عندما كان في دجلة ماء

عندما كانَ في دجلةَ ماء
وكانَ كُلُّ الذينَ يعبرونَ الجسورَ
ينتَظِرونَ أحداً
في الضِفَةِ الأخرى من النهر
كانَ جسرُ “الصرّافيّةِ” يعبرُ بي
من “العطيفيّةِ” .. إلى الكَسْرَة.
كانَ ذلكَ قبلَ أنْ ننكَسِر بقليل
ونبحثَ عن جسرٍ بديل
يوصِلُنا الى ما نحنُ فيه
حيثُ لا نخلَ ولا نارنج
في البساتينِ المُطِلَّةِ على الشطّ
قربَ معمل “الدامرجي”.
وكلما عُدْتُ من الحربِ
كنتُ أعبرُ ذلكَ الجسرَ وحدي
صاعِداً جبلاً من حديد
وكنتُ أُقَبِّلُ في كُلّ خطوةٍ لجُنديٍّ مُتْعَبٍ
من بقايا جنود المشاة
سياجَهُ الباردَ الرماديّ
مُتَوَهِماً أنّ ذراعيكِ الدافئتين
كانتا تُحيطانِ بخصري
الذي اسْوَدَّ من ثُقْلِ “النِطاق”
طيلةَ أربعينَ يوماً جرداء
من أيّامِ الحرب العراقيّةِ الايرانيّة.
أينَ كُنتِ يومَها
قبلَ أنْ ننكَسِرْ بقليل
وقبلَ أنْ “يغدِرَ الغادرون”
ويُحرِّرَنا “جورج دبليو بوش”
من أوهامنا الفائضةِ عن الحاجة ؟
أينُ كُنتِ قبل أنْ لا يعودَ هناك
كُلُّ هذا
وحيثُ “أبو دَلَف”
لمْ يَعُدْ يزرعُ الخسّ
في الحقل القريب من “الاصلاح الزراعي”
وعمّي مُحمّدَ مات
وعمّي حميد
لم يعُد قادِراً على اصطياد السَمَك
وابنُ خالتي خالد
لم يَعُدْ يُصَحِّحُ معي
مجلة “التربية الاسلاميّة”
بينما الاستاذ عبد الوهّاب
يقولُ لي بصوتهِ الخاشِع
باركَ اللهُ بكَ يا ولدي
لقد حان أوانُ صلاةِ المغرب ؟
أينَ كُنتِ يومها
عندما كانَ هناك ماءٌ ونخلٌ ونارنج
وعندما كنتُ أقطعُ الشارِعَ راكِضاً
من “براثا” الى الشَطّ
لأشُمَّ رائحةَ البساتين
في ثوبكِ الواسعِ عند الصَدْر
وعندما كانت حماماتي النهمات
تُريدُ أنْ تنقُرَ قمحكِ العذب
في “معمل الدامرجي” ؟

وظيفتنا الثانية التالية .. في الحكومة العراقيّة القادمة – عماد عبد

هل يفسّرُ لنا هذا ، لماذا يتقَدّم 36 الف عراقيّ (في يومٍ واحدٍ فقط) ، بطلبات ترشيحهم “الكترونيّاً” ، ليصبحوا وزراء .. من أوّلِ نظرة ؟؟!!.    

كثيرونَ جداً ، هُم أولئكَ الذين كانت أوّلُ درجةٍ وظيفيّةٍ عامّةٍ لهم ، في “الدولة” العراقيّة ما بعد العام 2003 ،هي درجة مدير عام .
بعضهم كانَتْ أوّل وظيفة له ، هي وزير ، في وزارةٍ لم يسمعْ بها في حياته ، و بطبيعة الحال ، لم يعمل بها من قبل.
بعضهم الآخر كانَت أوّل وظيفة له ، هي وكيل وزير ، أو سفير في دولة كان يُقيم فيها ، ويحمل جنسيتها ، وجواز سفرها.
بعضهم كانَت أوّل وظيفة له ، هي مستشار لمناصب تنفيذيّة ، وتشريعيّة عُليا ، في دولةٍ لم يعِشْ فيها أصلاً، ولم “يَخْدِم” يوماً واحداً في “دوائرها”.
وبعضهم كانَتْ أوّل وظيفةٍ لهُ هي نائب رئيس وزراء ، أو نائب رئيس جمهوريّة.
وبعضهم كانَتْ أوّل وظيفةٍ لهُ هي رئيس وزراء.
بل أنّ بعضهم ، كانَتْ أوّلُ وظيفةٍ لهُ في الدولة العراقيّة “الجديدة” ، هي رئيس جمهوريّة .
والمصيبة لا تكمن في هذه التراتبيّة الوظيفيّة العجيبة ، التي كرّستها المحسوبيّة ، والمناطقية ، والعشائريّة ، والطائفية السياسية ، وعلاقات التخادُم متعدّدة الأوجه والغايات .. بل المصيبة الكبرى تكمن في أنّ هذه القيادات الاداريّة “الفذّة” ، لم تعُدْ تقبل بدرجةٍ وظيفيّةٍ تالية (أو ثانية) ، تكون أقلّ من درجتها الوظيفية “الأولى” أو السابقة ، والتي لم تكن أقل من درجة مديرعام. لقد خُلِقَ هؤلاء من أجل ان يكونوا مدراء عامين، فما فوق ، ولن تسمح لهم “جيناتهم” بأن يقبلوا بأيّ مركزٍ وظيفيٍّ آخر.
وشيئاً فشيئاً ، تقمّص هؤلاء دور “القادة” الذين لا بديل لهم ، و تكرّس لديهم جنون العظمة ، وباتوا يعتقدون أنّ لا أحد بوسعه ادارة “مؤسسات” الدولة ،عداهم بالطبع .
انّ هذه الظاهرة لم تحدث في دولٍ أخرى ، إلاّ على نطاقٍ “سياسيّ” ضيّقٍ ومحدود ، وفي حالات نادرة ، ولشخصيات استثنائيّة ، لا يختلف اثنان في هذا العالم ، على دورها ومكانتها ، و ما تشكّلهُ من وظيفةٍ ودَور ، ليس في تاريخ بلدها فحسب ، بل وفي تاريخ البشرية ككل .
إنّ القفز بـ “الزانة” الوظيفيّة ، هي “رياضة” تحفيزيّة – عقابيّة ، طارئة على النظام الاداري في العراق ، و تقوم على ثنائية الجزرة والعصا . وقد ابتدعها النظام السياسي بعد عام 1968. آنذاك كانت السًلطة لا “ترفع” الفرد من “معاون ملاحظ” الى وزير ، ومن “نائب عريف” الى ” فريق أوّل ركن” برمشة عين ، بل كانت تقوم بـ 
تنزيله” من وزير الى “معاون ملاحظ” ، ومن فريق أوّل ركن” الى “نائب عريف” برمشة عينٍ أيضا (باختلاف الدوافع والأسباب) . غير أن سياقات الرفع من الشأن الشخصيّ ، والحدّ منه عن طريق التلاعب بدرجات الوظيفة العامة ، كانت صلاحية حصريّة لرأس هرم السلطة آنذاك. وكانت تتم على نطاق ضيّق ، ولأسبابٍ نعرفها جميعاً . و كانت تتوجّه لفئات معيّنة ، في مجالات معينة ، ولأشخاص محدّدين بدقّة . وأيّاً ما كانتْ دوافع النظام السابق لانتهاج هذا الأسلوب ، فقد كان من المفترض أن ينتهي العمل على وفقه بعد العام 2003 . غير أنّ هذا لم يحدث ، و بدلاً من ذلك تحوّلتْ تلك الممارسة التي كانت مثار سخرية الكثيرين من النظام السابق ، الى ظاهرة عامّة ، و مقبولة ، و تجِدُ من يبرّرها ،أو يُدافعُ عنها ، بل و أصبحتْ تُعَد من طبيعة الأشياء ، ومن متطلبات “التوازن” في تقاسم السلطات بين “المكونّات”.
انّ استمرار ، وتكريس ، هذه “القفزات” الوظيفيّة بعيدة المدى ، بعد العام 2003 ، لم يَعُد ظاهرة لصيقة بفئة أو طائفة أو قوميّة معينة ، بل اصبح جزءاً من سلوك سياسي – اجتماعي عام ، ومن قيم اداريّة جديدة تتحكم في شغل جميع الوظائف ، و تتبَنّاها وترعاها جميع الفئات السياسية الحاكمة (والمتحكّمَة) ، ومن مختلف المِلَلِ والنِحَل .
هل يفسّرُ لنا هذا ، أسباب مطاردة بعض اعضاء مجلس النواب ، لحالاتَ فسادٍ جزئيّة ، و فرديّة ، ولا يستهدفون فساد النظام ككل ؟
هل يفسّرُ لنا هذا ، الأسبابَ الحقيقية الكامنة وراء تعطيل مجلس الخدمة العامة الاتّحادي ، الذي ينظّم شؤون الوظيفة العامة ، و المنصوص على تأسيسه في دستور جمهورية العراق “الدائم” ، منذ عام 2005 ، وحتّى الآن ؟ 
هل يفسّرُ لنا هذا ، الأسباب الحقيقية الكامنة ، وراء حجم الفساد ، والخراب المذهل ، في الأموال والأنفُسِ والثمرات ؟
هل يفسّرُ لنا هذا ، لماذا
 يتقَدّم 36 الف عراقي (في يومٍ واحدٍ فقط) ، بطلبات ترشيحهم “الكترونيّاً” ، ليصبحوا وزراء .. من أوّلِ نظرة ؟؟!!.  
اذا لم يكن كلّ هذا ، قادراً على تفسير بعض هذا الذي يحدثُ لنا الآن .. فمبروكٌ علينا مناصبنا ، و”درجاتنا” الوظيفيّة التالية .. في الحكومة العراقيّة القادمة.
http://www.ahewar.org/debat/show.art.asp?aid=533721