«القلب صياد وحيد» لكارسون ماكالرز: اعترافات محبَطي الحلم الأميركي

«القلب صياد وحيد» لكارسون ماكالرز: اعترافات محبَطي الحلم الأميركي

بقلم: إبراهيم العريس

تماماً كما أن دوستويفسكي كان يقول دائماً: «نحن جميعاً خرجنا من معطف غوغول»، -ما يعني أنه وأبناء جيله من كبار الروائيين الروس أواسط القرن التاسع عشر، ما كان لهم أن يكتبوا أعمالهم، لولا أن غوغول قد فتح لهم أبواب الحكي الروائي مشرعة في عمله الرائد «المعطف» -، كذلك يمكن قطاعاً كبيراً من روائيي النصف الثاني من القرن العشرين في الولايات المتحدة، أن يقول إنه جيل خرج من «قلب» كارسون ماكالرز، وتحديداً من روايتها الأولى والكبرى «القلب صياد وحيد». فهذه الرواية صنعت للأدب الأميركي ما تصنعه الإبداعات الرائدة في كل مكان في العالم: أيقظته على مواضيع جديدة، عرّفته بلغة حكي جديدة، وأعطته أبطالاً جدداً. ومع هذا لم تكن كارسون قد تجاوزت الرابعة والعشرين من عمرها حين أصدرت تلك الرواية عام 1940، فنزلت على الحياة الثقافية الأميركية كالصاعقة. وذلك تحديداً انطلاقاً من المواضيع الملاصقة للحياة، التي سبرت الكاتبة أغوارها في ذلك العمل المبكر. المواضيع التي لا تزال تهيمن على الأدب الأميركي وعلى غيره من الآداب أيضاً حتى اليوم، بعد نحو ثلثي قرن من صدور الرواية، من دون أن ننسى شخصياتها المنتزعة من واقع القهر وخيبة الحلم الأميركي كما سوف نرى بعد قليل.
> ومع هذا كله لم تكن كارسون ماكالرز في بداية صباها، تتطلع إلى أن تصبح كاتبة. كان كل ما تريده في الحياة هو أن تصبح عازفة بيانو «أو بالأحرى عازف بيانو»، كانت تقول ضاحكة حين يطلب منها أن تفسر معنى اسمها كارسون، مشيرة إلى أنها حين ولدت كانت تبدو مثل الصبي، لذلك وصفها والدها – الفرنسي الأصل بـ «الصبي» (غارسون بالفرنسية) فأضيف الوصف إلى اسم لولا الذي كان اختير لها. ومن هنا راحت تطغى عليها نزعة التشبه بالصبيان، حتى عمر متقدم، فكانت تقص شعرها قصيراً، وترتدي بدلات الفتيان في معظم الوقت. بل إنها حين رسمت صورة لطفولتها من خلال شخصية مايك كيلي في روايتها الأولى التي نتحدث عنها هنا، جعلت من أهم سمات هذه الشخصية ضياعها بين حقيقتها كأنثى وتصرفاتها الذكورية، وتفضيلها الدائم صحبة الذكور على الفتيات. ولقد كانت هذه السمات، سبباً إضافياً جعل النقاد والقراء، ومنذ القراءة الأولى للرواية يدركون إنها أشبه بأن تكون سيرة ذاتية لبطلتها، خصوصاً أن شخصية ويلبر كيلي، والد مايك في الرواية، ستبدو مستوحاة كلياً من شخصية والد كارسون الحقيقي.
> غير أن هذا الأمر، لا يؤدي إلى أن كل ما في هذه الرواية مأخوذ من حياة كارسون. ذلك أن الكاتبة الشابة، بعدما استعارت ديكور بلدة كولومبوس (ولاية جورجيا) التي ولدت وعاشت فيها طفولتها قبل أن تبارحها إلى نيويورك حيث ستدرس البيانو وتخفق ما دفعها إلى الكتابة، وبعدما رسمت شخصيات مستقاة من معارفها في الطفولة، ونسخت شخصية أبيها، ثم شخصيتها قبل سن المراهقة، استخدمت ذلك كله لتقدم رؤية عميقة للعيش في البلدة الريفية تلك إبان فترة الكساد الاقتصادي (ثلاثينات القرن العشرين). وفي هذا الإطار لا بد هنا من الإشارة إلى أن هذه الرواية تنم عن أن كارسون ماكالرز، كانت من أعمق كتّاب جيلها -وتحديداً كتّاب جيل زمن الكساد- في مجال تصوير ما فعلته تلك الأزمة الاقتصادية العميقة في المجتمع كاشفة أميركا ما بعد الحلم. وهو موضوع، راح كتّاب كثر خلال تلك المرحلة يبدعون في الخوض فيه. أما كارسون فإنها غاصت فيه ولكن ليس من ناحية ما فعله، إنما من ناحية ما كشفه وعراه، مما كان -بالفعل- قائماً من قبل. لكن الحديث الدائم عن «الحلم الأميركي» كان يغطيه. ما جاءت به كارسون، جديداً هنا، هو سبرها أغوار العزلة والوحشة والتوتر العرقي والعنصري وكل هذه العوامل التي كانت مخفية قبل ذلك. كذلك كانت كارسون في روايتها، خير مصوّر لتلك الرغبة العارمة التي تدفع الشبان إلى محاولة الهرب من الحياة الرتيبة لمدن الأرياف الأميركية. كل هذا صورته كارسون ماكالرز في «القلب صياد وحيد». وكان تصويرها له مهماً… لكنه لم يحتكر كل الأهمية، ذلك أن الجديد هنا، أيضاً، إنما كان الطريقة التي صوّرت بها الكاتبة هذا كله.
> رسمت كارسون ماكالرز معالم الحياة الريفية الرتيبة في روايتها من خلال علاقة صداقة تقوم، خصوصاً، بين مجموعة من الرفاق الذين لا يجمع، في الأساس، أي جامع بينهم. فهناك أولاً الصبية مايك كيلي، ذات الرابعة عشرة، والتي قد ينم طول قامتها وغرقها الدائم في التأمل والتفكير عما يزيد كثيراً عن تلك السن. مايك، انطلاقاً من هذا تبدو، كما قلنا، متأرجحة بين الأعمار والجنسين. وغارقة في شكل دائم في أحلام تنتمي إلى البعيد. ومايك تلتقي في شكل دائم، وعلى رغم ممانعة أهلها، جاك بلاونت، السكير الأبدي الذي يمضي جل وقته في مقهى برانون. وإلى جاك هذا، هناك الدكتور كوبلاند الطبيب الأسود الذي تعلّم في الشمال لكنه عاد إلى الجنوب إذ رأى من واجبه أن يساعد أبناء جلدته السود في تلك البلدة. أما محور هذه الحلقة فهو الأصم الأبكم جون سنغر، الطويل النحيل، الذي لأنه لا يمكنه أن يتحدث عما يقال له، بل لا يمكنه أصلاً أن يسمعه، يصبح أشبه بكرسي اعتراف بالنسبة إلى أصدقائه. وهذا الواقع هو الذي يعطي الرواية إيقاعها، بل حتى شكلها الأدبي. ذلك أن كارسون قسمت الرواية فصولاً، يكاد كل واحد منها أن يكون كرسي الاعتراف لواحدة من الشخصيات. إذ تشكل مناجاة كل شخصية، في حضرة سنغر الذي يقال كل شيء أمامه، جزءاً من هذا العمل، لكنه جزء يشتغل، من ناحية على كشف وحدة كل شخصية وأمنياتها غير المتحققة، واللاتواصل بين شتى الشخصيات، لكنه يشتغل من ناحية ثانية، على مراكمة نفسية عنيفة داخل جون سنغر نفسه. فهو بدوره، لديه أمور كثيرة قد يحب أن يقولها. ويزداد شعوره في كل لحظة، بعجزه عن إيصال ما يعتمل في داخله، بسبب بكمه وفقدانه السمع. ومن هنا تتراكم مخاوفه وآلامه متصاعدة حتى لحظة الانفجار.
> في الحقيقة أن هذا هو كل ما يشكل إطار الرواية، حيث ندرك بسرعة أن ليس ثمة أي حبكة أو أحداث درامية مفاجئة. كل شيء مرسوم من خلال ما تقوله كل شخصية عن نفسها. ومن خلال «اللاحدث» الذي يختتم الرواية. لكن الحدث هو، في الواقع، هنا. في هذا الجو القاتم المتوتر الذي رسمه قلم كاتبة، عرفت كيف تضيف إلى الأدب الأميركي مجموعة شخصيات، يعرف متابعو هذا الأدب، أنها ستُرسم كثيراً لاحقاً، لدى كتاب آخرين، وستنتقل إلى السينما والمسرح، ما يجعل اسم كارسون ماكالرز واحداً من الأسماء الكبرى في الأدب الأميركي. أما «القلب صياد وحيد» فلقد عرفت، إضافة إلى المجد الأدبي، حياة خاصة بها، لا سيما على شاشة السينما، إذ حُوّلت الرواية عام 1968 إلى فيلم قام آلان آركن ببطولته، لكنه لم يكن العمل السينمائي الوحيد المقتبس من أعمال كارسون ماكالرز، إذ نعرف أن السينما اقتبست رواية مميزة أخرى لها هي «نشيد المقهى الحزين»، كما أن المخرج الكبير جون هستون اقتبس عام 1967، فيلما أدار فيه مارلون براندو وإليزابيث تايلور، من رواية رائعة أخرى لهذه الكاتبة هي «انعكاسات في عين ذهبية». كذلك ثارت فضحية في السينما الفرنسية أواسط ثمانينات القرن العشرين حين «لطش» المخرج الفرنسي كلود ميلر قصة «فرانكي آدامز» لكارسون ماكالرز، محوّلاً إياها فيلماً لم يذكر اسمها في عناوينه.
> لكن كارسون ماكالرز التي ماتت عن سن لا تزيد على الخمسين (1917 – 1967) لم تعرف، خلال حياتها شيئاً عن هذا المجد السينمائي، بل إنها لم تعش كفاية حتى تشهد انبعاث مجدها الأدبي آخر القرن العشرين. فابنة كولومبوس (جورجيا) عاشت حياة متنقلة، واضطراباً في الحياة العائلية جعلها تطلق باكراً زوجها الكاتب – الجندي، الذي كانت اقترنت به قبل كتابة روايتها الأولى. وعلى رغم تنقلها وتعاسة حياتها العائلية وعلى رغم موتها المبكر، أصدرت كارسون عدداً لا بأس به من الكتب، كما نشرت قصصاً قصيرة، جعلتها تعتبر دائماً من كبار الأدباء الذين مهدوا لمجيء جيل «البيتنكس» في الأدب الأميركي. وهو أمر كانت، خلال السنوات الأخيرة من حياتها، تركز حديثها عليه، وكأنه كان تعويضاً لها عن إخفاقات كثيرة في حياتها، عرف أدبها، على أية حال، كيف يعبر عنها.
( الحياة 2014-06-20 )

كان مقهى ” رشيد ” موعدنا عصراً

 

كان مقهى ” رشيد ” موعدنا عصراً وكنَّا من سابقٍ أحلاسه
مجلسٌ زانَهُ الشبابُ ، وأخلوا ” للزهاويِّ” صدرَه والرياسه
هو إنْ شئتَ مجمعٌ للدُّعاباتِ وإن شتتَ معهدٌ للدراسه
ثمَّ كلن العِشاءُ فانصرف الشيخُ كسيحاً موِّدعاً جُلاّسه
وافترقنا نُريد” مَهَرانَ” نبغي وَرطة ًفي لذاذةٍ وارتكاسه
تارةً صاحبي يُصفِّقُ كأسي وأنا تارةً أُصفِّق كاسه
وجديرٌ أنْ يُمتِعَ المرءُ بالخمرةِ نفساً . وأنْ يُثقِّلَ راسه
قبلَ أن تَهجُمَ الليالي عليه فتُعري من الصِّبا أفراسه
أتُراه على حياةٍ قديراً بعدَ ما يُودِعونه أرماسه
فاحتسبنا كأساً وأُخرى فدبَّتْ سَورةٌ لم تدعْ بنا إحساسه
وهَذينْا بما استكنَّت به النفسُ وجاشتْ غريزةٌ خنَّاسه
لا ” الحسينُ الخليعُ ” يبلغُ شأوينا ولا ” مسلمٌ ” ولا ذو ” النُواسه”
قال لي صاحبي الظريفُ وفي الكفّ ارتعاشٌ وفي اللسانِ انحباسه :
أين غادرتَ ” عِمَّةً ” واحتفاظاً قلتُ : إني طرحتُها في الكُناسه
ثم عُجنا لمسرحٍ أسرجته كلُّ رَودٍ وضَّاءةٍ كالماسه
حدَّدوةُ بكلّ فينانةٍ خضراءَ بالزهرِ عطرتْ أنفاسه
ولقد زادتِ الوجوهَ به حُسناً ولُطفاً للكهرباء انعكاسه
ثمَّ جَسُّوا أوتارَهم فأثرنَ اللهوَ أيدٍ قديرةٌ جسَّاسه
وتنادَوا بالرقصِ فيه فأهوى كلُّ لدنٍ للدنةٍ ميَّاسه
خُطةٌ للعواطف الهُوج فاقَتْ خُطّةَ الحربَ جذوةً وحماسه
أُغرمَ الجمعُ واستجاب نفوساً تتقاضاهُ حاجة مسَّاسة
ناقِلاً خطوَةُ على نغمةِ العودِ وطوراً مرَّجفاً أعجاسه
وتلاقى الصدرانِ .. واصطكَّتِ الأفخاذُ .. حتى لم تبقَ إلا لُماسه!!
حرَّكوا ساكناً فهبَّ رفيقي لامساً باليدينِ منه لباسه!!
ثمَّ نادى مُعربداً لُيحيِّ الله مغناكَ وليُدِمْ أعراسه
وخرَجْنا منه وقد نصلَ الليلُ وهدَّتْ إغفاءَةٌ حُرّاسه
ما لبغدادَ بعدَ هاتيكمُ الضجَّةِ تشكو أحياؤها إخراسه
واقتحمنا بيتاً تعوَّد أنْ نطرق في الليلِ خُلسةً أحلاسه
وأخذنا بكفِّ كلِّ مَهاةٍ رنَّقَتْ في الجفونِ منها نُعاسه
لم أُطِلْ سومَها وكنتُ متى يعجبني الشئُ لا أُطيلُ مِكاسه!
قلتُ إذ عيَّرتنيَ الضعفَ لمَّا خذلتني عنها يدٌ فرّاسه:
لستُ أعيا إنْ فاتني أخذيَ الشيء بعنفٍ ، عن أخذهِ بالسياسه
ثمَّ كانتْ دعابةٌ فَمُجونٌ فارتخاءٌ . فلذةٌ .! فانغماسه !!
وعلى اسمِ الشيطانِ دُستُ عَضوضاً ! ناتئَ الجنبتَينِ .! حلوَ المداسه!
لبَداً .. تنهلُ اللُبانةُ منه ! لا بحزْنٍ ضَرسٍ .. ولاذي دَهاسه!
وكأنّ العبيرَ في ضرَمِ اللذَّةِ يُذكي بنفحةٍ أنفاسه..!
وكأنّ الثِقْل المرجّحَ بين الصدرِ والصدرِ .. يستطيبُ مراسه
وكأنّ ” البديعَ ” في روعة الأسلوب ! يُملي ” طِباقه ! ” و” جِناسه”
واستجدَّتْ من بعدِ تلك أمورٌ كلّهنَّ ارتيابةٌ والتباسه
عرَّفتنا معنى السعادةِ لمّا أنْ وضعنا حدّاً بها للتعاسه
بسَمَ الدهرُ وتجافى بعدَها كاشِراً لنا أضراسه
صاحبي لا ترُعكَ خِسَّةُ دهر ” كم نفوسٍ حسَّاسه”