جامعات بحثية

قبل 150 عاماً بدأت الجامعات في إحلال العلم بدل اللاهوت.قبل 150 عاما تأسَّس نمط جديد من الجامعات.. إنّه «جيل الجامعات البحثية» حيث الهدف هو البحث والعلم، والناتج المعرفى، والإنتاج الصناعى، والعائد الاقتصادى.. أو فى جملة واحدة: “حيث الجامعة هى الدولة”.قبل 150 عاماً تحوّل هدف الجامعات ، من تعليم الطلاب إلى إنتاج المعرفة.قبل 150 عاما أدركَ العالم المُتقدّم ، ” أنّ جوهر «الجامعات العظيمة» هو “انتاج” العلماء ، وليس “تفريخ” الخريجين.قبل 150 عاما لم يكن هدف رجال الأعمال هو “الربح”، ولم يكن هدف قادة الجامعات هو “تخريج” الطلاب.. بل اكتشاف أنواع جديدة من المعرفة، وأنماط جديدة من التفكير.وبعد 150 عاماً .. ها هي “جامعاتنا” الآن ، تُريدُ أن تجعلَ الجميع “خرّيجين” ، و أن يكون جميع “الخرّيجين” ، من “حملة الشهادات العليا”.بعد 150 عاماً .. ها هي جامعاتنا ، ما يزالُ الكثير منها يقوم بتدريس “اللاهوت” .. حيثُ اللاهوتُ أهمّ من العلم ، بل هو العلمُ ذاته ، ولا عِلم سواه.بعد 150 عاماً ، ترمي “جامعاتنا” بعشرات الآلاف من “الخريجين” سنوياً إلى “الشارع” ، وليس إلى سوق العمل. وبعد 150 عاماً لم تتمكّن جامعاتنا من التحوّل إلى جامعات بحثيّة تهتمّ بإنتاج المعرفة ، وبدلاً من ذلك ، هاهي تتحوّل الآن إلى “مطابع” لإنتاج الشهادات “الورقيّة” ، بدءاً من البكالوريوس ، وإنتهاءً بالدكتوراه ، وما بعد الدكتوراه أيضاً .لمزيدٍ من التفاصيل ، إقرأوا ما يأتي:”جونز هوبكنز» وأخواتها.. كيف حكمت أمريكا العالم؟ لا يعرف كثيرون أن أرقام «كورونا» التى يتابعونها كل يوم هى إحصاءات صادرة عن جامعة «جونز هوبكنز» الأمريكية.. فما القصة؟ فى عام 1636 تأسست جامعة «هارفارد» فى أمريكا، وكانت كلية «وليام ومارى» تتأسس كثانى جامعة بعد «هارفارد»، ثم جاء القرن الثامن عشر، ليفتتح مئويته بتأسيس جامعة «ييل» عام 1701. وفى النصف الثانى من القرن تأسست جامعة «برنستون»، و«كولومبيا»، و«بنسلفانيا». وفى عام 1767، كانت جامعة «كولومبيا» هى أول جامعة أمريكية تمنح درجة الدكتوراه فى الطب.. كان تأسيس جامعة هارفارد و«أخواتها» بداية حقبة فى العالم الجديد. لكن جامعة «جونز هوبكنز» التي تأسست عام 1876 كانت بداية حقبة أهم.. إنّها بداية انطلاق الولايات المتحدة كقوة عظمى قادمة. ذلك أن نمطاً جديداً من الجامعات قد تأسَّس.. إنّه «جيل الجامعات البحثية» حيث الهدف هو البحث والعلم، والناتج المعرفى، والإنتاج الصناعى، والعائد الاقتصادى.. أو فى جملة واحدة: «حيث الجامعة هى الدولة» .تأسست جامعة «جونز هوبكنز» من خلال تبرع من رجل الأعمال «جونز هوبكنز»، ويعادل رقم التبرع اليوم 150 مليون دولار. وقد كان ذلك هو أكبر تبرع خيرى فى تاريخ أمريكا حتى ذلك الوقت. ومن المفارقات المثيرة أن رجل الأعمال المعاصر «مايكل بلومبيرج» كان قد تبرع أيضاً ( في عام 2018 ) لجامعة «جونز هوبكنز» التى تخرج فيها، وكان تبرعه الذى يقارب مليارى دولار هو أكبر تبرع فى تاريخ التعليم الأمريكى منذ نشأته وحتى الآن. يدرك «بلومبيرج» تماماً جوهر عمل جامعته، ولذلك فقد خصص التبرع لصالح الطلاب الموهوبين من غير القادرين مالياً، وذلك لاجتذاب الطلاب الأكثر نبوغاً والذين قد لا يكون بمقدورهم دفع تكاليف الدراسة كافة التى تزيد على 70 ألف دولار سنوياً. يروى أستاذ جامعة كولومبيا وعالم اجتماع العلم المرموق «جوناثان كول» فى كتابه «جامعات عظيمة» (الذى ترجمه للعربية «ناصر الحجيلان»، وصدر عن «الدار المصرية اللبنانية» عام 2016) قصة الجامعات البحثية العظيمة فى أمريكا، وكيف تحوّل الهدف فيها من تعليم الطلاب إلى إنتاج المعرفة. إنه كتاب رائع تمنيت لو قرأه كل قادة الجامعات فى بلادنا، وخلاصته ” أنّ جوهر «الجامعات العظيمة» فى أمريكا هو تقديم العلماء وليس الخريجين. وبينما «يعتقد كثيرون أن المهمة الرئيسية للجامعات هى نقل المعرفة، يفوتهم أنّه لا يمكن الفصل بين التعليم والبحث. لذا يجب أن تستمر الجامعات الأمريكية فى اكتشاف أنواع جديدة من المعرفة، وأنماط جديدة من التفكير. وإذا أرادت واشنطن أن تحافظ على القيادة فى الاقتصاد فى القرن الحادى والعشرين، فعليها إدراك هذه المهمة الأكاديمية بوضوح”. إن هذا الطرح دقيق للغاية، ذلك أن 80% من الصناعات الأمريكية الجديدة تعتمد على اكتشافات قامت بها جامعات أمريكية. لقد أدركت الجامعات البحثية أو «الجامعات العظيمة» أن مهمتها هى تقديم الاكتشافات العلمية فى العالم، وتقديم الأبحاث المنتجِة، وإعداد الشباب ليكونوا قادةً فى البحث والعلم، ذلك أن الإبداع والابتكار، ونقل العلم إلى الصناعة.. هو ما جعل الجامعات الكبرى أساس تقدم أمريكا وأساس حسد العالم. إن أمريكا لم تبتكر فكرة «الجامعات البحثية» بل إنها نقلتها من أوروبا . فحين تأسست جامعة هارفارد عام 1636 كانت ذات نزعة دينية، وكان «بنيامين فرانكلين» هو من أسس منهجاً بعيداً عن الأهداف الكنسية لجامعتى «هارفارد» و«ييل»، واعتمد العلوم والدراسات العملية بديلاً عن ذلك. وقد تأثرت خريطة هارفارد على أثر هذا المنهج، بحيث تراجع عدد طلاب «اللاهوت»، وزاد عدد طلاب «العلوم». وفى عام 1834 وبينما كان عدد طلاب الطب فى هارفارد 80 طالباً، كان عدد طلاب اللاهوت 30 طالباً. ثلاثة قادة كبار كانوا وراء صناعة «الجامعات العظيمة» فى أمريكا، والانتقال من «التعليم» إلى «البحث»: بنيامين فرانكلين فى جامعة بنسلفانيا الذى ابتعد عن التأثير الكنسى على الجامعات، ورجل الأعمال «جونز هوبكنز»، الذى أسس أول جامعة بحثية مرموقة، و«دانيال جيلمان» أول رئيس لجامعة «جونز هوبكنز»، وأول من قاد «جامعة بحثية» فى تاريخ أمريكا. تأسست جامعة «جونز هوبكنز» بعد مائة عام من الحرب الأهلية، لتكون أول جامعة تهتم بالبحث العلمى.كان هناك دوماً خطّان متوازيان، رجال الأعمال وقادة الجامعات. كان «جونز روكفلر» فى النفط، ثم جامعة «روكفلر»، وكان «أندرو كارنيجى» فى الحديد والصلب، وكانت مؤسسة «كارنيجى»، وكان «واشنطن ديوك» فى التبغ وكانت جامعة «ديوك». لم يكن هدف رجال الأعمال هو الربح، ولم يكن هدف قادة الجامعات هو تخريج الطلاب. وهنا جاء هذا التحالف الرائع بين نموذجين من الوعى أدّى إلى تأسيس القوة الأمريكية المعاصرة.إن معظم الإنتاج الجديد فى أمريكا قد جاء من هذه الجامعات. ولولاها ما كان الإنتاج ولا الاقتصاد، لا فى السلام ولا فى الحرب. لولا الجامعات البحثية، ومختبرات العلوم، وبراءات الاختراع، ما كانت المصانع ولا الشركات، وما كان الإنتاج ولا التصدير. وفى مقولة واحدة: «ما كانت أمريكا هى أمريكا» .لم ينته التاريخ بعد، واليوم تحاول جامعات الصين أن تأخذ من أمريكا ما سبق أن أخذته من ألمانيا. إن برنامج «الألف موهبة» فى الصين، والذى تجرى بشأنه محاكمة رئيس قسم الكيمياء فى جامعة هارفارد «تشارلز ليبر».. يمثل نموذجاً لمحاولة الإحلال الصينى محل الولايات المتحدة فى مجال البحث العلمى. تدرك الصين أن «البحث» هو الذى قاد أمريكا إلى صدارة العالم، وأن المعادلة التى تحكم فلسفة العصر الحديث هى أن الجامعات العظيمة هى التى جعلت أمريكا قوة عظمى، وأن مَن يملك العلم يملك العالم.أحمد المسلماني