سجناء قصر النهاية

سجناء قصر النهاية: ما اقترفه المحتلون في سجن (ابو غريب) مارسه البعثيون ضدنا منذ اربعين عاماً

الناصرية/ حسين كريم العامل

انتفض المجتمع العراقي بكامله حين شاهد صور السجناء المعذبين في سجن (ابو غريب) من خلال وسائل الاعلام، وأبدى الشعب غضبه واستنكاره لتلك الممارسات.

ضاغطاً على آلام جراحاته ومتضامناً مع هؤلاء العراقيين الذين انتهكت حقوقهم. كاشفاً بذلك عن معدن انساني عراقي أصيل، ومعبراً عن طيبة شعب لم يهتز ضمير جلاديه يوماً لفظاعة معاناته. فعلى الرغم مما قاساه ابناء هذا الوطن في سجون نقرة السلمان وزنازين قصر النهاية وقواطع الاعدام في سجن (ابو غريب) لكنه ظل وفياً لتقاليده الأصيلة. واليوم تلتقي (المدى) ثلاث ضحايا اعتقلوا مدداً طويلة في قصر النهاية وذاقوا الويلات وشتى الاضطهاد والتعذيب ولذلك أبدوا تضامنهم مع السجناء الذين عذبهم جنود امريكيون في سجن (ابو غريب)، مستهجنين تلك الأساليب البغيضة التي تذكرهم بما مارسه البعثيون ضدهم قبل اكثر من 40 عاماً. الاستاذ قاسم شناوة يعقوب أبدى استنكاره لمثل هذه الممارسات متذكراً معاناته في قصر النهاية قائلاً:

-إن هذه الاعمال تعود بذاكرتي إلى ما كان يمارسه البعثيون معي طوال عام 1971 يوم اعتقلت في الناصرية من قبل الاجهزة الامنية في شهر شباط من ذلك العام، ومورست ضدي في البدء وعلى مدى اسبوعين جميع انواع التعذيب مثل الفلقة وقلع الاظافر والصعق بالكهرباء والتعليق بالمروحة لخلع الاكتاف وغيرها من الأساليب البشعة ونقلنا بعد ذلك أنا و(16) معتقلاً إلى بغداد مربوطين بالسلاسل إلى كراسي القطار لتسلمنا المفرزة التي قامت باصطحابنا إلى مديرية الامن العامة، التي مكثنا فيها ليلتين نقلنا بعدها إلى قصر النهاية الذي كان صدام حسين مسؤولاً فيه عن الشعبة الثانية هو وناظم كزار وحسين المطيري وشخص آخر من بيت الدرة، وكان القصر يومذاك يتمتع بالاستقلالية ويقرر مصير المعتقلين من دون الرجوع إلى المحكمة أو بمراجعة القوانين التي سنها البعثيون أنفسهم.

في قصر النهاية

حال نزولنا من السيارة المظللة التي اقلتنا من مديرية الامن العامة إلى قصر النهاية ربطوا عيوننا وانهالوا علينا بالضرب ونحن في الطريق إلى القاعات. وفي اليوم نفسه تم استدعاؤنا على انفراد إلى غرفة التحقيق التي كانت تحتوي على ثلاثة كراس تشبه كراسي الحلاقين لكنها كانت مزودة بأحزمة لربط اليدين والقدمين، إضافة إلى مشد ضاغط للرأس وصنبور ماء أعلى الكرسي، حيث يتم ربط الرأس بقوة حتى يتورم ليفتح عليه بعد ذلك الماء على شكل قطرات، ونتيجة لذلك الشد يكون وقع تلك القطرات بمثابة ضربة مطرقة على الرأس بسبب احتباس الدم. كذلك استخدموا جهازاً ميكانيكياً لغرض (شلخ اليدين والرجلين) والتعليق في الهواء حيث ينهال علينا بعدها الجلادون بالضرب حتى الاغماء. وقد كانت لكل تنظيم زنازين خاصة به فكانت زنازين خاصة بالمعتقلين الشيوعيين وأخرى للقوميين والأسلاميين والاكراد. حيث كانت هناك اربعة قواطع كل قاطع يتكون من 42 زنزانة منفردة تتوزع على الجانبين في كل جانب 21 زنزانة، وقد روعي الجانب الامني في تصميم هذه الزنازين المتقابلة، فجاءت ابوابها متعاكسة الاتجاه لتحاشي حديث الموقوفين فيما بينم. وقد كانت الزنازين ضيقة وبأبعاد 1 × 2 متر حيث كان يحشر فيها ثمانية معتقلين، ويكون النوم فيها بالتناوب ليلاً؛ حيث ينام اربعة ويقف الباقون بانتظار دورهم، واحياناً ينام الاربعة الباقون وقوفاً.

وكثيراً ما كانت تستخدم هذه الزنازين للسجن الانفرادي.. والتعذيب وكانت  مظلمة على الدوام وغير مزودة بالكهرباء والماء، وليس فيها سوى فتحة صغيرة اعلى الباب لتسلم الطعام فقد كانوا يزودون كل سجين بصحن معدني لاستخدامه في التغوط وشرب الماء وتناول الوجبات التي كانت تحتوي على الكثير من الدهون لإصابة السجناء بالإسهال. وكان الخروج إلى المراحيض لا يتم إلا بأوقات معينة وبحضور الجلادين الذين كانوا يرغمون السجناء على الخروج من المرحاض وكانوا ينادون على السجناء بالأرقام وليس بالأسماء، ومن يتأخر يتعرض لأشد انواع التعذيب. وقد مارسوا ضدي وعلى مدى ثمانية اشهر جميع أنواع التعذيب مثل الكي والكرسي والفلقة وبقية الأساليب التي ليست خافية على الجميع وقد مثلت أمام ناظم كزار ولم أقابل صدام الذي كانت مهمته تقييم حالة السجين من خلال الاوراق وتقرير مصيره في ضوء ما مكتوب.

حرق اللحى

ويتابع الاستاذ قاسم الحديث عن معاناته ومشاهداته في هذا القصر المشؤوم قائلاً:

-لقد احتجز في قصر النهاية الكثير من العسكريين السابقين من اعضاء حكومة عبد الرحمن عارف في قاعات خاصة، وكان (طاهر يحيى) من ضمنهم. وفي إحدى المرات جاء الجلادووهم سكارى بعد منتصف الليل، واستدعوا (هادي خماس) وهو أحد العسكريين السابقين وشخصاً آخر إلى مكان قريب من القاطع الذي كنا محتجزين فيه، وأمروه بالغناء وتقليد (داخل حسن)، وحينما لم يعجبهم غناؤه طلبوا من الشخص الآخر أن يغني بدلاً منه، وحين انهى غناءه الذي اعجبهم على ما يبدوا صفقوا له وأمروه وطاهر يحيى بالدوران حول القاطع مقلدين صوت الوحوش وحركاتها، وكذلك ارغموهم على مد يد كل منهم إلى (مؤخرة) الآخر، وقد كان المعتقلون يستجيبون لذلك خوفاً من حفلات التعذيب.. وقد مارسوا مع طاهر يحيى اساليب فظيعة منها: الانبطاح على الأرض والقيام بحركات (جنسية) لغرض إذلاله، كما ارغموا أحد المعتقلين على القيام بعملية (الاستمناء) علناً. وقد مورس جميع انواع التعذيب النفسي والجسدي ضد السجناء بدون استثناء، ولن انسى ما حييت قصة أحد الفلاحين المسنين من أهالي كربلاء يعرف بـ (ابو جاسم) وولده جاسم الذي أرغمه الجلادون على البول على قطعة من اللحم وإطعامها لوالده. وكيف عذبوا الولد أمام أبيه بعد أن رفض ذلك، لكن الاب اشفاقاً منه على ولده طلب منه أن يطعمه ذلك اللحم الملوث. ولم يكتفوا بهذا بل طلبوا من الولد أن يحرق لحية ابيه وقد رضخ وأحرق لحيته تحت التهديد. وظل الشيخ يتلوى وهو مربوط اليدين وهم يضحكون وواصل السيد قاسم شناوة حديثه بأسى قائلاً:

-لقد كانت اساليبهم مدمرة وقد توفي اثنان من المعتقلين من جراء التعذيب أمامي، وشاهدت الكثير من الحالات المؤلمة.

الأفراج

بعد مضي ثمانية أشهر وفي شهر تشرين الثاني عام 1971 أفرج عن عشرة منا حفاة الاقدام بملابس رثة وشعور طويلة وقد قامت إحدى سياراتهم بنقلنا إلى الشوارع الفرعية المظلمة وانزلتنا هناك. وحين ذهبنا إلى الكراج كان كل من يرانا يظن إننا مجانين هاربين من الشماعية. وقد كان معي جاسب مطرب وعودة وهيب وعدنان من أهالي الرفاعي وأخوه عبطان وكاظم منحني وغيرهم.. وقد خرجت من السجن وأنا مصاب بالتهاب المفاصل وتمزق الغشاء المحيط بالأمعاء وأمراض أخرى وتحسر قائلاً:

-لقد كان محظوظاً من يخرج من هذا السجن بعاهة أو فاقداً لأحد اعضاء جسده. فهذا المكان الذي كان قصراً ملكياً صار في زمن البعثيين مقبرة للشرفاء.

الغرفة الموسيقية

اما عقيل حبش الذي كان محكوماً بالاعدام منذ عام 1967 لمشاركته في انتفاضة الأهوار (الغموكة) والذي تناول قصته الكاتب حيدر حيدر في عمل روائي كبير هو (وليمة لأعشاب البحر) فيروي مشاهداته في هذا السجن الذي نقلوه اليه من سجن الرمادي قائلاً:

-وصلنا إلى مديرية الأمن العامة عصر أحد الأيام الحزيرانية ونحن مكبلو الأيدي وتحت حراسة مشددة. وكان معي عبد الجبار علي الجبر ومحمد حسين الساعدي وعبد الله شهواز زنكنة وعلي بويجي، فاحتجزونا في مكان كانت جهنم أرحم منه بكثير، وذلك لا جوائه الخانقة وارتفاع درجات الحرارة فيه. وقد كان المكان ضيقاً على سعته وليس فيه فسحة للجلوس، وكانت أعداد الموقوفين الذين يرتدون السراويل (فقط) كبيرة جداً. وتحولت حتى دورة المياه في هذا المكان إلى سجن انفرادي. ونمنا حتى الصباح وقوفاً، وفي صباح اليوم التالي نقلونا إلى قصر النهاية وبالضبط إلى جناح يدعى قصر الأميرات. وهناك التقينا ناظم كزار الذي كان يتجول في ساحة القصر هو وحمايته من المدنيين، وبعد سؤاله عنا ومعرفته لسبب اعتقالنا طلب من أحد حراسه إحضار الفرقة الموسيقية لحمل أمتعتنا. وقد حضر فعلاً بعد عدة دقائق أربعة أشخاص لحمل أمتعة رفاقي وسط حالة من الاستغراب والذهول وبقيت أنا انتظر فأمر حارساً آخر بإحضار طاهر يحيى شخصياً لحمل أمتعتي فزاد استغرابي من الأمر وقلت في سري: طاهر يحيى رئيس وزراء العراق يحمل أمتعتي! وبينما أنا غير مصدق ذلك وإذا بطاهر يحيى بدمه ولحمه أمامي، رجل مربوع القامة ممتلئ دماً ولحماً.. وقد تناول أمتعتي وكانت ثقيلة فحاولت مساعدته لكن ناظم كزار منعني من ذلك قائلاً: (خليه هو يشيل ويتعلم). وحين وصلت القاعة شاهدت الكثير من رفاقي اعضاء القيادة المركزية، كما شاهدت عدداً من اعضاء الحكومة السابقة من وزراء ودبلوماسيين. وقد شاءت الصدف أن يكون بجانبي وزير الخارجية السابق الذي قال لي بالحرف الواحد:

(لو وره عملية اقتحام المركز جايين إلى بغداد جان دخلتو القصر الجمهوري بالعمدان) وبعد فترة قصيرة زار ناظم كزار القاعة وطلب من الفرقة الموسيقية أن تحضر امامه وقال لهم:

-(اطلعوا سووا حفلة استقبال إلى جماعة الكفاح المسلح اليوم عدكم خطار)!

وقد كان من بين اعضاء تلك الفرقة طاهر يحيى وعدد من الوزراء ووزير الخارجية لذي كان واقفاً بالقرب مني، وقد أمرهم أحد الحراس بجلب آلاتهم الموسيقية فتناول أحدهم المكنسة والآخر صحن طعام فيما تناول الباقون ادوات أخرى مثل صفيحة القمامة وفردة حذاء وغيرها. وبدأ العزف بضرب أحدهم للآخر بما يحمله وختموا الحفل بوضع الصفيحة برأس طاهر يحيى والضرب عليها بفردة الحذاء. وسط ضحك ناظم كزار وزبانيته واستهجان السجناء. وقد سحب أحد المرافقين وزير الدفاع السابق وأمره بضرب طاهر يحيى بالنعال. وقد استجاب الوزير لذلك فنهره الحراس وضربوه بالصوندات طالبين منه أن يضربه بقوة.

وفي حديث طويل روى من خلاله السيد عقيل كيف إنه شاهد فؤاد الركابي وهو أول مسؤول لحزب البعث في العراق تحت السلم وهو يئن ويتألم من أثر التعذيب وكان مثخن بجراح مدمى الوجه متورم العينين.

فيما يروي السيد جليل عاجل دخيل حكايته في قصر النهاية قائلاً:

-اعتقلت عام 1971 في الناصرية للمرة الثانية بعد تطويق منزلي من قبل ثمانية مدنيين اقتادوني إلى معاونية أمن البلدة، وقد مورس ضدي في هذه المعاونية شتى انواع التعذيب وعلى مدى عشرة أيام، وقد اغمي علي في إحدى المرات مما اضطرهم لاستدعاء أحد الاطباء لمعالجتي في منتصف الليل، إذ كان غالباً ما يمارس التعذيب في ساعات متأخرة ليلاً من قبل جلادين سكارى. وبعد هذه الايام العشرة المريرة نقلوني أنا و35 معتقلاً آخرين كانوا معي، اغلبهم من الشيوعيين، إلى سجن الخيالة.

ومن هناك تم تسفيري و12 معتقلاً إلى مديرية الأمن العامة حيث مكثنا ليلة واحدة اخذوا خلالها بصمات اصابعنا. وقد زارنا ناظم كزار في تلك الليلة ونظر فيها الينا الواحد تلو الآخر فقط دون أن يكلمنا. وفي الصباح تم نقلنا إلى قصر النهاية حيث كدسونا ونحن مكبلو الايدي تحت الدرج لمدة يوم وليلة فتكومنا فوق بعضنا لضيق المكان، وبعد ذلك تم حجزنا كلاً على انفراد في غرف ضيقة لهذا الغرض مساحة الواحدة بحدود 1 × 1.80م. وقد كان يمارس ضدنا التعذيب في ساعات متأخرة من الليل كل ثلاثة أيام. حيث ينهال علينا الجلادون بالكيبلات والهراوات والركل ولا يتركوننا إلا والدماء تسيل من وجوهنا واجسادنا. وفضلاً عن هذا كانوا يضيقون علينا بالذهاب إلى دورة المياه، إذ لا يسمح للمعتقل بأكثر من ثلاث دقائق لقضاء حاجته ومن يتأخر يحبس  لليوم التالي في المرحاض القذر، ولم يسمح لنا بالاستحمام طوال خمسة أشهر ونصف الشهر، وقد اضطررت في احدى المرات إلى غسل رأسي اثناء عملية التغوط. والمرة الوحيدة التي سمحوا لنا فيها بالذهاب إلى الحمام قطعوا الماء عنا بعد أن فركنا اجسادنا بالصابون، وبقينا ملطخين بالصابون لا نستطيع الرؤية، واعادونا إلى محاجرنا على هذه الحالة. وفي إحدى الليالي نادوا اسماء مجموعتنا الاثني عشر فخرجنا واذا نحن أمام مسلحين ببنادق مزودة بحراب جاهزة للطعن، وأمرونا أن نقرأ الشهادة ونكتب وصايانا لأنهم، على حد قولهم، سيعدموننا هذه الليلة. وبعد أقل من ساعة ساقونا بالنسق إلى المحكمة التي يشرف عليها حسن المطيري في داخل القصر، وكنا نظن إنها محكمة حقيقية، لكن ما أن تجاوزت عتبة الباب وإذا بضربة قوية تأتيني من الخلف كادت تسقطني ارضاً. وبعد ذلك وجهوا لي تهمة الذهاب إلى كردستان وحين انكرت هددوني بمواجهة أحد الشهود لكنهم استثنوا ذلك بعد اصراري على الانكار. وبدأوا بمساومتي وطلبوا مني التعاون معهم مقابل اطلاق سراحي لكني رفضت وبقيت في السجن الانفرادي مدة خمسة أشهر ونصف الشهر. وطوال هذه المدة لم أر الشمس إلى أن نقلوني إلى إحدى القاعات، حيث احتجزت هناك لمدة عشرين يوماً. ثم اطلق سراحي بعدها حافي القدمين، وتم نقلنا في احدى السيارات بعد منتصف الليل وتركونا في احد الشوارع المظلمة. ومن المفارقات أن يتوفى والدي بعد عدة ساعات من إطلاق سراحي حيث وصلت في الليل وتوفي والدي في الصباح وحمدت الله كثيراً لأني شاهدته قبل أن يفارق الحياة.

حروب الردة ام حروب مانعي الزكاة

حروب الردة أم.. (حروب مانعي الزكاة)!!

مقالة منشورة في روز اليوسف بتاريخ ـ26 أكتوبر:1 نوفمبر


حد الردة والتجديد في الفكر الإسلامي

نواصل هنا الحديث عما سمي بحروب الردة. وهو ما نراه حروب (مانعي الزكاة) .. وكنت قد توقفت في الأسبوع الماضي عند ما رويته من تفاصيل هذه الحروب وما كان لدور خالد بن الوليد فيها.

في الإصابة 3/337 أن ثابت بن قاسم روى في الدلائل، أن خالد رأى امرأة مالك، وكانت فائقة الجمال، فقال مالك لامرأته: قتلتني – يعني سأقتل من أجلك ـ ومن الطبيعي كي تثبت ردة الرجل أن يقتل من كان معه من قومه الذين نهضوا عن الصلاة منذ هنيهات، وقبلوا الاستسلام لإخوانهم في الإسلام حتى يستوثقوا من أمرهم (فضرب عنقه وأعناق أصحابه). كما روى الطبري عن أبى بكر، ويؤكد (اليعقوبي) أن (خالد) لم يستمهل الأرملة الفاتنة أم تميم بنت المنهال لتستبرئ رحمها وتكمل عدتها، بل إنه امتطاها ودم زوجها لم يجف بعد (2/110)، واهتزت مشاعر المسلمين من الحدث البشع حتى قام (أبو نمير السعدي) ينعى مالكا يحكى ما حدث شعرا برواية (أبى الفدا /158):

ألا قل لحي أوطأوا بالسنابـــــك***تطاول هذا الليـــل بعـــد مالـــك

قضى خالد بغيا عليه لعروســه***وكان له فيها هوى قبل ذلـــــك

فأمضى هواه خالد غير عاطف***عنان الهوى عنها ولا متمالــك

فأصبح ذا أهل وأصبح مـــــالك***إلى غير أهل هالك في الهوالـك

وبينما خالد يأمر بالتمثيل بالجثث كان (أبو قتادة) يحث الخطى يدفعه الغضب والألم إلى المدينة (فلحق أبو قتادة بأبي بكر فأخبره الخبر، وحلف ألا يسير تحت لواء خالد لأنه قتل مالكا مسلما).

وأمر خالد برؤوس بعض القتلى لتنصب أثافي، ومنه رأس (مالك) والأثافي هي صخر (الكونكاريت ـ الزلط) كانت ثلاثا متجاورة وتوقد النار بداخلها لتسمح بمرور الهواء فتشتعل النار، ولتحمل قدور الطعام فوقها، ونضج طعام (خالد) ليأكله مع أم تميم ولم ينضج رأس زوجها بعد، والسبب فيما يروي الزبير بن بكار عن شهاب في الإصابة (أن مالك بن نويرة كان كثير شعر الرأس فلما قتل أمر خالد برأسه فنصب أثفية فنضج ما فيها قبل أن تخلص النار إلى شئون رأسه (الإصابة 3/337، وابن كثير 6/322،وأبو الفدا / 158)).

هذا ما كان يحدث في مضارب بني يربوع بينما كان يحدث في العاصمة حديث آخر فقد علم (عمر بن الخطاب) بالحدث العظيم فذهب ينتفض غضبا إلى الخليفة يهتف به (إن خالدا قد زنى فارجمه)، قال: ما كنت أقتله فإن تأول فأخطأ!! قال: فاعزله، قال: ما كنت أغمد سيفا سله الله عليهم / تاريخ أبي الفداء .. هذا بينما كان متمم بن نويره شقيق مالك قد تمكن من الهرب واللحوق بالمدينة فصلى وراء أبي بكر صلاة الصبح، فلما فرغ أبو بكر قام (متمم) وسط مسجد رسول الله (صلى الله عليه سلم) يرسل نواحه شعرا يمزق نياط الأكباد والقلوب، مقارنا بين شرف (مالك) وفروسيته وبين غدر (خالد) قائل:

نعم القتيل إذا الرياح تناوحــــــت***خلف البيوت قتلت يا ابـن الأزور

أدعوته بالله ثـــــــم غدرتـــــــه؟!***لو هو دعاك بذمة لم يغـــــــــدر!

وهنا تبدو المقارنة بين ذمة العرب المرعية المعتبرة التي تلزم أصحابها من فرسان الأشراف إذا دعوتهم بها فلا يغدرون، وبين دعوة أعلى هي دعوة الله لكن أصحابها رغم دعواهم بها فإنهم قد غدروا، وهو الأمر المفهوم مع غضب ( متمم بن نويرة) وهو يرى الخليفة يصر على عدم محاسبة خالد ولا عزله وناسبا ما حدث إلى قرار قدسي جاء على لسان نبيه أن خالدا هو سيف الله المسلول، ومقدما حجة ليست بحجم الحدث وجسامته بأنه قد تأول فأخطأ.

وبينما يحيل الخليفة استمرار سيف الله إلى الله فان عمر أبدا لم يقتنع بل أعلن يقينه أن الله من ذلك براء، ناعتا خالد بعدو الله قائلا: (عدو الله عدا على امرئ مسلم فقتله ثم نزى على امرأته ـ الطبري) وعاد خالد إلى المدينة مزهوا بفعاله يلبس دروع الحديد، وعلى رأسه عمامة غرس فيها أسهم المحاربين الأشراف متجها إلى مسجد الرسول (صلى الله عليه وسلم ) للقاء الخليفة، لكن ليلقاه عمر على الباب فينزع الأسهم عن عمامته ويكسرها قائلا له: (… أي فخر كاذب بأسهم الفرسان الأشراف؟)، ثم استمر يقول له: (قتلت امرأ مسلما ثم نزوت على امرأته، والله لأرجمنك بأحجارك) ولم يهتم خالد بعمر بل استمر في سيره ودخل المسجد على الخليفة واعتذر له فقبل الخليفة اعتذاره‘ فخرج خالد مزهوا اكثر مما دخل ليمر على عمر فيناجزه القول مستنفرا له مستفزا قائلا: (هلم إليٌ يا ابن أم شملة) فعلم عمر أن الخليفة قد عفا عنه وأن إصراره على إنزال العقاب به قد ذهب أدراج الرياح، فلم يرد على استفزاز خالد الشتام وانصرف إلى بيته وأغلقه عليه.

هذا حدث من أحداث وجسيم من جسام وطل من غيث وغيض من فيض ومثل من نماذج عديدة وعدة لما حدث باسم الله والإسلام في حق عباد الله من أهل الإسلام تحت عنوان (الردة)، والإسلام بعد في فجره بحق مسلمين كان لهم رأي سياسي عارضوا فيه عدم مشورتهم في اختيار خليفتهم، خالفوا السلطان ولم يخالفوا الديان، لكنهم بسيف الله ذبحوا وهم أسرى مستسلمين له، فماذا اليوم عمن هم مثل خالد على رأس العباد وإن كانوا في الشرف أقل وفي القيمة أدنى؟ هل تأولوا في شأن فرج فودة فأخطأوا فقتلوا؟! وهل سيظل اسم الله بيد التجار سيفا مسلولا فوق رؤوس العباد تحت بند الردة وإنكار ما هو معلوم من الدين بالضرورة؟ وما هو رأيك يا ولي الأمر؟ هل سيكون كرأي الخليفة مطلقا علينا به خوالدك وأزاورتك؟

مرة أخرى لا عبرة هنا مطلقا بأكاذيب سيف بن عمر التي يلجأ لها سادتنا من السدنة لتقديس الصحابة، وتبرئتهم من الحدث الهائل، ومثله كثير من الأحداث الفواجع وهي حجج أوهى من بيت العنكبوت، فسيف يبرئ خالدا بغلطة تاريخية لغوية حيث كانت ليلة الأسر في ديار اليرابعة باردة قارصة، فقام بحنين قلبه على أسراه الذين صلوا وصاموا وأعلنوا إسلامهم أمامه ينادي رجال جيشه: (أدفئوا أسراكم) وكانت في لغة كنانة (اقتلوا أسراكم) فقتلوهم ..هكذا ..؟! وان خالد لما عرف الخطأ العظيم قال: (إذا أراد الله أمرا أصابه)، كل مصيبة تنسب إلى الله وكل تزوير ينسب إلى الحق تعالى وكل غرض خبيث يتذرعون وراءه بالله وكلماته، ويخالف الراوي غير المحترم، ولا المخلص للناس ولا الدين، يخالف الجميع ويقول أن خالدا لم يطأ الأرملة إلا بعد أن استبرأ رحمها .. ورحماك يا الله … عندما نعلم أن الخطأ قد تم علاجه بأن أرسل الخليفة لأهل القتلى ديات قتلاهم!! وانتهت المشكلة البسيطة الهينة؟!

فإذا كانوا غير مسلمين فلماذا الديات؟!! وإذا كانت خطأ لسانيا فلماذا اعتبرها الخليفة تأولا خاطئا، ولماذا أصر عمر على القصاص؟ وإذا كان الخطأ لنطقه بلغة كنانة فكيف جاز ذلك و (خالد) مخزومي من قريش وكيف فهمها (ابن الازور) كنانية وهو ثعلبي أسدي وكيف تآمرت أسماع وإفهام الجيش كله مع تلك اللغة الكنانية النشاز على الجميع، وكلهم إما مهاجر قرشي أو أنصاري مدني؟ وإذا كان الأمر خطأ في اللغة، وان الزمن قد تآمر فأصيب الجميع بغتة بلغة كنانة في الألسن وفي الإفهام، فلماذا تم وضع رؤوس القتلى أثافي لقدور طعام اللذة ومتعة الجسد بنار رأس القتيل ونار جسد أرملته؟

هذه نتائج ما سمي بحرب الردة التي أصر عليها الدكتور (رأفت عثمان) كحجة بيده يطلب بها دم أي مختلف اليوم أو خارج، وهي الحروب التي يتم تزويرها على أبنائنا في المدارس وعلى المسلمين في التمثيليات التلفازية وأحاديث المشيخة اعتمادا على كذب سيف بن عمر أمام منطق واضح وأحداث أوضح، فيعلمون المسلمين الكذب والخداع أو هم يخدعونه من حيث لا يدري أم يخدعون الله؟ وما يخدعون إلا أنفسهم دون أن يقدموا مرة على فضيلة الصدق مع الذات ومع الناس ومع التاريخ ومع الدين ومع الله الذي هو تواب وهو أيضا أعلم العالمين، دون أن يتراجعوا أنملة عما هم فيه من غواية التقديس لأشخاص غير مقدسين، بخطاب متفق يغطي على حقائق واضحة لكل من يملك ضميرا صادق اليقين بدين لا بسلطان على العباد. وهو ما يشكك في هذا الضمير المراوغ ولغته المختالة حتى لو أخطأ السيف مئات المرات بحق عباقرة الأمة منذ هذا التاريخ الأول مرورا بالحسين بن الحلاج والسهروردي المقتول حتى يومنا هذا، وحتى لو أخطأ هذا السيف مئات المرات في حروب مذهبية طاحنة علت كل منها آيات الله تتهم الآخر بالردة والخروج عن المعلوم من الدين بالضرورة .. كان منها هذا الموجز المكثف الذي رويناه لحديث عن مسلمين عبروا عن رأيهم السياسي بمنع الزكاة وظلوا مسلمين، ووصموا في تاريخنا زورا وبهتانا بالارتداد عن الدين كله، وما زالت الوصمة تلاحقهم عبر التاريخ حتى اليوم دون أن يقوم من مشايخنا رجل رشيد يسجل موقفا يحسبه له الناس والتاريخ ليعلن اعتذارا واضحا عما حدث لهم ولغيرهم عبر تاريخنا لتنظيف هذا التاريخ من عاره ووصماته.

اهذا دين ام طين ؟

سيدنا قتل سيدنا ورضي الله عنه سبى سيدتنا‏

السطور مستوحاة من حلقات “رجال حول الرسول” التي تـنشرها العربية على موقعها كل يوم في شهر رمضان الكريم والتي جعلت من وحشي قاتل الحمزة صحابيا جليلا حسُن إسلامه ومجاهدا لا يشبهه مجاهد في سبيل الله ، كما جعلت من يزيد بن معاوية – قاتل الإمام الحسين ابن بنت رسول الله – أميرا للمؤمنين قد قاب قوسين أو أدني من مهبط الوحي ليبّـشره برضوان من الله ورحمة ،

فترى القرّاء العرب المؤمنين جدا يترضون على يزيد في تعليقاتهم ويدعون الله أن يحشرهم مع يزيد ووحشي يوم القيامة.

ونحن هنا لا يسعنا إلا أن نسأل: أهذا دين أم طين يا عرب؟


من ثقافة قناة العربية: سيدنا قتل سيدنا ورضي الله عنه سبى سيدتنا

أهذا دين أم طين؟؟

قـتـلَ سيدُنا وحشي (رضيَ الله عنه) سيدَنا حمزة بن عبد المطلب (رضيَ الله عنه) في معركة أحُد بأمر من سيدتنا هند بنت عتبه (رضيَ الله عنها) ، فوحشي (رضيَ الله عنه) القاتل في الجنة وحمزة سيد الشهداء المقتول في سبيل الله في الجنة على سُرر ٍمتقابلين.

بعدما قـتـلَ سيدُنا وحشي (رضيَ الله عنه) سيدَنا حمزة (رضيَ الله عنه) جاءت سيدُتنا هند (رضيَ الله عنها) فمثـّـلتْ بجثة سيدنا حمزة (رضيَ الله عنه)  وقصّت مذاكيره واستخرجت كبده ولاكته بأسنانها ، فرضيَ الله تعالى عنها وأرضاها.

بعدما تسنـّم سيدُنا معاوية بن أبي سفيان (رضيَ الله عنه) زمام الحكم وأصبح خليفة المسلمين وخال المؤمنين وعم المتقين وكاتب الوحي دسّ إلى سيدِنا الصحابي مالك الأشتر (رضيَ الله عنه) السمَ بالعسل فقتله مسموما ، وقال سيدُنا معاوية (رضيَ الله عنه) في ذلك اليوم مقولته الشهيرة “إن لله جنودا من عسل”.

بعد ذلك قـتـلَ سيدُنا معاوية (رضيَ الله عنه) سيدَنا محمد بن أبي بكر (رضيَ الله عنه) وأمرَ بإحراق جثته في جوف حمار.

ثم بعدها دسَ سيدنا معاوية (رضيَ الله عنه) السمّ إلى سيدنا الحسن بن علي (رضيَ الله عنه) سبط الرسول وسيد شباب أهل الجنة فقتله مسموما ، فرضيَ الله تعالى عن العسل وأرضاه.


بعدما مات سيدُنا معاوية (رضيَ الله عنه) ودخل الجنة ، جاء دورُ سيدنا يزيد بن معاوية (رضيَ الله عنه) فقتل سيدَنا الحسين (رضيَ الله عنه) سبط الرسول وريحانته من الدنيا وسيد شباب أهل الجنة في معركة الطف ،

وبعدما إنتهت المعركة وقــُتـِل الحسينُ وأصحابُه وأهلُ بيته من الرجال (رضيَ الله عنهم) جاء سيدُنا الشمر بن ذي الجوشن (رضيَ الله عنه) فـقطع رأسَ سيدنا الحسين (رضيَ الله عنه).

بعد ذلك أمرَ سيدُنا عمرُ بن سعد بن أبي وقاص (رضيَ الله عنه) الذي كان القائد العسكري لجيش يزيد (رضيَ الله عنه) بإحراق مخيم أهل البيت وسبي بنات الرسول وحفيداته وهو يقول “لا تـُبقوا لأهل هذا البيت باقية” ، وقد كانت على رأس المسبـيات سيدتنا العقيلة زينب (رضيَ الله عنها) حفيدة الرسول (رضيَ الله عنه). وبعدما انتهت المعركة والحمد لله على خير ، أخذوا السبايا إلى والي الكوفة ! حيث سيدنا عبيد الله بن زياد (رضيَ الله عنه) ليشفي غليله بهم ،

ومنه إلى الشام حيث القصر الأموي فكان بانتظارهم سيدُنا يزيد بن معاوية (رضيَ الله عنه) حيث انه عندما رأى ركبَ السبايا تتقدمه رؤوس أهل بيت النبوة مرفوعة على الرماح قال سيدُنا يزيد (رضيَ الله عنه) متشفيا:

لما بَدتْ تـلـك الحمولُ وأشرقتْ   تـلـكَ الشموسُ عـلى ربا جـيـرون ِ

نعـبَ الغـرابُ فـقـلتُ صحْ أو لا تصحْ  فـلقـد قضيتُ من النبي ديوني

وكان يقصد (رضيَ الله عنه) انه أخذ ثأره من النبي محمد (رضيَ الله عنه) بقتل سبطه الحسين (رضيَ الله عنه) وسبي عياله وأهل بيته. فقد كان سيدُنا يزيد بن معاوية (رضيَ الله عنه) لا ينسى ثأره مع النبي فمكنه الله من ذلك وقد أحسن به تعالى إذ جعله خليفة للمسلمين وأميرا للمؤمنين.

المصدر:شبكة انصار الصحابة المنتجبين

التشابه بين البعث والنازية

أوجه التشابه بين النازية والبعثية العفلقية من حيث الفكر والممارسة *


صلاح كرميان
selah.germian@yahoo.com.au
الحوار المتمدن – العدد: 919 – 2004 / 8 / 8
المحور: اخر الاخبار, المقالات والبيانات
راسلوا الكاتب-ة  مباشرة حول الموضوع

كانت للافكار التي تبناها الحزب النازي الالماني بزعامة ادولف هتلر والتي كانت قد سيطرت على عقول جيل الشباب انذاك ليست في المانيا واوروبا بل في كثير من دول العالم ابلغ الاثر على تشكيل تجمعات شبابية وتشكيل الاحزاب السياسية قبل سيطرة هتلر واذبان الحكم النازي في المانيا وظلت تلك الافكار راسخة في اذهان الكثيريين من الناشطين في المجتمعات التي كانت قد تشعبت بالافكار القوموية حتى بعد انتهاء الحرب العالمية الثانية وهزيمة المانيا النازية. و في العالم العربي كان للفكر النازي انعكاسات واضحة على الافكار التي نادى بها شبلي شميل وساطع الحصري ومن ثم مشيل عفلق الذي تمكن من تجسيدها في تنظيم سياسي قومي التوجه متبنيا الاشتراكية القومية التي كان ينادي بها الحزب النازي الالماني، وهكذا ظهر البعث على الساحة السياسية.
وقد شهد العراق الحديث اسوأ مراحله التاريخية عندما هيأت القوى الرأسمالية الظروف اللازمة ودعمت العناصر البعثية للاستحواذ على السلطة في العراق في 8 شباط/1963، بغية القضاء على القوى التقدمية والتحريرية التي فتحت لها الافاق بعد سقوط النظام الملكي واعلان الجمهورية في 14 تموز1958. وباشرت عصابات الحرس القومي البعثية باقتراف ابشع الجرائم منذ بداية تسلطها على الحكم انذاك وكانت تلك خير دليل على الدور الخياني الذي اوكل به عفلق واعضاء حزبه من البعثيين. ولكن السلطة العارفية ابدت مرونة واضحة في تعاملها مع البعثيين ولم تتمكن من القضاء عليهم نهائيا بعد الانقلاب عليهم في 18/ تشرين الثاني من نفس السنة، بل تم اعفاءهم من التهم الموجهة اليهم واطلق سراحهم لاحقا مما اتيحت لهم الفرصة ثانية لتنظيم عناصرهم والتغلغل داخل قيادات الجيش والمراكزالحيوية، حيث تمكنوا من تقوية تنظيماتهم ثانية ونجحوا في الاقدام على القيام بانقلاب عسكري في 17/تموز عام1968 .(1)

تبني حزب البعث مفهوم الاشتراكية القومية مثلما تبناه الحزب النازي الالماني و ان البعث سمي بالبعث العربي الاشتراكي على غرار الحزب الاشتراكي القومي الالماني المعروف بالحزب النازي الالماني. واستند الحزب النازي الالماني على الافكار العنصرية وادعى تفوق الالمان والعنصر الاري بشكل عام ودأب على غسل ادمغة الشباب الالماني وزرع الافكار العنصرية على اساس ذلك. ورفع هتلر شعارات تمجد فيها الامة الالمانية ووحدتها ووحدة الاراضى الالمانية وقائدها الاوحد المتمثل في شخصه واطلق علي نفسه تسمية الفوهرر وكان ذلك نابع من شدة غروره وغطرسته واعجابه الشديد بنفسه مما ادى الى تبنيه الدكتاتورية المطلقة في الحكم واتخاذ القرارات الفردية وخنق كل الاصوات المعارضة لسياسته الفردية ونزواته الجنونية. وكذلك فعل حزب البعث ومن خلال ممارسات الطاغية صدام عندما اطلق شعارات مماثلة في تمجيد الامة ووحدتها ورسالتها الخالدة واطلق شتى انواع الصفات على نفسه كقائد الامة وباني مجدها وبطل تحريرها القومي وعكف على تطبيق الدكتاتورية الفردية في قراراته و ممارساته القمعية ضد المعارضين لسياساته الجنونية، وقد استمر في تقوية سلطته الشمولية وبناء الدولة البوليسية و نشر الرعب وممارسة القمع والاستبداد باعتماده على اجهزة الامن والمخابرات ومؤسسات الجيش ووسائل الاعلام التي اولتها الاهتمام البالغ لتمرير مآربه والتطبيل لانجازاته الواهية وسياساته العدوانية وانتصارته الموهومة.

هناك كثير من اوجه التشابه والتوافق بين السياسات التي اتبعها الحزب النازي الالماني وحزب العفالقة في العراق حيث يمكن الاشارة الى النقاط المشتركة التي تجمعهما على النحو التالي:

1- طرح الحزبان مبادئهما على اساس كونها مناهج ومبادئ مقدسة واتخذوا من الدين وسيلة لترسيخ توجهاتهما بل اردا الحزبان وضع مبادئهما موضع الدين وادعا كونها الطريق الصحيح لانبعاث الامة بتبنيهما الاشتراكية القومية و محاربتهما الافكار الاشتراكية والشيوعية. اتبع البعث الفاشي نفس الاسلوب الذي اتبعه النازيين بزعامة هتلر في تعامله مع الدين واستخدامه كوسيلة لتمريرسياساتها حيث دابت الفاشية في العراق على سحق الفكر الديني المعارض للنظام فيما راح النظام يشتري النفوس المريضة من رجال الدين ويستخدمهم ابواقا لدعاياته ولاسيما في المناسبات الدينية و خطب صلاة الجمعة و باشر في تغييرمناهج التعليم و جعل الدين من خلالها مجرد ارث حضاري يهدف البعث الى احياء قيمه بما يتلاءم مع اهدافه السياسية.

2- تبنى حزب البعث نفس الموقف الذي اتخذه الحزب النازي حول المراة ودورها في المجتمع. فمثلما اهمل الحزب النازي المراة وجعل منها مصدر للانجاب فقط وحصر دورها في رعاية البيت وتنشيئة الاطفال ورعاية المرضى والجرحى في المستشفيات ومنع نشاطاتها الاجتماعية والتنظيمية و مشاركتها بادوار بناءة في المجتمع، انتهج حزب البعث في العراق نفس الاساليب النازية بحق المراة و حصر نشاطاتها في تنظيم تابع لمؤسساته الحزبية بهدف الغاء دورها ومسخ توجهاتها في المساواة والحرية.

3- اتبع البعث الفاشي الاسلوب النازي في نظرته الدونية الى الشعوب الاخرى، فمثلما استخدمت السياسة النازية الوسائل الرهيبة وحملات الابادة الجماعية المعروفة بالهولوكوست ضد اليهود و وكذلك حملات الابادة ضد الغجر والشعوب السلافية اللذين اعتبرتهم النازية في مستويات ادنى من الشعب الالماني، باشر البعث العفلقي ببث دعاياته وافكاره العروبوية وراح يهيا الاجواء لمحاربة الشعب الايراني واطلق عليهم تسمية الفرس المجوس اثناء الحرب المدمرة ضد ايران كما واتبع سياسة الارض المحروقة والابادة الجماعية ضد الكورد في كوردستان و قام بتنظيم حملات الابادة الجماعية ضدهم على غرار الهولوكوست في عمليات الانفال الوحشية، واتبع اقسى الاساليب القمعية ضد سكان الجنوب الشيعي وراحت عشرات الالاف منهم ضحايا لتلك السياسات الفاشية وذلك تطبيقا لافكار مؤسس البعث الفاشي “ميشيل عفلق” القائلة (ان الكرد في العراق وسوريا والبربر في المغرب العربي يشكلون العرقلة امام مشروع الوحدة العربية ويجب افناءهم).

4- الحزب النازي اشعل الحرب العالمية الثانية عندما قامت الجوش النازية بغزوها للدول المجاورة تنفيذا لرغبات هتلر الجنونية، كذلك اشعل صدام ونظامه البعثي في العراق منذ مجيئه الى السلطة الحروب الجنونية ضد الشعب الكوردي داخل العراق وضد الجارة ايران ودفعت بالقوات العراقية الى غزو الكويت والتي جلبت جميعها المآسي والويلات على الشعوب في العراق و الدول التي تعرضت للعدوان البعثي وكانت حصيلتها الدمار الاقتصادي والاجتماعي وزعزعة الاستقرار السياسي واعطاء المبررات للتدخلات الاجنبية في المنطقة.

5- مثلما خصص الحزب النازي الالماني جل موارد المانيا لانشاء الالة الحربية الضخمة وبناء المؤسسات العسكرية واجهزته الامنية ووسائل الدعاية الحزبية والعسكرية، اقدم البعث الفاشي في العراق على اتباع نفس الاسلوب وسخر موارد الشعب العراقي لبناء المؤسسات العسكرية واجهزة الامن والمخابرات والدعاية والاعلام.

6- يشترك النازي الالماني والبعث العراقي بتركيزهما على المناهج التعليمية وتغيرها حسب ايديولوجيتهما لغسل ادمغة الجيل الناشئ من الطلبة والشباب وكذلك انشاء منظمات شبابية تشرف عليها اللجان الحزبية واتباع السياسات المركزية في هذا الاتجاه ومنع اية نشاطات جماهيرية مستقلة سواء للطلبة والشباب او للتنظيمات النقابية العمالية والاتحادات الفلاحية والنسائية وغيرها.

7- سيادة الفكر الشمولي عند النازية الالمانية والبعثية العراقية واشتراكهما في طغيان الدكتاتورية الفردية في ادارة البلاد، ونتيجة لذلك جرّت النازية الالمانية والفاشية البعثية البلدين المانيا والعراق الى الهزائم العسكرية والانهيار الشامل للدولتين وتسببت سياساتهما في خلق المناخ المناسب لاحتلال البلدين من قبل القوات الاجنبية .

8- كانت نسبة 80% من المدرسين الالمان من المنتمين الى الحزب النازي، وقد سار البعث الفاشي على نفس النهج في اعداد المدرسين والمعلمين من البعثيين و حصر القبول في كليات التربية ومعاهد المعلمين على المنتمين لحزب البعث وطرد المستقلين الين يرفضون الانتماء الى البعث من سلك التعليم.
يظهر فيما سبق ذكرها مدى توافق البعث الفاشي مع النازية الالمانية في الفكر والاسلوب والممارسة.

اجتثاث النازية

وقد انتبهت العالم الى خطورة الافكار النازية وخلصت الى ضرورة اجتثاثها عقب هزيمتها ورسمت لها البرامج والقرارات الخاصة تهدف الى ضمان قبرها الى الابد. وقد اقيمت لهذا الغرض محكمة دولية خاصة في نورينبرغ لمحاكمة مجرمي الحرب النازيين بدات محاكماتها في تشرين الاول 1945 واستمرت لغاية الاول من تشرين الثاني 1946. وقد شملت اجراءات اجتثاث النازية على حل جميع التنظيمات والتشكيلات التي كانت تابعة للحزب النازي و منعها من مزاولة نشاطاتها و مصادرة كل الممتلكات والمتعلقات التي تعود اليه، ازالة جميع اعضاء الحزب النازي و مؤيديهم و المتعونين معهم والعسكريين الذين خدموا اهداف النازيين من الخدمة العامة والقطاعات المدنية والاقتصادية والصناعية والتجارية والزراعية والتعليمية والاعلام والنشر والتنظيمات العمالية والمهنية الاخرى. وقد صنف المشمولين باجراءات اجتثاث النازية الى عدة مجموعات: المجرمين الذين قد يحاكمون بالسجن لمدة تصل الى عشر سنوات ويحرمون نهائيا من العمل في الخدمة المدنية- المجرمين الذين قد يتعرضون الى السجن او تضمينات مالية او الحرمان من العمل في الخدمة المدنية- الجرمين الذين يدانون بجرائم اقل الذين قل يتم تضمينهم ماليا- والمؤيدين والتابعين للقيادة النازية. وقد شملت المحاكمات 930000 شخصا ادانتهم المحاكمات بتهم مختلفة من بين عدة ملايين من الاشخاص ممن ادرجوا لشمولهم بالمحاكمات. وظهرت نتائج المحاكمات ان 1549 شخصا قاموا بارتكاب جرائم رئيسية و 21000 ساهموا في ارتكاب جرائم مختلفة و 104000 اتهموا بارتكاب جرائم اخف وعوقبوا باحكام السجن لمدد مختلفة و 475000 كمؤيدين للنازية. وكانت حصيلة الاحكام 9000 شخص حوكموا بالسجن باحكام مختلفة و 22000 طردوا من الخدمة العامة و تم مصادرة اموال 25000 شخص و تضمين 500000 شخص.(2)

اجتثاث البعث و المصالحة الوطنية

هناك تساؤلات تطرح نفسها في هذا الوقت بالذات: هل ان الطاغية صدام واركان نظامه الواردة اسماءهم في القائمة الامريكية هم المسؤولون المباشرين عن كل الجرائم البشعة للنظام؟. هل كان بمقدور النظام الاستمرار في تنفيذ سياساته الاجرامية دون الاعتماد على الدعم والمساندة من الجهات التي تورطت في تقوية سلطتها والتطبيل لسياساتها او السكوت عليها سواء من الداخل او الخارج؟. وهل يجب ان نترك عشرات الالاف من رجال الامن والمخابرات وتجار الدم والمرتزقة والمجرمين الذين تخرجوا من مدارس الارهاب البعثية احرارا طليقين امام اعين الجماهيرالعراقية واسر مئات الالاف من الضحايا المدفونيين في المقابر الجماعية؟
لابد من الاشارة الى ان عبارات ” عفا الله عما سلف ” و” العفو عند المقدرة” و”المصالحة الوطنية (3)”الذي يحلو للبعض اتخاذها شعارات في العهد الجديد في العراق للتعامل مع هؤلاء المتورطين بذرائع شتى ولاغراض ذاتية ضيقة لا تأتي الاّ من الذين كانوا يشاطرون النظام في وقت من الاوقات والذين لايراعون مشاعر الملايين من ابناء وبنات الشعب العراقي. اذا كانت الدعوة الى انهاء الوجود الاجنبي هو الهدف من المصالحة المزعومة مع البعثيين والدعوة الى اعادة دورهم و نسيان جرائمهم اللاانسانية فيجب ان لاننسى ان الاحتلال هو نتاج ممارسات البعث وخاتمة جرائمهم.

يجدر توجيهه اصابع الاتهام(4) الى كل الضالعين في دعم وتقوية النظام المقبور حيث لولاهم لما استمر النظام الجائر في غييه وما وصلت اليه العراق الى هذه النهاية البائسة، وعليه يجب محاكمة ومساءلة كل من شارك في خدمة الطاغية بعد مجيئه الى الحكم من:

* قادة الفيالق والفرق وامراء الوحدات العسكرية والطيارين وضباط التوجيه السياسي والاستخبارات العسكرية في الجيش ” العقائدي ” و رؤساء ومدراء وضباط اجهزة الامن والمخابرات ووكلاءهم في دوائر الدولة المدنية وقادة وامراء قواطع الجيش اللاشعبي وما سمي بجيش القدس وفدائيي صدام .

* مسؤولي الالة الاعلامية واصحاب الاقلام الرخيصة والمداحين والمنافقين من اشباه الكتاب والشعراء والطبالين من المطربين والملحنين من العراقيين والعرب اللذين مجدوا الطاغية بكتابتهم وقصائدهم وانشدوا لانتصاراته الموهومة في حروبه المدمرة.

* الذين تبوؤا المناصب الوزارية والمراكز العامة في المؤسسات الحكومية من درجة مدير عام فما فوق و الدرجات الخاصة ورؤساء الجامعات والاتحادات المهنية والنقابية.

* اللذين شاركوا في تنفيذ عمليات الابادة الجماعية في مذابح الانفال وتدمير القرى والقصبات في كردستان وعمليات تجفيف الاهوار و قمع الانتفاضة الجماهيرية سنة 1991 من المسؤولين العسكريين والمدنيين والمرتزقة المتجاريين بارواح الابرياء وكل البعثيين اللذين ساهموا في توريط المعارضين للنظام برفع تقارير حزبية وامنية.

* الذين قلّدوا الاوسمة والانواط ونياشين العار أو دعوا لحضرة الطاغية لمباركتهم على تفانيهم في خدمة النظام أومدّوا ايادهم لمصافحة يده الاثمة او انهالوا عليه بالتقبيل والمديح والاطراء اثناء الالتقاء به وخصوصا بعد اخماد الانتفاضة الجماهيرية في عام 1991.

* ادعياء الدين من ائمة وخطباء الجوامع اللذين ارتضوا لانفسهم ان يكونوا ابواقا رخيصة وكرسوا الدين لمناصرة ممارسات النظام.

يجب ان تكون لجماهير الشعب العراقي كلمتها بحق هؤلاء وان لا يحق لاحد ان يعطي لنفسه حق التصرف في اصدار القرارات والادلاء بتصريحات ضد رغبة الملايين من الناس التي عانت على ايدي عصابة القتل والارهاب ويجب على القائمين على ادارة شؤون العراق، العمل على استبعاد هؤلاء من اية وظيفة عامة واصدار القوانين التي من شأنها محاسبتهم قضائيا.

كما ويجب ان ننسى دورالمقامات والافراد من العرب والاجانب اللذين ربتوا على كتف الطاغية عندما اقحم العراق في حربه القذرة مع ايران في قادسيته السوداء وظلوا على علاقات اخوية معه ووفروا له كل الامكانيات من المال والسلاح لاسناد آلته الحربية وسكتوا عن جرائمه الوحشية بحق الشعب العراقي و اصحاب الشركات والمصانع التي زودت النظام بالاسلحة والمعدات الحربية وخاصة الكيمياوية منها والبايولوجية وساهمت في تدريب اجهزتها القمعية وكذلك السماسرة وتجار الحروب اللذين تورطو في ذلك ويجب مطالبتهم بتقديم الاعتذار للشعب العراقي و المساهمة في مساعدته على نسيان المعاناة التي سببتها سنوات القهر والحرمان بغية تمكينه من النهوض مجددا لبناء مستقبله.
كما وان القضاء على البعث لا يمكن تحقيقه بزوال رموزه او ابعادهم من الساحة السياسية او الخدمة العامة بل يجب العمل جاهدا على ازالة الايديولوجية الفاشية الشوفينية التي اقدم البعث الفاشي على زرعه في كيان المجتمع العراقي وذلك بالتركيزعلى اتباع الاساليب السليمة في خلق مناهج تعليمية والقيام بحملات التوعية الجماهيرية في كافة الميادين واقامة تجمعات ثقافية و فنية واعلامية مركزة. ولا يجب ان يغيب عن البال توخي الحذر من العناصر الانتهازية التي قد تظهر بمظاهر متعددة وتلبس ثوب الوطنية بينما لا تزال الايديولوجية البعثية معشعشة في كيانها. ان العمل على اقامة مؤسسات المجتمع المدني العصري و خلق اجواء الرحبة للجيل التواق الى الديموقراطية وخلق حالة الابداع لديه وتأهيله وتثقيفه بافكار عصرية من اجل نبذ ثقافة العنف والروح العدوانية التي رسخها البعث الفاشي في مخيلة الشباب خلال عقود تسلطه، من شانها الاسراع في عملية اجتثاث البعث. نقطة مهمة اخرى يجب الانتباه اليها هو المال العام الذي اغدقته سلطة البعث الفاشية على جلاوزته ومناصريه ووالذي يعتبر مصدرا مهما لنشاطاتهم وتحركاتهم الحالية وقد يكون عاملا مهما في اعادة تنظيمهم لذا يجب ان يسن لها القوانين التي من شأنها مصادرة الاموال التي حصل عليها البعثيون من جراء تقديم خدماتهم للنظام البعثي البائد

اجتثات ابي بكر

اجتثاث أبي بكر

لم يخيّب السيد بهاء الأعرجي شكوك غالبية العراقيين والذين لا يحسنون الظن به ولا بالمدرسة السياسية التي ينتمي إليها, فكان تصريحه المتعلق بالصحابي أبي بكر الصديق , فيه من الجهل بمقدار ما فيه من الرعونة , وفيه من الظلامية بمقدار ما فيه التخلف . لم يجد هذا النائب وسيلة لتجديد عضويته في مجلس النواب وتعضيد تشوّفه إلى مجلس الوزراء , إلا عبر مخاطبة أحط الغرائز الطائفية لجموع الرعاع والجهلة والأميين الذين يشكلون قاعدة التيار الذي ينتمي إليه , ضارباً عرض الحائط في سبيل شهوة السلطة بقيم الوحدة الوطنية في زمن بالغ الحساسية أوشكت فيه هذه الوحدة على التصدع لأسباب يتحمل تياره مسؤوليتها بالتساوي مع مجرمي تنظيم القاعدة . ولأني أتحدر من كبد مدينة النجف فبوسعي القول باطمئنان أنه ما من شيعي تجاوز عتبة الأمية وله إلمام بالشأن العام إلا ويأبى التعرض بسوء للخلفاء الراشدين , سواء إعراضاً منه عن الخوض في أحداث دارت قبل أكثر من ألف وأربعمائة سنة وشابها الكثير من التحريف والتزوير خدمة لأغراض سياسية دنيوية , أو ثقة منه بمبدئية أمير المؤمنين علي بن أبي طالب الذي محض الشيخين ولاءه وأخلص لهما المشورة والرأي , ولقد وقف عليّ بباب أبي بكر ساعة وفاته ونعاه قائلا : ” يرحمك الله يا أبا بكر , لقد كنت والله أول القوم إسلاما , صدقت رسول الله حين كذّبه الناس , وواسيته حين بخلوا , وقمت معه حين قعدوا ” .

ويعرف أهل النجف بالذات أن الخائضين في ذلك المستنقع الطائفي كلهم من جهلة المعممين ذوي الرقاب الغليظة والأوداج المنتفخة والكروش المتهدلة .

ويتبدى جهل النائب وضحالة ثقافته العامة في قوله بأن أهل السنة قد استولوا على الحكم منذ عهد أبي بكر وحتى عهد أحمد حسن البكر . وبغض النظر عن هذا السجع السخيف إلا أنه يبقى مجافياً لحقائق التاريخ ووقائعه . فقد عرف تاريخ العراق والشرق الأوسط أربع دول شيعية على الأقل , منها الإمبراطورية الفاطمية التي توسعت رقعتها فشملت كل شمال افريقيا ومصر وغرب الجزيرة العربية وشمال السودان , وشملت سيادتها جزيرة صقلية الأوروبية , و قد عاشت هذه الإمبراطورية ثلاثة قرون عرفت فيها – شأن كل امبراطورية – عقوداً من المجد والعظمة , وعقوداً أخرى من الانحطاط والضعف ؛ ومنها الدولة الشيعية البويهية التي حكمت العراق و بلاد فارس حوالي المئة عام ؛ ومنها الدولة الصفوية التي حكمت العراق حوالي المئة عام أيضاً وتجاذبته مع الدولة العثمانية , ومن المصادفات أن قاسماً مشتركا يربط السيد بهاء الأعرجي بالشاه عباس الصفوي الذي جعل شعاره سبّ الخلفاء الراشدين الثلاثة !

وكذلك شهد العراق حكم الدولة الحمدانية الشيعية والتي اتخذت من الموصل عاصمة لها , ولكن نفوذها شمل العراق بأسره.

وكان يتعين على بهاء الأعرجي أن يحفظ غيبة أبي بكر الصديق على الأقل إكراماً لابنه محمد بن أبي بكر الذي اصطف إلى جانب الإمام علي بن أبي طالب وقاتل معه التيار المنحرف في المجتمع الإسلامي الوليد , ودفع حياته ثمناً لموقفه المبدئي ذاك . ولكنه ليس الجهل وحده الذي يطغى على عقل بهاء الأعرجي ولسانه , ولكن ظلامية المدرسة السياسية التي ينتمي إليها والتي لم تكن شيئاً مذكورا قبل احتلال العراق عام 2003 , ولم تطف على سطح السياسة العراقية إلا بالولوغ في دماء الأبرياء عبر إذكاء الفتنة الطائفية التي شرعت بتحويلها إلى حرب طائفية عامة لولا وعي العراقيين .

هذه المدرسة التي خرّجت نماذج من طراز حاكم الزاملي – سفاح وزارة الصحة – وأبي درع – سفاح بغداد – ومصطفى اليعقوبي – سفاح الحضرة العلوية – وشريكه قيس الخزعلي , وعلي الشمري – العميل الأميركي – وسلام  المالكي – لص وزارة النقل بالاشتراك مع خاله أبي عقيل – وعشرات غيرهم من أسوأ الفاسدين والمرتشين والقتلة الذين ابتلي بهم العراق وأهله كتوابع للزلزال الذي ضرب البلد في ربيع 2003 .

والمفارقة المثيرة للسخرية في هذه الحكاية , أن التيار الذي ينتمي إليه السيد الأعرجي يزعم في بياناته الإعلامية تحريم الفتنة الطائفية , ودعا في وقت ما إلى صلاة مشتركة تجمع كبيره والشيخ حارث الضاري – صاحب مقولة القاعدة منا ونحن منها – وزعم في وقت آخر إمداده لمقاتلي الفلوجة بالرجال والسلاح في معاركهم ضد الإحتلال الأميركي ثم ضد حكومة السيد أياد علاوي ؛ فكيف أمكن للأعرجي وتياره أن يلتقيا مع تلك الفئات من أهل السنة , وهم يضمرون العداوة لأبرز رموزهم ويتهمونه باغتصاب السلطة ؟ والأهم من ذلك كله أن أحداً لم يتوقف وينبّه الأعرجي إلى أن أبا بكر الصديق لم يكن سنّياً بمقدار ما لم يكن الإمام علي شيعياً , وإنما كانا مسلمَين وحسب . وهل يغيب عن بال من يزعم أنه محام أن الانقسام لم يبدأ في المجتمع الإسلامي إلا بعد عصيان معاوية بن أبي سفيان وخروجه على الخليفة الشرعي علي بن أبي طالب , ليصبح الإنقسام من يومها وحتى وقتنا هذا ما بين أموي وعلوي , وأن تعبير شيعي وأهل السنّة لم يدخل في التداول الإسلامي إلا بعد عقود على رحيل الخليفتين ؟

وفي كل الأحوال فإن ذلك الصراع صار من أحداث التاريخ , وأطرافه هم من أمة قد خلت لها ما كسبت , وقد تجددت المظاهر الفكرية لذلك الصراع واتخذت أبعاداً مزيفة لا علاقة لها بأصوله , لأسباب تتعلق بالسياسة الصفوية وبصراعها مع الدولة العثمانية , وليس له على وجه اليقين صلة بالدين الإسلامي ولا بصحيح تراثه ومراميه . وفي يومنا هذا تكرر دولة الفقيه الإيراني نفخ الرماد عن تلك الأساطير لتشعل العراق والخليج العربي ناراً لأسباب تتعلق بصراعها السياسي مع الدول الغربية , وليس بهاء الأعرجي وتياره وسواهما من الأحزاب الطائفية إلا أدوات فارسية مأجورة , هي سبّة في وجه التشيع ووصمة عار في جبين الإسلام .

إن أي متتبع لتاريخ إيران منذ انهيار الإمبراطورية العربية وحضارتها الإسلامية , سيكتشف بسهولة قانوناً حكم السياسة الإيرانية على تعاقب القرون واختلاف أنظمة الحكم , وهو أن إيران تبقى دائماً دولة قومية تستغل المذهب الشيعي لخدمتها, ولم تكن هي يوماً في خدمة المذهب الشيعي .

المحامي سليمان الحكيم

18-2-2010

المهداوي

بقلم: فراس فاضل المهداوي


كان المهداوي منشغلا بحلاقة ذقنه حين رن جرس الهاتف في ذلك الصباح الرمادي الكالح المحمل بصقيع شباط المريب والمفجع.. رد المهداوي على المتكلم في الطرف الاخر كما هي عادته دائما حين يرن جرس الهاتف، كان المتكلم اجش الصوت مرتعبا يرشح حقدا وكراهية وكان يتوعد على طريقة الجبناء حين تؤاتيهم الفرص..

كنا نستعد لتغيير ملابسنا حتى نرافق الوالد كعادتنا في ايام الجمع اما للتنزه او زيارة بعض الاصدقاء او الذهاب الى الكاظمية، اما في هذه الجمعة فكان موعدنا في المركز الثقافي السوفييتي لمشاهدت احد افلام الحرب العالمية الثانية. بعد هذه المكالمة فتح المهداوي المذياع فسمعنا بيانات الانقلابيين والتي تعلن عن مقتل عبدالكريم قاسم وبدء العهد الجديد. ارتدى والدي ملابسه العسكرية على عجل وطلب من رئيس العرفاء اسماعيل المسؤول عن فصيل الحماية المكلف بحراستنا تحضير السيارة العسكرية مع جنديين بكامل اسلحتهم والتحرك فورا الى وزارة الدفاع. بعد دقائق طرق الباب وكان الطارق ملازم غازي ولا اتذكر اسم ابيه مع اخي الاكبر صادق وكان رئيس عرفاء مظليا، كان ملازم غازي يقود سيارة مرسيدس زرقاء طلبوا من الوالد اصطحابهم كي يتوجهوا الى كردستان لمعرفتهم بالعلاقة الجيدة التي تربط المهداوي بقيادة الحركة الكردية والتي لم تتأثر اطلاقا بالعمليات العسكرية التي قام بها الجيش ضد الشعب الكردي آنذاك، انتهرهم المهداوي وطلب منهم التوجه الى وزارة الدفاع او معسكر الرشيد للدفاع عن الثورة. بعدها غادر البيت برفقة رئيس عرفاء اسماعيل وجنوده، قطعت عليهم الطريق مجموعة من قطعان الحرس القومي التي بدأت تنتشر في شوارع بغداد حين سمعه البيان الاول للانقلاب.. امر المهداوي مرافقيه ان يطلقوا النار عليهم ومواصلة الطريق كان هذا آخر عهدنا بالمهداوي.. لم يتخاذل ولم يتردد ولم يتراجع كما يتحرض البعض بل برز الى مضجعه كبطل مغوار وخاض معركته الاخيرة ليومين متتاليين واستشهد وهو يهتف (يحيا الشعب).. بقينا في البيت تسيطر علينا مشاعر الخوف والقلق والحزن.. ام وحيدة وسبعة اطفال والمذبحة تقترب والسماء ملبدة بنذر شريرة اقترب النهار من منتصفه ونحن لاندري ماذا نصنع اعدت لنا الوالدة طعام الغذاء كان رزا احمر مع حساء ولحم احضرته على عجل البعض منا اكل قليلا والبعض لم يستطع وانا منهم ومازلت منذ ذلك اليوم لا استطيع تناول الرز الاحمر او حتى مجرد النظر اليه. قبيل العصر سمعنا اصوات جنازير دبابات تقترب من البيت (كان بيتنا في المسبح) شعرنا برعب حقيقي وانكفأنا على بعضنا لاندري ماذا نفعل واذا بعريف مطر وهو الوحيد الذي بقي من فصيل الحماية معنا. طالب منا مغادرة البيت فورا وعدم الخروج من الباب الرئيسي بل الصعود الى السطح وتسلق شرفات البيوت المجاورة (كان المهاجمون يعتقدون بأن المهداوي مختبئ في البيوت حيث لم يعلموا من هم الموجودون في وزارة الدفاع مع الزعيم عبدالكريم قاسم ولا عددهم الحقيقي.. تسلقنا شرفات الدار بمساعدة عريف مطر ونحن لم نزل في ملابس النوم وحفاة وكانت الوالدة معنا كنا سبعة: مناضل نضال منوّر افاء فراس نوال وفرند.. عبرنا اربعة اسطح ثم نزلنا على سطح مرآب الالبانية والتي كانت مجاورة لنا. شعرنا بنوع من الاطمئنان حين بدأنا النزول الى باحة السفارة من على سلم خشبي كان منصوبا هناك، طرقت والدتنا باب السفارة الذي كان موصدا فأطل بعض موظفي السفارة من الشرفة وكان احدهم يتحدث العربية فسألنا من نحن وماذا نريد فاخبرته الوالدة بمن نكون ولماذا جئنا الى هنا لكنه اعتذر عن مساعدنا وطلب منها أن تنتظر داخل المرآب الى ان ينظر مسؤولو السفارة في الامر. ذهبت بنا الوالدة للمرآب وكان مفروشا بالتبن فبقينا داخله الى ان انتصف الليل وحين لم يأت النيا احد ارسلت امي مناضلا ليطرق بابهم ثانية ويطلب المساعدة فقد اشتد بنا البرد والجوع والقلق وبعد ان اتى مناضل يطرق الباب اطل نفس الشخص الذي كلمنا اول مرة ورمى له بكمية من الخبز والمعلبات طالبا منه عدم ازعاجهم ثانية فرجع الينا بما معه وبعد ان اكلنا قليلا نمنا ملتحفين ببعضنا والوالدة فوقنا معتقدة انها ستبعث الدفء في اوصالنا المتجمدة.. بقيت حالتنا الى يوم 15 شباط حينها نزل الينا الموظف الذي كلمنا في اليوم الاول وطلب منّا مغادرة المكان متذرعا بهدوء الوضع ورفع منع التجول خلال ساعات النهار.. خرجنا الى الشارع العام ونحن نصف موتى من شدة ما عانيناه في اليومين الماضيين قررت الوالدة ان نذهب الى بيت عمتي فاطمة المهداوي وكان زوجها العميد الركن محمد حسين صبري كان بيتهم في دور الضباط وطلبت من مناضل ومنوّر ان يسبقونا الى هناك لدرء الشكوك من حولنا حيث كانت حواجز الحرس القومي منتشرة على كافة الطرقات ثم اوقفت سيارة اجرة كانت مارة من هناك ورجت من سائقها ان يوصلنا الى دور الضباط فقال لها اركبوا وبدا عليه الاستغراب من منظرنا واشكالنا المتعبة اتذكر ان السيارة اوقفت في ساحة مرجان من قبل حضيرة من الحرس القومي سألوا السائق عن كلمة السر فأجابهم ((سالم)) حينها سمحوا له بالمرور بعد ان تطلعوا فينا مليا دون ان يعرفونا طبعا ودون ان يسألونا شيئا.. بعدها سألت الوالدة السائق عن اخبار الانقلاب فاستغرب من سؤالها واجابها بسؤال آخر قائلا هل بقي احد في العراق لم يعرف بأن الزعيم قتل فامتقع لونها وسألته ثانية (خالة والمهداوي)؟ فأجابها بأنه قتل مع الزعيم هو الاخر ألم تشاهديهم في التلفزيون؟.. حينها انتابها حالة من النواح ولكن بصوت منخفض محاولة السيطرة على مشاعرها حينه كانت تعلم ان هذا الموقف يحتاج الى جلد استثنائي.. وصلنا بيت عمتي وطرقنا الباب فخرجت عمتي وهي متشحة بالسواد وما ان رأتنا حتى اجهشت بالبكاء طلبت منها الوالدة ان تدفع اجرة السيارة ففعلت ثم ادخلتنا البيت كان زوجها موجودا ايضا سألتهم امي عن مناضل ومنوّر فقالوا انهم لم يصلوا بعد وحين مضى الوقت ولم يأتوا استبد بنا القلق فطلبت عمتي من زوجها ان يستفسر عنهم فاتصل بعبد السلام عارف راجيا اياه ان يساعد في العثور عليهم (كانوا قد اعتقلوا في الطريق حيث تعرف عليهم احد افراد الحرس القومي) فوعده عبدالسلام بأنه سيفعل ثم سأله ان كان بامكان عائلة المهداوي الرجوع الى بيتهم فأجاب بنعم وانه سيرسل مجموعة من الجنود لحمايتهم خشية ان يتعرض لهم احد.. سمعت والدتي مادار في هذه المكالمة وبعد ان اكد لها العميد محمد حسن صبري ما قد سمعته عرض عليها ايصالنا الى البيت بسيارته الخاصة فوافقت وكانت هذه رغبتها ايضا.. وصلنا الى البيت وحين دخلناه وجدنا كأن اعصارا قد عصف به حيث تبين لنا من خلال الخراب الذي حل به انهم فتشوا عن المهداوي حتى في دفاترنا المدرسية كانت السماء حمراء مغبرة ترسل سياطا من البرد الازرق وكانت لنا سدرة في الحديقة.. اعشقها.. وحين رجعنا.. ركضت اليها.. كأني اريد بأن اتأكد هل هذه سدرتي؟. نعم هي تلك.. وقد نفضت نبقها.. واوراقها الصفر تغطي صدر التراب.. انها ثاكلة.. تبكي عصافيرها النازفة.. من هنا صرت اعرف حزن الشجر.. ياسدرتي.. سدرة المنتهى انتِ ياسدرتي وقبل ان يمضي الاسبوع الاول من مهرجان الدم هذا طرقت بابنا مفرزة الشرطة يقودها عقيد وبينهم مدني واحد يحمل دفترا كبيرا يشبه سجلات النفوس بعد ان فتحنا لهم الباب سأل العقيد ان كان هذا هو بيت المهداوي فردت عليه والدتي بالايجاب طلب منها ان تسمح له بالدخول وجرد محتويات البيت لغرض وضع اليد عليها وحجزها فردت عليه بأن يتفضل وينفذ ما امر به.. لم نكن نملك غير جهاز التلفزيون وادوات مطبخ ومكتبة واسرّة نوم وسجادة قديمة شقت من وسطها بفعل تقادم الزمن.. دهش العقيد ومن معه لهذا الاثاث الامبراطوري ثم سألنا هل هذا كل ماعندكم فأجبناه نعم فقال اين ملاعق الذهب اين السجاد الايراني اين الكرستال البوهيمي؟. ثم طوّح بيده في الهواء ماطا شفتيه بسخرية ظاهرة وغادر البيت مع جماعته خجلا دون ان يفتحوا دفاترهم. كانت محكمة الشعب محكمة شعبية حقا وكانت تحظى بدعم وتعاطف جماهيري واسع وكان لشخص المهداوي دور كبير في اثارة عواطف الجماهير وحماستها لاسلوبه الساخر وتعليقاته الظريفة والتي كانت توقع المتهمين في احيان كثيرة في تناقضات تبين من خلالها كثير من الحقائق ما يساعد المحكمة على انجاز مهمتها بنجاح. لم يمثل اي متهم امام المحكمة بدون وجه حق ولم تلفق التهم جزافا ولم يمنع اي من المتهمين من توكيل محام او اكثر ولم تنتزع اعترافات المتهمين بالاكراه ومن يسمع باسماء من مثلوا امام محكمة الشعب ويتابع ادوارهم بعد عهد عبدالكريم قاسم يتأكد بأن المهداوي لم يظلم احدا منهم. كما كانت المحكمة منقولة على الهواء مباشرة وتشاهد وقائعها من قبل ملايين المشاهدين داخل وخارج العراق وغالبا ماكان بعض المتهمين يهاجم رئيس المحكمة او هيئة الادعاء العام دون خوف او وجل كما كان مبدأ الرحمة فوق القانون هو سيد الاحكام ليعلم ابناء الشعب ان المحكمة التزمت جانب العدالة في احكامها فانها تكتب للتاريخ وتسجل للاجيال القادمة، لم تتحمس لهياج المندفعين ولم تتأثر بميوعة الخائرين ولكنها لم تنس المحافظة على روح الثورة ومبادئ الجمهورية وحقوق الشعب. كان المهداوي نظيف اليد عف اللسان كان يرفض الراتب المخصص له كرئيس محكمة بل كان يتسلم راتبه الوظيفي فقط كضابط في الجيبش كذلك كان لايسمح بتداول اية الفاظ بذيئة في المحكمة قد ترد من باب الاستشهاد حتى كان يرد على احد الشهود بقوله: الناس الشرفاء لايطيقون سماع الكلمات البذيئة وانا بهذا الموقف انصح المواطنين كافة ان يهذبوا الفاظهم في مثل هذه المواقف وخاصة في مجتمعنا.. كان لاذاعة صوت العرب ومذيعها احمد سعيد الدور الكبير بتشويه سمعة محكمة الشعب والنيل من رجال الثورة الشرفاء حيث شنت حملة مضللة ومسعورة يساندها كل من ذهبت الثورة بمصالحه فاستخدمت الشعارات العظيمة والمقدسة لاغراض دنيئة ومشبوهة ووزعت الاموال بدون حساب على المجرمين والقتلة وعديمي الضمير لغرض النيل من كرامات الناس الذين وقفوا مع الثورة وساندوها ودخلت الاسلحة عبر الحدود وقاد الشواف عصيانه الشهير بحجة سخيفة (ايقاف حشود انصار السلام ومنعهم من اقامة مهرجانهم في الموصل). وكان العصيان كما ادعى قادته هو خطوة على طريق الوحدة العربية واي وحدة تتم بسلخ الموصل عن العراق؟!. (كانت زوجة الملازم الاول كامل اسماعيل احد المشتركين في عصيان الشواف انكليزية وكانت تطلق النار من رشاشة استرلنك على جموع المتظاهرين في الموصل). وكان حزب البعث بقيادة عفلق المشبوهة من اشد المناوئين للثورة منذ ايامها الاولى وقام بطرح شعارات طوباوية لانصيب لها من التطبيق الناجح في الواقع العملي مثلا شعارات الوحدة الفورية مع الجمهورية العربية المتحدة والذي استخدم كغطاء للتآمر على الثورة وبالتعاون مع كل القوى المعادية اقليميا ودوليا.

المدى

علي بن ابي طالب

منسي الطيب

…..

مكان ولادة الامام علي بن أبي طالب (عليه السلام) كعبة للمسلمين يتوجهون (إليهِ) بصلاتهم خمس مرات في اليوم وهم لا يشعرون

الكاتب : السوداني منسي الطيب

لو لم يكن لعلي بن أبي طالب مِن المعاجز والمفاخر والمناقب إلا ولادُته المباركة في حجر الكعبةِ المشرفة ، لكانت هذهِ لوحدها كافية أن تجعل من هذا المولود المقدس سيّدا  أوحدا  صمدا  في دنيا الإسلام الذي ارتضاهُ إلهُ العالمين دينا عالميا للبشر.

ولو لم يكن لعلي إلا يومُ إستشهادهِ العظيم في محراب الصلاة ، لكان ذلكَ اليوم أقدس أيام السنة الهجرية التي ابتدأت بأيام الله المعدودة في بطن الكعبة الشريفة وانتهتْ الى يوم القيامة في مسجد الكوفة حيث مقام جبرائيل وإدريس ونوح وابراهيم والخضر وغيرهم من الملائكة والأنبياء والمرسلين والصالحين تأمّهم جميعا الى ربهم الأعلى قطراتُ دماءِ آخر الأوصياءِ المكتـّفين بغصون وصايا الشجرة النبوية المُتدلـية في مقام اللهِ الأعلى.


ولو لم يكن لعلي من الأسماء إلا أسمه ‘العلي الذي فوق العلى رُفِعا’ ، لكفاه هذا عن غيرهِ من الأسماء والألقاب والكنى التي نسبها السارقون الى غيرهِ ابتغاءَ مرضاة السلطان الأموي.


ولو لم يكن لعلي إلا آية ٌواحدة في القران الحكيم تُعلنُ للعالمين بلسان ٍعربي مبين لعلّ العرب يعقلون: (( وإنهُ في أم الكتابِ لدينا لعليٌ حكيم)) لكفى اللهُ المؤمنين بهذه الآية لوحدها جهد البحث وعناء التفتيش في كتب البخاريين والترمذيين والنسائيين ليُبرزوا فضائلا ًبحق علي يرفضها ابنُ تيمية لسببٍ ذكـَرَهُ القرانُ  في ‘سورةالمنافقون’.


ولو لم يكن لعلي إلا شيعتـُه المخلصين الذين تكسّرتْ على أكتافهم سياط ُالظالمين في كل العصور ولم تتكسّر فيهم أصداءُ لاءات الرفض ونـَعَمَات الولاية ، لكفى عليا من عظيم الشأن أن يكون إمام الرافضين للظلم والإضطهاد والعدوان في دنيا طلقها ثلاثا لا رجعة له فيها.


أيها الباحثون عن فضائل علي في بطون الكتب وأحاديث الصحاح: لا تتعبوا أنفسكم بالبحث والتنقيب عن فضائله الكثيرة ، وانظروا الى وجوه أعداء علي على شاشات مملكة الشر ، فهذه بحد ذاتها فضيلة كُبرى ومنقبة أخرى شاء الله أن يضيفها الى معاجز ومكارم ومناقب أبي الحسنين علي.  فتعالى الله علوا كبيرا وسلام على علي يوم ولد في بيت الله ويوم استُشهد في بيت الله ويوم أصبح مهدُ ولادتهِ الميمون كعبةً وقبلة ً للمسلمين يتوجهون ((إليهِ)) بصلاتهم خمس مرات في اليوم وهم لا يشعرون.

جربوا الاقتصاد الاسلامي – الدكتور عائض القرني

حضر مندوبُ اليمن عبد الله بن يحيى العلوي وكان شاعراً إلى مؤتمر دول عدم الانحياز الذي دعا إليه عبد الناصر ونهرو وتيتو، فرفع مندوب اليمن تقريره إلى إمام اليمن آنذاك أحمد حميد الدين وجعل التقرير في قصيدة قال فيها:

* والعـالم الثـالث في نـزاعِ ـ مختلف الأهواء والأطمـاعِ
* فذاك شيوعي يقـول مـالي ـ لــدولـتي ورأس مـالي
* وقد دعا إلى اجتماعٍ ناصري ـ من أجله تيتو وعبد الناصـرِ
* وفي الـوفود غـانة غينيـّهْ ـ أظنهـا من أســرة غنيّهْ
* تلمحهـا الأبصار بالتـوالي ـ وبـالخصوص من سفير مالي.
والقصيدة فيها سخرية وتهكم بالمؤتمر والمجتمعين. والمقصود أن العالم جرّب في الاقتصاد الاشتراكية فكدحت الكادحين، وبطحت الجالسين، وأفلست بالاشتراكيين أجمعين، وجرّب العالم الرأسمالية فتضخّمت الملكية الفردية بكل وسيلة غير مشروعه على حساب الأمة، ثم أعلنت الرأسمالية إفلاسها ونعاها أساطينها وبقيَّ الحل الإسلامي في الاقتصاد العالمي الذي دعا إلى العمل به علماء الإسلام والذي شرعه الله لعباده، وهو أعلم سبحانه بمصالحهم ولكنهم يأبون إلا أفكار البشر وأوهام البشر ودساتير البشر «أَفَحُكْمَ الْجَاهِلِيَّةِ يَبْغُونَ وَمَنْ أَحْسَنُ مِنَ اللّهِ حُكْمًا لِّقَوْمٍ يُوقِنُونَ» والنظام الاقتصادي في الإسلام صمام أمان للفرد والمجتمع؛ فهو يقوم على أحقية الفرد في التملك بالطرق المشروعة مهما بلغ ماله خلافاً للاشتراكية، ويحرّم التملك بالطرق الضارة بالناس من ربا وسحت وغرر وغشّ وخداع ونحوها خلافاً للرأسمالية، وضمن للفقير ما يكفيه، وهي الزكاة بما يعادل 2.5% وحثَّ على الصدقة في وجوه الخير. والعجب أن بعض علماء الاقتصاد في الغرب دعوا إلى تخصيص 2% من الدخل لصالح الطبقات الفقيرة والمسحوقة وتخفيض نسبة الفائدة. وسبقهم إلى هذا الإسلام بقرون، فانظر كيف أباح الله البيعَ وحرّم الربا، ودعا إلى الكسب الحلال ونادى بحفظ المال ودعا إلى الصدقة وأوجب الزكاة ومنع الغش. وجاءت النصوص تشجع الاستثمار المباح. ونادى عبد الرحمن عوف: «دلوني على السوق» وذهب خليفة المسلمين أبو بكر الصديق إلى السوق يبيع ويشتري حتى فرض له الصحابة راتباً من بيت المال فعاد لإدارة الدولة، وعجبي لا ينتهي من بعض أبناء المسلمين الذين يدعون لتقليد الشرق والغرب من اشتراكية ورأسمالية ونسوا شرع الله المطهّر، ولكنه التقليد الأعمى، والمهزوم لا يثق بمنهجه، والمحبط لا يرى إلا جدار غرفته، والإمّعَهَ التابع يحاكي محاكاة الببغاء، حتى إن من أبناء العرب من عقّ الرسالة الخالدة كالماركسي الأحمر، والبعثي الأغبر، والاشتراكي الأنكر، والرأسمالي المدبر، والله أكبر على من طغى وتجبّر. أيها العالم: جرِّبوا الحلَّ الإسلامي كما جربتم حلولاً أثبت الزمن فشلها؛ لأن شرع الله من أعلى، وهي من أسفل، ولأن منهج الله من فوق وهي من تحت، ولأن الرسالة من ربِّ العالمين، وهي من التراب والطين. العالم مقبلٌ على دمار اقتصادي ولا حلَّ له إلا الحل الإسلامي. وحصل دمار قبل هذا عندهم في الأخلاق والأسرة. وأنا أتحدى أن تكون هناك مُعضلة لا حل لها في الإسلام كبُرت أم صغرُت، حتى أن كثيراً من المشرعين في الغرب نادوا إلى الاستفادة من أحكام الإسلام في العقوبات وأحكام المال وشؤون الأسرة والمرأة، فأين علماؤنا من تقديم رسالة واضحة ودعوة صادقة مقبولة تبيِّن سماحة ويسر الإسلام ولكنهم مختلفون إلى الآن حول رؤية هلال رمضان هل هو بالحساب أو الرؤية ولهم في ذلك سنوات. أيها العالم عندنا حل ربّاني سماوي أتانا بسند متصل عن رسول الله صلى الله عليه وسلم عن جبريل عن ربِّ العالمين.

دولة الامام علي

دولة الإمام علي(ع)…

بعض الملامح


علي الشمري



إن أئمة أهل البيت (عليهم السلام) بالرغم من الأمر الذي تمّ على صعيد إقصاءهم عن مجال الحكم، كانوا يتحمّلون باستمرار مسئوليتهم في الحفاظ على الرسالة وعلى التجربة الإسلامية المحمدية، وتحصينها ضد التردي إلى هاوية الانحراف والانسلاخ من مبادئها وقيمها، فكلما كان الانحراف يطغى ويشتد وينذر بخطر التردي إلى الهاوية، كان الأئمة يتخذون التدابير اللازمة ضد ذلك، وكلما وقعت التجربة الإسلامية أو العقيدة في محنة أو مشكلة وعجزت الزعامات عن علاجها بحكم عدم كفاءتها بادر الأئمة إلى تقديم الحل ووقاية الأمة من الأخطار التي كانت تهددها.

وبكلمة مختصرة كان الأئمة يحافظون على المقياس العقائدي والرسالي في المجتمع الإسلامي ، ويحرصون على أن لا يهبط إلى درجة تشكل خطراً ماحقاً، وهذا يعني ممارستهم جميعاً دوراً إيجابياً فعالاً في حماية العقيدة وتبني مصالح الرسالة والأمة، وفي هذا فعل أمير المؤمنين الإمام علي بن أبي طالب(ع) حين تولى مسؤولية الخلافة الإسلامية وتسلّم رسمياً مهمة قيادة الدولة والأمة الإسلامية في فترة سنوات 35-40 هجرية.


الإيجابيات التي جسدها الإمام علي(ع) قبل خلافته

لقد تمثّل الدور الإيجابي الذي جسّده الإمام(ع) في تجربته العظيمة وسياسته الحكيمة في صور عدة أبرزها:

1- إيقاف الحاكم عن المزيد من اللامسئولية والانحراف، وهو ما تجسد كما عبر عنه(ع) حين صعد عمر بن الخطاب على المنبر وتساءل عن ردّ الفعل لو صرف الناس عما يعرفون إلى ما ينكرون، فرد الإمام(ع) عليه بكل وضوح وصراحة «إذن لقومناك بسيوفنا».

2- تعريفة الزعامة المنحرفة إذ أصبحت تشكل خطراً ماحقاً ولو عن طريق الاصطدام المسلّح والشهادة.

3- مجابهة المشاكل التي تهدّد كرامة الدولة الإسلامية، وعجز الزعامات القائمة عن حلها.

4- إنقاذ الدولة الإسلامية من تحد يهدد أمنها وسيادتها.

5- اتخاذ مظهر السلبية والمقاطعة في أكثر الأحايين، بدلاً عن مظهر الاصطدام المباشر والمقابلة المسلحة صيانة لدماء المسلمين، إذ أن المعارضة حتى بصيغتها السلبية كانت بمثابة عملاً إيجابياً عظيماً في حماية الإسلام والحفاظ على مثله وقيمه السامية.

6- تموين الأمة العقائدية بشخصيتها الرسالية والفكرية من ناحية، ومقاومة التيارات الفكرية التي تشكل خطراً على الرسالة وضربها في بدايات تكوينها من ناحية أخرى.

وفي الواقع فإن تلك الآثار الإيجابية وغيرها مثّلت العطاء والدور الإيجابي الذي مارسه الإمام(ع) في الأمة بالرغم من إقصائه عن مركز الحكم لسنوات طويلة، وهذا كان سبباً واضحاً وملموساً في إفراز الواقع المرير والصور السلبية التي رافقت حياة الأمة المسلمة على مختلف الأصعدة (سياسياً واقتصادياً واجتماعياً، بل وحتى معنوياً)، ولدرجة ما آلت إليه الأمور في نهاية المطاف، وبما أدت إلى ثورة الأمة وقتل الخليفة (الثالث) عثمان بن عفان، وبالتالي قيام دولة الحكم الإسلامي بإمامة وقيادة علي(ع)، والتي كانت بحق فترة انتقالية وعودة إلى التجربة المحمدية الأصيلة.

صورة الوضع القائم في عهد الخليفة عثمان

انعكست مسيرة الحكم لعثمان بن عفان، وما آلت إليه من ممارسات خاطئة وتطورات سلبية طالت مجمل الأوضاع السياسية والاقتصادية والاجتماعية، بسبب مباشر من عدد كبير من الولاة والصحابة والعمال، أمثال سعيد بن العاص وعبد الله بن عوف الزهري، وقادة بني أمية وعلى رأسهم معاوية بن أبي سفيان، وغيرهم ممن قربهم عثمان إليه ومكّنهم في الوصول إلى دائرة الحكم.

ويمكن إجمال مظاهر ومساوئ الحالة العامة التي سادت مجتمع الأمة المسلمة وقتذاك بالآتي:

1- سوء الإدارة وفساد جهاز الحكم.

2- سوء السياسة المالية، وشيوع السرقة في بيت مال المسلمين والرشوة.

3- نشوء التعددية الطبقية، وبروز طبقة (الأرستقراطية) التي ضمت المقربين من الخليفة والحاشية الحاكمة.

4- معاداة واضطهاد كبار صحابة الرسول محمد(ص) والإمام علي(ع)، أمثال عمار بن ياسر ومالك الأشتر النخعي وأبو ذر الغفاري ومحمد بن أبي بكر ومحمد بن أبي حذيفة وسلمان الفارسي (المحمدي).

5- سياسة القسوة والبطش، المتبعة في إسكات وقمع حركات الاحتجاج الشعبي لدى مختلف أوساط الأمة.

كل تلك المظاهر أدت إلى تفاقم حدّة النقمة والمعارضة الشعبية الواسعة، وفقدان الأمة الثقة بحكامها، وبالتالي بروز حركات التمرد والثورة ضد الخليفة عثمان وسلطته، فيما كانت الكوفة (العراق) ساحة لأقوى تلك الحركات المعارضة والثائرة طلباً للإصلاح ومحاسبة ومعاقبة المقصرين والمتآمرين على الإسلام والأمة، ولما لم يكن هناك من يصغي للمطاليب المشروعة للأمة، فإنها آلت في نهاية المطاف إلى مقتل الخليفة عثمان وسقوط نظام سلطته الحاكمة.

علي (ع) يتصدّى لتغيير هذا الواقع

لقد كان صوت علي بن أبي طالب(ع) في مقدمة الأصوات التي ارتفعت بالنقد والمعارضة لهذه التغييرات الاقتصادية والاجتماعية التي طرأت على المجتمع العربي الإسلامي في العهود التي سبقت خلافته، ومن ثم فإن حركة المعارضة والنقد، ثم الثورة، ضد هذه الأوضاع الشاذّة المستجدة قد اتخذت من علي(ع) رمزاً لها وقيادة تلتفّ من حولها، كي تمارس الضغط والنقد والتجريح لأصحاب المصلحة الحقيقية في هذه الأوضاع الطارئة على المجتمع. حدث ذلك حتى قبل مقتل عثمان ومبايعة علي بالخلافة.

ومن هنا كانت الوقائع والأحداث التي سجّلتها مصادر التاريخ تحكي علاقة الإمام بحركة التغيير، وموقفه (ع) من التطبيقات الخاطئة ففي لقاء من بين لقاءات عدة بين علي وعثمان، ينتقد فيه علي عثمان لميله لبني أمية، وإطلاقه العنان لهم كي يستأثروا بخيرات الناس ويحتازوا حقوقهم، وينبهه إلى خروجه عن نهج الأمة الذي سار عليه من سبقه، وينكر أن يكون عثمان في نهجه مساوياً لأبي بكر وعمر بن الخطاب على أقل تقدير.

والاعتقاد الراسخ هو أن موقف علي(ع) ضد الفرع الأموي من قريش، إنما هو جزء في موقفه العام ضد قادة قريش وأغنيائها، أولئك الذين ناصبوا الفرع الهاشمي المحمدي، العداء منذ ظهر الإسلام، وخاضوا ضده الحروب، ثم تربصوا به -حينما هُزموا- حتى انقضوا على دولة الدين الجديد تحت راياته وأعلامه.

ولو كانت القيادة الإسلامية قد آلت إلى الإمام(ع) قبل حادثة السقيفة أو بعدها لما حدث هذا الاختلال الملحوظ وكان مصداق ذلك ما تحقق عندما بايعه الناس بالخلافة حيث أعلن الثورة الشاملة ضد الأوضاع السياسية والاجتماعية التي كانت محل نقده ومعارضته.

الإمام علي(ع) بعد تولي الخلافة

أصبح علي(ع) الخليفة الفعلي للمسلمين، واجتمعت بيديه مقاليد الأمور، فثاب إلى المجتمع هدوء مشفوع بالأمل وارتقاب فجر جديد، وبدأ علي(ع) أول ما بدأ بإعطاء الحق إلى الشعب، فقد وجد أن مشاكلهم المعلقة أضحت مزمنة، لم يبت فيها بشيء، فعطف على آلام هذا الجمهور وواساه بنفسه وقلبه ما وجد إلى ذلك سبيلاً.

وذهب مع تقريره بأن المجتمع الذي يقوم النظام فيه على برنامج غير مكتوب، يظلّ عرضة للعبث والتلاعب والتصرفات التي من شأنها أن تضيره، إذا لم يقصد أولاً وقبل كل شيء إلى الاختيار وانتقاء الشخصيات التي تضم إلى الكفاءة، الإخلاص والضمير. بل من رأي علي(ع) الإصلاح حتى في المجتمعات التي يستوي النظام فيها على برامج مكتوبة، لا يتم على وجه مضمون إلاّ بالشخصية المنتقاة، ولمس إلى ذلك إن أكبر عناصر الشكوى وأهم أجزائها هو الجزء الخاص بالأمراء والولاة، فبادر قدماً إلى تغيير التعيينات، متوخياً في ذلك مجاراة الحق والعدل والمصلحة العليا للإسلام والأمة، دون أن تأخذه لومة لائم، أو يمنعه سطوة جاه أحد أو تأثير حزب أو فئة ما أو أية ضغوطات أو مؤثرات.

صور وإنجازات الحركة الإصلاحية في دولة الإمام(ع)

1- في السياسة: أعلن عن عزل العمال والولاة السابقين على الأقاليم، ولم يتراجع عن ذلك عندما حاول البعض الحؤول دون ذلك، وهذا موقف شهير في كل كتب التاريخ.

2- في ميدان القطائع: كانت هناك الأرض التي جعلها الخليفة عمر ملكا خاصاً لبيت المال، ثم جاء عثمان فأقطعها لأوليائه وأعوانه وولاته وأهل بيته، وبصددها كان موقف علي(ع) حازماً وحاسماً.. فلقد ألغى هذه العقود، وقرر ردّ هذه الأرض إلى ملكية الدولة وحوزة بيت المال، ورفض أن يعترف أو يقر التغييرات «التصرفات العقارية» التي حدثت في هذه الأرض.

3- في ميدان العطاء: أحدث علي(ع) تغييراً ثورياً لعله كان أخطر التغييرات الثورية التي قررها، والتي أراد بها العودة بالمجتمع إلى روح التجربة الثورية الإسلامية الأولى على عهد الرسول الكريم(ص) ذلك أن النظام الذي كان معمولاً به من عهد النبي(ص) فيما يتعلق بالعطاء -والعطاء هو نظام قسمة الأموال العامة بين الناس- بالمساواة، وهذا كان قد ألغاه الخليفة الثاني واستبد له بنظام التفضيل.

وبشكل عام يمكن إجمال صور الحركة الإصلاحية الشاملة التي قادها الإمام بالآتي:

أولاً- الإصلاح الإداري: حيث قام بعزل معظم الولاة عن الأمصار ومسئولي الجهاز التنفيذي الإداري من الدولة، وإقصاء أولئك النفعيين الذين لم يكن لهم هم في الحياة سوى السلب والنهب وكنز الذهب والفضة والتسلّط المرير على رقاب المسلمين، وقال(ع) في ذلك: «والله لا أدهن في ديني ولا أعطي الدنيَّ من أمري»(1).

ثانياً- الإصلاح الاقتصادي: وتمثل بإرجاع قطائع العهد السابق وأقطاب الحاشية الحاكمة لأصحابها الشرعيين، وتوزيع الثروة بشكل عادل، وإلغاء التصنيف الطبقي للناس، ومصادرة الأموال التي نهبها المدللون من خزانة (صندوق) الدولة، ليتمتعوا بها على حساب الجماهير الجائعة المحرومة، وإعادة تنظيم بيت المال (الميزانية) على أسلوب جديد سليم ومستقيم.

ثالثاً- الإصلاح الاجتماعي: وهذا تجلى في أولى خطواته (ع) بإلغاء القيم العشائرية والقضاء على النزعة القبلية السائدة في المجتمع، والعودة إلى قيم الإسلام الأصيلة القائمة على أساس المساواة العامة الشاملة، فلا تفاضل بين قوم وقوم وجنس وجنس، ولا شأن أبداً للعرق أو اللون أو العمر أو أي امتياز آخر من الامتيازات العرقية التي كان يتمايز بها الناس، ولا تصنيف للطبقات والفئات الاجتماعية، ولا تنابز بالألقاب، ولا تفاخر بالزينة والأموال والأولاد.

أسس السياسة عند الإمام علي(ع)

تتمثل أسس السياسة الشرعية التي انتهجها الإمام علي(ع) وطريقة الحكم التي جسدها خلال فترة السنوات الخمس (35-40هجرية) التي تولى فيها مسؤولية الخلافة وقيادة الدولة الإسلامية، تتمثل بمجموعة مبادئ وجوانب؛ أبرزها يتحدد بـ:

أخلاق الحاكم أو القائد السياسي وواجباته:

1- العمل الصالح أعظم ذخيرة.

2- امتلاك الهوى، والشح بالنفس عما لا يحل له، والشح يعني «الإنصاف فيما أحببت وكرهت».

3- العدل بين الناس جميعاً، فإنهم صنفان:«إما أخ لك في الدين، أو نظير لك في الخلق».

4- التحذير من سفك الدماء بغير حق، وهو مما أكّد عليه الدين الإسلامي.

5- النهي عن الإعجاب بالنفس، وحب الإطراء.

6- النهي عن المن على الرعية بالإحسان، أو التزيد في إظهار ما وقع منه بالفعل.

7- النهي عن الإخلاف في الوعد، بعد الوعد.

8- النهي عن الاستئثار بما فيه الناس متساوون.

9- الحلم وتأخير السطوة حتى سكون الغضب ليمتلك الحاكم عندها الاختيار، وقوام ذلك «ذكر المعاد إلى ربك».

10- أَمرُ الحرس والشرطة والأعوان بعدم التعرّض لذوي الحاجات، حتى يعرض واحدهم حاجته للحاكم، دون تردد.

11- ألا يطيل احتجابه عن رعيته.

12- تنحية الضيق والاستكبار عن الرعية.

13- إجابة من يستعملهم (السلطة التنفيذية بعده) عما يعجز عنه الإداريون وتعقيداتهم.

14- منع خاصته (ع) من التدخّل في شؤون الحكم.

15- إلزام الحق من لزمه، قريباً كان أو بعيداً.

16- إظهار العذر للرعية، حال ظنها وقوع الظلم عليها من قبل الحاكم.

خصائص المستشارون وصفاتهم

لا غنى للحاكم عن المستشارين، وأهم صفات المستشار هي:

1- ألا يكون بخيلاً يعدل بالحاكم عن الفضل، ويعده الفقر.

2- ألا يكون جباناً يضعفه عن الأمور.

3- ألا يكون حريصاً يزين الشره بالجور.

4- تعويد المقربين والإعلاميين على عدم المدح، أو كسب رضا الحاكم وفرحه بباطل لم يفعله.

5- عدم المساواة بين المحسن والمسيء، فإن ذلك تشجيعاً لأهل الإساءة على إساءتهم، وتزهيداً لأهل الإحسان في إحسانهم، وإلزام كل منهم ما ألزم به نفسه، من شكر أو عقاب.

6- حسن الظن بالرعية، دليله إحسانه إليهم، وعدم استكراههم على ما ليس عندهم، وتخفيف الأثقال (المؤونات) عنهم.

سياسته (ع) في مجال القضاء ومواصفات القضاة

حدد(ع) صفات القاضي بما يلي:

1- أن يكون ممن لا تضيق به الأمور، ولا تغضبه الخصوم.

2- أن لا يتمادى في الزلّة.

3- أن لا يضيق صدره من الرجوع إلى الحق إذا أخطأ.

4- أن لا تشرف نفسه على طمع.

5- أن يكون عميق النظر، لا يكتفي بأدنى فهم دون أقصاه.

6- أن يكون حازماً عند اتضاح الحكم.

7- أن يكون طويل الأناة، لا يضيق بمراجعة الخصم، وصبوراً حتى تتكشف الأمور له.

8- أن لا يستخفّه زيادة الثناء عليه، ولا يستميله إغراء.

العلاقة الاجتماعية – السياسية بين الحاكم والرعية

وهذه تقوم على المبادئ التالية:

1- إطلاق عقدة كل حقدٍ بين الناس، وتعهد قطع دابر أية عداوة بينهم.

2- التغابي عن كل ما لا يصح له.

3- عدم تصديق الساعي بالوقيعة والنميمة، فهو غاشٌّ وإن بدا متشبهاً بالناصحين.

الطبقة السفلى من المجتمع

وتضم المساكين والمحتاجون وشديدو الفقر، وذوي العاهات أو الأمراض التي تمنعهم من الكسب، ويوصي الإمام(ع) بهذه الطبقة، ففيهم السائل، والمتعرض للعطاء بلا سؤال، وطريقة التعامل العملية معهم هي:

1- تخصيصهم بنصيب مقسوم لهم من بيت المال، كما أن لهم نصيب من ثمرات أرض الغنيمة.

2- المساواة فيما بينهم من هذا التخصيص، فللقاصي منهم كالداني.

3- تعهدهم بشكل دائم من قبل الحاكم، فلا يصرفنّ همة عنهم، ولا يتكبرنَّ عليهم.

4- تفقد أمور من لا يطالب بحقه منهم، وذلك بتخصيص رجال ثقاة للبحث عنهم، والتعرّف على أحوالهم عن كثب، ممن هم من أهل خشية الله والتواضع لعباده.

علي(ع) والنظام الإداري

أقام الإمام(ع) نظاماً إدارياً محكماً، حدّد فيه الوظائف وأوضح طرق تعيين الموظفين، وبيَّن واجباتهم وحقوقهم، وأقام عليهم تفتيشاً دقيقاً، ووضع أسس الثواب والعقاب، والمسؤولية الإدارية بشكل عام.

إن العامل يقوم مقام الخليفة إذا كان معيناً من قبله، أو يقوم مقام أعلى إذا كان هذا العامل هو الذي عينه. ويشترط الإمام في العامل شروطاً مشددة، لخطورة مركزه والسلطة التي يتمتع بها، يقول الإمام(ع) في عهده لمالك الأشتر:«ثم أنظر في أمور عمالك، فاستعملهم اختياراً، ولا تولّهم محاباة وأثرة، فإنهم جماع من شعب الجور والخيانة، وتوخّ فيهم أهل التجربة والحياء من أهل البيوتات الصالحة، والقدم في الإسلام المتقدمة».

– الإمام (ع) حدد سياسة التعامل مع الولاة بالشروط الآتية:

1- تولية الواحد منهم بالامتحان، وليس اختصاصاً، وميلاً لمعاونتهم، ولا استبداداً بلا مشورة.

2- أن يكون من أهل التجربة والإحياء من أهل البيوتات الصالحة، والخطوة السابقة في الإسلام.

3- التحفّظ من الأعوان، وعقوبة من اجتمعت عليه أخبار المراقبين بما فعل.

4- تفقد أمر الخراج (الضرائب) مما يصلح أهله، لأنه مهم لحياة الناس.

5- تفضيل عمارة الأرض على جباية الضرائب وفرض المكوس.

– أما ما يتعلق بالكتّاب، وهم في عصر الإمام(ع) أفراد الجهاز الإداري للدولة، فالطريقة التي اعتمدها تمثّلت بالشروط الآتية:

1- عدم اجتماع سلطات إدارية واسعة في يد واحدة.

2- اختبارهم بما وُلوا للصالحين قبل.

3- أن يكون واحدهم حسن الأثر في العامة.

4- أن يكون أعرف الناس بالأمانة والقيام بها.

5- سوء إدارة الكتّاب، مسؤول عنه من وضعهم في مناصبهم تلك.

الناحية الدستورية:

جعل الإمام (ع) في عهده رضا الأغلبية واحترامها أساساً في الحكم مادام هذا الرضا ينسجم مع العدل في منظوره الإسلامي، «وليكن أحب الأمور إليك أوسطها في الحق، وأعمّها في العدل وأجمعها لرضا الرعية، فإن سخط العامة يجحف برضا الخاصة (أي يذهب به)، وإن سخط الخاصة يُغتفر مع رضا العامة.

وإنما عماد الدين وجماع (جمع المسلمين)، والعدة للأعداء العامة من الأمة، فليكن صفوك لهم، وميلك معهم».

سياسته المالية:

لقد كان الإمام علي(ع) ثورة في هذا المجال، قد لا تكون البشرية حققتها حتى اليوم، إذ أنه لم يخلط قط بين مال أحد ومال الدولة أو مال الله، ولم يتعامل مع الأشياء العامة على أنها أشياؤه الخاصة.

كانت الدولة في نظره مختلفة عنه شخصياً، على أساس أنها سلطة من الله تعالى، وشعب من البشر الذين هم إما أخ لك في الدين، أو نظير لك في الخلق، وأن أموالها هي أموال الله وأموال المسلمين، وليست أموال الخاصة.

يقول (ع) عندما اقترحوا عليه أن يعطي الكبار بشكل مميّز:«لو كان المال مالي لسويت بينهم فكيف والمال مال الله»(2)، ومن هذا الاعتبار كان موقفه من طلب عقيل وعبد الله بن جعفر بن أبي طالب المساعدة، وكان موقفه عندما أبلغ أهل الكوفة إنه لن يأخذ حصته من العطاء، حيث قال:«يا أهل الكوفة، إن خرجت من عندكم بغير رحلي وراحلتي وغلامي، فأنا خائن»(3)، وكذلك عندما أتاه عبد الله بن زمعة يطلب مالاً، إذ قال له:«إن هذا المال ليس لي ولا لك، إنما هو فيء المسلمين»(4).

ولما كان المال كذلك، فهو أمانة للأمة عند متسلّمه وهو مؤتمن عليه، ولهذا فإن العامل أو (الولاة) ليسوا أحراراً في التصرف بالأموال، وهم مقيدون بالشرع فيما يخص الحقوق والحريات، فتكون حريته في التصرّف على الصعيد الشخصي، غير قائمة فيما يخصّ وظيفته تجاه المواطنين، وفي ذلك تمييز أساسي

عبد الناصر – صدام والاكراد


1 ـ يمثل صدام والقذافى وغيرهم من العسكر المستبدين الجيل الثانى الذى جاء على أثر عبدالناصر يقلده ويستن بسنته ، دون إدراك لأختلاف المكان والزمان ، وبعد أن أخفق عبدالناصر وحقق أكبر فشل لحق بمصر.
لقد جاء عبدالناصر فى المكان المناسب لقيادة مصر والمنطقة بأكملها وجاء فى الوقت المناسب ، وهو قيادة حركة التحرر القومى ضد الأستعمار وقيادة العالم الثالث ليكون له وجود فى مقابل القوتين العظميين تحت شعار الحياد الإيجابى وعدم الأنحياز. وفشل عبدالناصر فى تحقيق أهدافه رغم وجوده فى المكان المناسب والزمان المناسب ، والسبب أنه كان مستبدا ، فأضاع بإستبداده كل أنجازاته .
قام بتحرير مصر من الأستعمار الأنجليزى ، وساعد فى تحقيق الأستقلال لكثير من الدول العربية وبعض الدول الأفريقية ، ولكنه أقام ديكتاتورية عسكرية فى مصر ، وساعد على إقامة ديكتاتوريات عسكرية فى الدول التى ساعد على تحريرها..
أقام عبدالناصر نهضة صناعية وتعليمية انتهت إلى خراب وجهل لأن النهضة الصناعية والتعليمية خضعت لمتطلبات الاستبداد ، فتحول التصنيع الى مجرد التوسع فى صناعات تجميعية سطحية (كذا ألف مصنع من الابرة الى الصاروخ) فأصبحنا كما قال الصحفى الراحل محمد التابعى مثل (جاك الذى يصنع كل شىء ولا يصنع أى شىء) مجرد أعداد كبيرة من الورش والمصانع الصغيرة دون أجادة أوتصنيع حقيقى، فى الوقت الذى كانت تنهض فيه اليابان من هزيمتها لترسى أسس الصناعة الحقيقية ، وعلى منوالها سارت الصين و الهند ، ثم جنوب شرق آسيا .
نفس الحال فى التعليم الذى ازدادت مدارسه وجامعاته بهدف تخريج موظفين يدينون بالولاء للنظام الحاكم وتقديسه فيتحول التعليم بالتدريج إلى صناعة للجهل ، ولتصبح أكبر نقابة فى مصر ـ وهى نقابة المعلمين ـ مجرد نقابة حكومية لا تعبر عن المعلمين ووضعهم المزرى البائس ، ولكن تأتمر بأوامر الأسياد المتحكمين فى البلد ، والذى أنشىء التعليم لتقديسهم .
قبل عبدالناصر كانت هناك ديمقراطية عرجاء وظلم اجتماعى ، جاء عبدالناصر فصادر الحرية مقابل أعطاء ( العدالة الأجتماعية ) وانتهى الأمر بمصرإلى فقدان الحرية والعدل والأمن جميعا …
كانت لعبدالناصر طموحات هائلة لشعبه وللعرب ، وكان نزيها وشريفا ومخلصا لأهدافه ، ولكنه فشل لأنه كان مستبدا .

2 ـ رحل كبار الثوار أبطال التحرر من الاستعمار. كانوا يحكموا مستبدين ، و تسامح عصرهم مع استبدادهم وفق ثقافة عبادة الأبطال ، وقد كانوا أبطالا يحكمون وفق (الشرعية الثورية ). رحل عبدالناصر ونهرو وتيتو وبورقيبة ،وجاء من بعدهم جيل الحكام من الدرجة الثانية،وكان أبرزهم صدام والقذافى.
جاءوا وقد تغير الزمان والمناخ ،وكان عليهم أن يدركوا هذا المتغير الأساس وان يتاقلموا عليه. لكن لم يفعلوا فأصبحوا ضحايا للعصر الجديد الذى لم يفهموه.
أولئك المستبدون المعاصرون لا يزالون على يسيرون على سنة المستبدين الكبار ، الذين كانت لهم مبررات ـ ظاهرية ـ للاستبداد ، ولكن انتهت تلك المبررات، فلم يعد وجود حسى للاستعمار القديم ، و بدأ عصر الديمقراطية وحقوق الانسان وحقوق الأقليات والمواطنة.
بدأت الشعوب تتطلع بعد الاستقلال الى الديمقراطية ، بل كان مثقفو مصر قبل ميلاد عبد الناصريطالبون بالجلاء والدستور ـ أى جلاء الاستعمار الانجليزى ووجود دستور ديمقراطى يؤكد الديمقراطية ، أى التحرر من الاستعمار الاجنبى والتحرر من الاستبداد المحلى . أى بدأت فى مصر ـ مبكرا جدا ـ المطالبة بالديمقراطية والدستور الذى يحدد حق الشعب فى حكم نفسه بنفسه. وتحقق مطلب واحد وتعطل المطلب الاخر، إذ رحل الاستعمار الأجنبى وحل محله استبداد ناصر أو (الاستعمار العسكرى المحلى المستبد).
ثم مات عبد الناصر (الرمز ) فى هزيمة 1967 وتم دفنه عام 1971 ، وكان يجب أن تدفن معها حجة (الشرعية الثورية) ، أو تبرير الاستبداد تحت مظلة الثورة. ولكن هذا لم يحدث حتى الآن ،إذ لا يزال المستبدون من الدرجة الثانية فى مواقعهم ، مع تغير الزمان و المناخ وعلو المد الديمقراطى ووصوله الى أدغال أفريقيا و ومستعمرات الموز فى امريكا اللاتيتية .
مستبدو العرب اليوم أكثر ظلما لشعوبهم فى الداخل و أكثر خنوعا للآخر فى الخارج ، وأكثلر نهما فى السرقة و الفساد ، ولكى يبقوا فى مناصبهم لا بد من إقامة صناعة القهر و الفقر الى الدرجة التى اصبح يتحسر فيها اليوم بعض المفكرين والمثقفين على أيام الاستعمار الأجنبى الذى كان أكثر إنسانية وتحضرا من الديكتاتوريات العسكرية المحلية التى انتهكت حرمة الوطن والمواطن .
هذه هى الملامح الأساس لحكم الجيل التالى من المستبدين ، و أبرزهم صدام والقذافى.

3 ـ ونتوقف مع صدام والقذافى وأبرز مستبدى عصرنا البائس والمقلدين لعبد الناصر فى الزمن الضائع وفى الوقت الخطأ.
جاءوا فى مناطق ليس لها ـ مثل مصر ـ الثقل التاريخى والجغرافى لقيادة المنطقة. استغلوا وجود السادات فى ظرف سياسى ظنوا أنه مناسب لهم ليركبوا على أكتاف مصر يحاول كل واحد منهم أن يتزعم العرب تحت شعار الصمود والتصدى ، بعد اتفاقية كامب ديفيد والصلح مع أسرائيل.
ليبيا مجرد ساحة غربية لمصر ـ ومجرد مجال حيوى للمصريين ، والمنطقة الشرقية من ليبيا أكثر اتصالا وترابطا بمصر من بقية ليبيا ، ويكفى وجود (مصراته ) بهذا الاسم القديم قبل الفتح العربى ليؤكد تبعية النصف الشرقى لما يسمى الان (ليبيا ) الى مصر. واقع الأمر أن ليبيا بالنسبة لمصر مثل النوبة داخل مصر. أى انهما (ليبيا ) والنوبة امتداد مصرى بالصحراء وساكنيها ، ولكن الصحراء باعدت بين الليبيين والنيل المصرى بينما وثق النيل من ترابط النوبيين بأمهم مصر.
لا يمكن لدولة مصنوعة حديثا مثل ليبيا أن تقود العالم وهى مجرد امتداد جغرافى لمصر . ولكن القذافى المهووس بعبد الناصر والمهووس بخلافته أراد تحقيق المستحيل تحت أى شعار. وعقدته الخالدة أنه زعيم بلا شعب بينما يوجد فى مصر ـ بعد عبد الناصر ـ شعب بلا زعيم. أسهم فى سوء حالة القذافى استخفاف السادات به وتندرالاعلام المصرى عليه ، فاندفع ليحقق لنفسه الزعامة على حساب مصر، فاستهلك حيوية شعبه وثرواته فى مغامراته حول العالم ، تنقل فيها من العروبة إلى العالم الأسلامى، ثم إلى دول العالم الثالث وحركات التحرر ثم حط الرحال فى أفريقيا ، ثم انتهى به الحال إلى رفع شعار الدولةالفاطمية والبحث لنفسه عن نسب لأهل البيت بعد أن استسلم لأمريكا خوفا من مصير صدام .
أما صدام فقد ظهر فى منطقة قابلة للتفجير حيث حقول البترول والأحتكاك العربى الأيرانى وبروز الثورة الأيرانية بمعادلة جديدة تطرح الأنتماء الأسلامى الشامل تحت قيادة الخمينى مقابل القومية العربية التى أراد صدام زعامتها بعد عبدالناصر.
تحت شعار الصمود والتصدى ومواجهة أمريكا وأسرائيل وقيادة العروبة فى الجبهة الشرقية ضد إيران نسى صدام أتفاقة مع إيران حول شط العرب ودخل فى حرب جديدة مع إيران كانت لمصلحة أمريكا وأسرائيل ودول الخليج التى يهمها استنزاف العراق وإيران وتحجيمهما معا .ورجع من الجيش خاسرا وخشى أن يثور عليه جيشه فبادر بأحتلال الكويت وأصبح إخراجة من الكويت ثم من العراق مطلبا أمريكيا أدخل العراق حاليا فى دوامة حرب أهلية مفتوحة لازالت مستمرة بعد إعدام صدام .
هذا موجز تاريخ صدام فى سطور.

4 ـ ونتوقف مع صدام بعد ان تعرفنا على الفصيل الذى ينتمى اليه لنقارن بينه وبين عبد الناصر الذى حاول ان يتقمص دوره.
* بإعتباره الحاكم المستبد بأمره والذى لا يجرؤ أحد على معارضته فإن صدام الذى بدأ بالحربين بلا داع هو المسئول عن مقتل الملايين من العراقيين والأيرانيين من جنود ومدنيين ،وهوالمسئول أيضا عن تشريد ملايين آخرين ،ثم هو المسئول عن التداعيات الأخرى لحماقاته وجرائمة بدءا من تدمير مدن العراق وايران فى حرب المدن بينهما الى خسارة آلاف البلايين من العراق ودول الخليج وأرجاع العراق إلى العصور الوسطى بتدمير بنيته التحتية ، الى أدخال العراقيين فى فى حرب أهلية لا نعرف متى ستنتهى .
وطبقا لقاعدة (النفس بالنفس) فإن نفسا واحده فقط هى صدام مسئولة عن مقتل جميع الأنفس وتستحق الأعدام عن كل نفس أزهقتها .
* كان الزمان مساعدا لعبدالناصر كأبر زعامة عربية،وقد حرص على مساعدة حركات التحرر ولكنه لم يرسل جيشه خارج مصر إلا الى اليمن لمساندة ثورة عبدالله السلال وليس لاحتلال اليمن ، ومع ذلك دفع عبدالناصر الثمن غاليا ، وقد رفض من قبل إرسال جيش إلى سوريا حين قامت فيها حركة الأنفصال ..
أما صدام فقد كانت الظروف ضده فى الزمان والمكان والمناخ السائد ، ومع ذلك فقد قام باعتدء غير مبرر على إيران واحتلال مجرم لبلد عربى ذى سيادة فأنهى عمليا أسطورة القومية العربية التى يتزعمها ويدعو لها .
أى إن صدام أسوأ من عبد الناصر وأضل سبيلا. وإن كانت هناك مميزات لعبد الناصر فانها تتوارى خجلا أمام هزيمته الكبرى عام 1967 ، فكيف بصدام الذى لم ينتصر قط إلا على شعبه ، والذى لم يدخل معركة مع اسرائيل مكتفيا بحرب جنونية مع جيرانه وشعبه ؟ فإذا كان صعبا البحث عن مميزات لعبد الناصر فكيف بصدام ؟

5 ـ هذا عن مقارنة صدام بعبد الناصر،فكيف بمقارنة صدام بالمستبدين فى عصره؟

* صدام ينتمى لنوعية المستبدين من الدرجة الثانية فاقدة الشرعية التى تنقسم لفصيلتين، الفصيلة المعتدية ليس على شعبها فقط ولكن تتوسع فى الأعتداء خارج حدودها كالقذافى وصدام ، ثم الفصيلة الأخرى التى تكتفى بكبت شعبها دون الدخول فى مغامرات خارجية مثل على عبدالله صالح فى اليمن وزين العابدين بن على فى تونس مع بقية الأمراء والمشايخ والملوك من المحيط إلى الخليج .
وبالتالى فان صدام والقذافى هما الأسوأ بين المستبدين العرب.

* وبالمقارنة بين القذافى وصدام فإن القذافى هو الأفضل لأنه قادر على تغيير سياساته بينما سار صدام فى طريق واحد إلى أن سقط فى حفرته الشهيرة. لم يتعلم ولم يعتبر الى أن وجد نفسه مشنوقا.

فى محاكمته تبجح صدام وزعم إنه هو الذى بنى العراق الحديث . ولقد تحدثنا عن النهضة السطحية المظهرية التى أقامها عبد الناصر فى مصر من تصنيع وتعليم، وكيف انتهت الى لا شىء، وهذا ما حدث فى العراق ايضا حيث قام صدام بتفريغ العراق من خيرة أبنائه بالقتل والسجن والتعذيب فهاجر خيرة أبناء العراق.
وحين تهيأ العراق بعد صدام للديمقراطية ظلت النخبة المثقفة العليا فى المهجر حيث لا مكان لها بين زعماء الميليشيات وعصابات الفساد وشيوخ التخلف الدينى المذهبى مع هاوية الحرب الأهلية التى تهون معها حفرة صدام الشهيرة.
ولا زلت أتذكر بكل حسرة جموع العراقيين وهى تتسارع الى السلب والنهب من المبانى الحكومية وحتى المتاحف العراقية وحدائق الحيوان.. وكنت أتساءل :أهذا شعب العراق الذى يتفاخر صدام بنشر التعليم والنهضة فيه ؟
حكى لى أمريكى من أصل عراقى أنه عمل مترجما مع أحدى الشركات الأمريكية العاملة فى تجديد مرافق المياة والصرف الصحى فى العراق فقال :أن المواسير التى كانوا يستبدلونها كانت تنتمى للفترة التى تولى فيها عبدالكريم قاسم حكم العراق . أى أن حكم صدام حسين ـ الطويل ـ لم يشهد تجديدا للبنية التحتية .
اهتم صدام بالأصلاحات الظاهرية التى تصلح لأحتضان تماثيله كالقصوروالمدارس والجامعات والمتاحف وحيث يتخرج شباب يسبحون بحمد صدام ليل نهار وأسمائة التسعة والتسعين ، أما تجديد شبكات المياة والصرف الصحى فلا مجال فيها لحمل تماثيل أو ترديد الهتافات له.
والمقارنة مؤلمة بين حركة التعمير التى جرت فى دول الخليج وبين العراق طيلة حكم صدام .
أى أن صدام يسقط فى مقارنة مع زملائه المستبدين من الدرجة الثانية . فقد حافظوا على جيوشهم من المغامرات الخارجية وأقاموا حركة تعمير وازدهار ببلدانهم وتتضاعفت أرصدتهم فى البنوك مقابل تدمير كامل للعراق .

6 ـ ثم كيف يستبيح حاكم لنفسه أن يستعمل الأسلحة المحرمة دوليا ضد جزء من شعبه ؟

هل عجز صدام بكل جيوشة عن دخول قرية حلبجة الكردية فلجأ لضربها بالغاز ؟ لا أنسى – ولن أنسى – صور الأطفال القتلى فى مجزرة حلبجة حين أراها لى لأول مرة الاستاذ عدنان المفتى ـ رئيس برلمان كردستان العراق الآن ـ والذى كان فى أواخر التسعينيات أحد أعمدة رواق ابن خلدون الذى كنت مديره ، وكان من أهم أجندة الرواق اضطهاد الأقليات ، ومنهم الأكراد والأقباط .
ونتساءل :هل كان أطفال حلبجة جنودا مسلحين مختبئين داخل الحصون ، فعجز جيش صدام عن الوصول إليهم فلجأ لهزيمتهم بالغاز السام ؟ وهل استعملت إسرائيل تلك الأسلحة ضد الفلسطينين ؟وهل كانت حلبجة مركز قيادة للحركةالكردية فى المنطقة ؟ أم أنه مجرد أستعراض للقوة على فلاحين بسطاء وتجربة ميدانية واعية لأثبات ما يمكن أن يفعله الغاز السام فى الأستعمال الحربى ضد البشر، فى نظام حكم لا يساوى فيه الملايين من العراقيين شيئا فى نظر صدام ؟!! يكفى أن حياتهم متعلقة بكلمة ينطقها..!!
عبد الناصر لم يستعمل جيشه فى ضرب الشعب المصرى ، بل إن عبد الناصر فى زعامته للقومية العربية فقد كان متفهما لحقوق غير العرب ، بل كان متعاطفا مع الأكراد بالذات ، واستقبل بعض زعمائهم .
أما صدام فقد قتل الاكراد والعرب و السنة و الشيعة ،،ووصل ضحاياه الى أصهاره وأقاربه .. قتل كل من يشتبه فيهم وقتل آخرين عشوائيا وبكل اصرار وتعمد .
لو تم قتل صدام ملايين المرات بعدد من قتلهم بجيشه فإن هذا لا يكفى فى ميزان العدل لأن هناك الملايين من العراقيين الذين عانوا فى عصره من التعذيب والتشرد والخراب والفقر. وهناك الأجيال القادمة الذين لهم حقوق فى بترول العراق الذى أضاع صدام معظمه فى مغامرات شخصية.
لو كنا فى بلد متحضر لوضعوا من يدافع عن صدام فى مستشفى الأمراض النفسية والعقلية ولاحتج المثقفون والمفكرون على وجود خلل فى أجهزة التعليم تسمح بوجود هذه العقليات التى لا تزال تعيش فى ظل ثقافة العبيد. لكن أغلبية العرب والمسلمين لا يزالون أسرى للتعليم الفاسد وعبادة الأبطال حتى لو كان أولئك الأبطال مجرد أقزام ينهزمون فى الخارج و يستأسدون على شعوبهم فى الداخل .

7 ـ الأكراد .
وقد قيل فى الدفاع عن صدام إن أكراد العراق تمتعوا بحقوق لم يتمتع بها أكراد ايران وأكراد سوريا وتركيا.
هذا صحيح .. ولكن هل حصل أكراد العراق على هذه الحقوق مجانا ؟ أم حاربوا حتى أرغموا حكام العراق على قبول مطالبهم ؟
هنا يجب أن نتوقف أمام قضية الوعى بالظلم . من الممكن أن يظل الأنسان خاضعا للظلم لا يثور عليه لأنه يراه من طبائع الأشياء وأنه من حق الظالم أن يظلمه وأنه من واجبه أن يتحمل الظلم . بمجرد أن يدرك المظلوم حقوقه المهضومة ويتشكل وعيه بالاحساس بالظلم الواقع عليه وضرورة مقاومة الظلم تبدأ حركته نحو التحرر سواء كان من حاكم أجنبى مستعمر أو حاكم محلى مستبد .
الأكراد شعب حىّ له وعى بحقوقه وثقافته . وربما تميز الكرد بذلك على غيرهم من الشعوب العريقة فى وطنها مثل المصريين الذين نسوا لغتهم الأصلية فأصبحوا عربا باللسان .
عاش الأكراد فى وطنهم هذا منذ أقدم العصور، وهى منطقة وسطى – ترانزيت – شهدت مجىء وعبور موجات مسلحة قادمة من الشرق الأسيوى – الأستبس- ومن الجزيرة العربية جنوبا ، وأقامت تلك الهجرات ممالك وامبراطوريات لها منها الخلافة العربية والدول السلجوقية والدولة العثمانية ، وفى كل الأحوال وجد الأكراد أنفسهم محكومين بغيرهم أو مشتتين بين دول مختلفة .
ومع كل الظلم الذى وقع عليهم وتعرضوا له من العصر القديم إلى عصرنا هذا ، ومع تنوع الظالمين من عرب وترك وايرانيين وروس فقد حافظ الكرد على ثقافتهم ولغتهم وتاريخهم ، ونجحوا فى إقامة دول لهم كانت قصيرة العمر .
أسهم الأكراد فى حضارة المسلمين ، كما أسهم أكراد العراق فى حركة التحرير ، ولم يرتفع صوتهم بالمطالبة بحقوقهم المشروعة إلا عندما ظهرت القومية العربية وحزب البعث فى العراق يريد العراق عربيا فقط . تناسى القوميون العرب أن أكراد العراق هم أقدم من اسم العراق نفسه ،وأن المناطق الكردية فى العراق هو الأوفر والأغنى بالموارد الطبيعية بما يتحتم التساوى بين المواطنين فى حقوقهم وأولها الحقوق السياسية والثقافية.
الحقوق التى حصل عليها أكراد العراق جاءت بعد نضال هائل قام به الأكراد .
مصطفى البرزانى زعيم من طراز فريد ينتمى إلى جيل مؤسسى الدول مثل محمد على فى مصر و نابليون فى فرنسا و عبد العزيز آل سعود فى الجزيرة العربية . ولكن من سوء حظه وحظ قومه الكرد أن تحالفت عليه وعليهم الجغرافيا والتاريخ فلم ينجح فى أقامة دولة كردستان ، ولكن أقام حركة كردية نجحت فى الحصول على بعض الحقوق.

يقول بعضهم ملتمسا العذر لصدام فيما فعله بالكرد فى حلبجة والأنفال أنه اضطر لذلك لأنهم ثاروا عليه وهو يحارب ايران فعرضوا العراق للخطر وقت الحرب.
واقول : ليس عيبا أن يثور الأكراد على صدام وهو يحارب الأيرانيين فالأكراد ليسوا مسئولين عن هجوم العراق على إيران ، والأكراد كانوا يحاربون صدام قبل هذه الحرب مع ايران .
وحتى لو كان ما فعله بعض الكرد خطأ ، فهذا الخطأ ليس عذرا لصدام أن يحصد عشرات الألوف فى حلبجة معظمهم من النساء والأطفال وكلهم من المدنيين عقابا على ما قام به بعض الأكراد مع الأيرانيين .
كان صدام يعتقل الألاف المؤلفة من الأكراد ويقتلهم ويعذبهم ولم يكن محتاجا لأن يقتل المزيد منهم بالغاز السام فى حلبجة ، ولم يكن يحتاج إلى أن يدمر الألوف منهم فى عملية الأنفال .