كتب

كل كتب مصطفي محمود
https://goo.gl/86a9ZH
كل كتب دوستويفسكي
https://goo.gl/dzXfhQ
كل كتب أجاثا كريستي
https://goo.gl/XGrMfD
كل كتب أحمد خالد توفيق
https://goo.gl/vEkhfH
كل كتب باولو كويلو
https://goo.gl/LTNL0e
كل كتب دان براون
https://goo.gl/wqhGR3
كل كتب نجيب محفوظ
https://goo.gl/ctEg5W
كل كتب حسن الجندي
https://goo.gl/VadXwF
كل كتب محمد صادق
https://goo.gl/BJ0i0V
كل كتب أحلام مستغانمي
https://goo.gl/KQiyhl
كل كتب دعاء عبدالرحمن
https://goo.gl/Iz62Zp
كل كتب أيمن العتوم
https://goo.gl/guK0Vl
1- أفضل الروايات الرومانسية
https://goo.gl/fc0dBI
2- أفضل روايات الرعب والتشويق
https://goo.gl/jwH1e8
3- أفضل الكتب الكوميدية والمضحكة والساخرة
https://goo.gl/UaK3yu
4- أفضل كتب التنمية البشرية وبناء الذات
https://goo.gl/EfbkTB
6- أفضل كتب علم النفس والأمراض النفسية
https://goo.gl/ie2U7u
7- أفضل كتب تحليل الشخصية ولغة الجسد
https://goo.gl/AVXPOk
8- أفضل كتب إدارة الأعمال والقيادة
https://goo.gl/ssXpvk
9- أفضل كتب تربية الأطفال والتعامل مع المراهقين
https://goo.gl/KmfbYI
10- كتب تتحدث عن الأندلس
https://goo.gl/1idO31
11- كتب تتحدث عن القضية الفلسطينية
https://goo.gl/L7xkYU
12- أفضل الروايات ذات الطابع الديني
https://goo.gl/5Dhpra
13- أفضل كتب النصوص الخفيفة (تخلص في ساعة)
https://goo.gl/u69qBr
14- أفضل كتب سير الصحابة ونساء النبي
https://goo.gl/KW1TOj
15- أفضل كتب السيرة النبوية
https://goo.gl/iP3zJ5
16- الروايات الحاصلة على جائزة البوكر لأفضل رواية عربية
https://goo.gl/3tUOgT
17- سلسلة روايات تاريخ الإسلام منذ نشأته وحتى العصر الحديث لجرجي زيدان
https://goo.gl/8gp8HE
18- أفضل 100 كتاب ورواية في التاريخ
https://goo.gl/y5pxcF
19- الكتب والروايات الحاصلة على جائزة نوبل في الأدب
https://goo.gl/CpkL9b
20- السلسلة العلمية للمبتدئين (سلسلة ثمرات من دوحة المعرفة)
http://goo.gl/6Xlxzs
21- سلسلة الأدب العالمي للناشئين لكل المبتدئين في القراءة
https://goo.gl/eY3Axm
22- أهم سلسلة ثقافية في العالم (سلسلة مقدمة قصيرة جدا)
https://goo.gl/VtnEv9
23- أكثر من 1000 رواية عربية
http://goo.gl/rfZMEh
24- أكثر من 1000 رواية عالمية مترجمة
http://goo.gl/pIvHp2
25- الكتب الأدبية العربية
http://goo.gl/pNmwYw
26- قصص عربية قصيرة
http://goo.gl/Sn2hdK
27- دواوين الشعر العربي
http://goo.gl/bQx6pa
28- مسرحيات عربية
http://goo.gl/f2xrlk
29- الكتب العالمية المترجمة
http://goo.gl/U01TYF
30- القصص العالمية المترجمة
http://goo.gl/WEz35t
31- المسرحيات العالمية المترجمة
http://goo.gl/3ptSz3
32- الكتب الأدبية المترجمة
http://goo.gl/Aaa2LA
33- الدواوين العالمية المترجمة
http://goo.gl/QU6NHF
34- كتب دينية إسلامية
http://goo.gl/njrUhv
35- كتب الفلسفة والمنطق
http://goo.gl/vW74AG
36- كتب الأفكار والثقافات والإيدلوجيات
http://goo.gl/VaL67z
37- كتب التاريخ
http://goo.gl/KSWdzK
38- كتب السير والتراجم والمذكرات
http://goo.gl/7VqboM
39- كتب علمية
http://goo.gl/QSIYXx
40- كتب طبية
http://goo.gl/d9sS05
41- كتب سياسية
http://goo.gl/ZMrNxJ
42- كتب وقصص الأطفال
http://goo.gl/ESGEp1
43- كتب أدب الرحلات والترحال
http://goo.gl/IpjLsG
44- كتب النقد الأدبي
http://goo.gl/cGZbZR
45- كتب علم الفلك والكونيات
http://goo.gl/26MvYN
46- كتب الإقتصاد
http://goo.gl/YBNW1S
47- كتب تعليم اللغات
https://goo.gl/w6D1As
48- كتب علوم الحيوان
http://goo.gl/BDFXHK
49- كتب الزواج والثقافية الجنسية
http://goo.gl/LbAPT4
50- قائمة أعمال المؤلفون
http://goo.gl/uzJhYk
51- كتب أدب السجون
https://goo.gl/adeplm
52- أفضل الكتب والروايات الصوفية
http://goo.gl/5PcCyK

كل كتب انيس منصور
http://bit.ly/2thu1ln
كل كتب بهاء طاهر
http://bit.ly/2sOHoJ3
كل كتب ابراهيم عبد المحيد
http://bit.ly/2ufacbl
كل كتب احسان عبد القدوس
http://bit.ly/2ufeyPT
كل كتب احمد ديدات
http://bit.ly/2thN6Uq
كل كتب عمر طاهر
http://bit.ly/2seKhnC
كل كتب توفيق الحكيم
http://bit.ly/2uffZxL
كل كتب يوسف السباعي
http://bit.ly/2timt25
كل كتب عبد الوهاب المسيري
http://bit.ly/2tUOBWm
كل كتب نجيب الكيلاني
http://bit.ly/2sYyNSu
كل كتب بلال فضل
http://bit.ly/2thOzu1
كتب جمال حمدان
http://bit.ly/2thJTUQ
كتب ابراهيم الفقي
http://bit.ly/2sOaYya
كتب طه حسين
http://bit.ly/2shsLz5
كتب حسنين هيكل
http://bit.ly/2shRC69
كتب عبد الرحمن بدوي
http://bit.ly/2tXKdG5
كتب محمد المنسي قنديل
http://bit.ly/2sjBtgc
روايات احمد مراد
http://bit.ly/2tjZRxF
كتب أحمد الشقيري
http://bit.ly/2ukRYp2
كتب احمد زويل
http://bit.ly/2tkT9bf
خواطر الشعراوي- التفسير الكامل في 20 مجلد
http://bit.ly/2tmPA4g
كتب الشيخ محمد الغزالي
http://bit.ly/2t0Lex3
كتب راغب السرجاني
http://bit.ly/2sR296E
كتب عمرو خالد
http://bit.ly/2tXHNYh
كتب عائض القرني
http://bit.ly/2s43moo
كتب طارق السويدان
http://bit.ly/2sosSUI
الاعمال الكاملة للمفكر جمال الدين الافغاني
http://bit.ly/2sYxvae
الاعمال الكاملة لمحمد اسماعيل الجاويش
http://bit.ly/2ti6TD3
الاعمال الكاملة لبيرم التونسي
http://bit.ly/2sjDF2N
الاعمال الكاملة لمحمود درويش
http://bit.ly/2sjzSaw
الاعمال الكاملة لصلاح جاهين
http://bit.ly/2t2LxYa
كتب ادب صوفي
http://bit.ly/2tlVHX6
كتب ادب ساخر
http://bit.ly/2ufHDKO
كتب تاريخ
http://bit.ly/2sRdvHZ
كتب اللغات و الترجمة و القواميس
http://bit.ly/2tkqK4F
كتب طبية مترجمة
http://bit.ly/2s1vzMU

عزيز محمد السكرتير الاسبق للجنة المركزية للحزب الشيوعي العراقي في سطور (3)

خالد حسين سلطان

تواردت الاخبار بعد ظهر يوم الاربعاء  31 / 5 / 2017 من مدينة اربيل حول وفاة عزيز محمد السكرتير الاسبق للحزب الشيوعي العراقي، للفترة 1964 ــ 1993، عن عمر يناهز 93 عاما، وكعادة العراقيين بدأ تداول وانتقال الخبر بينهم عبر طرق التواصل المختلفة مع هالة من المديح والاطراء للراحل جعلت منه اقرب ما يكون الى الالهة والقديسين والانبياء، من خلال ذاكرة عراقية معطوبة ومشوهة بقصد او دون قصد، وبالتالي انهال علينا الطبالين والمزمرين والمداحين والمتملقين بعشرات التقارير والمقالات عن التاريخ النضالي والانجازات الوطنية والحزبية الفذة للراحل, واكمالا للصورة ادرج هنا بعض المحطات من حياته، وما خفي كان اعظم، ليطلع الجيل الصاعد من الشيوعيين واليساريين وغيرهم على الحقيقة وفقط الحقيقة، والتي يتجاهلها البعض لغرض في نفس يعقوب ولتحريف الوقائع تماشيا مع المصالح الشخصية وسوء النفس البشرية وازدواجية الشخصية العراقية .

عزيز والجبهة

عقدت اللجنة المركزية للحزب الشيوعي العراقي اجتماعا في ايار 1973 مخصصا لحسم موقف الحزب حول مسالة عقد الجبهة مع حزب البعث الحاكم (الجبهة الوطنية والقومية التقدمية)، حسب ما ورد في ميثاق العمل الجبهوي الذي تعرض لنقاش مطول، لقد استعد عزيز لهذا الاجتماع جيدا لأنه كان مع عقد الجبهة مع حزب البعث باي شكل كان، وبكل حال من الاحوال وبصورة انبطاحية تماما، لعدة اسباب نحاول تحري اهمها، اول الاسباب الرغبة الشخصية لعزيز محمد وخصوصا بعد ان تنفس الصعداء كسكرتير للحزب وبشكل علني او على الاقل شبه علني، بعد ان حصل على ضمان من قيادة البعث بعدم التعرض له وبقية القادة ولا سيما، الذين في الواجهة ويمثلون الحزب الشيوعي في المفاوضات مع البعث وعلى راسهم عزيز محمد وعامر عبد الله ومكرم الطالباني، لذلك اعتاد عزيز على بحبوحة العيش والسفر علنا وعبر مطار بغداد الدولي وبمستمسكات رسمية، ثاني الاسباب هو العامل الاممي وتوصيات الاخ الأكبر، حيث كانت هنالك رغبة جامحة للاتحاد السوفياتي (السابق) وبقية الدول الاشتراكية لعقد الجبهة وكذلك هي رغبة خالد بكداش زعيم الحزب الشيوعي السوري التي وصلت الى حد التوسل بالرفاق العراقيين لعقد جبهة مع بعث العراق كما فعل هو مع البعث السوري، وقد لعبت معاهدة الصداقة الشاملة بين العراق والاتحاد السوفياتي والمصالح المتبادلة بين الطرفين من جهة والعراق ومنظومة الدول الاشتراكية من جهة اخرى، كذلك اعتراف العراق بجمهورية المانيا الديمقراطية (الشرقية) كان له تأثيره كون العراق أول دولة تتعترف بألمانيا بعد الدول الاشتراكية، بالإضافة الى خبر تسرب بعد حين عن اعتقال زوجة عزيز محمد في احدى حملات البعث ضد الشيوعين في مرحلة المد والجزر والضغط الذي كان يمارسه صدام على عزيز محمد، واطلق سراحها سريعا مقابل تعهد شخصي من عزيز محمد لصدام حسين بإتمام عقد الجبهة، وقد نوه المقبور صدام الى ذلك بشكل غير مباشر وخلف الكواليس بالتصريح (اننا عقدنا الجبهة مع اشخاص)، كل ذلك جعل من عزيز محمد مندفعا وبكل اصرار الى تمرير قرار عقد الجبهة مع البعث، ولا ننسى كذلك ميل عدد من القادة الى عقد الجبهة ولكن لم يكن بالاندفاع والحماس والاصرار الذي لدى عزيز، ومع هذا ورغم جهوده في الضغط على هذا الرفيق وذاك ولا سيما الاكراد منهم للتصويت الى جانب القرار قبل وفي اجتماع اللجة المركزية آنف الذكر، لم يحصل عزيز على النتيجة المطلوبة،  كان عدد الحضور او ممن يحق لهم التصويت 15 رفيق (والبعض يذكر انهم 13) 8 منهم كانوا ضد و7 مع المصادقة، لم ترق تلك النتيجة لأبو سعود فحث الرفاق المعارضين الى مراجعة مواقفهم في مسألة مصيرية،  وعدم اضاعة تلك الفرصة التاريخية على حد تعبيره، وبعد النقاش المطول اقترح اعادة التصويت بعد الاستراحة لأهمية الموضوع، وكعادته في الاستراحة تمكن من اقناع الفقيد احمد باني خيلان / ابو سرباز (وهنا لعبت الشحنات الشوفينية دورها) لتغيير موقفه والانتقال من المعارضين الى الموافقين وهكذا انقلبت النتيجة الى العكس (8 مع ــ 7 ضد) وتم تمرير الموافقة (بفهلوة وشطارة) عزيز وبأكثرية ضئيلة جدا. كل أو غالبية المذكرات والمصادر تتناول فحوى هذا الموضوع بتلك الصيغة وبتفاصيل اقل طبعا مجاملة لعزيز، حتى الفقيد ابو سرباز في مذكراته. ولا بد من القول ان، احمد باني خيلان (ابو سرباز) من اعضاء اللجنة المركزية الجدد، اي ممن حظوا بهذا المركز بعد احداث 8 شباط الاسود وما تلاه من مراحل بلبلة فكرية وخلافات توجت بانشقاق القيادة المركزية  وضرورة اختيار وجوه تعويضية لقيادة الحزب تعويضا عن الرفاق الذين صفوا في الانقلاب او تم تسقيطهم سياسيا وكذلك القادة والكوادر الذين اصطفوا مع الانشقاق، وعدد كبير منهم اعدوا ليكونوا قادة المستقبل (او قادة احتياط) ولكن خسرهم الحزب والحركة الوطنية او دفعوا ليكونوا مع الانشقاق،  فتم صعود بعض العناصر الجديدة الى قمة الهرم القيادي على طريقة (من قلة الخيل …)، وقد استغل عزيز محمد هذه الظروف ليدفع عدد من الاكراد لتلك المناصب بحس شوفيني صرف وضمن خطة محكمة لتكريد قيادة الحزب، ومن ضمن هؤلاء احمد باني خيلان وتوفيق احمد الذي سقط في اول اختبار حيث سلم تنظيمات منطقة بغداد الى الامن من بداية اعتقاله، وكما نوهنا لذلك في الحلقة السابقة،وبذلك وجه ضربة قاصمة للحزب. اما احمد باني خيلان فكان امينا لولي نعمته عزيز، حيث انتقل من جهة الى اخرى وبأمر من عزيز، اثناء التصويت على الجبهة ليقلب الامور راسا على عقب، وقد حفظ عزيز موقف ابو سرباز هذا بامتنان، وحافظ عليه ضمن اللجنة المركزية حتى المؤتمر الخامس 1993 الذي ازيح فيه عزيز من منصب السكرتير الاول. رغم الموقف المخزي لابو سرباز ومن معه من الرفاق الاكراد (كريم احمد / ابو سليم، وقادر رشيد / ابو شوان) ممن وقعوا اسرى لدى قوات الاتحاد الوطني الكردستاني في مجزرة بشت اشان ايار 1983، في حين بقية رفاقهم قاتلوا ببسالة حتى الرمق الاخير، وحتى من اسر منهم تم تصفيته لشجاعته في المعركة ولم يقع في الاسر الا بعد ان نفذ عتاده، ومنهم الشهيدة احلام التي قاتلت واستشهدت ببسالة قل نظيرها، في حين وقع القائد المغوار كريم احمد ورقة صلح وايقاف للقتال مع جلال الطالباني وهو اسير، وتم تكريمه هو ورفيقيه بمسدسات هدايا شخصية لهم من جلال الطالباني، وتم ايصالهم بأمان الى رفاقهم. ورغم تلك الواقعة التي تمثل قمة الخيانة والجبن، حافظ عزيز محمد عليهم ضمن قياداته اللاحقة وبدون حساب، من باب عفا الله عما سلف، فهو رحيم عطوف مع رفاقه الاكراد وخصوصا ممن يقفون معه على طول الخط (جماعة موافج) وشديد الحساب مع غيرهم من الرفاق العرب . عزيز والمؤتمر الثالث 1976 عقد المؤتمر الثالث للحزب في حزيران 1976، في مقر اللجنة المركزية في بغداد / ساحة عقبة بن نافع، بإنشاء خيمة كبيرة في حديقة المقر لجلسات المؤتمر واستمر عزيز خلال جلسات المؤتمر بتعزيز نهجه في تعميق وترسيخ العمل الجبهوي مع حزب البعث الحاكم والسير معا الى حد الاندماج لبناء الاشتراكية مع كاسترو العراق (المقبور صدام حسين)، ولدعم هذا النهج افتى للرفاق ببدعة التطور اللارأسمالي لبناء الاشتراكية في العراق وبعد استشارة الرفاق في المركز الاممي من خلال ارسال وفد قبل المؤتمر للتشاور حول ذلك، برزت في المؤتمر اصوات ودعوات حول جدوى ونتائج التحالف الجبهوي ومحاولة التراجع عنه، ولكن الاصوات المقابلة كانت هي الاعلى، واثناء هكذا طروحات من المندوبين كان عزيز يطلب غلق مكبرات الصوت خوفا من تسرب الصوت خارج القاعة، وحفاظا على مشاعر الحزب الحليف من الخدش. رغم التوصيات الحزبية الخاصة للمندوبين بعدم التعرض للحليف الجبهوي وخصوصا في منطقة بغداد. ابرز تلك الاصوات المعارضة كان صوت المندوب نزار ناجي يوسف (الشهيد لاحقا) عضو مكتب تنظيمات بغداد وكان رافضا بحدة لاستمرار ما يسمى بالعمل الجبهوي. انهى المؤتمر اعماله بالتوصية بتعميق مسيرة العمل الجبهوي وانتخب لجنة مركزية موسعة، وبدورها انتخبت المكتب السياسي وجددت انتخاب عزيز محمد سكرتيرا لها، بعد المؤتمر جرى التركيز على اصحاب الاصوات المعارضة واطلقت عليهم تسمية (اصحاب الافكار المغايرة لسياسية الحزب) وجرى ابعاد البعض عن مسؤولياتهم الحزبية ومنهم الشهيد نزار ناجي (ابو ليلى)، ويذكر ان الشهيد نزار شيوعي مبدئي نشط وملتزم حزبيا ومن عائلة وطنية معروفة فوالده الفقيد نزار ناجي يوسف وشقيقتيه السيدتين ثمينة ونوال مناضليتين في الحزب وثمينة هي زوجة الشهيد الخالد سلام عادل، برز نجم الشهيد ابو ليلى في كردستان فيما بعد، خلال مرحلة العمل الانصاري والكفاح المسلح ضد نظام البعث بعد انهيار الجبهة 1979 من خلال دوره كمقاتل وقائد شجاع ينفذ ما يوكل اليه من مهام، بالإضافة الى موقفه السابق والمشرف خلال المؤتمر الثالث، استشهد المناضل ابو ليلى في ما يسمى بمعركة بشت اشان الثانية في الاول من ايلول 1983 بالضد من قوات الاتحاد الوطني الكردستاني لرد الاعتبار بعد خسارة معركة بشت اشان الاولى، واعتقد شخصيا، انه زج به بشكل او اخر في معركة بائسة وانتقامية ومعروفة النتائج ومجاملة للحزب الديمقراطي الكردستاني وقيادته، لغرض التخلص منه، مع بوادر التفرد بالقرار الحزبي من قبل عزيز وبطانته بعد الهجرة الجماعية، ومحاولة فرز وابعاد كل الاصوات المعارضة سابقا ولاحقا، وقد وصف الشهيد الدكتور ابو ظفر (محمد البشيبشي) تلك المعركة ونتائجها بعدما عاد منها مكسورا، وصفها بالمثل الشعبي العراقي (راد كرون كصو اذاناتة) للتعبير عن الخيبة في المعركة ودوافعها ونتائجها .

عزيز وحادثة خان النص

في بداية شباط 1977 حاول نظام  البعث واجهزته الامنية من منع اهالي مدينة النجف من احياء شعائر زيارة الاربعين، بالمسير مشيا الى مدينة كربلاء، وقد اصرت الجماهير على المسير مهما كان الثمن ورفعت شعارات تندد بالنظام واصراره على منع تلك الشعائر مثل : (اهل النجف يا امجاد راياتكم رفعوها) و(إسلامنا ماننساه ايسوا يابعثية) استمرت المسيرة من 4 الى 9 شباط تخللتها الكثير من الصدامات والمواجهات بين الجماهير السائرة والاجهزة الامنية سقط خلالها العديد من الشهداء والجرحى والمئات من المعتقلين، أشد المواجهات كانت في منطقة استراحة للزائرين تسمى بخان النص لذلك اطلق على الحادثة بانتفاضة خان النص أو (انتفاضة صفر او الاربعين) ورغم كل الاجراءات التعسفية وارهاب السلطة تمكنت بعض الجماهير من الوصول الى مدينة كربلاء واداء مناسك الزيارة، بعدها تمكنت القوات الحكومية من السيطرة على الموقف واحالة الكثير من المعتقلين الى ما يسمى بمحكمة الثورة والتي حكمت على العديد منهم بالاعدام، وقسم من الاحكام كان غيابيا، ونفذت الاحكام، فكانت كارثة على مدينة النجف، وأمست المدينة حزينة على ابنائها. للأسف موقف الحزب الشيوعي من تلك الحادثة كان مؤيدا للسلطة واجرائها القمعي معتبرا ما حدث مؤامرة على السلطة الوطنية، واصدر بيان بذلك ووزع على منظمات الحزب، وقد امتنعت منظمة النجف من توزيع البيان حفاظا على مشاعر جماهير المدينة وخوفا من عواقبه، واخذت القوى الدينية بالهجوم على الحزب بعد البيان، وتراجعت مكانة الحزب بين جماهير مدينة النجف، التي ابتعدت عن الحزب وعارضت سياسته. في وقت لاحق، وكالعادة، تهرب عزيز محمد من بيان الحزب وموقفه من احداث خان النص ورمى به على كاهل رفاق المكتب السياسي كونه كان في كردستان خلال الاحداث .

يتبع

خالد حسين سلطان

اخوان الصفا

جماعة «إخوان الصفا» ؟

 

معلومات لا تعرفها عن جماعة «إخوان الصفا» ؟ – عادل العوا

ليس من الغلو أن يعدَّ البحث في موضوع إخوان الصفا بحثاً عن لغز، بل عن كنز ثقافي عربي إنساني النزعة، تود فئات من المفكرين والعقائديين الاعتزاء له، إن لم يسعفها ادعاء انتمائه إليها، كما حاول أنصار فرق إسلامية شتى، وما يزالون.

    فإذا اتجه النظر إلى البيئتين التاريخية والجغرافية التي يُفترض ظهور حركة إخوان الصفا فيهما، وهما القرن الرابع الهجري في ظل الدولة العباسية، بدءاً من البصرة، وفي حدود سنة 3733هـ، ظهر أن السيادة الدينية غالبة في التقويم السياسي والثقافي والاجتماعي. وقد عزف العباسيون عن العصبية العربية،واستعانوا بالفرس ثم بالترك. وما عتم أولو النفوذ من هذه الأقوام غير العربية أن أخذوا يستبدون بشؤون الملك، وباتت الخلافة البغدادية متهافتة يدب فيها الفساد والانحلال، ولاسيما عندما دخل أحمد بن بويه بغداد غازياً فاتحاً سنة 334هـ فقابله الخليفة المستكفي بالله، واحتفى به، وبايعه أحمد، وحلف كل منهما لصاحبه، هذا بالخلافة، وذاك بالسلطنة. وفي ذلك اليوم شرّف الخليفة بني بوية بالألقاب. وأضفى على أحمد لقب صاحب العمران، معز الدولة، وهو من الشيعة الزيدية فأضمر أن يزيل الخلافة لتولية خليفة من الشيعة العلوية.

    وقد كثرت في تلك الحقبة الثورات الانفصالية، وأسس العبيديون الدولة الفاطمية في مصر سنة 359هـ وازداد عبث القرمطية، وبلغت الحياة الاقتصادية والاجتماعية مبلغاً من السوء في العراق خاصة حتى أكل أهل بغداد الميتة والسنانير والكلاب. واشتد التفاوت الطبقي بين فئات الخاصة والعامة. وتميزت في صفوف الخاصة مراتب الخليفة وأهل الدولة وأرباب النفوذ من الأعيان وأتباع الخاصة من جندٍ وأعوانٍ وخدمٍ وطوائف العبيد والجواري والخصيان. كما تميزت من العامة فئات الأدباء والمثقفين الذين طمحوا إلى اللحاق بالخاصة وكذلك أرباب التجارات الثمينة والصناعات الراقية، وبقي بمعزل عن ذلك سواد سكان الريف وأهل المدن يعانون من الشطّار والعيارين.

    وقد واكب هذه الأوضاع صراع صريح اضطرم بين العرب المعتزين بمنزلتهم التليدة والشعوبية الداعية خاصة إلى المساواة الإسلامية.

    ولقيت حياة اللهو، بل المجون، مرتعاً خصباً إلى جانب ارتكاسات جد وتقشف،وزهد وتصوف. وانعكس ذلك كله في ازدهار خصومة «عقائدية» بين ملاحدة ومؤمنين،وزنادقة ومتكلمين وامتزجت في هذه المعارك ثقافات يونان وفارس والهند بالإبداع العربي الأصيل وبأطلال الثقافات الغابرة: زرادشتية وآشورية وثنوية ومجوسية.

    وبقول وجيز: «لم يعرف المسلمون عصراً كالقرن الرابع للهجرة تناقضت فيه حياتهم العامة أشد التناقض» كما يقول طه حسين. وما لبث جدل هذا التناقض أن تمخض عن حركة تعكس معطياته وترمي إلى تجاوزها نحو ما هو أليق بالحياة الإنسانية بوجه عام. وتلكم هي – بوجه من أوجه الاعتبار الأساسي – حركة إخوان الصفاء.

    إن نظرة أولى إلى أقدم إشارة علنية صحيحة وصلت عن هذه الحركة السرية، بل المكتومة تُشعر بالظرف الذي نشأت فيه، كما تُنبئ – بشيء كافٍ من الدقة – بالارتكاس الشديد الذي اكتنف ظهورها، وقابل دعوتها وإنتاجها الثقافي، وكان علامة تسويغ سريتها وكتمانها.

    نعت أبو حيان التوحيدي [ر] في كتابه «الإمتاع والمؤانسة» حياة الناس في زمنه بأنهم في «ظلمات البر والبحر، أعني الجهل وقلة الحياء». وأجاب في وصف زيد بن رفاعة بقوله:

    «هناك ذكاء غالب، وذهن وقاد، ويقظة حاضرة، وسوانح متناصرة، ومتسع في فنون النظم والنثر… وتبصر في الآراء والديانات، وتصرف في كل فن… وقد أقام بالبصرة زماناً طويلاً، وصادف بها جماعة جامعة لأصناف العلم، وأنواع الصناعة: منهم أبو سليمان محمد بن معشر البستي، ويعرف بالمقدسي، وأبو الحسن علي بن هارون الزنجاني، وأبو أحمد المهرجاني والعوفي، وغيرهم فصحبهم وخدمهم».

    وأضاف قائلاً: «وكانت هذه العصابة قد تآلفت بالعشرة،وتصافت بالصداقة، واجتمعت على القدس والطهارة والنصيحة، فوضعوا بينهم مذهباً زعموا أنهم قرّبوا به الطريق إلى الفوز برضوان الله،والمصير إلى جنته.وذلك أنهم قالوا: الشريعة قد دُنست بالجهالات،واختلطت بالضلالات، ولا سبيل إلى غسلها وتطهيرها إلا بالفلسفة. وذلك لأنها حاوية للحكمة الاعتقادية،والمصلحة الاجتهادية. وزعموا أنه متى انتظمت الفلسفة اليونانية والشريعة العربية، فقد حصل الكمال».

    ولما جهر أبو حيان بهذا التعريف «المعاصر العليم»، ثارت حفيظة سيد تلك الندوة الثقافية «المتحررة» نفسه، فأنكر محمد بن بهرام وهو أبو سليمان المنطقي السجستاني مسعى الإخوان قائلاً كما يذكر صاحب «الإمتاع والمؤانسة»: «إنهم ظنوا ما لا يكون، وما لا يمكن، ولا يستطاع. ظنوا أنهم يمكنهم أن يدسوا الفلسفة – التي هي علم النجوم والأفلاك والمجسطي والمقادير وآثار الطبيعة والموسيقى والمنطق…- في الشريعة،وأن يضموا الشريعة للفلسفة، وهذا مرام دونه حَدَد.. والله تعالى تمم الدين بنبيه، ولم يحوجه بعد البيان الوارد بالوحي إلى بيان موضوع بالرأي… وأين الشيء المأخوذ بالوحي النازل، من الشيء المأخوذ بالرأي الزائل.

    وبالجملة: النبي فوق الفيلسوف. والفيلسوف دون النبي..». وعندما أهاج الحريري غلام بن طرارة  يوماً في الوراقين (المقدسي)، وهو من إخوان الصفاء، اندفع مفصحاً عن بعض رأيه قائلاً: «الشريعة طب المرضى، والفلسفة طب الأصحاء والأنبياء يطبون للمرضى حتى لا يتزايد مرضهم، وحتى يزول المرض بالعافية فقط.

    أما الفلاسفة فإنهم يحفظون الصحة على أصحابها حتى لا يعتريهم مرض أصلاً… وإنما جمعنا بين الفلسفة والشريعة، لأن الفلسفة معترفة بالشريعة، وإن كانت الشريعة جاحدة بها، وإنما جمعنا أيضاً بينهما لأن الشريعة عامة، والفلسفة خاصة، والعامة قوامها بالخاصة».

    فحركة إخوان الصفاء تود جمع الفلسفة والشريعة،ولكنها ترجح – كما سيأتي – جانب العقل الانتقادي على الإيمان الاتباعي. وقد ضمّ تنظيمها نخبة من «الجادين»، كما يقول ستانلي لين – بول، الذين أخذوا يجتمعون في أماكن خاصة،ومواعيد دورية معينة، على اختلاف رتبهم. وأطلقوا على أنفسهم اسم:

    «إخوان الصفاء، وخلاّن الوفاء، أهل العدل، وأبناء الحمد». وقد أصبحت العبارة الأولى كافية للدلالة عليهم، يضاف إليها في الغالب العبارة الثانية. ولكن جلّ الباحثين، على الأقل لم يفطنوا إلى دلالة العبارتين الأخيرتين. وسنبين مقصدهما في نظر الإخوان.

    كتم إخوان الصفاء أسماءهم، وأسرّوا عددهم، وامتنعوا عن البوح بأسرار جماعتهم، ولم يصل من آثارهم المباشرة إلا نوعان من رسائل تنسب إليهم. النوع الأول يضم خمسين بل إحدى وخمسين رسالة وهبوها للناس عامة، وبثّوها في الوراقين، ولا تكاد تجتمع كلها لدى شخص واحد – وقد نشرت في بومباي سنة 1305هـ، ثم أعيدت طباعتها في القاهرة سنة 1928م بتصحيح خير الدين الزركلي.

    والنوع الآخر هو «الرسالة الجامعة» – وقد طبعت بدمشق بتحقيق الدكتور جميل صليبا سنة 1948م – ويرى عارف تامر أنه نشر ما يسميه «جامعة الجامعة» في بيروت سنة 1959م.

    مؤلفو الرسائل

    كثرت النظريات التي تحاول فك لغز إخوان الصفاء، وتعارضت وتناقضت. وبعضها يذكر أسماء أعلام وضعوا الرسائل، فرادى أو مجتمعين، وبعضها الآخر يعزوها إلى فرق أو تيارات معروفة، معاصرة أو سابقة، وربما لاحقة.

    فمن قائل إن الرسائل من وضع مسلمة المجريطي، أو تلميذه أبي الحكم الكرماني. ولدى الرجوع إلى المخطوطة المحفوظة في المكتبة الوطنية بباريس برقم 2303، وهي أساس هذه النظرية، وُجد اسم المجريطي مكتوباً على حرفها جرياً على العادة القديمة بكتابة اسم مالك النسخة على جملة أوراقها فيقرأ الاسم عند جمع جوانب صفحات النسخة بإغلاقها. وبذا تبدد وهم القول بأن المجريطي مؤلف الرسائل، أو الرسالة الجامعة، وصح عدّه، أو تلميذه، أول من حمل الرسائل إلى بلاد الأندلس.

    والنظرية الثانية تنسب الرسائل إلى بعض أئمة الإسماعيلية، وهو تارة الإمام جعفر الصادق، وأخرى الإمام أحمد بن عبد الله، ثاني أئمة دور الستر. ولكن النسبتين غير صحيحتين، يرفضهما باحثون كثر، ويدحضهما النظر الانتقادي. وفي هذا المنحى يرى عبد اللطيف الطيباوي أن هناك من ينسب الرسائل إلى صحابي، أو إلى علي بن أبي طالب أو إلى معتزلي لم يذكر اسمه، أو إلى جابر بن حيان، أو إلى الحلاج، أو إلى الغزالي،على الرغم من تناقض فحوى الرسائل مع مذاهب جلّ هؤلاء الأعلام.

    والنظرية الثالثة تأخذ بما دار في ندوة أبي سليمان السجستاني وترى أن الرسائل من وضع خمسة من الأعلام المذكورين فيها. ويؤكد مصطفى غالب أنه عثر بعد محاولات كثيرة على أسماء بعض مؤلفي الرسائل من بعض المخطوطات الإسماعيلية السرية، وهم: 1ـ أبو سليمان محمد بن معشر البستي، ويعرف بالمقدسي، 2ـ أبو الحسن علي بن هارون الزنجاني، 3ـ أبو أحمد المهرجاني، 4ـ أبوالحسن العوفي، 5ـ أبو حيان التوحيدي، 6ـ زيد بن رفاعة، 7ـ محمد أبو الفرج، 8ـ أبو سليمان محمد بن طاهر السجستاني، 9ـ أبو زكريا العامري، 10ـ عبد السلام بن الحسن البصري، 11ـ أبو سفيان، 12ـ الحلواني، وقد أشير إلى إنكار السجستاني وغيره من أعضاء الندوة آراء الإخوان.

    أما الذين يعزون تأليف الرسائل إلى فرق معينة فإنهم ينسبون جماعة الإخوان إلى القرمطية أو النصيرية أو الدرزية أو الإسماعيلية.

    من ذلك أن ماسينيون يعد إخوان الصفاء من القرامطة. ولكن نص الرسائل ينكر فعال القرامطة واقتلاعهم الحجر الأسود، ويتهم مزدك الخرَّمي الذي ترتبط به القرمطية بالتمويه والتزوير على قلوب العامة والجهال.

    وإذ يكتفي الغزالي [ر] في «المنقذ» بفضح إخوان الصفاء لاستدراجهم قلوب الحمقى إلى باطلهم، يقرر ابن تيمية في «فتاويه» تماثل مذهب الإخوان والعقيدة النصيرية. ولكن نصوص الرسائل لا تنمّ عن هذا الالتقاء إلا إذا قصد ابن تيمية تأثر النصيرية بالرسائل لقوله: إن أصحاب الرسائل من أئمتهم. وفي الرسائل ذكر لمحمد r على أنه مدينة العلم، وأن علياً بابها، لكن لا يذكر اسم سلمان الفارسي إلا مرة واحدة، وعلى أنه من الصحابة وحسب.

    وفي مجال آخر يرى مكدونالد أن انتقائية الإخوان هي المذهب الحقيقي للفاطميين والحشاشين والقرامطة والدروز. ولكن من الثابت أن الرسائل سبقت ظهور المذهب الدرزي المتصل باختفاء الحاكم بأمر الله سنة 411هـ ويؤكد عمر فروخ صلة الرسائل بالمذهب الدرزي، ولكن على أساس تأثره بها، ولا عكس.

    وتبقى النظرية الإسماعيلية الشهيرة التي قال بها كثيرون من الإسماعيليين خاصة، وقد أفادوا – عقائدياً وسياسياً – من غموض أسلوب الرسائل فنسبوها كما فعل الداعي إدريس عماد الدين إلى الأمام المستور أحمد بن عبد الله أو نسبوها إلى الدعوة الطيبية اليمنية كما فعل حسين همداني. والأرجح أن أول ذكرِ للرسائل في المؤلفات الإسماعيلية يرجع إلى سنة 557هـ، وهذا يعني أن صلة الإسماعيلية بالرسائل هي صلة استفادة جرت في اتجاه واحد لاحق بالزمن المرجح لوضع الرسائل. وقد حكم برنارد لويس بأن الرسائل ليست إسماعيلية، بل قريبة منها.

    والثابت أن هذا القرب هو متح الإسماعيلية (وفرقها الفرعية، ومنها ما في قلعة ألموت) من الرسائل، وذيوعها بينهم، وإجلالهم إياها.

    ويكفي أن نلمح إلى أن مذهب الإخوان، وهو إنساني عقلي انتقادي، ينكر الاتّباع والطاعة العمياء، ويرى أن الديانات كلها – وليس الإسلام وحده – تقع على صعيد واحد، يبذّه صعيد الفلسفات وما يكتشفه الباحثون في الكون وفي أنفسهم، أما الإسماعيلية فهي موقف ديني، وهي تُلزم «بآداب اتباع الأئمة» وطاعتهم دوماً، بالدرجة الأولى.

    وفي إثر هذه النظريات المتنوعة «المرفوضة» يعتقد أن معطيات الرسائل تبرهن على استقلال حركة إخوان الصفاء عن جميع الحركات المذكورة وتثبت مباينة غرضهم لأغراضها كافة.

    ومن الراجح القول بأن جماعة إخوان الصفا يمثلون مرحلة متقدمة من مراحل تطور الفكر الاعتزالي المتأخر، وأن مذهبهم مذهب أخلاقي إنساني وتعاوني اشتراكي مثالي: فاسم جماعة إخوان الصفا الكامل يشير هو ذاته في عبارتيه الأخيرتين إلى أنهم «أهل العدل، وأبناء الحمد».

    ولا يخفى أن «أهل العدل» من تسميات المعتزلة، وأن مبدأ العدل ركن أساسي من أركان الاعتزال، وأهله العقلانيون هم المحمودون في نظر الإخوان، لأن الناظم العقلي هو الرباط الإنساني الوحيد الذي يجعل إخوان الصفاء يتجاوزون كلامية المعتزلة السابقين إلى الشمولية الإنسانية للمعتزلة العقلانيين.

    مضمون الرسائل

    تصدت نصوص الرسائل والرسالة الجامعة لجميع فروع المعرفة والعمل، وألمت بالمعطيات العلمية والفلسفية والدينية الذائعة في عصر أصحابها، فبدت جملتها في إهاب موسوعة شاملة تضم فنون الأدب وغرائب العلوم وطرائف الحكم وقد جعلها المؤلفون في أربعة أقسام:

    القسم الأول يشتمل على الرسائل الرياضية التعليمية. وهي تتناول موضوعات العدد، والهندسة، والنجوم، والجغرافية، والموسيقى، والنسب العددية والصنائع العلمية النظرية، والصنائع العملية والأخلاق، كما تبحث موضوعات منطقية مثل ايساغوجي، والمقولات، والعبارة والقياس والبرهان.

    والقسم الثاني يشتمل على الرسائل الجسمانية الطبيعية. ويعالج موضوعات الهيولى والمادة، والسماء والعالم، والكون والفساد، والآثار العلوية، وتكوين المعادن، وأجناس النبات، وتكوين الحيوانات وأصنافها، وماهية الطبيعة، وتركيب الجسد، والحاس والمحسوس، ومسقط النطفة، وأن الإنسان عالم صغير، ونشوء الأنفس الجزئية، وطاقة الإنسان في المعارف، وحكمة الموت والحياة، وخاصية اللذات، وعلل اختلاف اللغات، ورسوم الخطوط والعبارات.

    والقسم الثالث يشتمل على الرسائل النفسانية العقلية. ويبحث في المبادئ العقلية على رأي الفيثاغوريين، والمبادئ العقلية على رأي إخوان الصفاء، ومعنى قول الحكماء أن العالم إنسان كبير، والعقل والمعقول، والأكوار والأدوار، وماهية العشق، وماهية العبث، وكمية أجناس الحركات، والعلل والمعلولات، والحدود والرسوم.

    والقسم الرابع يشتمل على الرسائل الناموسية الإلهية. وهي تتناول الآراء والمذاهب، وماهية الطريق إلى الله، وبيان اعتقاد إخوان الصفاء، وكيفية عشرتهم، وماهية الإيمان وخصال المؤمنين المحققين، وماهية الناموس الإلهي والوضع الشرعي، وكيفية الدعوة إلى الله، وكيفية أفعال الروحانيين، وكمية أنواع السياسات، وكيفية نضد العالم بأسره، وماهية السحر والعزائم.

    ولعل من أبرز ما ينبغي التنبه له هو أن ضروب المعارف المصوغة في الرسائل لا تقرر عَرْضاً موضوعياً لحقائق يؤمن بها الإخوان، بل هي سلاح دعاوة تحث القارئ والسامع، على الانضمام إلى الجماعة «ليرى كل واحد منهم، ويعلم، أنه لا يتم له ما يريد من صلاح معيشة الدنيا، ونيل الفوز والنجاة في الآخرة، إلا بمعاونة كل واحد منهم لصاحبه. وأما السبب الذي يحفظهم على تلك الحال فهو المحبة، والرحمة، والشفقة، والرفق من كل واحد منهم، والمساواة فيما يريد ويحب ويبغض ويكره لنفسه. وهذه الشرائط تتم وتدوم إذا علم كل واحد منهم أن أنفسهم نفس واحدة، وإن كانت أجسادهم متفرقة». ولذا توجد في كل منعطف رسالة، أو فصل، أو فقرة أحياناً، دعوة حارة لتلبية النداء، وحسن اختيار الأخ الجديد، ولا سيما من «الشباب السالمي الصدور، الراغبين في الآداب، المبتدئين بالنظر في العلوم، المريدين طريق الحق والدار الآخرة، التاركين الهوى والجدل، غير المتعصبين على المذاهب».

    وهذا النداء يخاطب الناس كافة لأن للجماعة «إخواناً وأصدقاء من كرام الناس وفضلائهم، متفرقين في البلاد: فمنم طائفة من أولاد الملوك والأمراء والوزراء والعمال والكتّاب، ومنهم طائفة من أولاد الأشراف والدهاقين والتجار والتُّنّاء. ومنهم طائفة من أولاد العلماء والأدباء والفقهاء وحملة الدين. ومنهم طائفة من أولاد الصناع والمتصرفين وأمناء الناس».

    وطبيعي أن يوجب هذا التنوع في النداء تنوعاً في أسلوب الرسائل من حيث استخدام الرمز والتأويل، والتبسيط والتعقيد، والاقتباس والتضمين، والإيجاز والإسهاب، أي مختلف سبل الترغيب خاصة، كل ذلك ينوس بين وضوح المعطيات العلمية والتعمية الهادفة في النصوص المذهبية، وبذا تختلف مخاطبة المتفلسفين الشاكين في أمر الشريعة، الغافلين عن أسرار الكتب النبوية، عن خطاب الشاكين في أمر النفس، المتحيرين في اختلاف أقاويل العلماء فيها، اختلافها عن مخاطبة العمال والكتّاب، ومخاطبة الملوك والسلاطين، ومخاطبة أهل العلم الغافلين عن أمر النفس، والمعرضين عن معرفة جوهرها، وكذلك عن مخاطبة المتشيعين. وإلى هؤلاء يقول مؤلفو الرسائل: «ومما يجمعنا وإياك أيها الأخ البار الرحيم محبة نبينا عليه السلام وأهل بيت نبيه [كذا] الطاهرين، وولاية أمير المؤمنين علي بن أبي طالب.. وحرمة الأدب والخروج من جملة العوام.. وقد أنفذنا إليك أخاً من إخواننا قد ارتضيناه في بصيرته.. فإذا سمعت أقاويلنا وفهمت معانيها.. أجبتنا بصدق القول..».

    وعلى هذا المنوال يتجه إخوان الصفاء إلى أصحاب العقائد والآراء، حتى إلى الشيعة،وهم ليسوا منهم، لحثهم على اعتناق مذهبهم الذي يجاوز سائر الآراء السائدة، ويتخطى الانحياز «الانعزالي» فيبرأ من التعصب لأي مذهب آخر علمي أو فلسفي أو ديني، فمذهبهم يضم المذاهب كلها، والحقيقة حقيقتهم. يقولون:

    «إن الحق هو ما اجتمعنا عليه الآن». ولذا فإن حقيقتهم لا تصدر عن سواهم، ولا تؤخذ تعليماً عن غيرهم، ولو كان إماماً. وإنما مصدرها رباعي، وطريقة نوالها عقلية. فهم يذكرون أن علومهم مأخوذة من كتب أربعة: أحدها الكتب المصنفة على ألسنة الحكماء والفلاسفة من الرياضيات والطبيعيات، والآخر الكتب المنزلة التي جاء بها الأنبياء عليهم السلام مثل التوراة والإنجيل والفرقان وغيرها، والثالث الكتب الطبيعية، وهي صور أشكال الموجودات بما هي عليه الآن من تركيب الأفلاك وأقسام البروج… وفنون الكائنات من المعادن والحيوان والنبات وأصناف المصنوعات على أيدي البشر، والرابع الكتب الإلهية التي لا يمسها إلا المطهرون الملائكة التي هي بأيدي سفرة كرام بررة، وهي جواهر النفوس وأجناسها وأنواعها.

    وبقول آخر،يجمع مفكرو الإخوان إلى معطيات الثقافة العلمية والفلسفية والدينية المتنوعة معاناة التجربة الكونية والنفسية ليصنعوا من ذلك كله، بأنفسهم، حقيقتهم الإنسانية التي تجعل مذهبهم يستغرق كل المذاهب، وأداتهم الوحيدة هي العقل السليم المعافى البريء من الآفات العارضة كالهوى الغالب نحو شيء ما، والعجب المفرط من المرء برأي نفسه، والكبر المانع عن قبول الحق، والحسد الدائم للأقران وأبناء الجنس، والحرص الشديد على طلب الشهوات، والعجلة وقلة التثبت في الأمور، والبغض والعداوة عند الحكومة والخصومات، وحب الرياسة من غير استحقاق.

    وبهذه الأداة «النوعية» المتميزة يعالج إخوان الصفاء كل ما تتناوله بحوثهم فيحكمون بصواب الآراء أو خلطها ولا يحجمون عن كشف النقاب عن مساوئها وأضرارها وفساد منتحلها. وهذا هو الجانب الانتقادي الذي حمل إخوان الصفاء على اعتماد التنظيم السري، وتمويه عرض ما يعرضون من جوانب مذهبهم كما فعلوا في كلامهم عن خصومة العجماوات وثورتها على البشر، إذ نجد المؤلفين يعبرون، بما لا يحبون الإفصاح عنه، بكلام صريح، ونقد مباشر يفضح آراء معاصريهم وسلوكهم سواء بسواء.

    فمن الآراء الفاسدة المؤلمة لنفوس أصحابها، مثلاً، اعتقاد من يرى أن روح القدس الذي قتلته اليهود، وصلبت ناسوته، ذهب لاهوته لما رأى ما نزل بناسوته من العذاب فتركه مخذولاً. ومنها من يعتقد أن الإمام الفاضل المنتظر الهادي مختف لا يظهر من خوف المخالفين.. فيبقى طوال عمره منتظراً لخروج إمامه، ثم يمضي عمره ويموت حسرة وغصة، لا يعرف إمامه، ولا شخصه. وإنما مسألة الإمامة من أمهات مسائل الخلاف التي كثر فيها القيل والقال، وبدت بين الخائضين فيها العداوة والبغضاء، وجرت بين طالبيها الحروب والقتال.. وهي باقية إلى يومنا هذا.

    إن نفوس الجهال كلها موتى بالقياس إلى نفوس العلماء… وإن حياة النفوس ويقظتها هي المعارف والعلوم. انظر يا أخي بعقلك، وميز ببصيرتك، واختر لنفسك، فالسبيل إلى الشفاء من الجهل والخطأ ماثل في أن «الله جعل في جبلّة الإنسان وطبيعته ألا يأتمر أحد من العقلاء لغيره، ولا يطيعه إلا رغبة أو رهبة». وإن أسوأ الناس مذهباً. وأشنعهم رأياً من يعتقد أمراً ويكون عقله منكراً عليه، ونفسه مرتابة.

    ومما ذهب إليه إخوان الصفاء مما لا يقره الفكر الديني المعاصر لهم عامة، وما يسوّغ لجوء الإخوان إلى الرمز والحكاية على ألسن العجماوات قول (زعيم الطيور) منتقداً: « إعلم أيها الإنسي أن الأنبياء عليهم السلام هم أطباء النفوس ومنجموها. ولا يحتاج إلى الطبيب إلا المرضى وصاحب العلة المزمنة، ولا يحتاج إلى المنجّم إلا المنحوسون الأشقياء والضالون عن نجم الهدى… ثم اعلم أن الغسل والطهارة إنما فُرضت عليكم من أجل ما يعرض لكم عند النكاح وشدة الشبق وشهوة الزنا.. وأما الصوم والصلاة فإنما فرضت عليكم ليكفر عنكم سيئاتكم من الغيبة والنميمة والقبح من الكلام واللعب واللهو والهذيان.. وأما الصدقات والزكاة فإنما فرضت عليكم من أجل أنكم تجمعون من فضول الأموال الحلال والحرام والغصب والسرقة واللصوصية، من البخس في الكيل والموازين وكثرة الجمع والذخائر والإمساك عن النفقة في الواجبات فضلاً عن المسنونات، والبخل والشح والاحتكار ومنع الحقوق». وأما (الببغاء) فيقول: «خذ الآن أيها الإنسي إزاء كل ما ذكرت وافتخرت به بقولك قولاً آخر معكوساً، وبدل كل حسن نسبت أصنافاً أخر قبيحة: وذلك أن عندكم الفراعنة، والنماردة، والجبابرة، والفسقة، والمشركين، والمنافقين، والملحدين، والمارقين، والناكثين، والخوارج، وقطاع الطرق، واللصوص، والعيارين، والطرارين. ومنكم أيضاً الدجالون، والباغون، والطاغون، والمرتابون.

    ومنكم أيضاً القوادون، والمخانيث، والمؤاجرون، واللواطة، والسحاقات، والبغايا. ومنكم أيضاً الغمازون،والكذابون،والنباشون. ومنكم أيضاً السفهاء، والجهال، والأغبياء، والناقصون، وما شاكل هذه الأوصاف والأصناف والطبقات المذمومة أخلاق أهلها، الردية طباعهم، القبيحة سيرتهم وأفعالهم، السيئة سيرهم وأعمالهم»… يستوي في هذا النقد الشعراء، والخطباء، والمتكلمون، والمنجمون، والراقون، والأطباء، والمهندسون، والتجار، والرؤساء، والدهاقين، والكتّاب، والعمال، والقرّاء والعبّاد، والفقهاء، والعلماء، والقضاة، والعدول، حتى الخلفاء «الذين تزعمون أنهم ورثة الأنبياء… الذين يسمون باسم الخلافة، ويسيرون بسيرة الجبابرة، وينهون عن منكرات الأمور، ويرتكبون هم منها كل محظور… اتخذوا عباد الله خولاً، وأيامهم دولاً، وأموالهم مغنماً، فبدّلوا نعمة الله كفراً، واستطالوا على الناس افتخاراً… إذا ولي أحد منهم ابتدأ أولاً بالقبض على من تقدمت له حرمة لآبائه وأسلافه وأزال نعمته، وربما قتل أعمامه وإخوانه وأبناء عمه وأقرباءه وربما كحلهم، أو حبسهم، ونفاهم، وتبرأ منهم..».

    أما مذهب إخوان الصفاء فإنه «ملذ لنفوس معتقديه، مفرح لقلوبهم، مبشر لأرواحهم. فهو سفينة النجاة، الموصلة للمدينة الفاضلة الروحانية» وهي مأوى الأرواح، وينبغي بعد الاجتماع على الشرائط من صفوة الإخوان التعاون لبنائها في مملكة صاحب الناموس الأكبر، فإذا دخلت أيها الأخ «مدينتنا الروحانية، وسرت بسيرتنا المَلَكية، وعملت بسنتنا الزكية، وتفقهت في شريعتنا العقلية فلعلك تؤيد بروح الحياة لتنظر إلى الملأ الأعلى، وتعيش عيش السعداء، فرحاناً مسروراً، ملتذاً مخلداً أبداً بنفسك الباقية الشريفة النيرة الخفية الشفافة لا بجثتك الدنية المظلمة الثقيلة المتغيرة المستحيلة الفاسدة الهالكة».

    وأصحاب هذا المذهب، أولياء الله، يتطلعون في الدنيا إلى تعاونية اشتراكية إنسانية متآخية. أفلا يتفاوت الناس في العلم والمال؟ إذن ينبغي على من رزق المال والعلم جميعاً أن يؤدي شكر ما أنعم الله عليه به بأن يضم إليه أخاً من إخوانه ممن قد حرمها جميعاً، ويواسيه من فضل ما آتاه الله تعالى من المال ليقيم به حياة جسده في دار الدنيا، ويرفده ويعلمه من علمه لتحيا به نفسه للبقاء في دار الآخرة…

    ولا يمنّ عليه بما ينفق عليه من المال، ولا يستحقره، ويعلم أن الذي حرم أخاه هو الذي أعطاه.

    ولكن المعاونة «بقوة الأجسام على أمور الدنيا من أبلغ ما يكون لأبناء الدنيا فيما يريدون، وأسهلها عليهم فيما يقصدون». أما المعاونة بين الإخوان بالعلوم والمعارف فهي أبلغ ما يقصدون؛ لأن أحداً لا يمكن أن يدخل مدينتهم متى لم يكن علمه مساوياً لعلمهم.

     ولقوة نفوس الإخوان في هذا الأمر أربع مراتب:

    أولها: صفاء جواهر نفوسهم، وجودة القبول، وسرعة التصور،وهي مرتبة أرباب الصنائع في مدينتهم. ويسمون في الرسائل: الإخوان الأبرار الرحماء. وفوق هذه المرتبة مرتبة الرؤساء ذوي السياسة وهي مراعاة الإخوان، وسخاء النفس، وإعطاء الفيض بالشفقة والرحمة والتحنن على الإخوان.. ويسمون في الرسائل: الإخوان الأخيار الفضلاء. والمرتبة الثالثة فوق هذه وهي مرتبة الملوك ذوي السلطان والأمر والنهي، والنصر والقيام بدفع العناد والخلاف، ويسمون في الرسائل: الإخوان الفضلاء الكرام. والرابعة فوق هذه وهي التي يدعى إليها الإخوان كافة في أي مرتبة كانوا، وهي مرتبة التسليم، وقبول التأييد، ومشاهدة الحق عياناً،وعليها ترد قوة المعراج، وبها تصعد إلى ملكوت السماء، وإلى هذه المرتبة أشار الله تعالى بقوله: )يا أيتها النفس المطمئنة ارجعي إلى ربك راضية مرضية(. وإليها أشار إبراهيم ويوسف والمسيح ومحمد وسقراط وفيثاغورس وبلوهر.وإليها يدعو الإخوان إخوانهم جميعاً،ويطلبون إليهم الإقرار باللسان،والتصور لهذا الأمر بضروب الأمثال للوضوح والبيان، والتصديق له بالضمير والاعتقاد له بالاجتهاد في الأعمال.

    ويعلن الإخوان أنهم بذلوا مجهودهم في هداية الضالين،وإرشاد التائهين، وتنبيه الغافلين، وخاطبوا كل قوم وصنف منهم بما هو أصلح أن يخاطبوهم به في رسائلهم. وفي الرسالة الخمسين فصل جامع يقولون فيه: «ونحن نأمرك أيها الأخ السعيد أن تتبع ما أمرناك به فإنك تنال السعادة العظمى ديناً ودنيا إن شاء الله تعالى،وإنما سميناه الفصل الجامع لأنه جمع أصل سعادات المنافع. واعلم أن منفعة الإنسان تكون من وجهتين لا ثالث لهما: دنيوية وأخروية، جسمانية ونفسانية. وإذا كملت للإنسان هاتان السياستان استحق اسم الإنسانية، وتهيأت نفسه لقبول الصور الملكية، والانتقال إلى مرتبة السماوية عند مفارقة الجسد بالحال التي تسمى الموت النازل عليه،والاضمحلال الواصل إليه».

    السياسة الجسمانية مطلب عافية ودفع سقم وأذى. «إنك إذا لم تحمل على جسمك من المآكل والمشارب والباءة والحركة إلا معتدلاً لازمتك العافية، وعدمت الأسقام». والسياسة النفسانية أن تكون «أخلاقك رضية، وعاداتك جميلة، وأفعالك مستقيمة، تؤدي الأمانة إلى أهلها، كائناً من كان، من ولي وعدو، .. وأن تعوّد نفسك عمل الخير لأنه خير، لا تريد بفعلك عوضاً، ولا يحملك على فعله خوف.

    فمتى فعلت لطلب المكافأة لم يكن خيراً، وإن لم تطلب المكافأة، وإن أردت الذكر والاسم كن أيضاً منافقاً،والمنافق لا يستأهل أن يكون في جوار الروحانيين. وأما سياسة الأصحاب فلا تكون إلا بعد المعرفة بهم،والاطلاع عليهم، ومعرفة أحوالهم: أن لا يخفى عليك من أمرهم صغيرة ولا كبيرة لتسوس كل واحد منهم السياسة التي تليق به دنيا وديناً.. فيجب أن تظهر لهم القرب بالبعد، واللين بالغلظة، والأنس بالوحشة والكرم بالشح، والموعظة بإلقاء العلم إليهم بمقدار ما يحتملونه، وبحسب ما يستوجبونه.. ولا تخص أصحاب النسب الجسداني بما لا تبديه لأهل النسب الروحاني».

    «إن كل صداقة تكون لسبب ما. فإذا انقطع ذلك السبب بطلت تلك الصداقة إلا صداقة إخوان الصفاء، فإن صداقتهم قرابة رحم، ورحمهم أن يعيش بعضهم لبعض، ويرث بعضهم بعضاً، وذلك أنهم يرون ويعتقدون أنهم نفس واحدة في أجساد متفرقة» ويلحق بهذه القرابة قرابة الولادة الروحانية بطريق التعليم. «اعلم أن المعلم والأستاذ أب لنفسك وسبب لنشوئها، وعلة حياتها، كما أن والدك أب لجسدك وكان سبباً لوجوده. وذلك أن المعلم يغذي نفسك بالعلوم، ويربيها بالمعارف، ويهديها طريق النعيم، واللذة، والسرور، والأبدية، والراحة السرمدية».

    وقوام هذه العلوم والمعارف في نظر الإخوان بناؤها على أصل واحد، وقياس واحد، وهو صورة الإنسان، «لأن صورة الإنسان أكبر حجة لله على خلقه، ولأنها أقرب إليهم، ودلائلها أوضح، وبراهينها أصح. وهي الكتاب الذي كتبه بيده وهي الهيكل الذي بناه بحكمته، وهي الميزان الذي وضعه بين خلقه، وهي المكيال الذي يكيل لهم به يوم الدين ما يستحقونه من الثواب والجزاء، وهي المجموع فيها صور العالمين جميعاً». وقد لخص إخوان الصفا بأنفسهم المثل الأعلى لمذهبهم الذي يستغرق المذاهب كافة، وهو يعكس في الوقت ذاته حال المعارف والعلوم في زمنهم وبيئتهم، ويمثل مفهومهم عن الإنسان بقولهم إنه «العالم، الخبير، الفاضل، الذكي، المستبصر: الفارسي النسبة، العربي الدين، الحنفي المذهب، العراقي الآداب، العبراني المخبر، المسيحي المنهج، الشامي النسك، اليوناني العلوم، الهندي البصيرة، الصوفي السيرة، الملكي الأخلاق، الرباني الرأي، الإلهي المعارف،الصمداني».

    تأثير إخوان الصفاء

    لا يخفى أن حركة إخوان الصفاء، وقد كانت تشكو دولة الشر، لم تحقق سياسياً وتاريخياً دولة الخير، بالمعنى المادي. ولكن تأثيرها الفكري والثقافي ظل نامياً باطراد لدى أفراد وجماعات. فقد ذكر حاجي خليفة في «كشف الظنون» أن رجلاً من الخراسانيين انتخب كتاباً أسماه «مجمل الحكمة» ألفه بالفارسية، بحذف الحشو وإيضاح الرموز من رسائل إخوان الصفاء. وذهب آ. برييه A.périer إلى أن الفيلسوف يحيى بن عدي كان على علاقة بإخوان الصفاء. ومن المتفق عليه كما يؤكد طه حسين في «ذكرى أبو العلاء» أن المعري قد لقي إخوان الصفاء في بغداد، أو فرعاً من فروع منظمتهم. وقد أشير إلى نقد الغزالي منهجية الإخوان على الرغم من أنه لم يلصق بهم سمة الباطنية. وأشار ابن سبعين إلى تأثر الغزالي برسائل الإخوان. وصرح ابن الهيثم كما ذكر ابن أبي أصيبعة في «عيون الأنباء» بأنه قرأ عدداً من الرسائل أطلعه عليها أحد سكان البصرة. وألمع المحبي في «خلاصة الأثر» إلى تساؤل المفكرين عن تحريم قراءة الرسائل. وعني ابن بشكوال وابن حجر المكي بموضوع الرسائل.

    واقتبس السيد محمد العيناتي وهو من أعلام القرن الحادي عشر الهجري فصولاً كثيرة من رسائل إخوان الصفاء ضمنها كتابه «آداب النفس» المنشور في طهران (1380هـ). ولم تخل «لُمع» الطوسي قديماً من إيراد صفحات من الرسائل.

    أما في الأندلس، فقد عنيت مدرسة المجريطي الكرماني بالرسائل كما ذكرنا. ويرى جرجي زيدان أن ذلك كان منطلق الحركة الفلسفية الإسلامية في بلاد المغرب. وقد اقتبس ابن عربي عبارة الإخوان الشهيرة: «أيدنا الله وإياك بروح منه»، ولاسيما في «الفتوحات المكية». وبرهن آسين بالاسيوس A. Palacios على تأثير الرسائل في القسيس انسلمو تورماداA.Turmeda الذي أسلم في تونس وعمل للسلطان عبد العباس أحمد الحفصي وابنه عبد العزيز. ويذكر عبد اللطيف الطيباوي أن يوسف بن صادق نقل إلى العبرية كتاباً باسم: إخوان الصفاء. وترجم كالونيموس بن كالونيموس Kalonymos fils De Kalonymos إحدى الرسائل في القرن الثالث عشر للميلاد. وأثبت دي ساسيDe Sacy تأثير الرسائل في اليهودي باهيا بن باكودا Bahya Iben Bakuda الذي عاش في القرن الحادي عشر.

    وقد سبقت الإشارة إلى تأثير حركة الإخوان ورسائلهم في فرق إسلامية كثيرة، ولكنه كان بوجه الدقة تأثيراً باتجاه واحد، ولا سيما في الإسماعيلية، وفي ماتفرع عنها، وخاصة الدرزية، وهذا التأثير يعكس آراء إخوان الصفا المصبوغة بالأفلاطونية – الجديدة. ويحكم كازانوفا Casamova.P بأن «مذهب الإخوان الشديد النقاء والسمو قد غدا بين يدي متعصبي الحشاشين الطموحين ينبوع فعال شنيعة». أما اهتمام العلماء الدارسين بموضوع إخوان الصفا ورسائلهم فما برح في الغرب ثم في الشرق آخذاً الاطراد منذ قرنين تقريباً. ولعل هذا الاهتمام الموصول يسوّغ قول مصطفى غالب في كتاب «فلاسفة من الشرق والغرب» إن هذا الموضوع «ملأ الدنيا، وشغل العلماء والمؤرخين، ولا يزال حتى الآن مثاراً للجدل والتخمين».

المصدر: الموسوعة العربية