العبادي: رجل دولة في آسيا

ربما تحتوي الصورة على: ‏‏شخص واحد‏، و‏‏جلوس‏‏‏

 

صار من حقي اليوم ان افصح عن وجهة نظري في امر جوهري لم يخرج في مضمونه واساسياته من قيد التصدي لعقبتين رئيسيتين واجهتا البرنامج الاصلاحي للدكتور حيدر العبادي منذ اعلانه
في ٩/آب /٢٠١٥.
فالعقبة الاولى مثلتها الأزمة الأمنية التي عصفت بالبلاد وجسدها الاٍرهاب الداعشي والثانية وهي الأزمة المالية والاقتصادية الحادة التي ضيقت سبل الحياة والنماء في العراق .واذا ما أضفنا الأزمة السياسية والانقسامات المستمرةًفي الديمقراطية السياسية ،فإنها ستكون عقبة ثالثة وهي من اشد العقبات غموضاً وتعقيداً.فلم يبق امام الرجل الذي قاد معركة الحرب باستبسال ونكران ذات عالي سوى مسار واحد في تطبيق برنامجه الإصلاحي وهو التغيير الراديكالي لمواجهة القيود المكبلة للاصلاح ومواجهة القرارات الصعبة في التحول الجذري بالنظام السياسي الدستوري نحو محاور اليسار الراديكالية وهو ما أطلقتُ عليه شخصياً في اجتماع ٧آب/٢٠١٥ (بالشرعية الثورية )؟ ولكن ظل التساؤل الذي علا كل شيء يلخصه المسار الآتي :انه في زمن ادارة الحرب وادارة الصعاب والندرة الاقتصادية هل يصح الانقلاب الدستوري على الديمقراطية البرلمانية بتبني مناهج العالم الثالث الشديدة الراديكالية و التي سادت في القرن الماضي كموديلات استثنائية في أدارة السلطة والحكم في اسيا وافريقيا وامريكا اللاتينية وانتهى معظمها الى الفشل ؟ فالسير بالنظام السياسي صوب الغاء المباديء الدستورية التي جاءت بها صناديق الناخب الديمقراطي، ظلت من التابوتات او المحرمات التي تمسك بها رئيس الوزراء كمبادىء
للعمل الوطني الديمقراطي ونهضته الإصلاحية في مسار شديد التعقيد ومحفوف بالقيود والتحديات . وهكذا بينت النتائج السياسية لهكذا مخاضات في مسيرة الاصلاح شكلاً جوهرياً تمحور على اهميةً وحدة البلاد بعد تحريرها من الارهاب والحفاظ على الافق الديمقراطي في مرتسم بناء مستقبل الامة العراقية والتطلع الى الإعمار والبناء في مرحلة الاقتصاد السياسي للسلام التي نعيشها اليوم .لقد استمزجت تلك المباديء في الظروف الصعبة والقاسية وقبل تحرير الموصل ادوات عملها بفاعلية ونكران ذات عاليين ، الزمت الجميع ممن هم في ادارة الدولة بتوخي الدقة وتجاوز الحسابات غير المضمونة التي هدد بها الارهاب الداعشي وهو يمسك وقت ذاك بنحو ٤٠٪؜ من جغرافية العراق . ايقنتُ يومها وفي مناخ ديناميكي شديد التعقيد ان الدكتور حيدر العبادي هو زعيم سياسي واسع العقلانية في ترتيب اولوياته في ادارة شؤون الدولة المدنية والعسكرية وهو يتحدى قيدين كبيرين وهما :الاصلاح والحرب على الارهاب .
فهو ليس برجل انقلابات سياسية او طامح بالسلطة او التفرد بها ، فهو من طراز الزعامةً السياسية التي وُلدت من رحم الديمقراطية وعاشت آمالها وتطلعاتها وحافظت على هويتها ،على الرغم من هشاشات تلك التجربة ومشكلاتها في بلد لم يعتد الديمقراطية لعقود طويلة وله سجل حافل بالحكم الفردي .لقد تمسك الدكتور حيدر العبادي كزعيم وطني نادر بالديمقراطية وقاد مبادؤها بدائرة واسعة من المسؤولية والشجاعة وتحمل مشاقها وميادينها العملية الشائكةً سواء العسكرية منها اوالمدنية لكي يحقق فكرة التداول السلمي للسلطة بالادوات الديمقراطية نفسها وعلى وفق الدستور . وهكذا اثبت الانموذج السياسي العراقي قدرته في اخذ دوره بنقل الديناميكية السياسية والحفاظ على ديمومتها وبنجاح وهدوء عاليين وتحويلها من محن الاٍرهاب الى إدامة الانتصار بالحرب وتخطي الصعاب الاقتصادية والوصول بالبلاد الى نطاق وحدتها وحفظ سيادتها وكرامة شعبها كمنهج ( تغيير )دون التخلي عن المباديء (الاصلاحية الديمقراطية). انه رجل عاش مرحلة مابعد التحرير ليرسخ فلسفة الانتقال السلمي للسلطة ،ومارسها حقاً بشجاعة القادة العظام قولاً وعملاً. وبهذا سجل التاريخ الوطني للعراق ان الدكتور حيدر العبادي ظل زعيماً سياسياً وطنياًورجل دولة من الطراز الحازم – الهاديء وحمل بشجاعة الرجال غصن السلام والديمقراطية في سلة واحدة ،وبصيرة سياسية نادرة لم تعهدها دول العالم الثالث الحديثة في متبنياتها للديمقراطية البرلمانية والانتقال السلمي للسلطة والحفاظ على تداولها .
عاش العبادي مناضلاً مدافعاً عن مبادئه السامية خلال سنوات العراق الصعبة الماضية وجنب البلاد دروب رسمتها خرائط الحرب الدامية ليضع العراق على مسارات السلام وإدامة الديمقراطية وهو يمسك في الوقت نفسه بوحدة العراق من اجل رفاهية شعبه وازدهاره . ختاماً،وكشاهد على التاريخ ، فقد جسد الدكتور حيدر العبادي( عندما نصف الزعامات السياسية العراقية) شخصية المناضل الافريقي نيلسن مانديلا ولكن في قارة أُخرى هي :آسيا الديمقراطية.

الدكتور مظهر محمد صالح

سوق حقوق التلوث

مظهر محمد صالح

سوق حقوق التلوث

امست حقوق التلوث المتاجر بها واحدة من ادوات السياسة الحكومية للسيطرة على الانبعاثات المُلوثة للبيئة او التلوث وتسمى احياناً بخطة حقوق التلوث.

وتأتي هذه الخطة لحث الشركات لخفض الانبعاثات المؤذية ووضع مستويات التلوث في مسارات وحدود معينة اكثر كفاءة. 

فبعد تقييد مقدار الانبعاثات التي يمكن توليدها كناتج عرضي للعمليات الانتاجية للشركات والمصانع باعتماد سقف محدد،عندها يسمح لتلك الشركات بالمتاجرة بحقوق التلوث فيما بينها.

وان تلك الحقوق التلوثية تتم مبادلتها لقاء ثمن في سوق تسمى: (سوق حقوق التلوث).
فبدلا من تقييد الانتاج وخفض مستويات النمو الاقتصادي يتم وضع قيد اجمالي لمقدار التلوث السنوي وتترك الحرية للشركات بالتنافس على خفض الانبعاثات الملوثة وعلى وفق التكنولوجيات واساليب الانتاج الاكثر حداثة. 
اذ تستطيع الشركة التي تتمتع باقل الانبعاثات ان تتاجر بحقوقها المكتسبة الى شركة اخرى متوسعة في نموها ولكن انبعاثاتها اكثر وقد تتعدى حصتها المسموح بها سنويا من التلوث.
اذ يُعتقد ان هذه السياسة في ادارة التلوث تشجع النمو الاقتصادي الذي يلازمه زيادة في كمية الملوثات المطلقة الى الفضاء.
وتسمى اصطلاحاً بمشاريع: (قيد الغطاء والمتاجرة) ذلك بغية التمييز بين التلوث الجيد والتلوث السيئ. 
وتعد بورصة شيكاغو للمناخ واحدة من اكبر الاسواق في العالم التي يتم تبادل حقوق التلوث فيها ، اذ تنضوي فيها خمسون ولاية اميركية وغالبية قطاعات الاقتصاد الاميركي.
وتتولى البورصة المذكورة تداول رخص التلوث المتضمنة مقادير الانبعاثات المسموح باطلاقها بامان الى الجو ليتاح التوسط باعمال البيع والشراء.
وتتغير الاسعار طبقاً لقوى العرض والطلب وظروف الباعة والمشترين.
وبهذا فان العدد الاجمالي للرخص المتداولة في بورصة المناخ تخضع للبيع والشراء عن طريق مزاد الملوثات. 
وعلى الرغم من ذلك فان مبدأ المتاجرة بالانبعاثات جاء بغية تدنية تكاليف انتاج الشركات كامر يسبق تعظيم المكاسب البيئية، واظهرت خبرة السنوات الماضية جلياً ان المكاسب البيئية جراء الانبعاثات وتبادلها امرٌ مازال صعب المنال . 
وتعد عاصمة الصين التي زرتها رسمياً اواخر العام الماضي 2015 من اكثر مدن الدنيا تلوثا.
يوم بلغ مقدار التلوث فيها بنحو 540 درجة على مقياس التلوث، في حين كانت باريس تتمتع آنذاك بمقياس لا يتعدى 40 درجة.
واعتاد سكان بكين على استخدامهم للفحم الحجري في التدفئة بشكل فائق، فضلا عن وجود خمسة ملايين سيارة في العاصمة وحدها وهو رقم يماثل عدد السيارات في بلادنا اليوم، ويحيط بالعاصمة بكين اكثر من ثلاثة آلاف مصنع تبعث بسمومها ودخانها على مدار ساعات العمل. 
وعلى النقيض من ذلك اخذني زخم الاعمال الرسمية الى دافوس لحضور المنتدى الاقتصادي العالمي وهي قرية سويسرية ليبلغني مضيفي قائلا «استنشق ايها الرجل الهواء النقي فان نسبة التلوث في هذه البقعة من الارض تكاد ان تكون صفرا بالمئة ، انه الاوكسجين! وقد سرني بان اصل هذه القرية هي مصح للشفاء من الامراض الصدرية». سألته مازحاً :هل لديكم بورصة للمناخ والمتاجرة بالتلوث؟فاجابني كلا.
فالتلوث هنا مختف واختفت معه بورصة تبادل التلوث.

مفارقة إيسترلنك

مفارقة إيسترلنك

لم تغادر فكرة تطورالرفاهية عند الاقتصاديين قضية تطور الدخل ونموه وتوزيعه بعدالة.

فمنذ فجر تاريخ الفكر الاقتصادي والرفاهية هي دالة للدخل، كما نطلق عليها ببساطة. وبتزايد اهمية علم اقتصاديات السعادة وبحوثه التطبيقية في حقل اجتماعيات علم الاقتصاد وسايكولوجيته، اكدت الدراسات الميدانية خلال العقود الاربعة المنصرمة ان الثروة مصدرها الدخل لامناص..!!

وعندما تبلغ الثروة حد الكفاية ستجعل من فاعليتها او القدرة على توليدها للرفاهية في وضع متناقص ويغدو اقل اهمية وتأثيرا.لذا عدُت مفارقة العالم إيسترلنك من اكثر الافكار اثارة للجدل منذ ان اطلقها الاستاذ ريتشارد ايسترلنك في العام 1974 في جامعة جنوب كاليفورنيا في بحثه المنشور « علم اقتصاديات السعادة»، مؤكدا انه لايُعتد بمفهوم السعادة لدى سكان البلد الواحد المرتفع الدخل .وان السعادة لا تتمثل بارتفاع حصة الفرد من الناتج الوطني السنوي!!
الامر الذي ولد تناقضا على صعيد الفكر الاقتصادي الاجتماعي،اذ اطلق على بحثه منذ ذلك التاريخ «مفارقة إيسترلنك».
فالاختبارات التي اجراها الاخير برهنت ان زيادة دخل الفرد في الولايات المتحدة الاميركية خلال المدة (1946-1970)لم يظهر مايقابلها من زيادة في مستويات سعادة الافراد خلال المدة نفسها التي شهدت انخفاضات حادة على الرغم من ارتفاع متوسطات دخول الافراد السنوية في هذه البلاد الغنية.
اثار ايسترلنك في مفارقته جدلاً فكرياً واسعا في الاوساط الاكاديمية.
ففي العام 2008 توصل عالمان اميركيان من جامعة بنسلفانيا في ردهما على مفارقة ايسترلنك الى أن ثمة علاقة لوغارتمية بين مستوى السعادة وارتفاعها مع استمرار ارتفاع مستوى الدخل المطلق والنسبي.ولكن لاحظا ان السعادة تتحرك على مستوى ابطأ من الدخل في الاحوال كافة،وعلى الرغم من انه لا توجد نقطة اشباع للسعادة ،الا ان الدخل سواء النسبي منه او المطلق هو الطريق الى السعادة.
كما توصل عالمان اميركيان آخران في السنوات القليلة الماضية الى أن السعادة لها شيء من المرونة ،فاذا ما انخفض الدخل مرة واحدة انخفضت السعادة خمس مرات..!! الامر الذي اتاح الحجة لمهاجمة ايسترلنك ثانية، مؤكدين: اذا كانت كثرة الاموال هي ليست السبيل الى السعادة ،اذن لنطلق اللامساواة على عواهنها؟ والا ماذا يعاني شعبا اليونان والبرتغال في ايامنا هذه؟ أليس الدخل الوطني وهبوطه ؟أليس الدخل هو السبب في تعاستيهما وقلة سعادتيهما؟؟.
الا ان الجمعية العامة للامم المتحدة وعلى الرغم من ذلك اقرت في قرارها الصادر في 11 تموز 2011 اهمية اعتماد الناتج الوطني الاجمالي للسعادة وجعله اكثر اهمية من الناتج الوطني الاجمالي للدخل وعلى وفق اربعة محاورهي: التنمية المستدامة والحفاظ على القيم الثقافية والموارد الطبيعية والحوكمة الجيدة.
ختاماً، يعتمد المثل الشعبي البريطاني في تفسير السعادة الذي يقول :ضع عينك بشكل حصري على جارك (جونز) صاحب الدخل المرتفع فهو السبيل الذي يحدد تصرفاتك في تقييم مستلزمات سعادتك.

الخيار العقلاني

مظهر محمد صالح

الخيار العقلاني

تفترض نظرية الخيار العقلاني التي هي ديدن المدرسة الكلاسيكية الجديدة في علم الاقتصاد، بان للافراد تفضيلات من خلال الخيارات البديلة المتاحة التي تسمح لهم بوضع الخيار المفضل.
وان تلك التفضيلات اما ان يكون بعضها يحل محل الاخر وهي متكاملة لافرق بين احدها عن الاخر واما ان تكون متعدية من حيث تدرجها وتفوق بعضها على البعض الاخر.
وبناءً على ذلك فان الفرد العقلاني يفترض ان ياخذ بالحسبان المعلومات المتوافرة كافة والتي تعينه في الاختيار الصحيح وكذلك التحسب لاحتمالية حصول الاحداث المؤثرة وتكرارها، فضلا عن المنافع والتكاليف الممكنة والمحتملة في تحديد تلك التفضيلات ومن ثم التصرف بصورة قوية ومتماسكة في التقاط افضل الخيارات التي يحددها الفرد بنفسه.
وبهذا امست العقلانية واحدة من الفرضيات المستخدمة في نمذجة وتحليل سلوك الفرد على مستوى التحليل الاقتصادي الجزئي عند صنع القرار البشري.
كما غدت العقلانية واحدة من الفروض المستخدمة على نطاق واسع في العلوم السياسية وعلم الاجتماع والفلسفة.
وعد كاري بيكر من مدرسة شيكاغو في الاقتصاد والحاصل على جائزة نوبل في الاقتصاد في العام 1992 من اهم مؤيدي تطبيق نظرية الخيار العقلاني في حقول مثل اقتصاديات علم الاجرام واقتصاديات التمييز بين البشر ورأس المال الانساني وغيرها. وعلى الرغم من ذلك فقد احدثت المفارقة الكبيرة التي جاء بها دانيال كوهينمان الاستاذ في جامعة برنستون والحاصل على جائزة نوبل في الاقتصاد السلوكي في العام 2002 (وهو الشخصية العلمية الذي وصفته مجلة ذي ايكونومست اللندنية في واحدة من اعدادها الصادرة في العام 2015 بانه واحد من افضل سبعة مفكرين في العالم) يوم حاكى كوهينمان فكرة اللاعقلانية الاقتصادية مخالفا في ذلك كاري بيكر ومدرسة شيكاغو ومعتقداتها بالعقلانية المفرطة للبشر عند اتخاذ القرار.
ففي كتابه الشهير الصادر في الولايات المتحدة في العام 2011 لخص كوهينمان افكاره تحت عنوان: فَكر اسرع وبتأن، اذ يرى دانيال كوهينمان وهو يتصدى للمسائل غير العقلانية للجنس البشري ان ثمة اثنين من اجزاء الدماغ يحملان نظامين مختلفين، النظام (1) والنظام (2).
حيث يمثل النظام (1) الحدس والبديهة وهو نظام يعمل تلقائياً على مدار الوقت من دون حاجة الى تدخل المنطق. في حين ان النظام (2) يشير الى النشاط المصحوب بالمجهودات العقلية واستخدام قدر عال من المنطق.
وبسبب طبيعة النظام (1) الذي يجعل البشر يعانون من تحيز في الادراك وأخطاء من اللاوعي فانه غالباً ما يقود الافراد الى القفز صوب الاستنتاجات الخاطئة والقرارات الفاشلة.
فنظرية الخيار العقلاني تعني ان الجميع يعمل ضمن المنطقة (2) في حين كثيراً ما تستغل طبقة المستهلكين على سبيل المثال ممن يعمل بمنطقة التفكير (1) وهم يتخذون قراراتهم بعيداً عن الرؤية القانونية او الفنية ما يجعل المؤسسة الرقابية والقانونية في وضع تعمل فيه على الزام الشركات ومنظمات الاعمال لنقل الافراد من منطقة التفكير (1) الى منطقة التفكير (2) من خلال تعظيم الحوكمة الجيدة واعتماد الافصاح والشفافية لاستدامة الخيار العقلاني.

المكتبة العامة

المكتبة العامة

كان اواخر خريف العام 1957 مناسبة مهمة لتُفتتح فيها المكتبة العامة في مدينتي. وهي شيء من الجدية التي تعني الايمان بالتطور سواء اكان الايمان بالانسان ام بالعلم ام بالاثنين معاً.

فقد عشنا في ذلك اليوم «يوم المكتبة»، مناخا يعبق بالتقدم بعد ان قص شريط الافتتاح رئيس وزراء العراق، وحييناه نحن طلاب «الحركة الكشفية» بناة العراق الجديد، انه الراحل عبد الوهاب مرجان تلك الشخصية العراقية النادرة سواءَ في حب الحقيقة والنزاهة اوالاستعداد التلقائي للنظرة الانسانية الشاملة.

كانت المدينة في يوم افتتاح مكتبتها العامة في اعلى مراحل رفعتها وازدهارها. وقد فُتنت منذ صغري بالدقة والنظام وانا اشارك في استقبال تلك الشخصية الحكومية الرفيعة المبتسمة الهادئة، ولم يُحرم احد من مستقبليه من تواضعه وهو يقود تجربة سامية بنجاح مثالي في تأسيس الثقافة العراقية واكساب البلاد لغة جديدة اسمها العلم . 
تبسم رئيس الوزراء الراحل وهو يتجول بين رفوف الكتب، وسره حقاً تناول كتاب «البيان والتبيين» للجاحظ وكتاب في وصف المتنبي وشعره وعبقريته، فارتسمت على وجهه يومذاك تعابير دلت جميعها على ان هذه المكتبة هي المكان الذي تحيا فيه القيم وتستمد منه الحضارة ديمومتها، وان ما يجب دراسته في هذا الصرح هي كيفية التصدي لمشكلة العابثين الذين لايملكون الايمان الحقيقي والجدية بالحياة، فهم بلا جذور، يمارسون تحت ستار الايمان أخسأ انواع الاستغلال والانتهازية والعبثية.
الجدية بالقراءة وبناء الثقافة وتلمس مسالك العلوم تعني الايمان بذاته. هكذا شيد عبد الوهاب مرجان التاريخ بذاكرته. ولكن لم يسأل احد اليوم عن مصير تلك المكتبة العامة بعد انقضاء ستة عقود من تاريخ العراق الحديث ؟ الجواب، نعم انها تدفن في احضان التوحش والظلام والمجهول او الموت. فقد امست مكتبتنا متحفاً للحشرات الآكلة للعلم والثقافة. انها دار خراب ومقر للسلب والنهب والذبح. 
يتسارع الجبناء اليها، ليس طلبا للمعرفة، بل لتقديم فروض الطاعة الى من احتل مدينتهم وأحل الفساد والانحلال فيها محل الرفعة والعلم. فقد انتشر القتل وحلت الانتهازية وتمزقت المدينة وطاردت احرارها الدسائس بلغة خرساء، واجتاح اهلها الجهل وسفك الدماء .فالجميع يتساءل مالذي حل في تلك المكتبة، من اين والى اين وهل من نهاية لهذه الموجة الهمجية العارمة؟
انهم ينظرون بحزن الى معتوه مزق الكتب واخذ يتكلم مع كابوس عن مستقبل مجهول.انهم رواد المكتبة العامة في تلك المدينة المحتلة، تراهم اليوم شبه اموات من احساس بالتفاهة والخيانة ازاء محتل لايتورع في ارتكاب عبثية القتل ومصادرة الارزاق لينفسح المجال لصراع حاد بين جدية الحياة وهول العبث.
ختاماً، من يحرر مكتبة طفولتي من براثن «داعش» ؟ من يعيد تلك المدينة الى عصور ازدهارها بعد ان فقدت المعنى بجدية الحياة..؟

د.مظهرمحمد صالح *: الركود الاقتصادي في العراق : رؤية تشخيصية

د.مظهرمحمد صالح *: الركود الاقتصادي في العراق : رؤية تشخيصية

مدخل

ثمة مظاهر ثلاثة تؤشر حالة الركود او الانكماش الاقتصادي الراهن في العراق .فمعدلات النمو في الناتج المحلي الاجمالي الحقيقي مازالت تقدر باقل من 1% وان البطالة الاجمالية هي بنحو 28% من اجمالي قوة العمل لاسيما بين صفوف الشباب ، اما التضخم  فهو الاكثر غرابة ، اذ ظل التضخم السنوي الاساس دون نسبة 2%على الرغم من تقلب سعر الصرف الذي زاد هبوطه على 12% مقارنة بالمعدل الرسمي المستقر والثابت لسعر الصرف ذلك لآسباب تقيدية فرضتها المادة 50 من قانون الموازنة الاتحادية للعام 2015 والتي الزمت البنك المركزي العراقي  بتقييد مبيعاته من العملة الاجنبية وبسقف محدد لايزيد على 75 مليون دولار في كل يوم عمل. وقد ازيل اثر المادة 50 آنفاً بقرار المحكمة الاتحادية الذي صدر مؤخراً من العام الحالي الامر الذي ادى الى ارتفاع سعر صرف الدينار العراقي وتحسنه ليصبح على مقربة من سعره الرسمي وبفارق لايتعدى 5% في سوق الصرف ولاسيما خلال الاسبوع الاخير من شهر تموز 2015. وازاء التلازم الواسع بين مظاهر الركود ومتغيراته الثلاث (ارتفاع البطالة وانخفاض النمو وانكماش الاسعار) فان الاقتصاد العراقي صار محاطاً بظاهرة نقدية شديدة الغرابة وهي اقرب الى ظاهرة فخ السيولة Liquidity trap الذي يؤشره سلوك الطلب النقدي  الشديد على الدينار والدولار معا ، مما ولد علاقة ارتباط بين سعر الصرف والمستوى العام للاسعار من خلال سعر الفائدة الحقيقي الموجب وهي علاقة تتعاكس مع ما كان عليه الحال في ازمنة التسعينيات التضخمية. فالعلاقة بين سعر الصرف والمستوى العام للاسعار  هي شديدة الغرابة وتكاد تكون اليوم تحوطية Hedge في تطور سلوك سوق النقد نفسها ازاء الانتقال من فخ سيولة بالدينار الى فخ سيولة بالدولار.

 ان الرجوع الى الازمة الاقتصادية التي شهدتها البلاد في تسعينيات القرن الماضي وإبان تدهور الحساب الجاري النفطي يوم كانت الموازنة تتغذى برافعة مالية بديلة قوامها الاصدار النقدي التلقائي (عبر توسيع الدين العام الداخلي الممول بحوالات الخزينة مقابل الاصدار النقدي ومن ثم ارتفاع معدلات الطلب الكلي) فان توافر السيولة المحلية بافراط وقت ذاك قد عزز حالة الهروب من النقد صوب السلع خوفا من تحمل فائدة حقيقية سالبة وهو مايمكن تسميته بالتزاحم الداخليCrowding in. وبهذا فان القوى الهيكلية المولدة للتوقعات التضخمية (ولاسيما قوى فائض العمليات – واقصد الربحية والريعية) تمتلك سلوكا مؤثرا في تحريك تلك العربة او الواسطة النقدية المتمثلة بقدرة المالية العامة على تمويل الموازنة بالتضخم او عن طريق الاصدار النقدي الفائق لمواجهة اوتعويض الاثار التضخمية  الناجمة عن تدهور سعر صرف الدينار العراقي كقيمة خارجية للنقود وانتقالها المباشر الى الاسعار النسبية من السلع الاساسية وغيرها كافة ولاسيما الغذائية التي كانت تشكل 62 % من نفقات ميزانية الاسرة. وبهذا فان التوقعات التضخمية التي يولدها سوق الصرف تتحول الى قوى تضخمية فعلية يؤشرها ارتفاع المستوى العام للاسعار بمجرد نمو معدلات السيولة العامة المحلية من خلال الاقتراض الحكومي  الرخيص (اي سياسة النقد الرخيص)

 فاذا كانت ظروف التضخم الجامح في تسعينيات القرن الماضي على اقل تقدير هي نتاج قوى هيكلية تمتلك ادارة سعر الصرف كدالة مولدة للتوقعات التضخمية بتفاعل سوق الصرف وهيمنة العملة الاجنبية على حث النمو في مناسيب السيولة وعد التمويل بالعجز عن طريق الاصدار النقدي بمثابة عربة او واسطة تضخمية تقود الى انخفاض القيمة الداخلية للنقود ومن ثم ارتفاع المستوى العام للاسعار (اي حالة الهروب من النقد الى السلع) فان حالة الكساد الراهنة التي يعيش فيها الاقتصاد العراقي وازمة السيولة النقدية  والميل نحو فخ السيولة كسلوك للطلب النقدي (فضلا عن الاستقلالية العالية للبنك المركزي العراقي) قد جعلت جميعها من اشارة سعر الفائدة  الحقيقية الموجبة النقيض لاشارة المستوى العام للاسعار في ايجاد العلاقة الترابطية واثارها الارتجاعية بين التوقعات التضخمية وبين سعر صرف الدينار العراقي.

لذا لايمكن التخلص من فخ السيولة الراهن بدون ثمن. وان الثمن هو ارتفاع معدلات الفائدة الحقيقية باستمرار حتى وان كانت الفائدة هي الكلفة الفرصية في الانتقال الى فخ سيولة اخر بالعملة الاجنبية (ان مايحصل اليوم هو هروب نسبي من تملك السلع والسلع الاجنبية قليلة التفوق والمردود الى الاحتفاظ بالنقد كسلعة ذات مردود عالي يحمل اثر للثروة ومتسرب من سعر فائدة حقيقي موجب مرتفع) فارتفاع قيمة الدولار هو ثمن تعويضي للتخلي عن عائد مرتفع من الفائدة الحقيقية المتوقعة ازاء ارتفاع درجة فخ السيولة بالدينار (بعد غياب التوقعات التضخمية التي حلت محلها توقعات الفائدة الحقيقية الموجبة المرتفعة)

كما امست القوى الهيكلية المولدة للتوقعات التضخمية سابقا ، اي ان القوى الهيكلية ومعظمها قوى فائض العمليات التي تقدر اليوم نسبتها 83% من قوى الدخل الاجمالي ، اضحت لاتمتلك دالة مؤثرة ومولدة للتوقعات التضخميىة طالما ان عربة السيولة شبه غائبة،ولكنها تمتلك في الظرف الانكماشي الراهن(دالة مولدة لتوقعات ارتفاع سعر الفائدة الحقيقي الموجب) .وان جزءاً من الحركة الارتجاعية في تدني سعر الصرف للدينار ، تاتي لامحالة من كلفة تحصيل السيولة بالدينار لشراء العملة الاجنبية .وطالما ان هذه الحركة الارتجاعية مستمرة في صورة سعر فائدة (والتي تمثل كلفة  تمويل شراء النقد الاجنبي بالدينار العراقي) فان الانكماش في المستوى العام  سيستمر ربما الى امد اطول .كما ان ظاهرة تقلب سعر الصرف الفعلي سيظل قلقا  ويخضع  لفخ السيولة المحلية وارتفاع سعر الفائدة الحقيقي وهي الحالة التي تمت تسميتها مجازا بالمزاحمة  الفائقة في ظل انكماش الاسعار Super crowding out   .

2- انكماش السيولة العامة واستقطابها : مع هبوط الايرادات النفطية من متوسط شهري زاد على 8 مليار دولار في مطلع العام 2014 الى متوسط شهري لم يتعدى 4 ملياردولار ، الامر الذي اعاد هيكلة المصروفات الحكومية بما يؤمن الموازنة الجارية في الاساس ازاء توقف المشاريع الاستثمارية جراء عدم اقرار موازنة العام 2014 في حين ان الموازنة الاستثمارية للعام 2015 قد ارتهنت مشاريعها باتفاقيات الدفع الاجل ولاسيما الجديدة منها وهي عملية مازالت قيد الانجاز، ناهيك عن توقف غالبية المشاريع المستمرة وتعثر مستحقات المقاولين والمتعاقدين. وازاء هذه الضائقة المالية قدم البنك المركزي العراقي برنامجا تحفيزيا بنحو 17 تريليون دينار الذي اسهم من خلال عمليات السوق المفتوحة من فض جانب مهم من اختناقات السيولة المصرفية ومكن الموازنة على الاقتراض بحوالات الخزينة والقروض الاخرى عبر السوق. اذ بلغ اجمالي الدين العام الداخلي بنحو 25 تريليون دينار.

وبالرغم من ذلك ، فان ظاهرة فخ السيولة مازالت عالية اذ انخفضت مؤشرات الانفاق الاستهلاكي الخاص او الاهلي عن معدلاتها العالية البالغة 14 % من الناتج المحلي الاجمالي الى حوالي 4 % من ذلك الناتج. مما يعني ان الافراد يترقبون وضع مدخولاتهم النقدية بالامتناع عن الصرف والتمسك بدالة طلب نقدي عالية انتقلت الى مستوى مرتفع آخر متاثرة بارتفاع الفائدة الاسمية التي ولدها (عامل التزاحم الخارجي وانخفاض التوقعات اللاتضخمية) وان النظر هنا الى الارصدة  النقدية للافراد (فخ السيولة) كأنها تراكم لفائض مستهلك غير منفق و يتم التحوط به لمواجهة حالة اللايقين ازاء الدخل المستقبلي وتعاظم الارصدة النقدية للافراد من خلال الفائدة الحقيقية الافتراضية المتوقعة ، ويمكنني ان اطلق على هذه الظاهرة مجازاً (بمقلوب كلفة الرفاهية جراء التضخم والتي تناولها استاذ الاقتصاد مارتن بيلي في بحثه الشهير في العام 1956) كما عظمت حالة التقشف التي خضعت اليها الموازنة العامة  منذ اكثر من عام  من توقعات فخ السيولة في الاقتصاد أخذين بالاعتبار ان النفقات العامة هي ملازمة للناتج المحلي الاجمالي و لم تقل هي الاخرى عن 55 % من ذلك الناتج. اما الجهاز المصرفي العراقي فهو الاخر قد خضع لسلوك حاد ومرتفع في الطلب النقدي ومن ثم الدخول في فخ سيولة مختلف. فالاقتراض الحكومي العالي الذي امتص معظم تدفقات البرنامج التحفيزي للبنك المركزي المشار اليه آنفا وهيمن على جل السيولة المصرفية المتاحة ، قد حول المصارف الحكومية الى مستثمر كبير في الاوراق الحكومية مقابل ميل ضعيف في منح الائتمان حتى لقاء فائدة عالية او مرتفعة تتناسب والفائدة الحقيقية التي تخضع لحالة اللاتضخم. وبهذا فقد غدت كلفة الائتمان مرتفعة بسبب ارتفاع الفائدة جراء (التزاحم الخارجي) في حين انكمشت المصارف الاهلية على سيولتها وبنحو فائق وهي سيولة معدة للتحويل الخارجي. وان اشارة الفائدة وكلفة الحصول على العملة الاجنبية صار يقتضي نقل كلفة الفائدة المصرفية الى العملة الاجنبية كثمن للتخلي عن فخ السيولة بالدينار العراقي ونقله الى فخ سيولة آخر ولكنه بالعملة الاجنبية ، في حين اضافت المصارف الامانات الضريبية البالغة 8 % والتي توقفت حاليا والتي عدتها في حينها بمثابة ضريبة تحويل خارجي على غرار ضريبة توبن( Tobin Tax ).وهو اجراء تحوطي بالاساس في سلوك المضاربين من موزعي المخاطر.

في ضوء ماتقدم ، فان ثلاثة افخاخ سيولة Liquidity traps يخضع اليها الاقتصاد الكلي وهو يتعامل بدالة طلب نقدي شديدة التاثر بتوقعات الفائدة الحقيقية الموجبة وهي فخ سيولة الافراد وفخ سيولة المصارف الحكومية كقوة تتمتع بالسيولة السيادية واخيراً فخ سيولة المصارف الاهلية التي تتمتع بالسيولة العائلية للقوى المالكة.

3-آلية الانتقال السعري والتوقعات:

 تظهر حالة  التعايش مع طورين مختلفين من الاطوار الاقتصادية (واعني الركود الاقتصادي الراهن الذي هو نقيض التضخم الجامح في العقد الستسعيني السابق)  ثلاثة ظواهر عكسها اقتصاد العقد التسعيني التضخمي عن الوضع الانكماشي الراهناولهما يتمثل بتوافر عربة او واسطة من  السيولة المحلية عملت على نقل توقعات هبوط العائد على النقود  بصورة معدلات فائدة حقيقية سالبة بسبب التضخم والتوقعات التضخمية التي كان يولدها الطلب الفعال الناجم عن الاصدار النقدي. وثانيهما فان غياب الاصدار النقدي المرافق لآزمة السيولة او تقلصها حاليا ، اخذ يولد توقعات فائدة حقيقية موجبة تعظم من فخ السيولة المحلية. وثالثهما ، فان التخلي عن فخ السيولة المحلية صوب العملة الاجنبية يتطلب تعويضا مستقبليا يتمثل بنقل الفائدة الحقيقية الموجبة الى سعر الصرف في هذه المرة اي تخفيض الدينار تحت تاثير تعويض الفائدة (وكانما نقترض بفائدة لكي نشتري الدولار) وهنا تتحق حالة مزاحمة خارجية على العملة الاجنبية يمكن تسميتها بالمزاحمة الخارجية الفائقة(Super crowding out). فإن طور انفلات السيولة النقدية وتوليدها المرن عبر سياسة النقد الرخيص  والتمويل بالتضخم في تسعينيات القرن الماضي قد اوجد رابطة قوية بين التوقعات التضخمية واداتها السيولة المتولدة عبر الانفاق العام من جهة وارتفاع المستوى العام للاسعار من جهة أخرى و بأثار ارتجاعية تداخلت فيها الاسباب بالنتائج. حيث ظلت اشارة الفائدة الحقيقية السالبة ترسل توقعاتها التضخمية من خلال المستوى العام للاسعار وتحت تاثير الاداة الناقلة او العربة  الناقلة وهي  قوة الاصدار النقدي وتطور نمو عرض النقد والتمويل بالعجز ازاء دوال للطلب النقدي المتجهة نحو التخلي عن السيولة وتعظيم سرعة دوران النقود و المضاربة بسعر الصرف الذي ادى الى هبوط الدولار بمقدار ارتفاع التوقعات التضخمية او معدلات الفائدة الحقيقية السالبة . وبعبارة اخرى فان تعاظم الانفاق او الطلب الكلي للافراد مع تعاظم التمويل بالاصدار النقدي او التمويل بالتضخم في الموازنة العامة ، برزت ظاهرة تزاحم داخلي Crowding in  متمثلة بالتخلي عن النقد لمصلحة السلع وحيازتها .وهي حالة اضحت تناسب سلوكا نقديا يكون الطلب النقدي فيها عكسيا مع التوقعات التضخمية بسبب الدور الذي تؤديه اشارة  (الفائدة الحقيقية السالبة) في كازينو المضاربات على تدهور اشارة سعر الصرف المستمرة وهو سلوك وتصرف يعد شكلا من اشكال المضاربةويمكن ان نطلق عليه بالتزاحم الداخلي الفائق (Super crowding in)

اما حالة الانكماش الراهنة فقد اوجدت علاقة اقتصادية مختلفة تماما عن مرحلة انفلات السيولة والتمويل بالتضخم ، اذا يؤدي سلوك الطلب النقدي (المتمثل بارتفاع فخ السيولة) والمقترن بعلاقة موجبة مع سعر الفائدة الحقيقي الى نقل منافع تلك الاشارة بصورة فائدة حقيقية متوقعة ومن خلال السيولة المتاحة من مجال سعر الصرف الى سلوك النقد اي فخ السيولة بالعملة الاجنبية. اخذين بالاعتبار ان الفائدة قد امست جزءاً لايتجزء من تركيب سعر الصرف. وانها عنصر متسبب بانخفاض سعر الصرف للدينار العراقي نفسه ، فالانتقال من العملة المحلية الى العملة الاجنبية (ضمن الحركات الارتجاعية اللاحقة) يعني التضحية بفخ السيولة المحلية ، وان ثمن التضحية هو نقل اشارة سعر الفائدة الحقيقية الموجبة الى سعر الصرف وباتجاه معاكس اي من فخ السيولة المحلية بالدينار الى فخ السيولة بالعملة الاجنبية سيكون بفارق يتمثل بنسبة خصم تحوطية قيمتها تساوي معدل الفائدة الحقيقية  الموجب نفسه (اي ثمن التخلي عن فخ السيولة المحلية لمصلحة فخ السيولة الاجنبية. وان ثمن الفائدة الحقيقية الموجبة وانتقالها الى سعر الصرف هو ثمن التخلي عن فخ السيولة المحلية. انه تزاحم خارجي فائق  كما ذكرنا انفاً في ظروف انكماش  اقتصاد  شديد الريعية ، اذ تبدلت فيه الاشارات السعرية (من فائدة حقيقية متوقعة سالبة  ابان الافراط النقدي الى فائدة حقيقية متوقعة موجبة في زمن الانكماش النقدي) محققة العلاقة السببية بين سعر الصرف وتوقعات المستوى العام للاسعار. بعبارة اٌخرى ، فمثلما حلت توقعات الفائدة الحقيقية الموجبة محل التوقعات التضخمية (اي الفائدة الحقيقية السالبة ابان مرحلة الافراط النقدي) فان اختفاء عربة السيولة او النقد الرخيص (السنيوريج) وازدهار فخ السيولة  وشيوع الانكماش في هذه المرة مع بقاء البنك المركزي مستقلاً عن الحكومة والتمسك بكونه ليس هو الرافعة  المالية في تمويل الموازنة بالنقد الرخيص او البديل في تمويل الدين العام الداخلي دون المرور بالسوق النقدية ، اكدها ثبات نمو النقود و بطيء تكاثرها (نسبة الى ناتج محلي) وهي صورة آخرى مختلفة في سلوك المدرسة النقودية في الاقتصاد عند وصف ميكانيكية الانكماش كمقلوب للتضخم .

3-الاستنتاجات

ثمة استنتاجات اساسية افرزها ميدان العمل الاقتصادي عند تشخيصه مرحلتين مختلفتين من مراحل التضخم والانكماش التي مر بها التاريخ الاقتصادي القريب للعراق. فقد اظهرت المرحلةالتضخمية الاولى ابان الحصار (الاقتصادي) على العراق في تسعينيات القرن الماضي والسنوات القليلة اللاحقة ،  ان اشارات الفائدة الحقيقية السالبة (المتوقعة) التي كانت ترسلها السوق النقدية وخصوصا سوق الصرف تتحول حالاً ومن خلال عربة الاصدار النقدي (المستمر) الى توقعات تضخمية حادة (يشهدها المستوى العام للاسعار) بعد ان تتخللها تغيرات حادة في الاسعار النسبية. كما تتحق اثار ارتجاعية فورية تتجه من (ارتفاع) في الفائدة السالبة الفعلية الى حالة (انخفاض) فعلي في سعر صرف الدينار العراقي ، اي ان سعر الصرف يتقلب في انخفاضه او في ارتفاعه عكسيا مع التقلبات الفعلية في مستوى الفائدة وهو شكل من اشكال المضاربة السعرية الناجمة عن توقع انخفاض سعر الصرف تصاعديا.

 وهكذا شهدت البلاد قفزات تضخمية حادة بلغت بالمتوسط مرتبتين عشريتين على مدار اكثر من عقد من الزمن وبواقع 50 % سنوياً. اما مرحلة الكساد الراهن،وفي ظل ظاهرة تعاظم فخ السيولة ، فان دور العربة الناقلة قد اختلف كثيرا وتحولت البلاد من التضخم الى الانكماش. فسوق النقد ترسل اليوم باشارات لسعر فائدة حقيقي موجب (متوقع) الذي يتحول الى توقعات انكماشية في الاسعار (ولاسيما على صعيد المستوى العام للاسعار) فكلما يتزايد فخ السيولة ترتفع كلفة التمويل بالدينار العراقي ، وهي حالة تقاوم حدوث ارتفاعات سعرية بسب شحة السيولة النقدية نفسها ولكن تجد دلالتها في ارتفاع الفائدة الحقيقية الموجبة. وان الاثر الارتجاعي (الفعلي) لاشارة الفائدة الحقيقية الموجبة ستتحول الى سوق الصرف ، اذ يُخصم سعر صرف الدينار بالنسبة التي ترتفع فيها الفائدة  جراء التخلي عن فخ السيولة المحلية ونقله الى فخ السيولة بالعملة الاجنبية وهو في هذه الحالة شكل من اشكال التحوط Hedge ، ولكن من دون ان يشهد المستوى العام للاسعار اي تقلب يذكر باتجاه الارتفاع. فكلفة انخفاض سعر صرف الدينار في المرحلة الانكماشية هي ثمن التخلي عن السيولة بالدينار والحصول على سيولة بالعملة الاجنبية محملة بفائدة سيولة بالدينار. اي ان سعر الصرف سيحمل تكاليف فرصية لعائد عالي محتمل او متوقع يمثله سعر فائدة حقيقي موجب انتقل اثره من الدينار الى الدولار كفخ سيولة آخر بالعملة الاجنبية يضاف الى قيمة الدولار المتحصل وهذا ماتمت تسميته بالتزاحم الخارجي الفائق الذي يساوي اليوم سعر فائدة السياسة النقدية البالغة 6% مطروح منه التضخم الاساس البالغ 1.6% والذي يعادل اليوم تماماً فروقات سعر الصرف بين السوق المركزية والسوق الموازية.

ختاما ، اذا كان سعر الصرف في اوقات التضخم الجامح هو من يبعث باشارة التوقعات التضخمية (بشكل فائدة حقيقية سالبة) من خلال عربة الكتلة النقدية وتزايد الاصدار النقدي وتمويل الموازنة بالعجز ومن ثم تدهور سعر الصرف ، فان سعر الصرف في ازمنة الانكماشالاقتصادي والتمسك بفخ السيولة ، سيرسل اشارات سعرية مختلفة عن المرحلة السابقة وهي اشارة (اسعار الفائدة الحقيقية الموجبة المتوقعة) وهو الامر الذي يعظم من فخ السيولة المحلية ويقوي الطلب على الارصدة النقدية لتحقيق مايسمى مجازاً بفائض المستهلك المحتمل او المتوقع(حسب نظرية مارتن بيلي)  وهو سلوك فردي يأتي لتعظيم شيء من الازدهار جراء التمتع بالسيولة المتوقع ارتفاع قوتها الشرائية وقيمة العائد عليها. اي ان واقع الحال الانكماشي يؤشر بلوغ حالة هي (مقلوب) نظرية مارتن بيلي (القائمة على احتساب كلفة الرفاهية الناجمة عن التضخم)  والمقلوب هنا من وجهة نظرنا يمكن تسميته في هذه الحالة (بمكاسب الرفاهية الناجمة عن الانكماش) كسلوك مختلف في الطلب النقدي للافراد (وهو عكس كلفة الرفاهية الناجمة عن التضخم في الادبيات الاقتصادية السائدة).(**)

(*) المستشار الإقتصادي لرئيس الوزراء العراقي

(**) ثمة رسالة ماجستير متميزة ومهمة للانسة نجلاء شمعون جلبي/ تناولت للمرة الاولى كلفة التضخم على الرفاهية في العراق – الجامعة المستنصرية / 2015

حقوق النشر محفوظة لشبكة الإقتصاديين العراقيين. يسمح بالاقتباس واعادة النشر بشرط الاشارة الى المصدر. 27/7/2015