مناظرات في الشعر

قال الراوى : بينا عبد الله بن عباس ( جالس بفناء الكعبة قد اكتنفه الناس يسألونه عن تفسير القرآن ، فقال نافع ابن الأزرق لنجده بن عويمر : قم بنا إلى هذا الذى يجترئ على تفسير القرآن بما لا علم له به، فقاما إليه فقالا :إنا نريد أن نسألك عن أشياء من كتاب الله فتفسرها لنا وتأتينا بمصادقه من كلام العرب ، فإن الله تعالى إنما أنزل القرآن بلسان عربىّ مبين ، فقال ابن عباس: سلانى عما بدا لكما ،
1- فقال نافع : أخبرنى عن قول الله تعالى – عن اليمين وعن الشمال عزين – قال : العزون : حلق الرفاق . قال : وهل تعرف العرب ذلك ؟ قال نعم: أما سمعت عبيد بن الأبرص وهو يقول :
فجاءوا يهرعون إليه حتى …يكونوا حول منبره عزينا
2- قال : أخبرنى عن قوله – وابتغوا إليه الوسيلة – قال : الوسيلة: الحاجة، قال: وهل تعرف العرب ذلك ؟ قال : نعم، أما سمعت عنترة وهو يقول :
إن الرجال لهم إليك وسيلة …….إن يأخذوك تكحلى وتخضبى
3- قال : أخبرنى عن قوله – شرعة ومنهاجا – قال : الشرعة : الدين، والمنهاج : الطريق ، قال: وهل تعرف العرب ذلك ؟ قال : نعم ، أما سمعت أبا سفيان بن الحارث بن عبد المطلب وهو يقول:
لقد نطق المأمون بالصدق والهدى ……..وبين للإسلام دينا ومنهجا
4- قال : أخبرنى عن قوله تعالى – إذا أثمر وينعه – قال : نضجه وبلاغه ، قال : وهل تعرف العرب ذلك ؟ قال : نعم، أما سمعت قول الشاعر :
إذا ما مشت وسط النساء تأودّت ……كما اهتزّ غصن ناعم النبت يانع
5- قال : أخبرنى عن قوله تعالى – وريشا – قال: الريش المال ، قال : وهل تعرف العرب ذلك؟ قال : نعم ، أما سمعت الشاعر :
فرشنى بخير طال ما قد بريتنى ……وخير الموالى من يريش ولا يبرى
6- قال : أخبرنى عن قوله تعالى – لقد خلقنا الإنسان فى كبد – قال – فى اعتدال واستقامة ، قال : وهل تعرف العرب ذلك ؟ قال: نعم، أما سمعت لبيد بن ربيعة وهو يقول:
يا عين هلا بكيت أربد إذ …….قمنا وقام الخصوم فى كبد
7- قال : أخبرنى عن قوله تعالى – يكاد سنا برقه – قال : السنا الضوء ، وهل تعرف العرب ذلك ؟ قال: نعم ، أما سمعت أبا سفيان بن الحارث يقول :
يدعو إلى الحق لا يبغى به بدلا ……..يجلو بضوء سناه داجى الظلم
8- قال : أخبرنى عن قوله تعالى – وحفدة – قال: ولد الولد. وهم الأعوان. قال : وهل تعرف العرب ذلك ؟ قال نعم. أما سمعت الشاعر يقول :
حفد الولائد حولهن وأسلمت بأكفهن أزمة الأحمال
9- قال : أخبرنى عن قوله تعالى – وحنانا من لدنا – قال : رحمة من عندنا ، قال : وهل تعرف العرب ذلك ؟ قال :نعم ، أما سمعت طرفة بن العبد يقول :
أبا منذر أفنيت فاستبق بعضنا حنانيك بعض الشّر أهون من بعض
10- قال : أخبرنى عن قوله تعالى – أفلم ييأس الذين آمنوا – قال: أفلم يعلم بلغة بنى مالك ، قال : وهل تعرف العرب ذلك ؟ قال : نعم. أما سمعت مالك بن عوف يقول :
لقد يئس الأقوام أنى أنا ابنه …وإن كنت عن أرض العشيرة نائيا

مناظرة محمد جواد مغنية

يقول الشيخ محمد جواد مغنية رحمه الله تعالى :
ذهبت إلى المحكمة الشرعية بالمدينة المنورة ، وفيها جميع قضاتها وهم خمسة ، وعليهم رئيس ، كما هي الحال بمكة المكرمة ، دخلت غرفة أحدهم ، وجلست على بعض مقاعدها ، فنظر إليّ القاضي ، وقال : هل من حاجة ؟
قلت له : هل أنت قاض ٍ ؟
قال : نعم ، ونائب الرئيس.
سألته عن اسمه ؟
قال : عبد المجيد بن حسن.
قلت : هل تسمح بالاطلاع على سجل الاحكام ، فإني أحب أن أقارن بينها وبين الاحكام في لبنان ؟
قال : هل أنت قاضٍ ؟
قلت : أجل.
قال : في المحاكم الحنفية ، أو الجعفرية ؟
قلت : أنا جعفري ، وشرعت بالحديث عن الاسلام والمسلمين ، وبأي شيء يؤكدون أنفسهم ، ويطورون قواهم اجتماعيا وسياسيا ، وكان يردد قول طيب طيب ، ولا يزيد ، وحين هممت بوداعه قال : إلى أين ؟.
قلت : إلى الرئيس الشيخ عبدالعزيز بن صالح ، فأرسل معي شرطيا أرشدني إلى غرفته ، فتحت الباب ، ودخلت ، فأهل ورحب.
وابتدأت الحديث بهذا السؤال : كيف تفسرون قول الرسول ـ صلّى الله عليه وآله وسلّم ـ : اختلاف أمتي رحمة (2) ؟
قال : اختلافهم في الفروع ، لا في الاصول.
قلت : إذن جميع الطوائف الاسلامية من أمة محمد ، لان الاصول هي الايمان بالله ، والرسول ، واليوم الاخر ، والكل يؤمنون بذلك دون استثناء.
قال : وهناك أصل آخر.
قلت : ما هو ؟
قال : خلافة أبي بكر ، وأنها حق له بعد الرسول بلا فاصل.
قلت : الخلافة من الاصول ؟!
قال : نعم.
قلت : لقد نفى السنة عنهم هذا القول ، ونسبوه إلى الشيعة الامامية ، وأنكروه عليهم.
قال : أجمع أهل السنة على أن خلافة أبي بكر من الاصول ، وأصرّ !!
قلت : لا يثبت أصل من أصول الدين إلاّ ببديهة العقل ، أو بنصّ الكتاب نصا صريحا ، أو بسنّة تكون بقوّة القرآن ثبوتا ، وبدلالة لا اله الا الله
قال : هذا صحيح ، وقد تواتر عن الرسول ـ صلّى الله عليه وآله وسلم ـ إنه قال : يأبى الله ورسوله إلاّ أبا بكر (3).
قلت : كيف يكون هذا متواترا ، ولم يروه البخاري ، ولا احتج به أبو بكر ، ولا عمر ، ولا أحد يوم السقيفة حين رأى الانصار أنهم أولى من أبي بكر بالخلافة ؟
فشرع يتكلم عن الحديث وأقسامه ، ثم أكد مصرا على تواتره ، وأنه لم يخالف في ذلك إلا الشيعة.
ولما لم أجد وسيلة لاقناعه ، قلت له : هل من شرط صحة الحديث أن يثبت عند الجميع ، أو عند من يعمل به فقط ؟
قال : بل عند من يعمل به.
قلت : هذا الحديث لم يثبت عند الشيعة لا بطريق التواتر ، ولا بطريق الاحاد ، ولذا لم تكن خلافة أبي بكر عندهم من الاصول ، ولا من الفروع (4).
____________
(1) هو : العلاّمة الجليل والمفكر الاسلامي الكبير الشيخ محمد جواد بن الشيخ محمود مغنية ، من أبرز علماء لبنان ، ولد سنة 1322 هـ في قرية طير دبا من جبل عامل ، درس على شيوخ قريته ثم سافر إلى النجف الاشرف ، وأنهى هناك دراسته ، ومن أبرز أساتذته ، السيد حسين الحمامي ( قدس سره ) ، والسيد الخوئي ( قدس سره ) ثم عاد إلى جبل عامل وسكن قرية طير حرفا ، ثم عين قاضيا شرعيا في بيروت ثم مستشارا للمحكمة الشرعية العليا فرئيسا لها بالوكالة ، إلى أن أحيل للتقاعد.
والشيخ ـ رحمه
الله تعالى ـ من الذين أبدعوا في شتى الميادين الاسلامية والاجتماعية والوطنية ، توجَّه بإنتاجه وأفكاره بصورة خاصة إلى جيل الشباب في المدارس والجامعات والحياة العامة ، فكان يعالج في كتبه المشاكل والمسائل التي تؤرقهم وتثير قلقهم كمسائل العلم والايمان ، ومسائل الحضارة والدين ، ومشاكل الحياة المادية والعصرية ، وكان يقضي في مكتبته بين 14 إلى 18 ساعة من اليوم والليلة ، وأما مؤلفاته فإنها تربو على اثنين وستين كتابا ، أشهرها ، الشيعة في الميزان ، الفقه على المذاهب الخمسة ، عقليات إسلامية ، فقه الامام الصادق ـ عليه السلام ـ ، تفسير الكاشف ، في ظلال نهج البلاغة ، وله الكثير من المقالات والنشرات ، وكان كثير الذب عن التشيع بلسانه وقلمه ضد التجني والافتراءات ، توفي ليلة السبت في التاسع عشر من محرم الحرام سنة 1400 هـ ، ونقل جثمانه إلى النجف الاشرف وشيع تشييعا باهرا حيث صلّى عليه السيد الخوئي ( قدس سره ) ، ودفن في إحدى غرف مقام الامام علي ـ عليه السلام.
اقتطفنا هذه الترجمة من كتاب تجارب محمد جواد مغنية بقلمه ، وأعيان الشيعة : ج9 ص205.
(2) كنز العمال ج10 ص136 ح28686 ، تذكرة الموضوعات ص90 ، إتحاف السادة المتقين ج1 ص240.
(3) كنز العمال ج11 ص550 ح32583 ، بتفاوت.
وقال ابن أبي الحديد في شرح النهج ج11 ص49 ، عن هذا الحديث : إنهم وضعوه في مقابلة الحديث المروي عنه في مرضه : « أئتوني بدواة وبياض أكتب لكم مالا تضلون بعده أبداً » ، فاختلفوا عنده ، وقال قوم منهم : لقد غلبه الوجع ، حسبنا كتاب الله !!
(4) تجارب الشيخ محمد جواد مغنية بقلمه ص374.
وضوحا ، أما أخبار الاحاد فليست بشيء في باب الاصول ، وإن كانت حجة في الفروع.

حكم الجمع بين صلاتين

قال الدكتور التيجاني في معرض حديثه عن مسألة جواز الجمع بين الصلاتين : وأنا أتذكّر بأنّ أوّل صلاة جمعت فيها بين الظهر والعصر كانت بإمامة الشهيد السيد محمد باقر الصدر ـ عليه رضوان الله ـ إذ كنتُ أنا في النجف أفرّق بين الظهر والعصر ، حتّى كان ذلك اليوم السعيد الذي خرجتُ فيه مع السيد محمد باقرالصدر من بيته إلى المسجد الذي يؤمّ فيه مُقلّديه الذين احترموني وتركوا لي مكاناً خلفه بالضّبط ، ولّما انتهت صلاة الظهر وأقيمت صلاة العصر ، حدّثتني نفسي بالانسحاب ، ولكن بقيتُ لسببين أوّلهما هيبةُ السيد الصّدر وخشوعه في الصلاة حتى تمنّيتُ أن تطول ، وثانيهما وجودي في ذلك المكان ، وأنا اقرب المصلّين إليه ، وأحسستُ بقوّة قاهرة تشدّني إليه .
ولّما فرغنا من أداء فريضة العصر وانهال عليه النّاس يسألونه بقيتُ خلفَه أسمع الاَسئلة والاَجابة عليها إلا ما كان خفيّاً ، ثم أخذني معه إلى بيته للغذاء وهناك وجدتُ نفسي ضيف الشرّف ، واغتنمتُ فرصة ذلك المجلس وسألته عن الجمع بين الصلاتين ؟
ـ سيدي ! أيمكن للمسلم أن يجمع بين الفريضتين في حالة الضرورة ؟
قال : يمكن له أن يجمع بين الفريضتين في جميع الحالات وبدون ضرورة.
قلتُ : وما هي حجّتكم ؟
قال : لاَن رسول الله صلى الله عليه وآله جمع بين الفريضتين في المدينة في غير سفر ولا خوف ولا مطر ولا ضرورة ، وإنها فقط لدفع الحرج عنّا ، وهذا بحمد الله ثابت عندنا من طريق الاَئمة الاَطهار(2) وثابت أيضاً عندكم .
ـ استغربتُ كيف يكون ثابتاً عندنا ولم أسمع به قبل ذلك اليوم ، ولا رأيتُ أحداً من أهل السنّة والجماعة يعمل به ، بل بالعكس يقولون ببطلان الصلاة إذا وقعت حتى دقيقة قبل الاَذان ، فكيف بمن يصلّيها قبل ساعات مع الظهر ، أو يصلّي صلاة العشاء مع المغرب ، فهذا يبدو عندنا مُنكراً وباطلاً !!
وفهِمَ السيد محمد باقرالصّدر حيرتي واستغرابي ، وهمس إلى بعض الحاضرين فقام مسرعاً وجاءه بكتابين عرفتُ بأنّهما صحيح البخاري وصحيح مسلم ، وكلّف السيد الصدر ذلك الطالب بأن يطلعني على الاَحاديث التي تتعلّق بالجمع بين الفريضتين ، وقرأتُ بنفسي في صحيح البخاري(3) كيف جمع النبي صلى الله عليه وآله فريضة الظهر والعصر وكذلك فريضة المغرب والعشاء كما قرأت في صحيح مسلم(4) باباً كاملاً في الجمع بين الصلاتين في الحضر في غير خوفٍ ؟ ولا مطر ولا سفر.
ولم أخفِ تعجّبي ودهشتي ، وإن كان الشكّ داخلني بأنّ البخاري ومسلم اللذين عندهم قد يكونان محرفين ، وأخفيتُ في نفسي أن أراجع هذين الكتابين في تونس .
وسألني السيد محمد باقر الصدر عن رايي بعد هذا الدّليل ؟
قلت : أنتم على الحق ، وأنتُم صادقون في ما تقولون ، وبودّي أن أسألكم سؤالاً آخر .
قال : تفضّل .
قلت : هل يجوز الجمع بين الصلوات الاَربع كما يفعل كثيرٌ من الناس عندنا لما يرجعوا في الليل يصلّون الظهر والعصر والمغرب والعشاء قضاءً ؟
قال : هذا لا يجوز .
قلتُ : إنّك قلتَ لي فيما سبق : بأن رسول الله صلى الله عليه وآله فرّق وجَمع ، وبذلك فهمنا مواقيت الصلاة التي ارتضاهاالله سبحانه .
قال : إنّ لفريضتي الظهر والعصر وقتاً مشتركاً ، ويبتدىء من زوال الشمس إلى الغروب ، ولفريضتي المغرب والعشاء أيضاً وقتٌ مشترك ، ويبتدىء من غروب الشمس إلى منتصف الليل ، ولفريضة الصبح وقتٌ واحدٌ يبتدىء من طلوع الفجر إلى شروق الشمس ، فمن خالف هذه المواقيت يكون خالف الآية الكريمة ( إِنَّ الصَّلاَةَ كَانَتٌ عَلىَ المؤُمِنِينَ كِتَاباً مَّوقُوتاً )(5)فلا يمكن لنا مثلاً أن نصلّي الصبح قبل الفجر ، ولا بعد شروق الشمس ، أذأً كما لا يمكن لنا أن نصلّي فريضتي الظهر والعصر قبل الزوال أو بعد الغروب ، كما لا يجوز لنا أن نصلّي فريضتي المغرب والعشاء قبل الغروب ، ولا بعد منتصف الليل .
وشكرتُ السيد محمد باقر الصدر ، وإن كنتُ اقتنعتُ بكلّ أقواله ، غير أنّي لم أجمع بين الفريضتين بعد مغادرته ، إلاّ عندما رجعتُ إلى تونس وانهمكتُ في البحث واستبصرتُ.
هذه قصّتي مع الشهيد الصدر رحمه الله في خصوص الجمع بين الفريضتين أرويها ليتبيّن إخواني من أهل السنّة والجماعة أولاً ، كيف تكون أخلاق العلماء الذين تواضعوا حتّى كانوا بحق ورثة الاَنبياء في العلم والاَخلاق .
وثانياً : كيف نجهلُ ما في صحاحنا ، ونُشنّعُ على غيرنا بأمور نعتقدُ نحن بصحّتها ، وقد وردت في صحاحنا :
فقد أخرج الاِمام أحمد بن حنبل في مسنده(6) عن ابن عباس قال : صلّى رسول
الله صلى الله عليه وآله في المدينة مقيماً غير مسافر سبعاً وثمانياً.
وأخرج الاِمام مالك في الموطاً(7)عن ابن عباس قال : صلّى رسول اللهصلى الله عليه وآله الظهر والعصر جميعاً ، والمغرب والعشاءَ جميعاً ، في غير خوف ولا سفرٍ.
وأخرج الاِمام مسلم في صحيحه(8)في باب الجمع بين الصلاتين في الحضر ، قال : عن ابن عباس قال : صلى رسول الله صلى الله عليه وآله الظهر والعصر جميعاً ، والمغرب والعشاء جميعاً ، في غير خوف ولا سفر .
كما أخرج عن ابن عباس أيضاً قال : جمع رسول الله صلى الله عليه وآله بين الظُهر والعصر ، والمغرب والعشاء ، بالمدينة في غير خوفٍ ولا مطرٍ ، قال : قلتُ لابن عباس : لم فعلَ ذلك ؟ قال : كي لا يحرجَ أُمّتَهُ(9).
ومّما يدلّك أخي القارىء أن هذه السنة النّبوية كانت مشهورة لدى الصحابةويعملون بها ، ما رواه مسلم أيضاً في صحيحه(10) في نفس الباب قال : خطبنا ابن عباس يوماً بعد العصر حتّى غَرُبت الشمس وبدت النجوم ، وجعل النّاس يقولون : الصّلاة الصّلاة ، قال : فجاءه رجل من بني تميم لا يفتر ولا ينثني : الصلاة الصلاة ، فقال ابن عباس : أتُعلّمني بالسّنة لاَ أمّ لك ! ثم قال : رأيت رسول الله صلى الله عليه وآله جمع بين الظهر والعصر والمغرب والعشاء . وفي رواية أخرى(11) قال ابن عباس للرجل : لااُم لك ! أتعلّمنا بالصّلاة ؟ وكنّا نجمعُ بين الصّلاتين على عهد رسول الله صلى الله عليه وآله .
وأخرج الاِمام البخاري في صحيحه(12) في باب وقت المغرب قال : حدّثنا آدم ، قال : حدّثنا شعبة ، قال : حدثنا عمرو بن دينار ، قال : سمعتُ جابر بن زيد عن ابن عبّاس قال : صلّى النبي صلى الله عليه وآله سبعاً جميعاً وثمانياً جميعاً.
كما أخرج البخاري في صحيحه في باب وقت العصر ، عن سهل بن حُنيف قال سمعتُ أبا أمامة يقول : صلّينا مع عمر بن عبد العزيز الظهر ، ثم خرجنا حتّىدخلنا على أنس بن مالك فوجدناه يصلّي العصر ، فقلتُ : يا عمّ ، ما هذه الصلاة التي صلّيت ؟ قال : العصْرُ وهذه صلاة رسول الله صلى الله عليه وآله التي كنّا نصلّي معه.(3)
ومع وضوح هذه الاَحاديث فإنك لا تزال تجد من يشنع بذلك على الشيعة ، وقد حَدث ذلك مرة في تونس ، فقد قام الاِمام عندنا في مدينة قفصة ليشنع علينا ويُشهّر بنا وسط المصلّين قائلاً : أرأيتم هذا الدّين الذي جاؤوا به ، إنهم بعد صلاة الظهر يقومون ويصلّون العصر ، إنه دين جديد ليس هو دين محمد رسول الله صلى الله عليه وآله ، هؤلاء يخالفون القرآن الذي يقول : ( إنَّ الصلاةَ كانتْ عَلى المؤمنينَ كِتاباً مَوقُوتاً )(14) وما ترك شيئاً إلاّ وشتم به المستبصرين .
وجاءني أحد المستبصرين ، وهو شاب على درجة كبيرة من الثقافة ، وحكى لي ما قاله الاِمام بألم ومرارة ، فأعطيته صحيح البخاري وصحيح مسلم وطلبتُ منه أن يطلعه على صحّة الجمع ، وهو من سنّة النبي صلى
الله عليه وآله ، لاَنني لا أريد الجدال معه ، فقد سبق لي أن جادلته بالتي هي أحسن فقابلني بالشتم والسبّ والتّهم الباطلة ، والمهم أن صديقي لم ينقطع من الصلاة خلفَه ، فبعد انتهاء الصلاةجلس الاِمام كعادته للدّرس فتقدّم إليه صديقي بالسؤال عن الجمع بين الفريضتين ؟
فقال : إنها من بدع الشيعة .
فقال له صديقي : ولكنّها ثابتة في صحيح البخاري ومسلم .
فقال له : غير صحيح ، فأخرج له صحيح البخاري وصحيح مسلم وأعطاه فقرأ باب الجمع بين الصلاتين .
يقول صديقي : فلمّا صدمتهُ الحقيقة أمام المصلّين الذين يستمعون لدروسه ، أغلق الكتب وأرجعها إليّ قائلاً : هذه خاصة برسول الله صلى الله عليه وآله ، وحتى تصبح أنت رسول الله فبإمكانك أن تصلّيها .
يقول هذا الصديق : فعرفتُ أنّه جاهل متعصّبُ ، وأقسمتُ من يومها أن لا أصلّي خلفَهُ ، بعد ذلك طلبتُ من صديقي بأن يرجع إليه ليُطلِعَه على أنّ ابن عبّاس كان يصلّي تلك الصلاة ، وكذلك أنس بن مالك ، وكثير من الصحابة ، فلماذا يريد هو تخصيصها برسول الله ، أو لم يكن لنا في رسول الله أسوةٌ حسنة ؟ ولكنّ صديقي اعتذر لي قَائلاً : لا داعي لذلك ، وإنّه لا يقتنع ولو جاءه رسول الله صلى الله عليه وآله .
وإنّه والحمد لله بعد أن عرف كثيرٌ من الشباب هذه الحقيقة ، وهي الجمع بين الصلاتين ، رجع أغلبهم إلى الصّلاة بعد تركها ، لاَنهم كانوا يُعانُونَ من فوات الصلاة في وقتها ، ويجمعون الاَوقات الاَربعة في اللّيل فتملّ قلوبهم ، وأدركوا الحكمة في الجمع بين الفريضتين ، لاَن كل الموظفين والطلبة وعامة الناس يقدرون على أداء الصلوات في أوقاتها وهم مطمئنُّون ، وفهموا قول الرسول صلى الله عليه وآله ، كي لا أحرج أمّتي(15).
____________
(1) مسألة الجمع بين الصلاتين من المسائل التي اختلفت فيها آراء المذاهب الاِسلامية ، وذلك مع وضوح دليل جواز الجمع في كتب الجمهور ورووا أن النبي صلى الله عليه وآله جمع بين الظهر والعصر ، والمغرب والعشاء ، من غير سفر ولا خوف ولا مطر ، ومع ذلك قد شُنّع على الشيعة الاِمامية في مسألة الجمع إذ عملوا بسنة النبي صلى الله عليه وآله وأهل بيته ، أضف إلى ذلك ما ثبت عن بعض الصحابة في جواز ذلك كما في كتب الصحاح ، مع أن المذاهب الاِسلامية يرون جواز الجمع بين الظهر والعصر في عرفة ويسمى جمع تقديم ، وبين المغرب والعشاء في مزدلفة ويُسمى جمع تأخير ، وإنما الخلاف هو في مسألة الجمع بدون عذر السفر وغيره من سائر الاَعذار .
فأما المالكية ، عندهم أن أسباب الجمع هي السفر والمرض والمطر والطين مع الظلمة في آخر الشهر ، ووجود الحاج بعرفة أو مزدلفة .
وأمّا الشافعية ، قالوا : بجواز الجمع بين الصلاتين جمع تقديم أو تأخير للمسافر مسافة القصر ، ويجوز جمعها جمع تقديم فقط بسبب نزول المطر .
وأما الحنفيّة ، قالوا : لا يجوز الجمع بين صلاتين في وقت واحد لا في السفر ولا في الحضر بأي عذر من الاَعذار إلاّ في حالتين .
الاَولى : يجوز جمع الظهر والعصر في وقت الظهر جمع تقديم بشروط أربعة ، منها أن يكون ذلك في يوم عرفة .
الثانية : يجوز جمع المغرب والعشاء في وقت العشاء جمع تأخير بشرطين : أن يكون ذلك بالمزدلفة ، وأن يكون محرماً بالحج ، وكل صلاتين لا يؤذن لهما إلا أذان واحد ، وان كان لكل منهما إقامة واحدة .
وأمّا الحنابلة ، قالوا بجواز الجمع المذكور تقديماً وتأخيراً فانه مباح ولكن تركه أفضل ، واباحة الجمع عندهم لا بد أن يكون بأحد الاعذار التالية كأن يكون المصلي مسافراً أو مريضاً تلحقه مشقة بترك الجمع ، أو امرأة مرضعة أو مستحاضة وللعاجز عن الطهارة بالماء أو التيمم لكل صلاة ، وللعاجز عن معرفة الوقت كالاَعمى والساكن تحت الاَرض ، ولمن خاف على نفسه أو ماله أو عرضه ، ولمن خاف ضرر يلحقه بتركه في معيشته ، وفي ذلك سعة للعمال الذين يستحيل عليهم ترك أعمالهم . راجع : كتاب الفقه على المذاهب الاَربعة للجزيري : ج 1 ص 483 ـ 487 .
(2) راجع : وسائل الشيعة للحر العاملي : ج 3 ص 160 ، (ب 32 من أبواب المواقيت) .
(3) صحيح البخاري : ج 1 ص 143 (ب تأخير الظهر إلى العصر) و ج 2 ص 57 ، (ب الجمع في السفر بين المغرب والعشاء) و ص 199 (ب الجمع بين الصلاتين بعرفة).
(4) صحيح مسلم : ج 1 ص 489 ، (ب 6 الجمع بين الصلاتين في الحضر) .
(5) سورة النساء : الآية 103 .
(6) مسند أحمد بن حنبل ج 1 ص 221 .
(7) موطاً الإمام مالك : ج1 ص144 ح 4 .
(8) صحيح مسلم ج1 ص489 ح 49 (705) (باب الجمع بين الصلاتين في الحضر) ح 49.
(9) صحيح مسلم ج1 ص491 ح 54 (705).
(10) صحيح مسلم ج1 ص491 ح 57 (باب الجمع بين الصلاتين في الحضر) .
(11) صحيح مسلم : ج 1 ص 492 ح 58 ، (باب الجمع بين الصلاتين) .
(12) صحيح البخاري : ج1 ص147 (باب وقت المغرب).
(13) صحيح البخاري ج1 ص144 ـ 145 (باب وقتُ العصر).
(14) سورة النساء : الآية 103 .
(15) مع الصادقين للتيجاني : ص 210 ـ 215 .

مناظرة الحلي مع علماء المذاهب الاربعة



يقال : إنّ الشاه خدابنده غضب يوماً على امرأته فقال لها : أنت طالق ثلاثاً ، ثمّ ندم وجمع العلماء.
فقالوا : لابدّ من المحلّل.
فقال : عندكم في كلِّ مسألة أقاويل مختلفة أو ليس لكم هنا اختلاف ؟
فقالوا : لا.
فقال أحد وزرائه : إنّ عالماً بالحلّة وهو يقول ببطلان هذا الطلاق.
فبعث كتابه إلى العلاّمة ، وأحضره ، فلمّا بعث إليه.
قال علماء العامّة : إنّ له مذهباً باطلاً ، ولا عقل للروافض (3) ، ولا يليق بالملك أن يبعث إلى طلب رجل خفيف العقل.
قال الملك : حتّى يحضر.
فلمّا حضر العلاّمة بعث الملك إلى جميع علماء المذاهب الاربعة ، وجمعهم.
فلمّا دخل العلاّمة أخذ نعليه بيده ، ودخل المجلس ، وقال : السلام عليكم ، وجلس عند الملك.
فقالوا للملك : ألم نقل لك إنّهم ضعفاء العقول.
قال الملك : اسألوا عنه في كلِّ ما فعل.
فقالوا له : لم ما سجدت للملك وتركت الاداب ؟
فقال : إنَّ رسول الله ـ صلّى الله عليه وآله وسلّم ـ كان ملكاً وكان يسلم عليه ، وقال الله تعالى : ( فإذا دخلتم بيوتاً فسلّموا على أنفُسِكم تحيّةً من عنِد الله مباركةً ) (4) ، ولا خلاف بيننا وبينكم أنّه لا يجوز السجود لغير الله.
ثمّ قال له : لم جلست عند الملك ؟
قال : لم يكن مكان غيره ، وكلّما يقوله العلاّمة بالعربي كان المترجم يترجم للملك.
قالوا له : لايّ شيء أخذت نعلك معك ، وهذا ممّا لا يليق بعاقل بل إنسان ؟
قال : خفت أن يسرقه الحنفيّة كما سرق أبو حنيفة نعل رسول الله !!
فصاحت الحنفيّة : حاشا وكلاّ ، متى كان أبو حنيفة في زمان رسول الله ـ صلّى الله عليه وآله ـ بل كان تولّده بعد المأة من وفاته ـ صلّى الله عليه وآله وسلم ـ.
فقال : فنسيت فلعلّه كان السارق الشافعي !!
فصاحت الشافعيّة كذلك ، وقالوا : كان تولّد الشافعي في يوم وفاة أبي حنيفة ، وكانت نشوءه في المأتين من وفاة رسول الله ـ صلّى الله عليه وآله وسلم ـ.
وقال : لعلّه كان مالك !!
فصاحت المالكية كالاوّلين.
فقال : لعلّه كان أحمد ففعلت الحنبليّة كذلك.
فأقبل العلاّمة إلى الملك ، وقال : أيّها الملك علمت أنّ رؤساء المذاهب الاربعة لم يكن أحدهم في زمن رسول الله ـ صلّى الله عليه وآله وسلّم ـ ولا الصحابة ، فهذا أحد بدعهم أنّهم اختاروا من مجتهديهم هذه الاربعة ، ولو كان فيهم من كان أفضل منهم بمراتب لا يجوّزون أن يجتهد بخلاف ما أفتى واحد منهم.
فقال الملك : ما كان واحد منهم في زمان رسول الله ـ صلّى الله عليه وآله وسلّم ـ والصحابة ؟!
فقال الجميع : لا.
فقال العلاّمة : ونحن معاشر الشيعة تابعون لامير المؤمنين ـ عليه السلام ـ نفس رسول الله ـ صلّى الله عليه وآله وسلّم ـ وأخيه وابن عمّه ووصيّه ، وعلى أيّ حال فالطلاق الذي أوقعه الملك باطل لأنّة لم يتحقّق شروطه ، ومنها العدلان فهل قال الملك بمحضرهما ؟
قال : لا.
ثمّ شرع في البحث مع العلمأ حتّى ألزمهم جميعاً ، فتشيّع الملك ، وبعث إلى البلاد والاقاليم حتّى يخطبوا بالائمّة الاثني عشر ـ عليهم السلام ـ ، ويضربوا السكك على أسمائهم وينقشوها على أطراف المساجد والمشاهد منهم (5).
ومن لطائفه أنّه بعد إتمام المناظرة وبيان احقيّة مذهب الاماميّة الاثنى عشريّة ، خطب الشيخ ـ قدس الله لطيفه ـ خطبة بليغة مشتملة على حمد الله والصلاة على رسوله ـ صلى الله عليه وآله وسلّم ـ والائمة ـ عليهم السلام ـ فلمّا استمع ذلك السيّد الموصلي الذي هو من جملة المسكوتين بالمناظرة.
قال : مالدليل على جواز توجيه الصلاة على غير الانبياء ـ عليهم السلام ـ ؟
فقرأ الشيخ في جوابه ـ بلا انقطاع الكلام ـ : ( الذين إذا أصابتهم مصيبة قالوا إنّا لله وإنّا إليه راجعون ، أولئك عليهم صلوات من ربّهم ورحمةٌ وأولئك هم المهتدون ) (6).
فقال الموصلي على طريق المكابرة : ماالمصيبة الّتي أصاب آله حتّى أنّهم يستوجبون لها الصلاة ؟
فقال الشيخ ـ رحمه الله ـ : من أشنع المصائب وأشدّها أن حصل من ذراريهم مثلك الّذي يرجّح المنافقين الجهال المستوجبين اللعنة والنكال على آل رسول الملك المتعال.
فاستضحك الحاضرون ، وتعجّبوا من بداهة جواب آية الله في العالمين ، وقد انشد بعض الشعرأ :

إذا العلوي تابع ناصبيّــاً * بمذهبه فما هـو من أبيــه
وكان الكلب خيراً منه حقّاً * لانّ الكلب طبع أبيه فيـه (7)


____________
(1) هو : أبو منصور الحسن بن الشيخ الفقيه النبيه سديد الدين يوسف بن علي بن المطهر الحلي المشهور بالعلامة ، له أكثر من تسعين كتاباً في مختلف العلوم الاسلامية ، من أشهرها : مختلف الشيعة ، المنتهى ، نهج الحق وكشف الصدق ، منهاج الكرامة ، الالفين ، وهو ابن أخت المحقق الحلي حيث اهتم بتربيته وتدريسه ، بالاضافة إلى ذلك فقد تتلمذ العلاّمة على أيدي أساطين العلمأ منهم : والده ، والسيدين جمال الدين أحمد ، ورضي الدين علي ابني طاووس ، والشيخ ميثم بن علي البحراني وغيرهم الكثير ، توفي ليلة السبت الحادي والعشرين من شهر محرم الحرام سنة ست وعشرين وسبعمائة ، حيث قد ولد لاحدى عشرة ليلة خلون أو بقين من شهر رمضان المبارك عام ثمانية وأربعين وستمائة في مدينة الحلة في العراق ، ونقل نعشه الشريف إلى جوار أمير المؤمنين ـ عليه السلام ـ ودفن هناك. راجع : روضات الجنات ج2 ص269 رقم : 198.
(2) محمد بن أرغون بن أبغا بن هلاكو بن تولى بن جنكزخان المغولي ، السلطان غياث الدين المعروف بخدابند ومعناه بالعربية عبد
الله ، ملك العراق وخراسان وآذربيجان ، ولد سنة نيف وسبعين وستمائة ، كان على مذهب العامة فتشيع وكان يحب العمارة أنشأ مدينة جديد بأذربيجان سماها السلطانية توفي سنة 716. راجع : الدرر الكامنة لابن حجر العسقلاني ج3 ص378 ترجمة رقم : 1003.
(3) الرافضة : اسم أطلقه خصوم ومبغضوا الشيعة عليهم وذلك للاستهانة بهم وتحقيرهم وسبب ذلك كله هو أنهم والوا علياً وأهل بيته واعتقدوا بإمامتهم ـ عليهم السلام ـ لما ثبت عندهم بالادلة القطعية الصارمة من خلافتهم وإمامتهم ووجوب التمسك بهم ـ عليهم السلام ـ ، وهل من يوالي علياً وأهل بيته ويتمسك بهم يعتبر رافضياً ؟ إذا كان كذلك فهذا نعم الاسم فنحن رفضنا غير أولياء الله وغير خلفائه ، وأخذنا بأقوالهم وتركنا أقوال غيرهم واتبعناهم ولم نتبع غيرهم.
فهذا كل ما في المسألة فالذي يتبعهم ويروي أخبارهم ويذكر مناقبهم وفضائلهم يعتبر رافضياً ، يقول الربيع بن سلمان : قلت للشافعي : إن ههنا قوماً لا يصبرون على سماع فضيلة لاهل البيت فإذا أراد أحد أن يذكرها يقولون : هذا رافضي !! قال : فأنشأ الشافعي يقول :

إذا في مجلس ذكروا عليــاً * وسبطيـه وفاطمة الزكيّــة
فأجرى بعضهم ذكرى سواهم * ‌فأيقـن أنــه سلقلقـيّــه
إذا ذكـروا عليـاً أو بنيــه * ‌تشاغل بالروايـات العليــة
وقال : تجاوزوا يا قوم هـذا * فهذا من حديث الرافضيــة
برأت إلى المهيمن من أنـاس‌ * ‌يرون الرفض حب الفاطمية
على آل الرسول صلاة ربـي * ‌ولعنتــه لتلك الجاهليــة


فرائد السمطين ج1 ص135 ح98.
وقال ايضاً :

قالوا ترفضت ؟ قلت : كلا * ما الرفض ديني ولا اعتقادي
لكن تولَّيـت غيـر شــك * ‌خير إمام وخيــر هــادي
إن كان حب الولـي رفضاً * فإننــي أرفض العـبــاد


فرائد السمطين ج1 ص423.
وقال أيضاً :

يا راكباً قف ‌بالمحصّب من‌ منى * ‌واهتف بقاعد خيفها والناهـض
سحراً إذا فاض‌ الحجيج إلى ‌منى * ‌فيضاً كملتطم الفرات الفائـض
إني أحب بني النبي المصطـفى‌ * وأعده من واجبـات فرائضـي
لو كان رفضاً حب آل محمـدٍ * فليشهد الثقلان إنـي رافضـي


فرائد السمطين ج1 ص423 ـ 424.
وبعد هذا كله تعرف أن السبب في التسمية يكمن في اتباع الشيعة لاهل البيت ـ عليهم السلام ـ الذين قال النبي ـ صلى الله عليه وآله وسلم ـ عنهم : « أهل بيتي كسفينة نوح من ركبها نجا ومن تخلف عنها غرق وهوى » وقال أيضاً : « أوصيكم بالثقلين كتاب الله وعترتي أهل بيتي لن تضلوا ما إن تمسكتم بهما » ولهذه الادلة وغيرها تمسكنا بهم واتبعناهم فأطلقوا علينا هذا الاسم.
وقد جاء في المحاسن عن أبي بصير قال : قلت لابي جعفر ـ عليه السلام ـ جعلت فداك اسم سمينا به استحلت به الولاة دماءنا وأموالنا وعذابنا ، قال : وما هو ؟ قلت : الرافضة ، فقال أبو جعفر ـ عليه السلام ـ : إن سبعين رجلاً من عسكر فرعون رفضوا فرعون فأتوا موسى ـ عليه السلام ـ فلم يكن في قوم موسى أحدٌ أشد اجتهاداً وأشد حباً لهارون منهم فسمَّاهم قوم موسى الرافضة فأوحى الله تعالى إلى موسى ـ عليه السلام ـ أن أثبت لهم هذا الاسم في التواراة فإني نحلتهم وذلك اسم قد نحلكموه الله. سفينة البحار ج3 ص384.
ولكن يأبى الله عز وجل إلا أن يجعل علياً ـ عليه السلام ـ شبيهاً لهارون حتى في شيعته ومحبيه ألم يقل سيد البشر ـ صلّى الله عليه وآله وسلّم ـ : « أنت مني بمنزلة هارون من موسى إلا أنه لا نبي بعدي » ؟ فكل خصال هارون ـ عليه السلام ـ ثابتة لعلي ـ عليه السلام ـ إلا النبوة.
(4) سورة النور : الاية 61.
(5) روضات الجنات للخونساري : ج2 ص279.
(6) سورة البقرة : الاية 156 و157.
(7) روضات الجنات : ج2 ص284.

مناظرة فاطمة مع ابي بكر



قال أبو زيد عمر بن شبّه النميري البصري (المتوفّى سنة 262 هـ ) في كتابه تأريخ المدينة المنوّرة : حدّثنا سويد بن سعيد ، والحسن بن عثمان ، قالا : حدّثنا الوليد بن محمد ، عن الزهري ، عن عروة ، عن عائشة : أن فاطمة عليها السلام بنت رسول الله صلى الله عليه وآله أرسلت إلى أبي بكر تسأله ميراثها من رسول الله صلى اللهالله على رسول الله صلى الله عليه وآله ، وفاطمة عليها السلام حينئذٍ تطلب صدقة النبيّ صلى الله عليه وآله بالمدينة وفدك وما بقي من خمس خيبر .
فقال أبو بكر : إنّ رسول الله صلى الله عليه وآله قال : لا نورث ، ما تركناه صدقة (1) إنما يأكل آل محمد في هذا المال ، وإني لا أغير شيئاً من صدقة رسول الله صلى الله عليه وآله عن حالها التي كانت عليها في عهد رسول الله صلى الله عليه وآله ولاَعملنّ فيها بما عمل رسول الله صلى الله عليه وآله ، فأبى أبو بكر أن يدفع إلى فاطمة عليها السلام منها شيئاً .
فوجدت فاطمة عليها السلام على أبي بكر في ذلك ، فهجرته ، فلم تكلّمه حتى توفيت ، وعاشت بعد رسول الله صلى الله عليه وآله ستّة أشهر ، فلمّا توفيت دفنها زوجها علي عليه السلام ليلاً ، ولم يؤذن بها أبا بكر ، وصلّى عليها عليّ عليه السلام. (2) وفي رواية ، إنّها عليها السلام قالت له : يا أبا بكر أترثك بناتك ، ولا ترث رسول اللهالله عليه وآله بناتُه ؟
فقال لها : هو ذاك .
وفي اُخرى ، إنّها عليها السلام قالت له : من يرثك إذا مُتَّ ؟
قال : ولدي وأهلي .
قالت : فما لك ترث رسول الله صلى الله عليه وآله دوننا ؟
قال : يا بنت رسول الله ! ما ورِثتُ أباكِ داراً ولا مالاً ولا ذهباً ولا فضة .
قالت : بلى ، سهم الله الذي جعله لنا ، وصافيتنا التي بفدك .
فقال أبو بكر : سمعت النبي صلى الله عليه وآله يقول : إنّما هي طُعمة أطعمنا الله ، فإذا متُ كانت بين المسلمين .
وفي رابعة ، إنّها قالت عليها السلام : إنّ رسول الله صلى الله عليه وآله أعطاني فدك .
فقال لها : هل لك على هذا بيّنة ؟
فجاءت بعليّ عليه السلام فشهد لها ، ثمّ جاءت بأمّ أيمن فقالت : أليس تشهد أنّي من أهل الجنّة ؟
قال : بلى .
قالت : فأشهد أنّ النبيّ صلى الله عليه وآله أعطاها فَدك .
فقال أبو بكر : فبرجل وامرأة تستحقينها أو تستحقين بها القضية. (3) وفي رواية خامسة ـ كما عن أبي جعفر (الباقر) عليه السلام قال : قال عليّ عليه السلام لفاطمة عليها السلام : انطلقي فاطلبي ميراثك من أبيك رسول الله صلى الله عليه وآله ، فجاءت إلى أبي بكر، فقالت : أعطني ميراثي من أبي رسول الله صلى الله عليه وآله ؟
(قال) : قال : النبي صلى الله عليه وآله لا يورث .
فقالت : ألم يرث سليمان داود ؟
فغضب وقال : النبي صلى الله عليه وآله لا يورث .
فقالت عليها السلام : ألم يقل زكريا : ( فهب لي من لدنك ولياً يرثني ويرث من آل يعقوب ) (4) .
فقال : النبي صلى الله عليه وآله لا يورث .
فقالت عليها السلام : ألم يقل : ( يوصيكم الله في أولادكم للذكر مثل حظّ الاَنثيين ) (5) .
فقال : النبي لا يورث . (6) وفي رواية سليم بن قيس عن ابن عياش في حديث له … قال : ثم إن فاطمة عليها السلام بلغها أن أبا بكر قبض فدكاً فخرجت في نساء بني هاشم حتى دخلت على أبي بكر ، فقالت : يا أبا بكر تريد أن تأخذ مني أرضاً جعلها لي رسول الله صلى الله عليه وآله وتصدق بها عليَّ من الوجيف الذي لم يُوجف المسلمون عليه بخيل ولا ركاب ؟
أما كان قال رسول الله صلى الله عليه وآله : المرءُ يُحفظ في ولده ؟ وقد علمت أنه صلى الله عليه وآله لم يترك لولده شيئاً غيرها ؟ !
فلما سمع أبو بكر مقالتها والنسوة معها دعى بدواة ليكتب به لها ، فدخل عمر ، فقال : يا خليفة رسول الله صلى الله عليه وآله لا تكتب لها حتى تقيم البينة بما تدعي ؟!
فقالت فاطمة عليها السلام : نعم ، أُقيم البينة .
قال : من ؟
قالت : علي وأم أيمن .
فقال عمر : ولا تقبل شهادة امرأة أعجمية لا تُفصح ، وأما علي فيجر النار إلى قرصه ؟!
فرجعت فاطمة عليها السلام وقد دخلها من الغيظ ما لا يوصف (7) .
وفي رواية الثقفي قال : جاءت فاطمة عليها السلام إلى أبي بكر فقالت : إن أبي أعطاني فدك ، وعلي يشهد لي وأم أيمن .
قال : ما كنت لتقولين على أبيك إلاّ الحق، قد أعطيتكها، ودعى بصحيفة من أدم فكتب لها فيها .
فخرجت فلقيت عمر ، فقال : من أين جئت يا فاطمة ؟
قالت : جئت من عند أبي بكر ، أخبرته أن رسول الله صلى الله عليه وآله أعطاني فدك وأن علياً وأم أيمن يشهدان لي بذلك فأعطانيها وكتب بها لي ، فأخذ عمر منها الكتاب ، ثمّ رجع إلى أبي بكر فقال : أعطيت فاطمة فدك وكتبت بها لها ؟
قال : نعم .
فقال : إن علياً يجر إلى نفسه وأم أيمن امرأة !! وبصق في الكتاب فمحاه وخرقه (8) .
وفي رواية ابن طيفور (المتوفى سنة 380 هـ ) قال : وحدّثني عبدالله بن أحمد العبدي عن الحسين بن علوان عن عطية العوفي انّه سمع أبا بكر يومئذٍ يقول لفاطمة عليها السلام : يا ابنة رسول الله لقد كان صلّى الله عليه وآله وسلّم بالمؤمنين رؤفاً رحيماً وعلى الكافرين عذاباً أليماً ، وإذا عزوناه كان أباك دون النساء ، وأخا ابن عمّك دون الرجال ، أثره على كل حميم ، وساعده على الاَمر العظيم ، لا يحبّكم إلاّ العظيم السعادة ، ولا يبغضكم إلاّ الردي الولادة ، وأنتم عترة الله الطيبون ، وخيرة الله المنتجبون على الاَخرة أدلتنا ، وباب الجنة لسالكنا .
وأمّا منعك ما سألت فلا ذلك لي ؟! وأمّا فدك وما جعل لك أبوك ، فإنّ منعتكِ فأنا ظالم !
وأمّا الميراث فقد تعلمين انّه صلّى الله عليه وآله قال : لا نورث ما أبقيناه صدقة ؟
قالت عليها السلام : إنّ الله يقول عن نبي من أنبيائه : ( يرثُني ويرثُ من آلِ يعقوب ) (9) وقال : ( وورثَ سليمانُ داودَ ) (10) فهذان نبيّان ؟ وقد علمت أنّ النبوّة لا تُورَّث ، وإنّما يورث ما دونها ؟!
فمالي أمنع ارث أبي ؟ أأنزل الله في الكتاب إلاّ فاطمة بنت محمد صلى الله عليه وآله، فتدلّني عليه !
قفال : يا بنت رسول الله صلى الله عليه وآله أنت عينُ الحجّة ، ومنطق الرسالة ، لا يدَ لي بجوابك ولا أدفعك عن صوابك ! .. (11)
عليه وآله ممّا أفاء صلى
وذكر ابن قتيبة خبر دخول الشيخين على فاطمة عليها السلام وذلك بعد تفاقم الاَمر، قال : فقال عمر لاَبي بكر : انطلق بنا إلى فاطمة عليها السلام فإنّا قد أغضبناها ، فانطلقا جميعاً ، فاستأذنا على فاطمة عليها السلام فلم تأذن لهما ، فأتيا عليّاً عليه السلام فكلّماه ، فأدخلهما عليها ، فلما قعدا عندها ، حوّلت وجهها إلى الحائط ! فسلّما عليها فلم ترد عليهما السلام.
فتكلّم أبو بكر فقال : يا حبيبة رسول الله ، والله إنَّ قرابة رسول الله أحبّ إليَّ من قرابتي ، وإنّكِ لاَحبّ إليَّ من عائشة ابنتي ، ولوددت يوم مات أبوك أني مت ، ولا أبقى بعده ، أفتراني أعرفك وأعرف فضلك وشرفك وأمنعك حقّك وميراثك من رسول الله صلى الله عليه وآله ، إلاّ أنّي سمعت أباكِ رسول الله صلى الله عليه وآله يقول : لا نورث ، ما تركناه فهو صدقة .
فقالت : أرايتكما إن حدّثتكما حديثاً عن رسول الله صلى الله عليه وآله تعرفانه وتفعلان به؟
قالا : نعم .
فقالت : نشدتكما الله ألم تسمعا رسول الله صلى الله عليه وآله يقول : رضا فاطمة من رضاي ، وسخط فاطمة من سخطي ، فمن أحب فاطمة ابنتي فقد أحبّني ، ومن أرض فاطمة فقد أرضاني ، ومن أسخط فاطمة فقد أسخطني .
قالا : نعم ، سمعناه من رسول الله صلى الله عليه وآله .
قالت : فإنّي أُشهد الله وملائكته أنّكما أسخطتماني ، وما أرضيتماني ، ولئن لقيت النبي صلى الله عليه وآله لاَشكونكما إليه .
فقال أبو بكر : أنا عائذ بالله تعالى من سخطه وسخطك يا فاطمة ، ثمّ انتحب أبو بكر يبكي ، حتى كادت نفسه أن تزهق ، وهي تقول : والله ، لاَدعون الله عليك في كلّ صلاة أصليها .
ثمّ خرج باكياً فاجتمع إليه الناس ، فقال لهم : يبيت كلّ رجل منكم معانقاً حليلته ، مسروراً بأهله ، وتركتموني وما أنا فيه ، لا حاجة لي في بيعتكم ، أقيلوني بيعتي…
قال : فلم يبايع علي كرّم الله وجهه حتى ماتت فاطمة عليها السلام ، ولم تمكث بعد أبيها إلاّ خمساً وسبعين ليلة. (12)

____________
(1) راجع : زاد المسير لابن الجوزي : ج 5 ص 209 ، صحيح البخاري : ج 5 ص 114 ـ 115 ، البداية والنهاية لابن كثير : ج 5 ص 285 و 290 ، اللآلىء المصنوعة للسيوطي : ج 2 ص 442 ، الرياض النضرة للطبري : ج 1 ص 190 ـ 192 ، فتح الباري لابن حجر : ج 12 ص 6 ـ 7 عليه السلام .
(2) وممّن ذكر هذا الخبر أيضاً : السمهودي في وفاء الوفاء : ج 3 ص 995 ، السقيفة وفدك ، لاَبي بكر الجوهري : ص 105 (وقد روى الخبر عن أبي زيد عمر بن شبّه راوي الحديث) وعنه أيضاً شرح نهج البلاغة لابن أبي الحديد : ج 16 ص 217 ، كشف الغمّة للاَربلي : ج1 ص477.
(3) تاريخ المدينة المنورة لابن شبّه : ج 1 ص 196 ـ 200 ، وفاء الوفاء للسمهودي : ج 3 ص 999 ـ 1001 ، السقيفة وفدك لاَبي بكر الجوهري : ص 105 و 107 (وقد رواه أيضاً عن أبي زيد راوي الحديث) وعنه أيضاً شرح نهج البلاغة لابن أبي الحديد : ج 16 ص 219 ، فتوح البلدان للبلاذري : ص 44 ـ 45 .
(4) سورة مريم : الآية 5 .
(5)
سورة النساء : الآية 11 .
(6) كشف الغمّة في معرفة الاَئمّة : ج 1 ص 478 .
(7) بحار الاَنوار : ج 28 ص 302 ـ 303 ح 48 وج 43 ص 198 ح 29 .
(8) تلخيص الشافي للطوسي : ج 3 ص 124 ـ 125 ، شرح نهج البلاغة لابن أبي الحديد : ج16 ص 274 .
(9) سورة مريم : الآية 5 .
(10) سورة النمل : الآية 16 .
(11) بلاغات النساء لابن طيفور : ص 18 ـ 19 ، أعلام النساء لكحالة : ج 4 ص 118 ـ 119 .
(12) الاِمامة والسياسة لابن قتيبة : ج 1 ص 20 ، أعلام النساء لكحالة : ج 4 ص 123 ـ 124، وقد ذكر نتفاً ومقاطع من هذه المناظرات التي جرت بين فاطمة الزهراء عليها السلام والخليفة كلٌ من : الذهبي في تاريخ الاِسلام : ج 3 ص 23 ـ 24 ، والحموي في معجم البلدان : ج 4 ص 239 (عند ذكره فدكاً) وكحالة في أعلام النساء : ج 4 ص 124 ، وابن أبي الحديد في شرح نهج البلاغة : ج 16 ص 214 ـ 220 وص 230 و 232.

مناظرة عائشة وحفصة مع عثمان

قال ابن شاذان في الاِيضاح : وروى شريك بن عبدالله في حديث رفعه : إنّ عائشة وحفصة أتتا عثمان حين نقّصَ أمهات المؤمنين ما كان يعطيهنّ عمر ، فسألتاه أن يعطيهما ما فرض لهما عمر !
فقال : لا والله ما ذاك لكما عندي .
فقالتا له : فأتنا ميراثنا من رسول الله صلى الله عليه وآله من حيطانه (1)؟
وكان عثمان متكئاً ، فجلس ، وكان عليّ بن أبي طالب عليه السلام جالساً عنده ، فقال : ستعلم فاطمة عليها السلام أنّي ابن عمّ لها اليوم ، ثمّ قال : ألستما اللّتين شهدتما عند أبي بكر ، ولفقتما معكما أعرابيّاً يتطهر ببوله ، مالك بن الحويرث بن الحدثان (2) ، فشهدتم أنّ النبي صلى الله عليه وآله قال : إنّا معاشر الاَنبياء لا نورّث ، ما تركناه صدقة (3) ، (حتى منعتما فاطمة ميراثها ، وأبطلتما حقّها ، فكيف تطلبن اليوم ميراثاً من النبي صلى الله عليه وآله ) ؟!
فإن كنتما شهدتما بحق فقد أجزت شهادتكما على أنفسكما ، وإن كنتما شهدتما بباطل ، فعلى من شهد بالباطل لعنه الله والملائكة والناس أجمعين .
فقالتا : يا نعثل (4)، والله لقد شبّهك رسول الله صلى الله عليه وآله بنعثل اليهودي !!
فقال لهما : ( ضَرَبَ اللهُ مَثلاً للذينَ كفرُوا امرأةَ نوحٍ وامرأةَ لوط ) (5) فخرجتا من عنده … (6)
____________
(1) وليست هذه المطالبة الاَولى لهن بميراثهن من رسول الله صلى الله عليه وآله بل سبق وأن طالبن بميراثهن في زمن الخليفة الاَول ، وممن روى ذلك : أبو زيد البصري (ت 262 هـ ) في كتابه تاريخ المدينة المنورة : ج 1 ص 205 ، وابن أبي الحديد في شرح نهج البلاغة : ج 16 ص 210، عن كتاب السقيفة وفدك لاَبي بكر أحمد بن عبد العزيز الجوهري ، قال : قال أبو بكر ـ بسنده ـ عن عائشة أن أزواج النبيّ صلى الله عليه وآله أردن لمّا توفي أن يبعثن عثمان بن عفان إلى أبي بكر يسألنه ميراثهنّ ـ أو قال : ثُمنهنّ ـ قالت : فقلت لهنّ : أليس قد قال النبيّ صلى اللهالله عليه وآله عثمان بن عفان إلى أبي بكر يسألُ لهن ميراثهن من رسول الله صلى الله عليه وآله ممّا أفاء الله عليه …الخ .
وأيضاً رواه البخاري في صحيحه في (كتاب المغازي ب حديث بني النضير) ج 5 ص 115 .
أقول : والذي يظهر من هذه الاَخبار ، أن قبول عثمان للذهاب إلى الخليفة فى المطالبة بميراثهنّ ، وعدم ردعه لهن ، صريح في عدم تعويله وتصديقه للخبر المروي ، نحن معاشر الاَنبياء لا نورث ، وإلاّ لاحتج عليهن به ، ويكفيه عذراً في عدم الذهاب . إلاّ أن يقال لم يكن على دراية بالخبر ولم يعلم به بعد ، وذلك بعيد إذ من المقطوع به انّه كان مطلعاً بما جرى بين الخليفة والزهراء عليها السلام في مطالبتها بفدك ، واحتجاج الخليفة بهذا الحديث الذي تفرّد به ، وعلى رواية أخرى رواه معه مالك بن أوس بن الحدثان . كما نصّ على ذلك أيضاً ابن أبي الحديد في شرح النهج : ج 16 ص 245 .
(2) روي عن حنان بن سدير قال : سأل صدقة بن مسلم أبا عبدالله عليه السلام ـ وأنا عنده ـ فقال : من الشاهد على فاطمة عليها السلام بإنها لا ترث أباها فقال : شهدت عليها عائشة وحفصة ورجل من العرب ، يقال له : أوس بن الحدثان ، من بني النضير ، شهدوا عند أبي بكر بأنّ رسول الله صلى الله عليه وآله ، قال : لا أروث ، فمنعوا فاطمة عليها السلام ميراثها من أبيها صلى الله عليه وآله ، عن قرب الاِسناد للحميري: ص 99 ح 335 ، وعنه بحار الاَنوار : ج 22 ص 101 ح 59 .
(3) تقدّمت تخريجاته .
(4) فقد روى المؤرخون أنّ عائشة كانت من أشدّ الناس على عثمان ، وكانت تسميه نعثلاً . راجع في ذلك : شرح نهج البلاغة لابن أبي الحديد : ج 6 ص 215 ـ 217 ، تاريخ الاَمم والملوك للطبري : ج 4 ص 459 ، الكامل في التاريخ لابن الاَثير : ج 3 ص 206 .
(5) سورة التحريم : الآية 10 .
(6) الاِيضاح لابن شاذان : ص 139 ـ 142 ، الاَمالي للشيخ المفيد : ص 125 م 15 ح 3 ، كشف الغمّة في معرفة الاَئمّة للاَربلي : ج 1 ص 478 ـ 479 .
عليه وآله : لا نورث، ما تركناه صدقة . ومثله أيضاً في ص 223 ، عن عائشة قالت : أرسل أزواج النبي صلى

مناظرة عمر بن عبد العزيز حول حق فاطمة في فدك



روي انّه لمّا ردّ عمر بن عبد العزيز (1) فدكاً على ولد فاطمة عليها السلام اجتمع عنده قريش ومشايخ أهل الشام من علماء السوء ، وقالوا له : نقمت على الرجلين فعلهما ، وطعنت عليهما ، ونسبتهما إلى الظلم والغصب ؟ !
فقال : قد صحّ عندي وعندكم ، إنّ فاطمة بنت رسول الله صلى الله عليه وآله ادّعت فدكاً ، وكانت في يدها ، وما كانت لتكذب على رسول الله صلى الله عليه وآله ، مع شهادة عليّ عليه السلام (2) وأم أيمن وأم سلمة ، وفاطمة عليها السلام عندي صادقة فيما تدّعي ، وإن لم تقم البينة، وهي سيدة نساء الجنّة ، فأنا اليوم أردّ على ورثتها ، وأتقرّب بذلك إلى رسول الله صلى الله عليه وآله .
وأرجو أن تكون فاطمة والحسن والحسين عليهم السلام يشفعون لي يوم القيامة ، ولو كنت بدل أبي بكر وادّعت فاطمة عليها السلام كنت أصدقها على دعوتها ، فسلّمها إلى الباقر عليه السلام (3) .
وذكر ابن أبي الحديد المعتزلي رواية اُخرى تناسب المقام في ردّ عمر بن عبد العزيز فدكاً ، وهي : قال : قال أبو المقدام ـ هشام ابن زياد مولى آل عثمان ـ : فنقمت بنو أميّة ذلك على عمر بن عبد العزيز ، وعاتبوه فيه ، وقالوا له : هجّنت فعل الشيخين ؟!
وخرج إليه عمر بن قيس في جماعة من أهل الكوفة ، فلما عاتبوه على فعله!!
قال : إنكم جهلتم وعلمتُ ، ونسيتُمْ وذكرتْ ، إن أبا بكر محمد بن عمرو بن حزم ، حدّثني عن أبيه ، عن جدّه أنّ رسول الله صلى الله عليه وآله قال : فاطمة بضعة منّي يسخطها ما يسخطني ، ويرضيني ما أرضاها (4) ، وإن فدك كانت صافية على عهد أبي بكر وعمر ، ثمّ صار أمرها إلى مروان ، فوهبها لعبد العزيز أبي ، فورثتها أنا وإخوتي عنه ، فسألتهم أن يبيعوني حصتهم منها ، فمن بائع وواهب حتى استُجمعتْ لي ، فرأيت أن أردّها على ولد فاطمة عليها السلام .
قالوا : فإن أبيت إلاّ هذا فامسك الاَصل ، واقسم الغلّة ، ففعل (5)،
____________
(1) هو : عمر بن عبد العزيز بن مروان بن الحكم بن أبي العاص بن اُميّة بن عبد شمس ، أبو حفص الاَموي القرشي ، وهو خير بني مروان ، يعرف بأشجع بني أميّة ضربته دابّة في وجهه، وكانت أمه أمّ عاصم بنت عاصم بن عمر بن الخطاب واسمها ليلى .
قال العلامة المامقاني : لا نشكر منه إلاّ رفعه السب عن أمير المؤمنين عليه السلام بعد ابتداع معاوية عليه لعائن الله تعالى ، ولذا قال السيّد الرضي رضي الله عنه :

يابن عبد العزيز لو بكت العين * فتى مـن أميــة لبــكيتك
أنت نزهتنـا عن السب والشتم * فلو أمكــن الجـزاء جزيتك
دير سمعــان لا أغبك غيثٌ * خير ميت من آل مروان ميتك

وقد روي في سبب رفعه سبّ أمير المؤمنين عليه السلام قال : كنت أحضر تحت منبر المدينة وأبي يخطب يوم الجمعة ، وهو حينئذٍ أمير المدينة ، فكنت أسمع أبي يمر في خطبه تهدر شقائقه ، حتى يأتي إلى لعن علي عليه السلام فيجمجمُ ، ويعرض له من الفهاهة والحصر ما الله عالم به ، فكنت أعجب من ذلك ، فقلت له يوماً : يا أبت ، أنت أفصح الناس وأخطبهم ، فما بالي أراك أفصح خطيب يوم حفلك ، حتى إذا مررت بلعن هذا الرجل ، صرت ألكن عييا ، فقال : يا بني ، إنّ من ترى تحت منبرنا من أهل الشام وغيرهم ، لو علموا من فضل هذا الرجل ما يعلمه أبوك لم يتبعنا أحد ، فوقرت كلمتهُ في صدري ، مع ما كان قاله لي معلمي أيام صغري، فأعطيت الله عهداً ، لئن كان لي في هذا الاَمر نصيب لاغيّرنّه ، فلما منّ الله عليّ بالخلافة اسقطت ذلك ، وجعلت مكانه : ( انّ الله يأمر بالعدل والاِحسان وإيتاء ذي القربى وينهى عن الفحشاء والمنكر والبغي يعظكم لعلّكم تذكرون ) وكتبت في الآفاق فصار سنّة ، توفّي بدير سمعان من أرض حمص يوم الجمعة لخمس ليال بقين من رجب سنة 101 هـ وكان له يوم توفّي احدى وأربعون سنة . وكانت خلافته سنتين وخمس ليال . راجع ترجمته في : تنقيح المقال للمامقاني : ج 2 ص 345 ترجمة رقم : 9016 ، شرح نهج البلاغة لابن أبي الحديد : ج 4 ص 58 ـ 60 ، سير أعلام النبلاء : ج 5 ص 114 .
(2) وهل تصح دعوى انّ فاطمة عليها السلام ادّعت ما ليس لها فيه حق ، وإنها لم تكن تعلم بأن الاَنبياء لا يورثون حتى أخبرها أبو بكر بذلك عن رسول الله صلى الله عليه وآله ، ولو افترضنا صحّة ذلك ، أفترى إنّ فاطمة عليها السلام لم تكن تعلم من الشريعة هذا المقدار ، هذا مع ملازمة النبي صلى الله عليه وآله لها ليلاً ونهاراً ، إذ كان يحوطها برعايته وعنايته ، فهل يا ترى تقنع بأنّه صلى الله عليه وآله يخبر الناس بذلك ، ويخفي على ابنته مع كونها أولى الناس بمعرفة هذا الاَمر لو كان صحيحاً ، فيكون النبي صلى الله عليه وآله ـ وحاشاه ـ قد ترك ما ينبغي فعله ، ولم يقل ما ينبغي قوله .
وثانياً : إنها ـ صلوات الله عليها ـ لو لم تكن على حقّ ، أفترى أمير المؤمنين عليه السلام وهو أعلم الناس بالشريعة وأقضاهم يوافقها على ما ادّعت ، ويشهد لها بذلك ، وقد قال فيه رسول الله صلى الله عليه وآله : علي مع الحق والحق مع علي ، ألا ترى أنّ ردّ شهادة هؤلاء طعناً فيهم وفي عصمتهم التي نصّ عليها القرآن في قوله تعالى : (إنّما يُريدُ اللهُ ليذهبَ عنكمُ الرجسَ أهلَ البيتِ ويطهّرَكُم تطهيراً) أفما كان من الاِنصاف منهم أن تصدق فيما ادّعت وهي ابنة نبيّهم صلى الله عليه وآله الوحيدة ، أفما كان من حقّ رسول الله عليهم عدم إيذائها وإسخاطها .
(3) بحار الاَنوار للمجلسي : ج 29 ص 209 ، سفينة البحار للقمّي : ج 2 ص 272 ، كشف الغمّة في معرفة الاَئمة للاَربلي : ج 1 ص 495 ، تاريخ الخلفاء للسيوطي : ص 231 ـ 232 ، السقيفة وفدك لاَبي بكر الجوهري : ص 145 ـ 146 .
(4) راجع : صحيح البخاري : ج 5 ص 26 و 36 ، السنن الكبرى للبيهقي : ج 7 عليه السلام ص 64 وج 10 ص 201 ، مستدرك الحاكم : ج 3 ص 158 ، كنز العمّال : ج 12 ص 108 ح 34222 و 34223 ، اتحاف السادة المتقين للزبيدي : ج 6 ص 244 وج 7 ص 281 ، فتح الباري لابن حجر : ج 7 ص 78 و 105 ، مشكاة المصابيح للتبريزي : ج 3 ص 1732 ح 6130 ، شرح السنة للبغوي: ج 14 ص 158 (نشر المكتب الاِسلامي)، فضائل الصحابة لاَحمد بن حنبل : ج 2 ص 755 ح 1324 ، شرح نهج البلاغة لابن أبي الحديد : ج 16 ص 273 .
(5) شرح نهج البلاغة لابن أبي الحديد : ج 16 ص 278 ، الشافي في الاِمامة للمرتضى : ج 4 ص 103 ـ 104 ، بحار الاَنوار للمجلسي : ج 29 ص 212 ـ 213 .

حول عدالة الصحابة

قال السيد علي البطحائي : ذهبت مع عدد من الاَصدقاء إلى الجامعة الاِسلامية بالمدينة المنورة وأهدينا لعلمائها عدةً من كتب الشيعة ، واتصلنا بعميد الجامعة الشيخ عبدالعزيز بن باز ثم بعد السلام وإهداء التحيات قال الشيخ: صحابة الرسول صلى الله عليه وآله كلهم عدول وجاهدوا في سبيل الله.
قلت: على ما تقول ، لا يبقى مورد لثلث القرآن ، لاَن الآيات الراجعة إلى المنافقين كثيرة، إن صحابة الرسول صلى الله عليه وآله مثل سائر الناس ، فيهم الطيب وغير الطيب والعادل والفاسق.
ثم ذهب الشيخ ، وجاء عدد من العلماء والمدرسين من الجامعة الاِسلامية للبحث والمناظرة، فسألت عن واحد منهم ـ إسمه الشيخ عبدالله ـ ما تقولون في هذه الرواية الواردة في صحيح البخاري في المجلد الاَول وفي المجلد التاسع عن ابن عباس لما اشتد بالنبي صلى الله عليه وآله وجعه ، قال : ائتوني بكتاب أكتب لكم كتاباً لاتضلوا بعده، قال عمر : ان النبي صلى الله عليه وآله غلبه الوجع ، وعندنا كتاب الله حسبنا ، وكثر اللغط فقال الرسول صلى الله عليه وآله : قوموا عني لا ينبغي عند نبي تنازع ، فخرج ابن عباس يقول : إن الرزية كل الرزية ما حال بين رسول الله وبين كتابته.(1)
قلت للعلماء: أي شيء يريد أن يكتب نبي الرحمة، وما معنى قول عمر : إن النبي صلى الله عليه وآله غلبه الوجع، هل معناه أن الرسول صلى الله عليه وآله ليست له مشاعر ولا يفهم شيئاً، وإذا كان كذلك ، هل تطيب نفس إنسان أن يقول في شخص الرسول الاَعظم الذي يقول القرآن في حقه: ( وما ينطق عن الهوى ، إن هو إلا وحي يوحى )(2)أنه غلبه الوجع وليست له مشاعر.
قال الشيخ عبد
الله ـ واحد من المدرّسين في الجامعة الاِسلامية ـ : أن معنى قول عمر أن الرسول صلى الله عليه وآله في شدة المرض لا تزاحموه حتى يصحو ويكتب الوصية.
قلت: هذا المعنى ينافي كلمة (فاختلفوا) في الرواية ، وكلمة (وكثر اللغط) وقول الرسول صلى الله عليه وآله : (قوموا عني ولا ينبغي عند نبي تنازع) ، لاَن الظاهر أنه وقع النزاع في محضر الرسول وإذا كان معنى قوله : إن النبي صلى الله عليه وآله في شدة المرض لاتزاحموه ما كان يقع التنازع والقيل والقال والاختلاف في محضر الرسول، وأيضاً فما معنى قول ابن عباس رضي الله عنه : ان الرزية كل الرزية ما حال بين رسول الله وبين كتابته ، وما معنى تأسف ابن عباس إلا من جهة حيلولة عمر بين الرسول والكتابة.
ثم قلت للشيخ عبدالله: أنا وأنت جئنا من لندن ؟! لا نعرف معاني اللغة العربية فلنذهب عند الحمالين والبقالين من أهل المدينة نسأل معنى الرواية منهم.
قال: بحمد الله أنت عالم ديني تعرف كل شيء، ثم قال لي: أنت أكملت إيمانك من أصول الكافي؟
قلت: أنا أكملت إيماني من صحيح البخاري من أمثال هذه الرواية، مضافاً إلى أن الرسول صلى الله عليه وآله طلب منهم الاِتيان بكتاب يكتب لهم ، لا أن الناس طلبوا منه صلى الله عليه وآله الكتابة(3) .
____________
(1) صحيح البخاري : ج 1 ص 39 (ك العلم ب كتابة العلم) وج 6 ص 11 ـ 12 (ك الغزوات ب مرض النبي صلى الله عليه وآله ) ج 7 ص 156 (ك المرض ب قول المريض قوموا عني) ، وج 9 ص137 (ك الاعتصام بالكتاب والسنّة ب كراهية الخلاف) .
(2) سورة النجم : الآية 3 ـ 4 .
(3) مناظرات في الحرمين للبطحائي : ص 22 ـ 24 .