لماذا كفر العراقيون بالعروبة ؟

لماذا كفر العراقيون بالعروبة ؟

 

حسن الخفاجي 

 

 ولدت عربيا , ولم أقف إلى جانب الشاعر الراحل محمد الماغوط حينما قال:( ما من جريمة  كاملة في هذا العصر سوى ان يولد الإنسان عربيا). درست العربية , وحفظت آيات من القران الكريم , وحفظت عن ظهر قلب تاريخ العرب والعروبة و(الشعر ديوان العرب). حفظت المعلقات قبل أن أحفظ أسماء مدن وطني وأسماء أقاربي , ورسمت وأنا معصوب العينيين خرائط البلدان العربية قبل أن اعرف ان تقع مدينة عفج مضرب الأمثال !.

 

حلمت بالوحدة العربية وبالوطن الكبير قبل أن احلم بسقف يقينا حر الصيف وبرد الشتاء ويجنبنا زيارات المؤجر كل شهر, لعنت (سايكس بيكو) وأخواتها  قبل ان العن (خرنكعية) الساسة في العراق على مر العصور , تفاخرت أمام الأغراب بانتمائي العربي — في كل سفراتي الخارجية  على الرغم من السمعة السيئة للعرب في الخارج —  قبل ان أتفاخر بانتمائي لبلد تنساب الحضارة مع هوائه ومائه وقبل ان أتفاخر بنسبي لمملكة ميسان عاصمة الماء. بعد كل هذا الماضي المجيد مع العروبة , انتبهت لحالة قد يجمع عليها اغلب العراقيين , وهي نفورهم الشديد من العروبة والعرب , فبحثت على الأسباب بشكل  موضوعي ومختصر فوجدت :

 

في تاريخنا الحديث , بعد احتلالنا من قبل قوات الانكليز في العام 1917, لم ننعم كغيرنا بالهدوء , إذ سرعان ما حيكت المؤامرات العربية  ليجلبوا لنا ملكا عربي غير عراقي  يحكمنا! بمساعدة من عراقيين أذلاء بعد مؤتمر عقدوه لهذا الغرض في القاهرة! .

 

كانت تلك أول طعنة من الخنجر العربي الذي استمر معلقا فوق رقابنا كسيف ديمكليس.

 

خلال فترة الحكم الملكي تدخل العرب كي يسن قانون الجنسية العراقية سيء الصيت, الذي قسم العراقيين إلى  قسمين , تبعية عثمانية وأخرى فارسية , في حين منح العرب وغير العرب الجنسية العراقية استناد إلى قانون سنه الملك غير العراقي  يقضي بان يصبح عراقيا من  كان مقيما في العراق قبل دخول الملك إلى العراق , وان كان مسافرا مر بالعراق (عابر سبيل) حتى وان كان من بقايا الجيش الانكشاري !.

 

بفعل تلك القرارات الجائرة نزعت العروبة هوية المواطنة العراقية من الكثير من العراقيين , ومنحت لغيرهم من العرب وغير العرب , واستمرت تبعات ذلك القانون إلى يومنا هذا , لم نجد مثل هذا القانون في كل بقاع الأرض !!.

 

بعد ثورة تموز 1958نزل العرب بكل ثقلهم وبشكل مفضوح من اجل إجهاض الثورة , كانت حركة الشواف في الموصل ثمرة للتدخل المصري الناصري , أرادوا إلحاق العراق كضيعة خلفية في حدائق مصر أو سوريا عبد الناصر, بعد حين تم لهم ما أرادوا , بعدما حسمت رشاشات بورسعيد المصرية معركة دفاع العراقيين عن ثورتهم وزعيمها الشهيد الخالد عبد الكريم قاسم , ومالت الكفة للمتآمرين المدعومين عربيا .

 

وقف البعث السوري بكل ثقله في العام 1963مع المتآمرين البعثيين , الذين ذبحوا العراقيين واستباحوا حرماتهم .

 

كانت الفترة الممتدة منذ عام 1964 لغاية انقلاب 1968 ومجيء البعث للسلطة فترة ذهبية  لمصر وعبد الناصر, على الرغم من حالات الشد والجذب بين عبد السلام عارف وعبد الناصر, لكن الجناح الناصري في الحكومة العراقية المدعوم من قبل السفير المصري في بغداد أمين هويدي – الذي كان بمثابة المندوب السامي البريطاني – كان هو المنتصر دائما وهو صاحب القرار . لقد كان العراق بحاجة ماسة للتنمية وللعملة الصعبة , وكانت مدن العراق خربات , لكن محافظ البنك المركزي العراقي آنذاك ناصري الهوى خير الدين حسيب , وقف مع مصر و عبد الناصر في (محنتهم المالية) وحول ملايين الدولارات إلى مصر , وتركت مدن العراق خربة , لم يطالب احد بتلك الأموال إلا حين تسلم عبد الرحمن البزاز رئاسة الوزارة .

 

رفع صدام وحكومته بعلاقته مع العرب كل المحذورات , فأصبح العربي الوافد في نظر حكومة البعث هو ابن البلد الأصلي المعزز المكرم , والعراقي نصيبه القتل في الحروب , أو الإعدامات , أو السجون , أو المنافي , ومن عاش في العراق من غير جوقة صدام , عاش جائعا ومرعوبا !.

 

ثمة مفارقة لم ينتبه إليها الكثير من العراقيين , كان العراقي المسافر للخارج لاياخذ معه أكثر من 50 دولار ,ومن وجد معه دولارات أكثر يسجن ويحقق معه , أما من وجد في بيته أو محله التجاري أكثر من إلف دولار , فمصيره الحبس وقطع اليد والإعدام في بعض الأحيان .في حين يتنعم العرب الوافدون إلى العراق في الدولارات ويحولون مبالغ كبيرة منها رسميا لبلدانهم , ويحملونها في جيوبهم دون خشية ,  حتى ان اقرب أصدقائي علّق عندما القي القبض على صدام قائلا: (الله يطيح حظك صدام لان خليتنه نخاف من الورقة أم المية دولار مثل ما أنخاف من الحية) !.

 

جامعات العراق وأسواقه ومدنه مفتوحة لاستقبال العرب أينما حلوا , في حين ان صدام  سن قانونا منع بموجبه امتلاك العراقيين للعقارات إلا في المحافظات التي ولدوا فيها, مستثنيا سكان تكريت على اعتبار إنها كانت ضمن بغداد في إحصاء عام 1975 .

 

ظل طلاب العراق يعانون كثيرا لعدم توفر فرص التعليم , ولمنافسة الطلاب العرب لهم  وهكذا كان سوق العمل  العراقي مكتظا بالعرب !.

من هرب من العراقيين من ظلم صدام , أغلقت اغلب بلدان العرب أبوابها بوجوههم,  ومن دخل بلدانهم استعبدوه . لقد صار الانتماء للعراق والجواز العراقي تهمة معيبة, فالعراقي متهم في مطاراتهم ومنافذهم الحدودية إلى أن يثبت العكس ,وهذا الأمر مستمر للان .

 

حروب صدام تمت بمباركة عربية , شعارها: الموت للعراقيين والفخر والشكر للعرب, وما تكريم صدام للملك حسين , والملك فهد , ولأمير الكويت, بأوسمة ونياشين ومدحه لحسني مبارك بعد نهاية حربه على إيران إلا اعترافا بالجميل .

 

عندما غزى صدام الكويت لم يستطيع العرب والعالم معاقبة صدام وقيادته وحزبه فعاقبوا العراقيين , عندما أتيحت لهم فرصة إسقاط نظامه بعد تحرير الكويت وقواتهم  لم تبعد سوى مرمى حجر عن بغداد لم يفعلوا ذلك , والأكثر غرابة  ان كل الطائرات التي دمرت العراق  في حروبه الأخيرة أقلعت من مطارات عربية , عندما حانت الفرصة للعراقيين لإسقاط صدام تحركت السعودية ومصر وبعض الدول العربية الأخرى ومنعت إسقاط صدام , وتمكنت من إجهاض انتفاضة العراقيين بمساعدة غربية .

 

بعد حرب الكويت ومرحلة الحصار جاع العراقيون بأوامر غربية , بتنفيذ ومباركة عربية .لم نر أجنبيا واحدا يقف على حدودنا ليمنع دخول البضائع للعراق , بل رأينا العرب وهم يحاصروننا ويفتشون بدقة متناهية كل البضائع الداخلة ألينا .خلال فترة الحصار, أكلنا وشربنا ولبسنا واستعملنا الأغذية والعصائر والألبسة والبضائع التركية و الإيرانية ولم نر البضائع العربية !.

 

كان المال العراقي مباحا للعرب , فاغتنى الفلسطينيون والأردنيون والمصريون من خيراتنا , ونحن نئن من الجوع ونفطنا مستباح للأردن !.

مشكلة العرب مع العراقيين ببعدها التاريخي لم تكن محصورة  بالتدخل العربي في الشأن العراقي الداخلي حسب ولا بمساندة أنظمة عربية لنظام قمع العراقيين , ولم تكن محصورة في قضية واحدة بل هي حصيلة مواقف سلبية مستمرة.  

 

الأنظمة العربية الصديقة لصدام , كانت تطارد المعارضين له وتضيق عليهم , أما الأنظمة المعادية لصدام فكانت تعاقب العراقيين وتمنعهم من الدخول لبلدانها !.

الموقف العربي الرسمي استطاع من خلال الإعلام ان يحرض ويحرك الشارع العربي ضد العراق والعراقيين  بلا ذنب ارتكبوه.

إذا حاولنا نسيان إساءة الأنظمة العربية , فان العراقيين لن ينسوا أبدا الجرح الغائر الذي أحدثته أغلبية النخب العربية في الجسد العراقي , هذه النخب التي استباحت أموال العراقيين , وساندت صدام في قمعه لنا , وقبضت النقود والكوبونات النفطية .

 

من  خلال المرابد الصدامية والشعر وطيلة فترة أعوام ثقال مرت علينا , سمعنا عن ألاف الأسماء لمثقفين وشعراء عرب , تربوا على موائد العراق كقطط سمان تكثر المواء لاهجة بمدح صدام , مثلهم فعل بعض الإعلاميين والفنانين , الذين برعوا في إلباس صدام رداء صلاح الدين الأيوبي , كفاتح للقدس ومحرر لفلسطين!!.

 

من ينسى الممثلة رغده , بزياراتها المتكررة لصدام مع فنانين آخرين في اشد أوقات نظامه عزله , مثلها فعل فريد شوقي وعادل إمام وعبد الله غيث ويحيى شاهين ومحمد صبحي ويونس شلبي ونرمين الفقي ويحيى الفخراني وسماح أنور وسميرة سعيد وأمينة فاخت وسيمون ونوال الزغبي , التي قبضت مليون دولار من عدي صدام عن حفلتين أقامتهما في بغداد  .

 

لكن العراقيين يتذكرون بفخر , رفض الفنانة الكبيرة فيروز الغناء على مسرح تعلوه صورة كبيرة للبكر , ولا ننسى أبدا وقفة  العز للشاعر الراحل نزار قباني في مهرجان المربد في العام 1985 , وهو يزمجر بقصيدته التي أذلت صدام ونظامه ,منع بعدها من دخول العراق , وشنت وسائل إعلام  صدام والإعلام العربي السائر في خط صدام حملة ظالمة ضده .القصيدة التي يقول في بعض أبياتها:

 

مسافرون نحن فى سفينة الأحزان

قائدنا مرتزق

وشيخنا قرصان

مكومون داخل الأقفاص كالجرذان

لا مرفأ يقبلنا

لا حانة تقبلنا

كل الجوازات التي نحملها

أصدرها الشيطان

كل الكتابات التي نكتبها

لا تعجب السلطان .

 

لم ننسى أبدا الشاعرة سعاد الصباح بنت الأسرة الحاكمة الكويتية , وهي تقف بين يدي صدام تقرأ له قصائد المديح والغزل دون حياء– سبق لي ان كتبت قصيدتها في مقال الكويت تحت البند الثامن -.  

أما مشكلة العرب مع العراق بعد الإطاحة بصدام فيعرفها الجميع , حيث شكل العرب العصابات الأولى التي تركت جيش أمريكا واختصت بقتل العراقيين , وتفجير بيوتهم ومحالهم التجارية وشوارعهم  ومزاراتهم الدينية وكنائسهم ومساجدهم وحتى رياض الأطفال , ما زال الإرهابيون العرب يعملون للان بمساعدة دول عربية , وبدعم إعلامي ومالي ومخابراتي عربي , مازالوا يحرضون علينا علننا, من اجل ضرب تجربة العراق الديمقراطية وقتل شعبه .

 

تطوع دون حياء محامون عرب من مختلف الجنسيات العربية للدفاع عن صدام , دون أدنى مداراة لمشاعر ضحايا صدام من العراقيين , تقود جموع المحامين وتدفع لهم الأموال عائشة ابنة القذافي بالتنسيق مع رغد صدام , ( لم نسمع عن محامي عربي واحد انتصر لمظلوم عراقي ودافع عنه ) ورد ظلم صدام والعرب عن العراقيين .بعد هذا المرور السريع على ما فعله اغلب العرب بالعراقيين , وما أشرته الذاكرة العراقية من أحداث وفجائع خلدت في وجداننا,  صارا غلب العراقيين يشمون من العروبة والعرب رائحة: الطائفية والموت والتآمر والتدخل وانتهاك الحرمات والطمع والسرقة.

ذكر هذه الجرائم لا يعني أبدا أننا نرمي بحمولتنا على أكتاف العرب , ونعفي بعض الساسة العراقيين الأذلاء في كل العصور , من جريمة رهن مستقبل ومصير العراق بيد غير العراقيين . 

 

السؤال المهم لو فعل العراقيون بأي شعب عربي ما عمله العرب معهم فهل ستأخذ العرب بنا رحمة؟.

كيف نسكت الأصوات العراقية التي لا تريد ان  تنسى إساءات العرب ولا تريد علاقة بهم ؟.

حتى لا نترك هذه الأصوات تصيح على هواها ولا نترك الوضع دون معالجة .

 

فمن من العرب: شخصا كان , ام مجموعة , أم كيانا , أم دولة , يستطيع ان يغير قناعات العراقيين؟ ويمسح قليلا من ذاكرتهم التي تنز دما .

على الجامعة العربية والإعلام العربي المستقل ومنظمات المجتمع المدني العربية , على الأشخاص المؤثرين والمشاهير العرب , ان يحاولوا تصحيح الأخطاء العربية والتقليل من وقع الجريمة العربية المرتكبة بحق العراقيين .

 

علنا نطمئن ونحاول ان ننسى , أو نتناسى , أو نقلب  صفحتهم السوداء .

 

الأنظمة العربية التي أسهمت بصنع الحواجز والفجوات والجرائم بين البلدان العربية  في طريقها الى الزوال.

 

(وظلم ذوي القربى اشد مضاضة  ..  على النفس من وقع الحسام المهند) .. طرفة بن العبد

رسالة الى عبد الناصر

رسالة من نزار قباني إلى جمال عبد الناصر

 

سيادة الرئيس جمال عبد الناصر:

في هذه الأيام التي أصبحت فيها أعصابنا رمادا، وطوقتنا الأحزان من كل مكان، يكتب إليك شاعر عربي يتعرض اليوم من قبل السلطات الرسمية في الجمهورية العربية المتحدة لنوع من الظلم لا مثيل له في تاريخ الظلم.

وتفصيل القصة أنني نشرت في أعقاب نكسة الخامس من حزيران قصيدة عنوانها »هوامش على دفتر النكسة« أودعتها خلاصة ألمي وتمزقي، وكشفت فيها عن مناطق الوجع في جسد أمتي العربية، لاقتناعي أن ما انتهينا إليه لا يعالج بالتواري والهروب، وإنما بالمواجهة الكاملة لعيوبنا وسيئاتنا، وإذا كانت صرختي حادة وجارحة، وأنا أعترف سلفا بأنها كذلك، فلأن الصرخة تكون بحجم الطعنة، ولأن النزيف بمساحة الجرح.

من منا يا سيادة الرئيس لم يصرخ بعد 5 حزيران؟

من منا لم يخدش بأظافره؟

من منا لم يكره نفسه وثيابه وظله على الأرض؟

إن قصيدتي كانت محاولة لإعادة تقديم أنفسنا كما نحن، بعيدا عن التبجح والمغالاة والانفعال، وبالتالي؛ كانت محاولة لبناء فكر عربي جديد يختلف بملامحه وتكوينه عن ملامح فكر ما قبل 5 حزيران.

إنني لم أقل أكثر مما قاله غيري، ولم أغضب أكثر مما غضب غيري، وكل ما فعلته أنني صغت بأسلوب شعري ما صاغه غيري بأسلوب سياسي أو صحفي.

وإذا سمحت لي يا سيادة الرئيس أن أكون أكثر وضوحا وصراحة، قلت إني لم أتجاوز أفكارك في النقد الذاتي، يوم وقفت بعد النكسة تكشف بشرف وأمانة حساب المعركة، وتعطي ما لقيصر لقيصر وما لله لله.

إني لم أخترع شيئا من عندي، فأخطاء العرب النفسية والسياسية والسلوكية مكشوفة كالكتاب المفتوح.

وماذا تكون قيمة الأدب يوم يجبن عن مواجهة الحياة بوجهها الأبيض ووجهها الأسود معا؟ ومن يكون الشاعر يوم يتحول إلى مهرج يمسح أذيال المجتمع وينافق له: لذلك أوجعني يا سيادة الرئيس أن تمنع قصيدتي من دخول مصر، وأن يفرض حصار رسمي على اسمي وشعري في إذاعة الجمهورية العربية المتحدة وصحافتها. والقضية ليست قضية مصادرة قصيدة أو مصادرة شاعر. لكن القضية أعمق وأبعد.

القضية هي أن نحدد موقفنا من الفكر العربي. كيف نريده؟ حرا أم نصف حر؟ شجاعا أم جبانا؟ نبيا أم مهرجا؟

 

القضية هي أن يسقط أي شاعر تحت حوافر الفكر الغوغائي لأنه تفوه بالحقيقة.

والقضية أخيرا هي ما إذا كان تاريخ 5 حزيران سيكون تاريخا نولد فيه من جديد، بجلود جديدة، وأفكار جديدة، ومنطق جديد.

قصيدتي أمامك يا سيادة الرئيس، أرجو أن تقرأها بكل ما عرفناه عنك من سعة أفق وبعد رؤية، ولسوف تقتنع، برغم ملوحة الكلمات ومرارتها، بأني كنت أنقل عن الواقع بأمانة وصدق، وارسم صورة طبق الأصل لوجوهنا الشاحبة والمرهقة.

لم يكن بإمكاني وبلادي تحترق، الوقوف على الحياد، فحياد الأدب موت له.

لم يكن بوسعي أن أقف أمام جسد أمتي المريض، أعالجه بالأدعية والحجابات والصراعات. فالذي يحب أمته، يا سيادة الرئيس، يطهر جراحها بالكحول، ويكوي – إذا لزم الأمر – المناطق المصابة بالنار.

سيادة الرئيس: إنني أشكو لك الموقف العدائي الذي تقفه مني السلطات الرسمية في مصر، متأثرة بأقوال بعض مرتزقة الكلمة والمتاجرين بها. وأنا لا أطلب شيئا أكثر من سماع صوتي. فمن أبسط قواعد العدالة أن يسمح للكاتب أن يفسر ما كتبه، وللمصلوب أن يسأل عن سبب صلبه.

لا أطالب يا سيادة الرئيس إلا بحرية الحوار، فأنا اشتم في مصر، ولا أحد يعرف لماذا اشتم، وأنا أطعن بوطنيتي وكرامتي لأني كتبت قصيدة، ولا أحد قرأ حرفا من هذه القصيدة.

لقد دخلت قصيدتي كل مدينة عربية، وأثارت جدلا بين المثقفين العرب إيجابا وسلبا، فلماذا أحرم من هذا الحق في مصر وحدها؟ ومتى كانت مصر تغلق أبوابها في وجه الكلمة وتضيق بها؟.

 

سيدي الرئيس..

لا أريد أن أصدق أن مثلك يعاقب النازف على نزيفه، والمجروح على جراحه، ويسمح باضطهاد شاعر عربي أراد ان يكون شريفا وشجاعا في مواجهة نفسه وأمته، فدفع ثمن صدقه وشجاعته.

يا سيدي الرئيس

لا أصدق أن يحدث هذا في عصرك.

 

 

بيروت في 30 تشرين الأول (أكتوبر) 1967 – نزار قباني

 

 

صدر عبد الناصر بعدها مايلي :

1- لم أقرأ قصيدة نزار قباني إلا في النسخة التي أرسلها إلى، وأنا لا أجد أي وجه من وجوه الاعتراض عليها.

2- تلغى كل التدابير التي قد تكون اتخذت خطأ بحق الشاعر ومؤلفاته، ويطلب إلى وزارة الإعلام السماح بتداول القصيدة.

3- يدخل الشاعر نزار قباني إلى الجمهورية العربية المتحدة متى أراد، ويكرم فيها كما كان في السابق.

التوقيع

 

جمال عبد الناصر 

 

بعد رحيل عبد الناصر علّق نزار قباني  

أجد أن الأمانة التاريخية تقتضي أن أسجل للرئيس الراحل جمال عبد الناصر موقفا لا يقفه عادة إلا عظماء النفوس، واللماحون، والموهوبون، الذين انكشفت بصيرتهم، وشفت رؤيتهم، فارتفعوا بقيادتهم وتصرفاتهم إلى أعلى مراتب الإنسانية والسمو الروحي.

 

فلقد وقف الرئيس عبد الناصر إلى جانبي، يوم كانت الدنيا ترعد وتمطر على قصيدتي “هوامش على دفتر النكسة”، وكسر الحصار الرسمي الذي كان يحاول أن يعزلني عن مصر بتحريض وإيحاء من بعض الزملاء الذين كانوا غير سعداء لاتساع قاعدتي الشعبية في مصر، فرأوا أن أفضل طريقة لإيقاف مدي الشعري، وقطع جسوري مع شعب مصر، هي استعداء السلطة علي، حتى أن أحدهم طالب وزارة الإعلام بمقال نشره في إحدى المجلات بحرق كتبي، والامتناع عن إذاعة قصائدي المغناة، ووضع اسمي على قائمة الممنوعين من دخول مصر. “

من روائع نزار قباني


 

“سامحُونا ..

إن تجمَّعنا كأغنامٍ على ظهر السفينَهْ ..

وتشرّدنا على كل المحيطات سنيناً .. وسنينا ..

لم نجد ما بين تُجَّار العَرَبْ ..

تاجراً يقبلُ أن يعلفَنا .. أو يشترينا ..

لم نجدْ بين جميلات العَرَبْ ..

مَرْأَةً تقبلُ أن تعشقَنا .. أو تَفتَدينا

لم نَجدْ ما بين ثُوَّار العَرَبْ

ثائراً .. لم يُغْمِدِ السِكّينَ فينا …

نزار قباني

من روائع نزار قباني

متهمون نحن بالإرهاب
إذا رفضنا محونا
على يد المغول … واليهود
والبرابرة
إذا رمينا حجرًا
على زجاج مجلس الأمن الذي
استولى عليه العهر والقياصرة

ابنتي اسمها خزيمه

إبنتي إسمهـا لا تحمله امــرأة في العالــم

هي الوحيدة على وجه الأرض التي تحمل اسمها، فهو مقتبس من قصة ظريفة رويتها في أحد بحوثي التأريخية حول صنعاء، كشفت فيه سبب تسمية أشهر مقابر اليمن بـ(خـُزَيـْمـَـة)..
حيث تروي القصة أن (خـُزَيـْمـَـة) كانت ابنة تاجر توابل فرنسي يهودي توفيت أمها بعد ولادتها بيومين فتعهدتها أسرة يمنية مسلمة، ولما شبت قليلاً بدأت تحضر دروس حفظ القرآن مع أطفال هذه الأسرة، وكانت تحفظ السورة بمجرد ترديدها 3-4 مرات حتى حفظت القرآن كاملاً وهي في سن 10 سنوات، ودون علم أبيها.

 


وفي سن 13 مرض أبوها وخشي أن يموت في الغربة فتذل ابنته بعده، فعاد بها الى موطنه فرنسا ومات في نفس العام. وفي سن 16 عاماً اجتاحت الكوليرا اوروبا فأصيبت (خـُزَيـْمـَـة) وشارفت على الموت فكتبت وصية بالعربية ووضعتها في صندوق مصوغاتها واموالها التي ورثتها عن ابيها وأوصت بان يدفن الصندوق معها. وهو ما تم فعلاً.
في نفس الليلة حلم بها رب الأسرة اليمنية التي ربتها، وكانت تدله على مكان بصنعاء وتطلب منه حفره ليجد أمانة مودعة له. فخيل له أنها أطغاث من كثر اشتياقه لها. ثم تكرر الحلم الليلة التالية فقصه على اصحابه فنصحوه بالمبيت بالمسجد فالاحلام الشيطانية لاتأتي لأحد في بيت الله. ففعل وتكرر الحلم، وحينئذ اصطحب رفاقه وقصدوا المكان وحفروا فوجوا جثة (خـُزَيـْمـَـة) وكأنها مدفونة للتو ومعها الصندوق ووصية توصي بمالها وأراضي ابيها في صنعاء وقفاً للفقراء..
دهش الجميع لهذه المعجزة التي نقلت جثتها من فرنسا الى اليمن، وفسرها العلماء بأن الله اراد اكرامها في الدنيا قبل الاخرة بنقلها من مقبرة اليهود الى مقبرة مسلمين لتدفن على سنن الاسلام ويعلم الناس باسلامها.. ومن يومها اتخذها اليمنيون ولياً طاهراً، فصاروا يوصون بالدفن بجوار قبرها حتى صار ذلك المكان اكبر واشهر مقابر اليمنيين ومازال الى اليوم يحمل اسمها..
هذه القصة نشرتها الصحف الرسمية اليمنية على لساني في نفس اليوم الذي جاء الطلق لزوجتي، وكانت قد قرأتها واستمتعت بها، ولما تعسرت ولادتها كثيرا نذرت بأن تسمي المولودة (خـُزَيـْمـَـة) تيمناً بما خصها الله من تكريم على ايمانها وحسن اسلامها.
وهكذا رزقنا يوم 11/9/1995م بابنتنا (خـُزَيـْمـَـة) التي أصبحت أول فتاة تحمل هذه الاسم.. علماً أن (خـُزَيـْمـَـة) اسم قبيلة عربية شهيرة ينتسب اليها الرسول صلى الله عليه واله وسلم، وفي المعجم تعني نوع من الزهور الصغيرة.

هذه القصة أوردتها أيضاً في حلقة تلفزيونية عن حياتي في اليمن، ويمكن مشاهدتها على الرابط التالي..
http://www.youtube.com/watch?v=coTygR9Oe2A
❀*°•.¸.✿¸.•°ƸƷ نــــزار العبـــــادي