناصرية ( ونعني بها ناصرية الأحواز المناظرة لناصرية العراق), فتعمقت علاقاته بأمراء قبيلة كعب, وكان من المرحب بهم في بلاط الشيخ خزعل, وقيل انه كان يرتبط به بوشائج القربى البعيدة, إلا أننا لا نعرف حتى الآن صلة القربة بينهما.
رًزق (محمد خان) في الرابع عشر من شهر شباط (فبراير) عام 1931 بابنه الثاني (ناصر), الذي حمل أسم (الناصرية), لكن محل ولادته مسجل رسميا في محلة القشلة بالبصرة, ورُزق فيها بابنته البكر (بدرية).
غادر الأحواز بعد مقتل الشيخ خزعل, فعاد إلى البصرة, وأستقر في بداية الأمر في المنازل القريبة من سوق (بن دانيال) اليهودي, والذي يطلق عليه عامة الناس (سوق بندانير) القريب من مدرسة (المربد) الابتدائية في العشار.
سافر (محمد) إلى إمارة البحرين تلبية لدعوة خاصة من حاكمها الشيخ (حمد بن عيسى بن علي آل خليفة), لوضع اللمسات الحضارية لأول مطار في البحرين, فخصص له الشيخ جواداً يتنقل على صهوته في موقع المشروع.
كافأته الحكومة العراقية, فأصدرت مرسوماً ملكياً بمنحه الجنسية العراقية في الثامن من شهر شباط (فبراير) عام 1942 تقديراً لخدماته الجليلة في أرض الرافدين, وكان من خيرة المهندسين الرواد الذين أسهموا في نهضة الموانئ العراقية, وفي تشييد مقرها الجديد في المعقل, وكانت له إسهامات أخرى في بناء المساجد والجوامع التي ظلت شاخصة في منطقة المعقل حتى يومنا هذا.
اجتمع به مدير عام الموانئ في عصرها الذهبي (الأستاذ مزهر الشاوي), وطلب منه استنفار جهوده الهندسية وتوظيفها في تنفيذ مشروع ميناء (أم قصر) بأرصفته وسقائفه ومعداته, وتعبيد الطرق المؤدية إليه, في الزمن الذي كانت فيه هذه المنطقة عبارة عن صحراء جرداء مهجورة. يحاصرها البحر من شرقها وجنوبها, ويطوقها البر من غربها وشمالها, فكان رئيس المهندسين (محمد خان) أول من خيم  هناك ليفتتح نافذة جديدة للعراق على بحار الله الواسعة.
أكتمل مشروعه على الوجه الأكمل, لكنه لم يكن متواجداً في اليوم المقرر لافتتاحه على يد الزعيم عبد الكريم قاسم, فقد توفاه الله, وكان الميناء الجديد خاتمة أعماله الجليلة, فحزنت البصرة على فراقه, وودعته إلى مقبرة الحسن البصري في موكب مهيب شارك فيه وجهاء المدينة, وشاءت الأقدر أن يأتي من بعده أبنه (ناصر خان) ليكمل مسيرته المينائية في بناء الأرصفة الشمالية.
أما أولاده وبناته فهم: مصطفى كمال, الذي توفاه الله في طفولته, ثم الأستاذ ناصر, ثم الأستاذة بدرية, وهي من المربيات الفاضلات, وزوجة الأستاذ علي التميمي ومديرة لمدرسة ابتدائية, ثم الأستاذ قاسم, الذي كان مديراً لإدارة شركة نفط البصرة, ثم الأستاذة فوزية, وهي زوجة المهندس عادل الشاطي, ومديرة لمدرسة ابتدائية, ثم اللاعب العراقي الدولي والمدرب الوطني الكفء في ملاعب كرة السلة الأستاذ (علي خان), ثم خبير المعادن والسباكة الفنان (أكرم خان).
على خطى والده
عاش (ناصر بن محمد بن محمد علي خان) في البصرة ودرس في مدارسها الابتدائية والثانوية, ثم التحق بجامعة بغداد, وأكمل دراسته الجامعية في كليتها الهندسية عام 1952, ثم سار على خطى والده في المسارات العلمية الشاقة, متغرباً في المملكة المتحدة لإكمال دراسته العليا في الهندسة.
حصل على شهادة الماجستير, والدبلوم من جامعة (أمبيريل) في لندن عام 1955, متخصصاً في أعمال الأرصفة البحرية, ثم باشر عمله كمهندس أعلى بالموانئ العراقية عام 1956. عمل تحت إشراف والده في بناء الأرصفة التجارية  لميناء أم قصر عام 1961, وهو المشروع الأول والأخير الذي اشترك فيه الأب والابن في مضمار واحد. ارتقى بعد اكتمال ميناء أم قصر إلى درجة (رئيس مهندسين), وحصل على الزمالة العليا (FICE) من نقابة المهندسين البريطانيين عام 1975.
أصبح في العام نفسه عضواً أصيلاً في مجلس إدارة الموانئ, ومديراً عاماُ لخدماتها المهنية, فتحمل مسؤولية تنفيذ التصاميم الهندسية, والمشاريع المينائية بكل تفاصيلها المرتبطة بالاتصالات السلكية واللاسلكية, وأعمال صيانة السفن والمعدات الآلية, وإصلاح عطلات الرافعات المينائية, ومعدات المناولة والأجهزة الالكترونية, وإصلاح السقائف والمخازن وواقيات الأرصفة وأنظمة الحماية الكاثودية, وبناء أبراج الاتصالات وأبراج السيطرة الملاحية, ثم أصبح مديراً لدائرة الشؤون الهندسية بكل أقسامها وشعبها وتفرعاتها, وظل في منصبه العالي حتى عام 1992 عندما أُحيل إلى التقاعد بناءً على رغبته الشخصية, ثم غادر العراق عام 1996, واستقر مع أولاده (محمد وفراس) في مدينة جدة بالمملكة العربية السعودية.
بصماته في الموانئ العراقية والعربية
ترك الراحل ناصر خان بصماته الهندسية على واجهات الموانئ العراقية والعربية, والتي ظلت شاهدة على براعته الهندسية حتى يومنا هذا, نذكر منها تصاميمه الذكية لمشروع الأرصفة العشرة في ميناء أم قصر, وتصاميمه لأرصفة الحاويات, وتنفيذه لمشاريع محطات تحلية المياه, وشبكات مياه الشرب, ومجاري الصرف الصحي, ناهيك عن مجموعة كبيرة من المباني الحكومية والمدرسية والمراكز الخدمية.
شارك أيضاً في تصميم الأرصفة التخصصية لميناء خور الزبير, وترك لمساته الهندسية على منظومات الأحزمة الناقلة لحبيبات الحديد الأسفنجي, وأكياس اليوريا والأسمدة الكيماوية, ومواد الفوسفات والكبريت الصب, وهو الذي صمم المنطقة الحرة بمكوناتها الهندسية المرتبطة بالأرصفة.
أما أعماله في الموانئ العربية فقد أبتدئها بتأسيس مكتب (المربد) الهندسي في عمان, وقام بإعداد دراسة لتطوير حوض بناء السفن في ميناء عدن, ودراسة الجدوى الاقتصادية لتعميق المسارات الملاحية المؤدية إلى الأرصفة العدنية, وإنشاء الحواجز البحرية في الميناء, وبناء صوامع الغلال في المنطقة الحرة بعدن بتكليف من شركة سعودية, واشترك بمجموعة من الأعمال والمشاريع الهندسي لبعض الموانئ العربية والأجنبية تميزت بدقتها وموسوعيتها.
أنشطته العلمية والتطويرية
شارك الراحل في معظم المؤتمرات الهندسية والبحرية المقامة في العراق, وأنجز مجموعة كبيرة من البحوث والدراسات, نذكر منها مؤتمر مكافحة التلوث البحري المنعقد عام 1971 في الدانمارك, والمؤتمر الدولي حول إدارة الموانئ والمرافئ المنعقد في اليابان عام 1980, والمؤتمر المينائي الدولي المنعقد عام 1997 في أمستردام هولندا, أما دراساته المكتوبة باللغة الانجليزية فهي:
·        An Experimental Investigation of Shear  Strength of Plastic hinge in Reinforce Concrete 1955
·        Port Management and Cargo Handling 1986
·        Design High Strength Concrete  1990
طلائع الكتيبة الهندسية الثالثة
لقد قاد المهندس الجد (محمد خان) كتيبته الهندسية الأولى في الربع الأول من القرن الماضي, وجاء من بعده المهندس الأب (ناصر خان) ليكمل المسيرة الإبداعية ابتداءً من منتصف القرن الماضي وحتى نهايته, ثم جاء المهندسون (محمد خان), و(فراس خان) ليواصلوا السير في الألفية الثالثة على النهج الذي خطه الأجداد والآباء.
أسرة نموذجية أسسها الراحل (ناصر) في البصرة بزواجه الموفق من بنات إحدى العوائل الكريمة في الرابع والعشرين من الشهر الأول عام 1959.
رزقه الله بابنه الأكبر (محمد), الذي درس الهندسة في جامعة (ساوث هامبتون), يعمل حالياً في السعودية, ثم أبنه الثاني (فراس), الذي درس الهندسة أيضاً في جامعة البترول والمعادن بالظهران, ثم التوأمان (بان وأحمد), اللذان اختارا دراسة الطب, فتخرجا في جامعة البصرة, وأكملا دراستهما في أمريكا.
انتقل الأستاذ الكبير (ناصر خان) إلى رحمة الله في الثامن عشر من تموز (يوليو) من عام 2006, وكانت وفاته بمدينة جدة في السعودية, وبموته انطفأت شعلة أخرى من مصابيح فناراتنا المشرقة التي أضاءت أبراج الموانئ العراقية ردحاً من الزمن.

عبد الرزاق عبد الوهاب علي

عبد الرزاق عبد الوهاب علي
فارس حكيم وقف في مواجهة التحديات الصعبة
فنجح في انتشال الموانئ من تحت الأنقاض
 
كاظم فنجان الحمامي
هذه حكاية الرجل الشهم الذي وجد نفسه واقفا في نهاية عام 1988 بين مخلفات الغارات الجوية الضارية, وأنقاض هجماتها الحربية المتعاقبة, التي سحقت الموانئ العراقية, ودمرتها تدميراً شاملاً, فنسفت أرصفتها, وحطمت سفنها, وهشمت فناراتها, وأحرقت سقائفها, وخربت رافعاتها, وبعثرت مواردها, وهبطت بمستوى قواها العاملة نحو الركود, وطمرت ممراتها الملاحية بالأطيان والغوارق.
رجل كُفء يمتلك المواهب الهندسية والخبرات الميدانية, وجد نفسه واقفاً وسط أكوام من الركام والرماد والغوارق, ووجد نفسه واقفاً بين صفوف تشكيلات مؤسسة مينائية عملاقة, لكنها كانت وقتذاك مؤسسة عاطلة معطلة, فقدت قدراتها المينائية والملاحية تماماً, ولم تعد تمتلك الحد الأدنى من طاقاتها التشغيلية, خصوصاً بعد أن خسرت أكثر من ثلثي ملاكاتها التشغيلية التخصصية.
رجل وطني غيور وجد نفسه واقفاً تحت ضغوط وأعباء وتداعيات التركات الثقيلة المرهقة, التي كانت تستدعي استنفار طاقات الشركات الأوربية كلها لإسعاف ما يمكن إسعافه, وانتشال ما يمكن انتشاله من تحت الرماد, ووجد نفسه واقفاً أمام تحديات أخرى تتطلب منه إنعاش الموانئ, والعودة بها بقوة وبسرعة وبكفاءة عالية, حتى تكون مؤهلة لخوض غمار حلبة التنافس المينائي في حوض الخليج العربي.
هذه حكاية المهندس المبدع الذي انبرى لإدارة الموانئ للمدة من 20/10/1988 لغاية 5/9/1994, وهي أطول فترة قضاها مدير عراقي منذ عام 1953, العام الذي تحولت فيه إدارة موانئنا من الإدارة البريطانية إلى العراقية, على يد الراحل (محمد سعيد القزاز), وثاني أطول فترة في تاريخها بعد الكولونيل (السير جي سي وورد), الذي مكث في موقعه مديراً عاماً للموانئ من عام 1919 إلى عام 1943, وبالتالي فأننا نتحدث هنا عن مرحلة حرجة, تعد في نظري بمثابة الولادة الثانية للموانئ العراقية, لأنها الولادة التي انطلقت فيها من الصفر لتسجل أرقاماً قياسية مذهلة, لا تخطر على البال, لذ فإننا سنتحدث بإسهاب عن عودة الروح لمنشآتنا المينائية المعطلة, وكيف استردت أنفاسها بالتدريج, حتى استعادت عافيتها بالكامل.
لقد سمعته يردّد ولأكثر من مرة: (كم تمنيت أن يوفقني الله, ويوفر لي مستلزمات النجاح, فأنهض بالموانئ إلى المستوى الرائع الذي كانت عليه في الخمسينيات, وأعود بها إلى الزمن الجميل, الذي ازدهرت فيه على يد الراحل مزهر الشاوي).
الموانئ قبل عام 1980
يتعذر علينا أن نقدم للقارئ الكريم صورة وصفية واضحة المعالم, نرسم فيها ملامح الانهيار الذي أطاح بقدرات الموانئ, وهبط بمؤشراتها نحو الصفر بعد عام 1980, ما لم نتطرق إلى قدراتها وطاقاتها ومستواها الأدائي في المرحلة التي سبقت اندلاع حرب الخليج الأولى.
كانت الموانئ حتى الشهر التاسع من عام 1980 تعمل بوتيرة متسارعة, وبقدرات تشغيلية استثنائية, لا تخلو من القرارات الارتجالية, ولا تخلو من الأساليب العشوائية في التعامل الحازم مع بعض الحالات المستعصية, التي فرضتها وقتذاك تداعيات مشكلة الاكتضاض, وما نجم عنها من تكدس مئات السفن التجارية في منطقة الانتظار, والتي تصاعدت فيها المعدلات الزمنية للانتظار, حتى تجاوزت حاجز الستة أشهر.
كان إجمالي القوى العاملة عام 1980 في حدود (22000) مُنتسب, وكان أجمالي المعدات المينائية والبحرية بكل أنواعها في حدود (1000) قطعة, تشمل الرافعات الثابتة والمتحركة والشوكية, وتشمل الحاضنات والسيارات والشاحنات والباصات والحوضيات والبلدوزرات.
كان عدد الأرصفة العاملة في المعقل وأبي الفلوس وخور الزبير وأم قصر والفاو والمعامر, والمراسي الوسطية الصالحة لتفريغ حمولات السفن على العوامات المثبتة في مناطق الخورة والصنكر وأبي الخصيب في حدود (40) رصيفاً ومرسى.
وكانت طاقاتها الإجمالية لا تقل عن (12) مليون طن سنوياً, وكانت شبكات الماء والكهرباء والإطفاء والهاتف جميعها صالحة, وتعمل في أوضاع جيدة وأحياناً مقبولة, بينما كانت الممرات الملاحية لشط العرب في وضعها التشغيلي الطبيعي, وكان غاطس السفن المسموح لها بالدخول في حدود ثمانية أمتار ونصف المتر, بينما كان غاطس السفن المسموح لها بدخول قناة خور عبد الله في حدود (12) متراً في الجزر الواطئ.
أما الزوارق والسفن والوحدات العائمة التابعة للموانئ فكانت في حدود (80) قطعة بحرية, تشتمل على سفن الحفر, وسفن القطر والتنوير والمسح والنقل والخزن وخدمات الأرصفة, وسفن الإرشاد, وجنائب ورافعات عائمة.
الموانئ بعد عام 1988
تردّى مستوى الموانئ وتدهورت أحوالها عام بعد عام, حتى أصيبت بالشلل التام, واستقرت مؤشراتها التشغيلية والإنتاجية في الشهر الثامن من عام 1988 على خط الصفر, فتراجع تعداد مواردها البشرية من (22000) إلى (7000) منتسب, وتناقصت معداتها المينائية والبحرية من (1000) إلى (100) قطعة معظمها عاطلة أو رديئة, في حين تعطلت أنشطة الأرصفة في موانئ شط العرب, وتعرضت محطات السيطرة الملاحية وأبراجها اللاسلكية في الواصلية والفاو للقصف المدفعي الشديد, فتحولت إلى أثر بعد عين, وتعطلت معها المراسي الوسطية والمرافئ الثانوية في هذا المجرى الملاحي الحيوي بسبب الجسور العسكرية الفولاذية المقامة من الضفة إلى الضفة في المقطع المحصور بين الفاو ورأس البيشة, ما أدى إلى انسداد الممر الملاحي في أكثر من موقع, ناهيك عن تعرض حوض منطقة السد الخارجي (قناة الروكا) لسلسلة من الأضرار والعوامل الطبيعية, وبخاصة في منطقة المصب, بسبب توقف عمليات الحفر والتعميق والتهذيب, وغياب الصيانة الدورية, فتغيرت مساراتها, وتردت أعماقها إلى أربعة أمتار, وانحرفت مسالكها, وفقدت فناراتها وعواماتها وعلاماتها الملاحية (الليلية والنهارية), وتراكمت في قيعانها الزوارق والدبابات والطائرات الحربية والكتل الخراسانية, وطفت على سطحها الألغام الحية والمتفجرات غير المنفلقة, وتبعثرت على جنباتها أشلاء السفن التجارية المعطوبة, حتى أصبحت من العلامات الفارقة على طول المجرى الملاحي الممتد من ميناء المعقل إلى ميناء خور العُميَّة, فلم يُسمح للسفن القادمة والمغادِرة بسلوك هذا الممر الملاحي المحفوف بالمخاطر, ما لم تُزلْ الجسور, وتُرفعْ الألغام, وتُنتشل الغوارق, وما لم تخضع المسطحات المائية برمتها للمسح الهيدروغرافي الشامل, وهكذا ظلت موانئ المعقل والفاو والمعامر وأبو فلوس معطلة وغير فاعلة.
لم تكن الممرات الملاحية في خور عبد الله أوفر حظاً من شط العرب, فقد تدهورت أعماقها حتى بلغت سبعة أمتار, ولم تعد قادرة على استقبال السفن الكبيرة, وتراكمت في أعماقها أشلاء السفن والناقلات العملاقة, وتوزعت الأضرار الجسيمة بالطول والعرض حتى شملت الممرات المؤدية إلى ميناء خور الزبير.
أما الوحدات البحرية الكبيرة فقد زُج بها في الحرب, وأسندت إليها الواجبات التعبوية لتقديم الإسناد والدعم البحري فغرقت وتحطمت وجنحت على الشواطئ البعيدة, وتعرض المتبقي منها إلى التلف بسبب التقادم, فخرجت من الخدمة, ولم تتجاوز نسبة الصالحة منها 10% بالمقارنة مع ما كانت عليه عام 1980.
إدارة خلية الأزمة
أدرك الأستاذ عبد الرزاق بفطنته المعهودة, أن لا قدرة له في التصدي وحده لهذا الكم الهائل من الأزمات الموروثة والمشاكل المستعصية, وأدرك انه لن يحرز النجاح في تنفيذ مهمته على الوجه الأكمل ما لم يستعن بفريق من الخبراء والاختصاصيين, إذ يتعذر على أي قائد أعزل أن ينبري وحده لإزالة هذه التراكمات الثقيلة من دون أن يشكل خلية مركزية لإدارة الأزمة, فسارع إلى تشكيل فرق محورية لتذليل أزمات الموانئ العراقية, وكانت في بداية تشكيلها تتألف من ثلاثة مستويات قيادية:
المستوى القيادي الأول (برئاسته): يتألف من مدير الشؤون الهندسية (الراحل ناصر محمد محمد علي خان), ومدير الشؤون البحرية (رئيس المهندسين عصمت مصطفى, ثم تلاه الدكتور محمد صابر الموسوي), ومدير الشحن والتفريغ (الأستاذ طالب هاشم عباس), ومدير الملاحة البحرية (الربان محسن عبد الله السالم). كانوا يجتمعون مساء كل يوم تقريباً.
المستوى القيادي الثاني (برئاسته أيضاً): يتألف من مدير الدائرة الإدارية والمالية, ومدير التخطيط والمتابعة, ومدير قسم الهندسة المدنية, ومدير الهندسة البحرية, ومدير ميناء أم قصر, ومدير ميناء خور الزبير, ومدير قسم الماء والكهرباء, ومدير المخازن والمشتريات, ومدير الحفر البحري, ومدير الإنقاذ والانتشال. كان يجتمع بهم أسبوعياً, أو كلما دعت الحاجة.
المستوى القيادي الثالث (برئاسته أيضاً): يضم أعضاء الهيئة الاستشارية, ومدراء الدوائر الرئيسة, ومدراء الأقسام كافة, وأصحاب الاختصاص الذين تتطلب الحاجة حضورهم, وكان يجتمع بهم شهرياً.
لقد عمل أعضاء هذه الفرق بتفان وإخلاص, وروح وطنية عالية, وحماس منقطع النظير, كانوا جميعاً في منتهى العفة والنزاهة, وظلت أسمائهم محفورة في ذاكرة الموانئ حتى يومنا هذا, وهم اليوم من الأمثلة النادرة, التي ستحتذي بها الأجيال القادمة.
يعود الفضل كله إلى الأستاذ عبد الرزاق, الذي نجح في استنفار طاقات تلك النخبة المنتخبة من الرجال الأفذاذ, ونجح في توظيف خبراتهم ومهاراتهم ومواهبهم, فوجههم بالاتجاهات الصحيحة طيلة المدة الطويلة, التي أمضاها في مركز القيادة العليا للموانئ, والتي بلغت (2146) يوماً بالتمام والكمال, كان كل يوم من تلك الأيام المتفجرة بالطاقات يرسم في حياته المهنية علامة لا تنسى, ويشكل في سجل الموانئ نقلة نوعية نحو الأفضل. .
بدايات الأسطول الخدمي
كان أسطول الموانئ مدمراً بالكامل باستثناء بعض السفن والزوارق, التي كانت تعمل بنصف طاقاتها التشغيلية, وربما أقل من ذلك, فباشر على الفور بإصلاح ما يمكن إصلاحه من الوحدات المعطوبة, وإعادتها إلى الخدمة, فتبنى حملة هندسية مكثفة في حوض المسفن البحري في (الجبيلة), وحوض المزلق البحري في (الداكير), خضعت فيها السفن الخدمية للإعمار والصيانة الفورية, وكان العمل في الحوضين يجري بوتيرة متسارعة على مدار الساعة, ومن دون توقف, توزعت فيهما الطاقات الإنتاجية على وجبتين مسائية وصباحية, وبساعات عمل إضافية مدعومة بمكافئات وحوافز مالية مجزية, فكانت هي الروافد المثمرة, التي عززت قدرات الأسطول, بما أضافته له من وحدات بحرية صالحة للعمل, بمعدل وحدة بحرية واحدة في الأسبوع.
كان المدير العام مخولاً وقتذاك باستئجار ما يشاء من الوحدات البحرية الخليجية, فاستأجر من دولة الإمارات سفينتين خدميتين من سفن القطر, بقدرة (5000) حصاناً لكل سفينة, أرسلها للعمل في الموانئ النفطية, وأرسل السفن الخدمية الوطنية للعمل في موانئ أم قصر وخور الزبير.
ثم تحسنت قدرات الأسطول عام 1989 بعودة أربع سفن عراقية جديدة كانت محجوزة في ميناء (جيزان), وهي من سفن القطر, التي تبلغ قدرتها الحصانية (3000) حصاناً لكل سفينة, وهي (العلياء), و(الشموخ), و(الانتصار), و(النهوض), فتحركت تلك السفن من ميناء (جيزان) في البحر الأحمر إلى ميناء أم قصر, عبر مضيق باب المندب وبحر العرب وخليج عمان ومن ثم عبر مضيق هرمز فالخليج العربي, في قافلة جماعية طويلة قادها الربان المبدع (عبد المحسن عبد الله السالم), وكانت سفينة الحفر القاطعة الماصة (سيف سعد) من ضمن السفن العائدة من (جيزان), ومن ضمنها أيضاً المسفن البحري العائم (حطين), والجنائب الحوضية المخصصة لنقل الماء والوقود, فأرسل سفينة الحفر (سيف سعد) إلى أم قصر للمباشرة بحفر وتعميق نهر رقم (1), وأرسل سفينتين من سفن القطر الأربع إلى الموانئ النفطية لتحل محل السفن المؤجرة, وخصص سفينتين للموانئ التجارية. كانت هذه هي البدايات الصحيحة التي استعاد فيها الأسطول المينائي الخدمي عافيته.
غوارق وخوانق ومعوقات
تنوعت القطع المغمورة في جوف الممرات الملاحية, وتباينت في أحجامها وأشكالها وأوزانها ومواقعها ودرجات خطورتها, فتبعثرت أشلاء السفن والزوارق والمخلفات الحربية في كل مكان تقريباً, وتكدست الجسور والقناطر الحربية الفولاذية في شط العرب بين الفاو ورأس البيشة, وبات من المتعذر على الزوارق الصغيرة التحرك بحريتها المعهودة, فما بالك بالسفن التجارية الكبيرة الوافدة إلى موانئنا.
كان المدير المسؤول عن إدارة قسم الإنقاذ هو الربان (ثامر والي زنبور), وهو من الربابنة الأذكياء الطموحين, كان يجد في نفسه القدرة على إدارة ما هو أكبر من قسم الإنقاذ والانتشال, فخصص له المدير العام حصة من وقته الثمين للاجتماع بفرق الغوص والغطس, ومناقشة الكابتن (ثامر) بالأمور الفنية والملاحية المتعلقة بكيفية إزالة الغوارق الثقيلة, ووفر له المدير الأستاذ عبد الرزاق ما يحتاجه من دعم وإسناد ومؤازرة, وكانت معظم متطلبات فرق الإنقاذ من ضمن الطلبات المعقولة والمتيسرة, كمعدات الغوص, والأسلاك والأصفاد والسلاسل والمخاطيف, والزوارق المطاطية, ومعدات القطع تحت الماء, وتهيئة معدات السلامة, وصرف الحوافز المالية, وأجور الأعمال الإضافية.
أدرك الأستاذ عبد الرزاق أهمية الارتقاء بمهارات فرق الغوص والانتشال, فأرسل مجموعة منهم للتدريب في ماليزيا على القطع واللحام تحت الماء.
لقد أدى قسم الإنقاذ جهداً رائعاً ومتميزاً, وكان للربان (ثامر والي) دوراً رائداً, ولزملائه في العمل دوراً لا يقل إبداعاً عنه, لكن اندلاع حرب الخليج الثانية عام 1991, وتكرّر غاراتها الجوية الساحقة, أجهضت انجازات قسم الإنقاذ, وأضافت أعباءً جديدة للأعباء القديمة الموروثة من حرب الخليج الأولى.
القائد المناسب في المركز المناسب
لم تتدخل الصدف ولا المحسوبية ولا المنسوبية ولا القرارات الارتجالية في اختيار هذا الرجل الحكيم لانتشال سفينة الموانئ من الغرق, فقد كان يحمل من المؤهلات الهندسية والإدارية والقيادية ما يجعله جديراً بهذه المهمة الصعبة, فكان هو الرجل المناسب الذي شغل المركز المناسب في التوقيت المناسب.
كان قبل أن يأتي إلى الموانئ رائداً ميدانياً موهوباً من رواد الهندسة المدنية في معظم آفاقها التطبيقية الرحبة, كان مبدعاً وطنياً, ثاقب البصر والبصيرة, يمتلك أرفع المؤهلات الأكاديمية, وأغنى الخبرات, وأعلى المهارات, شغوفاً بالتنظيم والانضباط, له قدرات رائعة على التأثير في العاملين من حوله, يتقاسم المسؤولية مع موظفيه, لا يتحرج من استشارة من حوله, يتعامل مع المشاكل أولاً بأول, فيستدل على الحلول الناجعة بأيسر الطرق, يتفنن في توفير أجواء التحفيز والعصف بالطاقات الكامنة, يعرف مفاتيح الدخول إلى عقول العاملين معه.
كان من الطبيعي أن يمنحه عمله الدؤوب في المشاريع الهندسية الخبرات التراكمية المكتسبة, ويمنحه القدرات الاستثنائية في التخطيط الاستراتيجي, وهكذا علمته خبراته الطويلة المكتسبة كيفية التعامل مع الكتل البشرية الكبيرة على الرغم من اختصاصاتها المتنوعة, وعلّمته كيفية التعامل مع المشاكل المستعصية, وكيفية مواجهة المخاطر الداهمة, فوظَّفَ مهاراته كلها في نطاق الحدود الحرجة, وأطلقها لخوض المغامرات المحسوبة المخاطر.
وما أن انتهت الحرب حتى أدركت الدولة العراقية (بعد خراب البصرة) حجم الأضرار الجسيمة التي سحقت بنيتنا التحتية والفوقية في موانئنا الوطنية, وأدركت حجم الفواتير المالية المرهقة, التي يتوجب على العراق دفعها (بالعملة الصعبة) لإدارات الموانئ البديلة في الأردن وتركيا والكويت وقطر, فتوجهت الدولة بثقلها كله نحو الاعتماد على موانئنا والنهوض بها من جديد, فكلفت هذا الرجل بتشكيل لجنة برئاسته وعضوية ممثلين من الوزارات المعنية, كان الراحل (الأستاذ فالح الموسى) يمثل وزارة النقل والمواصلات في تشكيلة اللجنة, التي اجتمعت في صيف عام 1988 لإعداد دراسة مستفيضة عن الأوضاع المزرية للموانئ, وتحديد متطلبات النهوض بها وإعادة تشغيلها, فاستفادت اللجنة كثيراً من معلومات (الموسى) في إعداد التقرير النهائي, وفي تثبيت الاستنتاجات والتوصيات, التي حددت المتطلبات العامة في إطار تشخيصي شامل.
رفعت اللجنة توصياتها المرفقة بالدراسة إلى الجهات المعنية, فصدرت الأوامر المركزية بتعيين الأستاذ (عبد الرزاق عبد الوهاب علي) مديراً عاماً لموانئ العراقية, ومنحته الجهات المعنية صلاحيات وزير من أجل تجاوز العقبات وتنفيذ المتطلبات على وجه السرعة.
لم يكن يحمل في يده أي شيء عندما التحق بالموانئ في 22/10/1988 سوى توصيات اللجنة ومقترحاتها, فاجتمع بمدراء الدوائر الرئيسة بعد التحاقه بالموانئ, كان على رأسهم الراحل (ناصر محمد محمد علي خان) تحاور معهم بشفافية تامة حول سبل النهوض بالموانئ, استمع لآرائهم, سجل مقترحاتهم, ثم طلب من مدراء الأقسام كافة إعداد ملفات خاصة تتضمن احتياجات كل قسم, ومتطلبات النهوض بواجباته, وأوصاهم أن يرفقوا الملفات بكشوفات تحليلية وتفصيلية, على أن تقدم للمناقشة خلال أسبوع من تاريخه, وهكذا تجمعت لديه الملفات والكشوفات والتقارير والجداول والخرائط, فكرس وقته كله لمناقشة مدراء الأقسام , الواحد بعد الآخر, بحضور مدراء دوائرهم الرئيسة, وكانوا في حينها: الأستاذ (ناصر خان) مديراً للشؤون الهندسية, والأستاذ (طالب هاشم عباس) مديراً للشحن والتفريغ, والأستاذ (إبراهيم محمد سعيد) مديرا للشؤون الإدارية والمالية, والأستاذ (عصمت مصطفى) مديراً للشؤون البحرية, ثم استبدل عام 1989 بالدكتور محمد صابر الموسوي, واستبدل الأستاذ (إبراهيم) بالأستاذ (عبد الوهاب النائب) وظل الأستاذ (إبراهيم) مستشاراً للمدير العام.
لقد ساعدته هذه الخطوة كثيراً في صياغة الأفكار الإستراتيجية الناضجة, ورسم المسارات المستقبلية الصحيحة, فنجح في تثبيت تفاصيل خطته التنفيذية, وحدد مسؤوليات الأقسام وصلاحياتها.
سر النجاح والتفوق
لم يكن متعذراً عليه التصدي لمشاكل الموانئ وتعقيداتها, فقد تراكمت لديه خبرات كبيرة بفضل المدة الطويلة التي أمضاها في إدارة وتنفيذ المشاريع الهندسية المتوالية, فلم يكن من الصعب عليه التعامل مع الروتين القاتل, لأنه كان مخولاً بصلاحيات استثنائية واسعة (صلاحيات وزير), أما في الحالات النادرة التي كانت تتجاوز تلك الصلاحيات وتتعداها, فكان يلجأ إلى الجهات العليا ليحصل منها على الموافقات الفورية, التي كانت تأتيه هاتفياً لضمان سرعة الحسم والتنفيذ.
على الرغم من ابتعاد مؤهلاته الهندسية الأكاديمية عن مناهج ومقررات الدراسات البحرية والمينائية والملاحية, لكنه كان واسع الإطلاع في الشأن البحري, لحرصه الشديد على مراجعة الدراسات والإصدارات المتعلقة بإدارة الموانئ وتشغيلها وتطويرها, فقرأ الدوريات التي تصدرها منظمة التجارة والتنمية (الأونكتاد), وقرأ منشورات الموانئ الخليجية, والمنشورات الصادرة من ميناء روتردام, والموانئ الأخرى, ناهيك عن مراجعته للدراسات القديمة التي أعدتها الموانئ في السنوات السابقة.
كان يمتلك أفضل مقومات الثقة العالية بالنفس, لم يكن أنانياً ولا فاسداً ولا مفسداً. لم يستغل منصبه لجني الثروات وإقامة العلاقات. كان صارماً من دون تشدد. لم يكن متردداً في اتخاذ القرارات المصيرية المباشرة. كانت مقرات الدوائر في زمنه خالية من المراجعين والمتطفلين, فالعامل في ورشته, والربان في سفينته, وموظف الميناء في رصيفه, والإداري في مكتبه, كانت الموانئ العراقية في زمنه عبارة عن خلية عملاقة منتجة, تعمل ليل نهار من دون توقف. .
ارتبط بعلاقات مهنية حميمة مع مدراء الدوائر والأقسام, فلم يبخلوا عليه بمشورتهم, ولم يحجبوا عنه خبراتهم, فتلاحموا معه على الصفاء والمودة نحو تعزيز قوة الموانئ, فاستفاد كثيراً من خبرات الراحل ناصر خان, وإبراهيم محمد سعيد, والدكتور محمد صابر, وناظم الأمام, ومحمود صالح عبد النبي, وغازي سعيد, ومحسن السالم, وثامر والي, وعمار مهدي العطية, وصادق جعفر حبش, ورياض عبد الواحد صيهود.
تبنّى نظاماً صارماً في المتابعة, كان يسجل يومياً في دفتر ملاحظاته عشرات النقاط والملاحظات, ويثبت في دفتره عشرات الأعمال التي تستدعي التنفيذ, يتابع تنفيذها بلا كلل ولا ممل, يتحاور في مكتبه مع المعنيين بالأمر, يسجل ملاحظاته عنهم وعليهم سلباً أو إيجاباً, يستخدم الهاتف للتعرف على المواقف اليومية من مصادرها, يخرج من مكتبه كل يوم فيتوجه بمفرده للقيام بجولاته الميدانية في المواقع البحرية والمينائية والهندسية, يستعين دائما بعدد من المتابعين (عيون غير معروفة ولا مكشوفة) للتعرف في الخفاء على ما تقوم به فرق العمل, أو لرصد تحركات لجان المشتريات, لم يستقر في مكتبه في يوم من الأيام إلا لساعة أو ساعتين, بينما يمضي الوقت كله في مواقع العمل, فيتنقل بسيارته بين ميناء أم قصر, وخور الزبير, والمسفن البحري, ومحطات السيطرة, يزور فرق الانتشال والتعويم في مواقعها المينائية, بتابع ما تقوم به سفن الحفر والتعميق, وما تقوم به فرق المسح البحري, لم تكن لديه أي رغبة في تضييع الوقت بالرحلات الخارجية, والإيفادات المتكررة. كان يجد متعة كبيرة في التواجد الميداني بين موظفيه. تراه في حركة دائبة, تتمدد ساعات العمل عنده لأكثر من (16) ساعة يومياً, كان ذلك ديدنه في الأعوام 1988, 1989, 1990, 1991. حتى تعرض للإصابة بذبحة صدرية حددت تحركاته, وقيدت نشاطاته في الأعوام التالية: 1992, 1993, 1994.
أدوات بسيطة وإنجازات باهرة
لا نريد الخوض هنا في تفاصيل الخطط المينائية الإستراتيجية, التي شرع بتنفيذها هذا الرجل, ولا نريد أن يفهم القارئ أننا نقول هذا الكلام من أجل تضخيم الوقائع, وتزويق الأحداث, والنفخ في بالونات الدعاية المدفوعة الثمن لغايات انتخابية, أو لنيل رفعة سياسية, فالرجل الذي نتحدث عنه لا حاجة له بما نقوله أو لا نقوله, فقد تجاوز الرغبات الدنيوية, وانصرف منذ سنوات للزهد والعبادة, وضرب أروع الأمثال في النزاهة والعفة والاستقامة عندما غادر عمله الوظيفي براتبه التقاعدي, من دون أن تكون له أي موارد أو مكتسبات مالية إضافية. لكننا نريد أن ننقل للأجيال القادمة صورة صادقة من صور المواقف الوطنية المشرفة, التي استطاعت أن تنجز المشاريع الكبيرة بأبسط الأدوات وبأقل الخبرات.
لنأخذ على سبيل المثال معطيات ونتائج المرحلة الأولى من مراحل الخطة التنفيذية لإعادة تشغيل الموانئ, والتي حُدِّدَ لها السقف الزمني الممتد من 1/1/1989 لغاية 31/12/1990, فنرى كيف استطاعت أن تصلح أضرار الحرب العراقية الإيرانية كافة, وكيف تضافرت جهود العاملين في دوائر وأقسام ووحدات الشؤون الهندسية, والشؤون البحرية, والشحن والتفريغ بإعداد الكشوفات التفصيلية لمتطلبات إعمار وتشغيل الموانئ, فتكللت تلك المرحلة بسلسة من الانجازات الباهرة, تمثلت بتنفيذ المسوحات الهيدروغرافية الشاملة لأعماق ممراتنا الملاحية الممتدة من ضياء شط العرب إلى مقتربات ميناء البصرة النفطي (ميناء البكر سابقاً), لمسافة تزيد على أربعين كيلومتراً, فنجحت في تحديد أعماقها إلى (22) متراً, ثم قامت بتأثيثها بالعوامات والعلامات البحرية الدالة على مسارات الناقلات العملاقة المحملة بالنفط, والمترددة على موانئنا النفطية في عرض البحر.
تعاقدت الموانئ بعد ذلك مع شركة (غلوبال) البحرية البريطانية لتنفيذ أعمال المسح الهيدروغرافي الدقيق, وأعمال البحث والكشف عن الألغام والمتفجرات والمخلفات الحربية والمدنية الغارقة, وتحديد مواقعها في خور عبد الله وخور الزبير, تمهيداً لتعميقها وتوسيعها وتهذيبها, ثم قام قسم التنوير البحري بتصحيح مواقع العلامات الملاحية المنجرفة والمنحرفة, وتعويض العلامات المفقودة, فتعاملت سفن التنوير مع حوالي (150) عوامة وعلامة بحرية.
ثم تعاقدت الموانئ مع شركتين هولنديتين, هما شركة (فولكرستيفنسن), وشركة (بوسكالس), ممثلة بمقاول واحد يدعى (فولكر بوسكالس), لحفر وتعميق خور عبد الله وخور الزبير وواجهات الأرصفة في حوض نهر رقم (1), وكان من المقرر رفع وإزالة كميات هائلة من الأطيان والرمال المترسبة في القاع, تقدر بنحو (50) مليون متراً مكعباً في مدة لا تزيد على عام واحد, فاختارت الموانئ مكتباً استشارياً يابانياً لمواكبة عمليات الحفر, ورصد نتائجها, وكان مدير قسم المشاريع الهندسية الأستاذ (محمود صالح عبد النبي), ومدير قسم الحفر والمسح البحري الراحل (طالب جاسم) من ضمن اللجنة المكلفة بمتابعة عمليات الحفر.
من نافلة القول نذكر أن المقاول الهولندي طلب وضع مبلغ المقاولة بالكامل في إحدى البنوك الأوربية قبل المباشرة بعمله في العراق, بذريعة عدم ثقته بالقدرات المالية للحكومة العراقية, التي خرجت تواً من حرب ضروس دامت ثماني سنوات, فرفضت الموانئ العراقية هذا الطلب رفضاً قاطعاً, وقررت الحكومة العراقية, لطمأنة الشركة بتوفر مبلغ المقاولة, وضع مبلغ المقاولة البالغ (55) مليون دولار بحساب شخصي, باسم الأستاذ عبد الرزاق عبد الوهاب مدير عاما الموانئ, في مصرف (أمروبانك) الهولندي تُصرف منه استحقاقات المقاول على شكل دفعات تتماشى مع المراحل المُنجزة, والطريف بالأمر أن المكتب الاستشاري الياباني حدد كميات الأطيان المرفوعة بحوالي (40) مليون متراً مكعباً, وهي دون الكمية المقررة بعشرة ملايين متراً مكعباً, فلم يدفع لهم الأستاذ عبد الرزاق المبلغ المتفق عليه, بسبب عدم اكتمال رفع الكميات المقررة, وهكذا استقطع منهم (14) مليون دولار, أعادها أصولياً إلى البنك المركزي العراقي عام 1990.
عاد قسم التنوير البحري لاستبدال (39) عوامة ملاحية من عوامات خور عبد الله بعوامات جديدة, ثم انشغل بصيانة وإنارة (40) عوامة ملاحية من العوامات القديمة, فأصبحت الممرات الملاحية المؤدية إلى موانئنا النفطية والتجارية جاهزة وعلى أتم الاستعداد لاستقبال الناقلات والسفن القادمة. ولأهمية تجهيز سفننا الخدمية بالماء والوقود نجح المعمل الميكانيكي في أم قصر بمعاونة قسم الهندسة البحرية بتحوير بعض الجنائب الصغيرة من سعة (700) طن.
وفي ضوء الكشوفات المقدمة من الأقسام المعنية عن النقص الحاد في معدات الأرصفة ومستلزماتها التشغيلية, قام الأستاذ عبد الرزاق بتشكيل لجنة مؤلفة من ستة أشخاص, برئاسة رئيس المهندسين الراحل (مكي الياسري), أوفدوا جميعاً إلى الكويت, لشراء المواد المطلوبة, وتم تحويل مبلغ (2) مليون دينار, بما يعادل (6,4) مليون دولار عن طريق السفارة العراقية في الكويت, فاشترت اللجنة مجموعة من الرافعات الشوكية, والرافعات المتحركة, واللوردات, والضاغطات, وقطع الغيار الكهربائية والميكانيكية, والأسلاك والأصفاد والسلاسل, والحبال والشباك, شحنت جميعها على جناح السرعة إلى موانئنا, ودخلت الخدمة فور وصولها.
في هذه المدة الزمنية الوجيزة, نجح المسفن البحري, وقسم الهندسة البحرية, بتسفين (25) وحدة بحرية في الحوض العائم, وتسفين (100) وحدة بحرية صغيرة في المزلق البحري, وتسفين (41) جنيبة و(15) دافعة تابعة للنقل المائي, وتسفين وإصلاح سبع سفن حفر, وأربع سفن قطر, وتصنيع (55) طوافة مزدوجة لسفينة الحفر (سيف سعد).
أدركت الموانئ في تلك الحقبة أنها في أمس الحاجة لتعزيز أسطول سفن الحفر بسفينة إضافية من النوع الماصة الخازنة بسعة (2000) متراً مكعباً, فأوفدت لجانها الهندسية والملاحية التخصصية إلى ألمانيا لشراء سفينة جديدة. فوقع الخيار على سفينة مستعملة لا يزيد عمرها على أربع سنوات, اشترتها الموانئ بسعر خمسة ملايين دولار, وأطلقت عليها اسم (النصر), فوصلت إلى أم قصر وباشرت بحفر ممراتنا الملاحية, والشيء بالشيء يذكر أن هذه السفينة اختطفت عام 2003 من قبل قراصنة دول الجوار, فغيّروا اسمها إلى (Caspian) عام 2004, ثم غيّروه إلى أسماء بديلة, لكنها مازالت راسية في المنفى ولم تتحرك سنتيمتراً واحداً حتى يومنا هذا.
أما قسم الإنقاذ والانتشال فقد نجح في المدة ذاتها بتعويم أربع سفن كبيرة من سفن البضائع, وست سفن خشبية, و(13) جنيبة وسفينة محلية, وسفينة حفر واحدة, وست عبارات, وكازينو عائمة, و(15) زورقاً صغيراً, ويختاً واحداً في شط العرب, وانتشال (50) هدفاً غارقاً في خور عبد الله, و(17) كتلة خراسانية في خور الزبير, وخمس عاكسات رادارية عائمة من مقتربات الموانئ النفطية.
وخضعت الأرصفة ومخازنها وسقائفها وسككها وطرقها ورافعاتها وواجهاتها المائية وواقياتها المطاطية ومرابطها الفولاذية وشبكاتها المائية والكهربائية والهاتفية وأبراجها الضوئية ومحطاتها اللاسلكية لحملة مكثفة من حملات الإصلاح والأعمار والتحديث والتطوير والتجهيز, وربما يطول بنا المقام في سرد التفاصيل الدقيقة التي شملتها حملات الأعمار في المدة المحددة من بداية عام 1989 إلى نهاية عام 1990, فما بالك بما تحقق من انجازات على يد هذا الفارس في السنوات اللاحقة ؟.
الانتصار على ماكمان
من المفارقات المضحكة المبكية أن الموانئ العراقية خضعت منذ عام 1919 وحتى عام 1992 لأحكام القوانين والتشريعات البليدة, التي صاغها الضابط البريطاني (أمير اللواء جورج فليجر ماكمان) في بنود رسمت حدود الموانئ ببعض المعالم المبهمة, كسوق (هي), وبار (بيكادلي), وساحة (التبن), وقيدت أنشطتها في لوائح تشغيلية وقواعد ملاحية وتعليمات مينائية ورسوم مالية تدعى (بيان سير السفن في المياه الداخلية لسنة 1919).
قال (ماكمان) في ديباجتها: (أني أمير اللواء جورج فليجر ماكمان قائد قوات احتلال ما بين النهرين, وعملا بالصلاحيات الممنوحة لي أصدرت البيان التالي), والعجيب بالأمر أن أحكام هذا البيان ظلت سارية المفعول على الرغم من تعاقب الإدارات المينائية الوطنية, التي سارت على نهج (قائد قوات احتلال ما بين النهرين) من دون أن تنتبه إلى تقاطع مفردات هذا النهج الاستعماري المستبد مع تطبيقات السيادة الوطنية العراقية المتحررة من قيود العبودية والاستبداد, حتى جاء اليوم الذي رفعت فيه شعبة المتابعة العلمية مذكرتها إلى مدير الشؤون البحرية, والتي تضمنت الإسراع باستبدال البيان الاستعماري العتيق بقانون وطني عراقي يتماشى مع المتغيرات الحضارية المتجددة في القواعد الملاحية والأساليب المينائية المعاصرة, فانبرى الأستاذ عبد الرزاق لهذه المهمة الوطنية التشريعية, وأمر بكتابة مسودة بديلة, وأناط هذه الهمة بشعبة المتابعة العلمية, فأنجزتها على الوجه الأكمل في غضون شهر واحد, وتمت مناقشتها في مجلس إدارة الشركة بحضور رؤساء الدوائر والأقسام  الرئيسة, ثم رُفعت إلى مجلس شورى الدولة, وتم إقراراها رسمياً بقانون الموانئ رقم (21) لسنة 1995, فكانت أحكام هذا القانون الجديد هي المِعوَل الوطني, الذي أطاح ببيان سير السفن في المياه الداخلية, في خطوة جريئة تبناها الأستاذ عبد الرزاق, لكنها كانت متأخرة جداً بسبب تغافل الإدارات السابقة, التي لم تهتم بتمزيق تلك اللائحة البريطانية المُذِلِّة.
الفوز بمحبة الله
مما لا ريب فيه أن الفوز بمحبة الله, ونيل رضوانه, لا يتحقق ولن يتحقق إلا بإنصاف الناس ورعايتهم, وتوفير احتياجاتهم وتأمين مستقبلهم, ومواساتهم والوقوف معهم, فطوبى لمن طابت سجاياه, وهنيئاً لمن سعى لمعالجة مشاكل الناس, وأدخل عليهم البهجة والسرور, في خطوة إنسانية غير مسبوقة, كان فيها الأستاذ عبد الرزاق هو الموفق في تحقيقها.
كانت لدى الموانئ عند استلامه مهامها (5700) داراً سكنية, يعود الفضل في إنشائها للواء الركن مزهر الشاوي, ولبعض الإدارات الوطنية , التي جاءت بعده فشيدت مجاميع متفرقة من الدور السكنية, وبعضها كان مبنيا منذ حقبة الإدارة البريطانية.
ووجد لدى الموانئ عند استلامه مهامها حوالي (2200) داراً سكنية, ومجموعة من المدارس والمكتبات والأسواق وملحقاتها, موزعة بين المعقل وأم قصر وخور الزبير لم يكتمل إنشائها من قبل شركة (PCP) الهندية, التي اضطرت للتوقف بسبب ظروف الحرب, ثم عادت لإكمالها في السنوات 1989, 1990, 1991, فقام بتوزيعها على المنتسبين وحسب الاستحقاق.
كانت فكرة تمليك الدور لشاغليها تراود المدراء السابقين, فلم يحالفهم الحظ في الارتقاء بهذه الفكرة إلى حيز التطبيق والتنفيذ لأسباب وعوامل متعددة, يطول شرحها, وفي يوم من أيام السعد, قال الأستاذ عبد الرزاق لنفسه في إحدى خلواته: ((هذه فرصتك التاريخية يا عبد الرزاق لتحقيق أكبر إنجاز إنساني اجتماعي خيري في حياتك بعد إخفاق الذين سبقوك)), فسدد الله خطاه, ووفقه في مسعاه, وكتب له الأجر والثواب في تمليك (5700) داراً سكنية, وربما سيأتي اليوم الذي نكتشف فيه تفاصيل وأسرار هذا الانجاز الإنساني الوطني الكبير, الذي تبناه الأستاذ عبد الرزاق من الألف إلى الياء, لكنه لم يشمل نفسه بقرار التمليك, ولم يمنح نفسه فرصة الحصول على قطعة أرض من هذه القطع الألفية على الرغم من كل الصلاحيات الممنوحة له بموجب القانون, فأجمل ما يقتني الرجل لنفسه في الدنيا, وأجل ما يدخر لها في العقبى هو لزوم الكرم, فكان قرار التمليك, الذي خطه هذا الرجل العفيف بيده هو الحافز المباشر لتمليك دور شركة نفط البصرة لساكنيها, وتمليك دور المؤسسات الأخرى, في بقية المحافظات.
ما لا تعرفونه عنه
هو عبد الرزاق بن عبد الوهاب بن علي بن شنّان بن حمزة الربيعي, تعود أصوله إلى قبيلة المياح (مياح ربيعة), وعلى وجه التحديد من شحمان المياح. ولد في قضاء القرنة, من نواحي البصرة, عام 1943 في محلة (العجيد). هاجر والده إلى العمارة للسكن فيها عام 1949, فاشتغل والده عاملاً في محطة توليد الكهرباء, التي تأسست هناك في ذلك العام. التحق بمدرسة النبراس الابتدائية عام 1950, ثم انتقل في دراسته إلى ثانوية العمارة, فتخرج فيها عام 1961, وكان من الطلبة المتفوقين في المرحلتين (الابتدائية والثانوية), ومن الأوائل في المرحلة الثانوية.
توجه من العمارة إلى البصرة, فزار مقر الموانئ العراقية في زمن اللواء الركن مزهر الشاوي, وكان يمني نفسه بالالتحاق ببعثة الموانئ المزمع إرسالها عام 1961 إلى بريطانيا, فنجح في امتحان القبول (المقابلة), لكنه فشل في الفحص الطبي لإصابته بالبلهارسيا, فخضع للعلاج الصارم حتى تماثل للشفاء, لكنه عندما عاد إلى الموانئ بعد اكتمال علاجه, قالوا له: فاتك القطار, فرجع إلى العمارة وعينه على موانئ البصرة, وشاءت الأقدار أن يعود إليها مديراً عاماً بعد مضي (27) عاماً, فالتحق بقطارها لينطلق به من محطة الركود إلى محطات التألق.
التحق بجامعة بغداد (كلية الهندسة) قسم الهندسة المدنية, وتخرج فيها عام 1966 بدرجة جيد, ثم التحق بصفوف القوات المسلحة لأداء الخدمة الإلزامية, فخدم ضابطا برتبة ملازم في وحدات القوة البحرية بالبصرة, التي لا تبعد كثيراً عن ميناء المعقل, كانت الأقدار تضعه دائما على أرصفة المحطات القريبة من الموانئ.
تسرح من الخدمة العسكرية في 1/7/1968, وتعين في 11/7/1968 مهندساً مشرفاً في مديرية أشغال الكوت, ثم في مديرية أشغال ميسان, ثم عاد إلى الكوت ليعمل في الأشغال برتبة مدير في 1/4/1974, فكان أصغر مدير أشغال يتولى إدارة الموقع.
انتقل في 1/2/1977 إلى العمارة ليعمل مديراً لطرق ميسان حتى أواسط عام 1983, أصبح بعدها هو المدير العام للطرق الجنوبية, فتوسعت عملياته على محافظات (واسط, ميسان, البصرة, الناصرية, المثنى), وكان هو المسؤول عن إدارة مشاريع الجهد الهندسي في الجنوب.
تدرج في السلم الهندسي درجة بعد درجة, حتى صار مديراً عاماً للموانئ العراقية للمدة من 20/10/1988 لغاية 5/9/1994, ثم التحق بديوان وزارة النقل والمواصلات بصفة مدير عام التخطيط والمتابعة للفترة من 6/9/1994 لغاية 30/6/1996 , ثم أعيرت خدماته للعمل كمدير عام لشركة الجسر العربي للملاحة في الأردن / العقبة للفترة من 1/7/1996 لغاية 30/6/1998.
عاد بعد انتهاء إعارته من شركة الجسر العربي مديراً عاماً للتخطيط والمتابعة في ديوان وزارة النقل والمواصلات من 2/7/1998 ولغاية 15/5/2003 حيث تمت إحالته إلى التقاعد.
عمل في القطاع الخاص مديراً مفوضاً لشركة تطوير المباني للمدة من 1/11/2004 لغاية 31/12/2007, وعمل مستشاراً لشركة (يونايتد سيرفس) الأمريكية لمدة سنة واحدة انتهت في 25/3/2009 , ثم التحق للعمل مديراً تنفيذيا في شركة العتبة للتجارة والمقاولات لغاية 1/1/2012.
توقف عن مزاولة أي نشاط في القطاع الخاص, وتفرغ للمطالعة وإعداد دراسات الجدوى الاقتصادية للمشاريع الهندسية والاستثمارية.
له أربعة أشقاء وشقيقة واحدة. لم يتيسر لأشقائه ممن هم أكبر منه سناً الدخول في المدرسة. كان أكبرهم يعمل رباناً لزورق من زوارق قطر الجنائب في نهر دجلة, والذي يليه ميكانيكياً, والذي يليه خياطاً. أما من هم اصغر منه فاحدهما مهندسا مدنيا يعمل حالياً كمهندس استشاري في وزارة البلديات, بينما كانت شقيقته الوحيدة معلمة, وهي الآن متقاعدة.
متزوج وله ولدان وبنتان, جميعهم مهندسون, اثنان منهما مهندسان مدنيان, واثنان منهما مهندسا حاسبات, أولاده يعملون في شركات للقطاع الخاص, وبناته يعملن في المؤسسات الحكومية.
كان الأستاذ عبد الرزاق فارساً مغواراً من نبلاء المحاربين القدماء, الذين حفروا أسمائهم بمطارق النهوض وأزاميل الشموخ فوق ناصية العلياء, فرفعوا رايات الانتصار على الجمود والركود والتخلف, وتألقوا في فضاءات الجود والعطاء والبناء بأعمالهم الجليلة وخطواتهم الصالحة ومواقفهم الإيمانية الصادقة, فكانت سفينة (النهوض), وسفينة (الشموخ), وسفينة (العلياء), وسفينة (الانتصار) من أجمل وأكفأ وأروع سفن أسطول الموانئ العراقية. .