الازهر وتكفير الاخر

جاءت ردود أفعال المثقفين على البيان الذي أصدره الأزهر الشريف، الذي أكد فيه على رفضه لتكفير تنظيم “داعش”، واسعة، فقد قلّب المثقفون في الذاكرة، وأعادوا نشر معارك الأزهر مع رموز الثقافة والأدب في مصر.

أشار الأزهر في بيانه على عدم إمكانيته تكفير الآخر وإخراجه عن الملة، حتى لا يقع في فتنة التكفير، الأمر الذي فعله الأزهر مرات عديدة، بداية من البلاغ الذي قدمه شيخ الأزهر أبو الفضل الجيزاوي ضد عميد الأدب العربي طه حسين وكتابه “في الشعر الجاهلي”، وكانت التهمة التعدي على دين الدولة، لم يكفر الأزهر طه حسين، فقط اتهمه بالتعدي على الدين، ليأتي التكفير بعد ذلك من المتشددين.

طه حسين

وفي 1950 قدم رئيس لجنة الفتاوي بالأزهر تقريرا إلى النيابة العامة عن كتاب “من هنا نبدأ” للمؤلف والمفكر الإسلامي خالد محمد خالد، وضم التقرير اتهامات للمؤلف بالتعدي على الدين الإسلامي، وتمت مصادرة الكتاب، وبعدها بسنوات نجد معركة أخرى عندما كتب الأستاذ الأزهري عبد الحميد بخيت مقالا قال فيه إن صيام رمضان ليس فرضا على المسلمين.

كل هذا جاء قبل أزمة “أولاد حارتنا” لنجيب محفوظ مع الأزهر، ولكن بداية معارك السلطة الدينية أقدم من طه حسين وكتابه “في الشعر الجاهلي”.

وبينما يرفض الأزهر الآن تكفير داعش، شكك في عقيدة الإمام محمد عبده، مفتي الديار المصرية، فبعد الثورة العرابية، عاد الإمام إلى الأزهر وفي نيته التجديد والإصلاح، الأمر الذي أدى لاضطهاد مشايخ الأزهر له، ووصل الأمر للتشكيك في عقيدته، ليضطر الإمام إلى التخلي عن منصبه كمفتي للديار، وترك الأزهر.

الإمام محمد عبده

مدنية الدولة.. أم الخلافة

دعاوى المدنية في العشرينات

لكن المعركة المهمة والتي تشرح الكثير، هي معركة كتاب “الإسلام وأصول الحكم”. في عام 1925 وبعد سقوط دولة الخلافة العثمانية، كتب الشيخ الأزهري والقاضي علي عبد الرازق هذا الكتاب، وتحدث فيه عن الخلافة وما نتج عنها من حكم استبدادي، ودعا عبد الرازق في كتابه إلى مدنية الدولة، وقال إن الخلافة ليست لها أصول في الدين الإسلامي. الأمر الذي أحدث ضجة كبرى في أروقة الأزهر، وقامت هيئة كبار العلماء في الأزهر بمحاكمة الشيخ علي، وجردته من درجته العلمية وعزلته من القضاء.

فرج فودة

في أواخر الثمانينات صدرت فتاوي بارتداد المفكر فرج فودة، بسبب نقده للدولة الدينية، والدعوة لمدنية الدولة، وشنت جبهة علماء الأزهر هجوما كبيرا عليه، أدى في نهاية الأمر لاغتياله، وأثناء محاكمة قاتليه، شهد الشيخ محمد الغزالي وأفتى بـ “جواز أن يقوم أفراد الأمة بإقامة الحدود عند تعطيلها. وإن كان هذا افتئاتا على حق السلطة، ولكن ليس عليه عقوبة”.

نجيب محفوظ

في الوقت الذي اغتيل فيه فرج فودة، كانت هناك محاولة لاغتيال الأديب نجيب محفوظ، الأزمة التي بدأت في نهاية الخمسينات بتقرير رفعه الشيخ محمد الغزالي إلى جمال عبد الناصر، بخصوص رواية “أولاد حارتنا”، انتهت الأزمة بعدم نشر الرواية في مصر، ولكن في نهاية الثمانينات، دافع نجيب محفوظ عن الكاتب الهندي سلمان رشدي صاحب “آيات شيطانية”، الأمر الذي أدى في النهاية لمحاولة اغتياله.

نصر حامد أبو زيد

بسبب بحث قدمه نصر حامد أبو زيد، الذي كان يعمل أستاذا بكلية الأداب جامعة القاهرة، تم تكفيره، وصدر حكم بالتفريق بينه وبين زوجته، فلا يجوز لمسلمة أن تتزوج كافرا. اضطر ابو زيد وزوجته للهجرة من مصر واللجوء إلى هولندا. وكان تقدم أبو زيد ببحث عنوانه “نقد الخطاب الديني” للحصول على درجة الأستاذية وانعقدت لجنة من أساتذة جامعة القاهرة، رأسها الدكتور عبد الصبور شاهين، وكتب شاهين تقريرا أوضح فيه عداوة أبو زيد لنصوص القرأن والسنة، والدفاع عن العلمانية، الأمر الذي أدى إلى رفع دعوى الحسبة ضده، وصدر حكما من المحكمة باعتبار أبو زيد مرتدا عن الدين الإسلامي.

وتوالت المعارك بعد أزمة أبو زيد، فنجد الأزهر سببا في منع رواية “وليمة لأعشاب البحر” للروائي السوري حيدر حيدر بدعوى الإساءة إلى الدين الإسلامي. كما اتهم الشاعر حلمي سالم بالكفر بسبب قصيدته “شرفة ليلى مراد”، فقد رفع الأزهر تقريرا إلي المحكمة واتهم فيها الشاعر بالكفر